أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات علمية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات علمية. إظهار كافة الرسائل

ديسمبر 03، 2025

فلسطين في فكر الإخوان المسلمين

 

في المسألة الفلسطينية، يجدر الانتباه إلى أنّ جماعة الإخوان بعد أن بدأت تخرج من مصر، أطلقت على فروعها تسميات معينة، تعترف بموجبها بالدول القائمة؛ في سورية صار اسمها: الإخوان – ولاية سورية، في لبنان: الإخوان – ولاية لبنان، في الأردن: الإخوان – ولاية الأردن.. وهكذا، في فلسطين تم إلحاق فرع الضفة الغربية بتنظيم الأردن، وفرع غزة بتنظيم مصر. ويبدو أن تغييب كلمة فلسطين لم تكن سقطة إملائية؛ فأدبيات الإخوان تسخر من اعتبار فلسطين قضية فلسطينية، فهي قضية إسلامية، بل إن فلسطنة القضية أضر بها، وحرمها من التضامن الإسلامي.. إلخ. وكأنَّ جموع المسلمين كانت زاحفة بجيوشها لتحرر فلسطين، فجاء الفلسطيني وقال لهم قفوا عندكم، لا حاجة لنا بكم، فنحن لوحدنا قادرين على التحرير!

في أدبيات الإخوان وفي اجتماعاتهم الداخلية، وخطبهم المنبرية، في كل مرة يتم التطرق للقضية الفلسطينية، كان فقط من مدخل شيطنة منظمة التحرير، وشيطنة قياداتها، واتهامها بالعمالة والتفريط والتنازل والفساد.. حتى في زمن ما قبل أوسلو، أي في زمن الفدائية، وفي ذروة كفاح المنظمة السياسي والعسكري، وخوضها أشرس المعارك ضد إسرائيل.. 

حركات الإسلام السياسي عموما لا تؤمن بالقومية العربية، وتصفها بالمقيتة والنتنة، ولا تؤمن بالنـزعة الوطنية؛ وبالتالي فهي لا تعترف بالهويات الوطنية السياسية؛ بل أنها تمثل مشاريع تفكيكية للدولة الوطنية المعاصرة، وفي الفكر الإخواني، أرض فلسطين مجرد وقف إسلامي، فهي ليست ملكا للشعب الفلسطيني (الذي وُجد وعاش على أرضه بثبات ملحمي قبل كل الديانات وبعدها).. وبالتالي لا حاجة لإبراز كيانية سياسية، ولا شخصية وطنية فلسطينية، ولا حاجة لتمثيل سياسي لهذا الشعب.. (أهم هدف مركزي للصهيونية هو تغييب أي وجود سياسي للشعب الفلسطيني)..

حتى مفهوم الوطن في الفكر الإخواني مغيب وضبابي، فالوطن عندهم هو الدين، أما الشعب فيُستبدل بمصطلح "الأمة"، وهي جموع المسلمين في العالم.. ما يعني أن رابطة الإخواني بالمسلم الأندونيسي أهم وأقوى من رابطته بابن جلدته إذا لم يكن مسلما، وبتعبير أدق إذا لم يكن إخوانيا.. والصراع مع إسرائيل هو صراع ديني، أي بين المسلمين واليهود في حرب دينية شمولية.

قبل صعود حماس، كان الخطاب الإخواني (خاصة في فلسطين والأردن) يرتكز على معاداة منظمة التحرير، والفصائل اليسارية والعلمانية.. وكانوا يعتبرون أنفسهم في مرحلة الإعداد؛ أي بناء الجوامع، والمراكز الإخوانية، والتركيز على النشاط الدعوي والتنظيمي، ولم يكن واردا لا في الخطاب ولا في الممارسة محاربة الاحتلال. لذلك، سمحت إسرائيل للإخوان بممارسة نشاطهم الدعوي، ومنحت "المجمع الإسلامي" في غزة تصريحا رسميا منذ السبعينيات، وهو أهم مركز للإخوان في فلسطين. وقد استمر ذلك حتى العام 1989، حيث اختلفت الصورة كليا بعد ظهور حماس.. لكن أغلب أفكارهم تجاه القضية الفلسطينية ظلت كما هي.

بعد انطلاقة الانتفاضة (1987)، وجد الإخوان أنفسهم بين خيارين: الاستمرار على الوضع السابق، وهذا يعني عزلهم جماهيريا، أو الانخراط في الانتفاضة، ومقاومة الاحتلال.. فاختاروا المقاومة، وصار اسمهم "حماس"، وكان هذا السبب الأهم في تنامي شعبية الحركة.

وبهذا التحول تكون الحركة الإسلامية في فلسطين قد خطَت أولى خطواتها باتجاه تحولها إلى حركة وطنية، لكنها ظلت تعيد خطابها التقليدي وتؤكد أنها جزءًا لا يتجزأ من جماعة الإخوان المسلمين، وفي تصريحات عديدة لقيادات حماس أكدت أن قائدها الفعلي هو المرشد العام للجماعة، الذي تدين له بالسمع والطاعة ويحظى بثقتها التامة. ما يعني أن حماس أعلنت بوضوح أن قضيتها الأساسية هي قضية الإخوان، ومشروعها هو مشروع الإخوان.

مشروع الإخوان في الأساس لم يضع قضية فلسطين في مركز اهتماماته، ولم يعلن الجهاد لتحرير فلسطين، وانصب اهتمامهم على هدف تغيير الأوضاع الداخلية في البلدان العربية الإسلامية وتعزيز مكانة الجماعة، وأصبح الصراع على السلطة في كل بلد تتواجد فيه الجماعة هو قضيتها الأساسية، ودعمها لحماس لم يكن بهدف التحرير، بل لتعزيز موقع الإخوان المسلمين في النظام السياسي الفلسطيني، وتوظيف المقاومة لخدمة أهدافها، وكسب تأييد الشعوب الإسلامية لمشروعها السياسي.

إذا كانت "فتح" وفصائل منظمة التحرير امتدادا للمشروع الوطني القومي، فإن "حماس" تُعتبر امتدادا لمشروع الإسلام السياسي الذي تقوده جماعة الإخوان؛ وبالتالي فإن الخلاف بين فتح وحماس هو خلاف بين مشروعين مختلفين: المشروع الوطني الذي يهدف إلى تثبيت الهوية الوطنية، والساعي لبناء دولة فلسطينية ومجتمع مدني، ومشروع الإسلام السياسي ذو الطبيعة الدينية، والساعي لبناء دولة إسـلامية وفرض القضايا الأممية الكبرى (المشروع الإسلاموي العالمي) على حساب المشروع الوطني. 

ورغم المساحة الشاسعة للجانب النظري العقائدي في أيديولوجية حماس؛ إلا أنها لم تكن هي السبب في خلافاتها مع فتح، وهنا يجدر القول بأن "فتح" لا تخوض صراعا فكريا ضد الإسلام السياسي، لأنها لا تمتلك أي أيديولوجيا فكرية، وليس لديها مشكلة مع الدين، وكل الأيديولوجيات خارج مجال اهتمامها، والشيء الوحيد الذي يثير خلافا أو اتفاقا معها هو ما يتعلق بالجانب السياسي ومفاهيم الصراع وأدواته، والمفاهيم الاجتماعية والاقتصادية لمرحلة النضال وما بعد التحرير، ومن هنا إذا أردنا تحديد مواقع الاشتباك والالتقاء بين الحركتين يتوجب علينا التفتيش فقط في هذه الجوانب، بمعزل عن القضايا الدينية والنظرية والفلسفية الأخرى.

على ضوء المعطيات التي تشكلت بدءأ من العام 2005، وجدت حماس فرصتها السانحة للانتقال للخطوة التالية: وهي قيادة السلطة الفلسطينية تمهيدا للظفر بمنظمة التحرير، وقيادة المشروع الفلسطيني برمته، بمعاييرها وتوجهاتها الخاصة.

وعلى مدى نحو عقدين تمسكت في حكم قطاع غزة، لأن السلطة توفر الأرض (لا يهم إذا كانت محررة أو تحت الاحتلال) وتوفر القوة والنفوذ والمال والإعلام، وكل ما يلزم لحكم الناس وفرض أنماط اجتماعية واقتصادية عليهم، ثم خاضت خمسة حروب لم يتحقق منها أي منجز سياسي، بل ظلت الأوضاع تتدهور وتتراجع حتى حلت نكبة جديدة مع حرب الإبادة.

سياسيا، رهنت موقفها لصالح قوى خارجية، وأدخلت الشعب في أتون معاركها لخدمة أجندات ومحاور إقليمية، ولأن فلسطين مجرد "نكاشة أسنان" بحسب تعبير الزهار، وشعبها مجرد خسائر تكتيكية بحسب تعبير مشعل، جرى تقديم فلسطين وشعبها قربانا للمشروع الإخواني الذي تقاطع مع مصالح وأجندات تلك الدول (قطر، إيران، تركيا، سورية الأسد). وبالمناسبة خليل الحية وصف أهل غزة بالقرابين.

نوفمبر 04، 2021

أثر الفراشة لا يُرى

 

لدينا اعتقاد بأن المنعطفات التاريخية، والأحداث التي غيرت وجه العالم وراءها أسباب كبيرة وواضحة، أو أحدثتها شخصيات عظيمة، أو أتت بعد حروب طاحنة، أو كوارث طبيعية مدمرة.. ولكن حسب نظرية "أثر الفراشة" هذا الكلام غير صحيح، بل هي طريقة تفكير غير علمية، ومضللة. والصحيح أنّ أشياء صغيرة جدا بالكاد نشعر بها، هي المسؤولة عن أغلب الأحداث الكبرى، وهي اللاعب الخفي الذي كان يقلب مسارات التاريخ، ويصنعه.

تلخص نظرية أثر الفراشة الحكمة الأثيرة: "معظم النار من مستصغر الشرر". وتشرحها المقولة الرائجة: "فراشة ترفرف بجناحيها في البرازيل قد تسبب إعصارا في تكساس"، كما تحكيها أغنية أمريكية قديمة، مستمدة من التراث الإنجليزي والألماني، تقول بما معناه: "ضاع المسمار، فضاعت الحذوة، فضاع الحصان، فضلَّ الفارس طريقه، ولم تصل الرسالة، فسقطت القلعة، فخسرنا المعركة، فانهارت المملكة".

كان عالم الرياضيات "إدوارد لورنز" أول من صاغ نظرية تأثير الفراشة في الستينيات في اجتماع للجمعية الأمريكية للتقدم العلمي. كان "لورنز" يشتغل في الأرصاد الجوية، فاكتشف أن النماذج الخطية للتنبؤ بالطقس غير فعّالة، وأنها تفشل أحيانا بشكل فظيع، فأدرك أنَّ الخلل يكمن في إدخال بيانات غير دقيقة على المعادلات الرياضية (قد تكون أجزاء من الألف)، أو إهمال عوامل ضئيلة يُعتقد أنها غير مهمة.. وهذه تؤدي لتغيير بسيط في الظروف الأولية لكن آثارها تصبح هائلة على المدى البعيد.

نحن عادة نرى في رفرفة الفراشة رقتها وجمال ألوانها. لكن ما لا نراه: أنّ هذه الرفرفة ليست معزولة عن محيطها؛ فرفرفة جناحيها تخلق ذبذبة صغيرة جدا في الهواء القريب، فيتأثر هذا الحيّز الهوائي، ناقلا تأثيره إلى أقرب نقطة، محفزا لسلسة من التفاعلات الصغيرة التي تكبر رويداً رويداً، خالقة مزيدا من التفاعلات الجديدة، حتى تبدأ بالتأثير على الظروف الأولية على الطقس، وصولا إلى تحريك الرياح والعواصف..

وبالطبع، لا يعني هذا أن كل رفرفة فراشة، أو حتى نسر ستخلق عاصفة، المقصود أنّ أصغر خطأ في الإعداد الأولي (رقم صغير جدا، أو عامل غير مرئي، أو شيء غير محسوب) سيؤثر على المعادلة النهائية، حيث تتجمع تلك الأخطاء الصغيرة بمرور الوقت، بما يُعرف بالنمو المتسارع للأخطاء، ومع تراكمها تؤدي إلى نتائج غير صحيحة، أو غير متوقعة. وأصبحت هذه الفكرة أساساً لفرعٍ من الرياضيات يعرف باسم نظرية الفوضى، والذي يمكن تطبيقه في شتى المجالات.

قبل نظرية الفوضى كان المجتمع العلمي يتعامل مع الطبيعة وفق قانون الحتمية، حيث اعتقد العلماء أنهم من خلال قوانين العلم ومعادلاته الصارمة يسيطرون على كل شيء، وأنهم قادرون على الوصول إلى الاستنتاجات الصحيحة لأنّ الكون كله خاضع لقوانين ثابتة ومعروفة، وفهم هذه القوانين الثابتة يمكّنهم من توقع المستقبل، بمعنى أنَّ فهم المعطيات الموجودة أو التي حدثت في الماضي، وتوفر نفس الظروف المحيطة يضمن تكرار نفس الأحداث، وبنفس الكيفية. هذا ينطبق على معظم العلوم التقليدية، ويسري على ظواهر الطبيعة المعروفة والمحسوبة مثل الجاذبية والكهرباء والتفاعلات الكيميائية وقوانين الحركة..

بينما نظرية الفوضى على النقيض تمامًا، حيث تقول أن المعطيات المبدئية في أي مسار، مهما كانت ضئيلة، ستؤدي إلى تغييرات كبيرة غير متوقعة. هذه النظرة الثورية أفقدت المجتمع العلمي شعوره بالسيطرة الكلية، وقدرته على الإمساك بزمام الأمور، وجعلته يدرك بأن الطبيعة وتغييراتها المفاجئة تشكل تحديات حقيقية للعلم ولذكاء الإنسان، وأنَّ فوضى المفاجآت غير الخطية وغير المتوقعة، تفرض عليه أن يتوقع ما هو غير متوقع. خاصة مع المعادلات غير الخطية التي يصعب التنبؤ بها أو التحكم فيها، مثل تنبؤات الطقس، وتوقعات الأسواق المالية، والحراكات الاجتماعية، وتحليل الواقع السياسي، وتفاعلات الدماغ البشري وهرمونات الجسم، والعلاقات الإنسانية.. وهذه الظواهر وغيرها تجسد التعقيد اللانهائي للطبيعة.

لو طبقنا هذه النظرية على واقعنا، بتناول بعض الأمثلة سنحصل على نتائج مدهشة وصادمة.. لنفترض مثلا أنك ملتزم ببرنامج صباحي صارم ودقيق، بحيث تكون على الشارع العام في طريقك للعمل في ميقات محدد، وتصادف أنك غيرت إجراء بسيطا على برنامجك اليومي، كأن تستيقظ متأخرأ خمس دقائق، أو تغير مسارك بسبب الازدحام.. فوقع حادث تصادم.. هذا الحادث حصيلة سلسلة لا متناهية من التفاعلات لجميع الأشخاص الذي تصادف وجودهم في الشارع في تلك اللحظة.. فلو أن أحدهم غيّر في مسلكه شيئا بسيطا ربما لم يقع الحادث، أو وقع في مكان آخر، ولأشخاص آخرين.. فإذا توفي أحدهم بالحادث فإن مصير عائلته بالكامل سيتغير إلى الأبد.. بمعنى أن حلاقة ذقنك، أو مدة مكوثك في الحمّام كانت جزءا من سلسلة تفاعلات متفرعة ومتصلة أدت إلى حادث سير.. أو دفعتك إلى ملاقاة شخص بالصدفة، وهذا الشخص عرض عليك فرصة عمل..

بالمثل، لو أن الشرطية التونسية التي صفعت البوعزيزي تحلت بالأخلاق ولم تصفعه، هذا يعني أنه لن ينتحر، وبالتالي ستتأخر الثورة التونسية، أو أنها ستأخذ مسارا مختلفا.. وبالتالي فإن ثورات الربيع العربي (التي جاءت نتيجة واستجابة للثورة التونسية) ستتخذ مسارات مختلفة، أو أنها لن تحدث أساسا..

وبالمثل يمكن لنا أن نتخيل مستقبلا آخر للعراق، لو أن صدام حسين تعرض في طفولته لمرض ما، غير مسار حياته فلم يصل للسلطة.. أو أن سائق سيارة ولي عهد النمسا لم يدخل ذلك الزقاق ليجد بالصدفة من كان يتوق لقتله، تلك الحادثة التي أشعلت نيران الحرب العالمية الأولى.. أو أنّ والدة هتلر تمكنت من إجهاضه كما كانت تخطط حين كان جنينا، هذا يعني أنه لن يصل للسلطة، ولن تقوم الحرب العالمية الثانية..

ولك أن تتخيل ما لا حصر له من الاحتمالات، التي بدأت بأحداث غاية في البساطة، وانتهت بتغيرات جوهرية وعميقة.. مثلا كلمة تشجيع من معلم لتلميذ انطوائي جعلته يطلق مواهبه الدفينة، فيصبح عالما، فيخترع جهازا يغير من حياة الملايين.. أو توبيخ أب لابنه بشكل مهين حولته من إنسان طبيعي إلى مجرم.. أو كتاب قرأه طالب ذكي فتحفزت أفكاره ليصيغ فيما بعد نظرية علمية متكاملة..

إرجع إلى ذكرياتك القديمة، ستجد أن موقفا صغيرا، أو شخصا ما، أو كلمة عابرة غيرت مسار حياتك..

"لا تَحقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوف شَيْئًا، وَلَو أنْ تَلقَى أخَاكَ بوجهٍ طَلِق". حديث شريف.

نوفمبر 02، 2021

فرضية الأكوان الموازية

 

كان العالم الأمريكي "هيو إيفريت" أول من اقترح فكرة الأكوان الموازية عام 1954، ولم تجد فكرته حينها أي قبول من المجتمع العلمي، حيث ادعى بوجود أكوان أخرى موازية للكون الذي نعيش فيه، وهي منبثقة ومتفرعة عنه، والحياة عليها تشبه حياتنا، ولكن بصور مغايرة، أي بنسخ أخرى، وبمآلات مختلفة.. أتت فرضيته للأجابة على سؤال "عدم اليقين" الإشكالي في ميكانيكا الكم، والتي تقول أن فوتون الضوء يتصرف كمادة وكموجة في آنٍ معا، وهذا ما أكده أيضا العالم "بور"، والذي أضاف بأن مراقبتنا للفوتون هي التي تفرض عليه اختيار وضع واحد فقط (موجة، أو مادة)، كمثال توضيحي على ذلك: رؤية شخص من بعيد (ذكر ومؤنث في الوقت ذاته)، وعند مقابلته عن كثب سيُجبر أن يتخذ شخصية واحدة فقط (ذكر، أو أنثى).. بينما يقول إيفيريت أنه لن يكون مجبرا على اتخاذ شخصية واحد فقط، بل إن الكون حينها ينقسم إلى كونين، وفي الكون الأول سيكون هناك شخص ذكر، وفي الكون الثاني شخص أنثى.

ولتوضيح ذلك افترض عالم آخر اسمه "شرودنجر" وجود قطة في صندوق مغلق مع مادة سامة قد تتناولها بعد نصف ساعة، بعد ساعة سيكون احتمال أنها حية 50%، وأنها ميتة 50%، وطالما ظل الصندوق مغلقا ستكون القطة حية وميتة في آن معا.. لكن إذا فتحنا الصندوق سنعرف بالضبط هل هي حية أم ميتة.. لكن في الأكوان الموازية سنحصل على قطة ميتة في كون، وفي كون آخر على قطة حية.

هذا يعني أن أمام كل احتمال سينقسم الكون إلى أكوان بعدد الاحتمالات الممكنة. أو أنها منقسمة أساسا وما حصل أن كل حدث اختار كونا خاصا به. ويبدو أن هذا الطرح خيالي وغير مقبول (قد يعتبره البعض هَبَل).. حتى أتت نظرية فقاعة الأكوان، أو نظرية التضخم الكوني وقدمت أدلة إضافية على وجود الأكوان الموازية، حيث تقول أن الكون في لحظاته المبكرة جدا تضخم بسرعة فائقة جدا (تفوق سرعة الضوء بأضعاف)، وأثناء تضخمه تمزق الزمكان، ونشأت فقاعات كونية، نتج عنها عدد لا متناهي من الأكوان المنفصلة..

ثم أتت نظرية الأوتار الفائقة ودعمت نظرية الأكوان الموازية. وتفترض نظرية الأوتار الفائقة أن أصغر وحدة بناء في الطبيعة ليست الذرة، ولا حتى البروتون والإلكترون والكوارتز؛ بل هي حلقات أو خيوط على شكل أوتار فائقة الدقة، وحسب تذبذبها يتحدد سلوك المادة وطبيعتها ونوعها، وهذه الأوتار لها عشرة أبعاد (الأبعاد الأربعة الأولى هي التي نعرفها، والستة الثانية خاصة بعالم الأوتار الفائقة) وهي خارج نطاق رؤيتنا، أو قدرتنا عل تخيلها..

في عالم البعد الأول تكون الأجسام عبارة عن نقاط على خط متصل.. وفي عالم البعد الثاني تتحرك الأجسام ضمن بعدين أفقي وعامودي بمستوى مسطح، وهذه العوالم افتراضية وخيالية، وغير موجودة، بل مستحيلة الوجود، لأن ثنائية الأبعاد تعني أن ارتفاع الجسم يجب أن يكون صفرا..

العالم الحقيقي والذي نعيش فيه هو عالم ثلاثي الأبعاد. أو على الأقل نعرف فيه ثلاثة أبعاد فقط، حتى أتى إينشتاين وعرّفنا على البعد الرابع، وهو الزمن، في هذا العالم يتشابك الفضاء والزمان ببعضمعا، مكونان نسيجا يسمى "الزمكان"، بحيث تتحرك الأجسام في بُعد الزمن، أي أن الحركة تحتاج وقت، وباتجاه المستقبل، وتستحيل العودة إلى الماضي.

حسب نظرية الأوتار الفائقة، يوجد بعد خامس، وهو بُعد الاحتمالات الممكنة، ويخضع لقانون السبيية، أي أن لكل شيء سبب ومسبب، وكل فعل هو ناتج عن فعل سبقه، وهنا توجد فقط الاحتمالات التي تم اتخاذها، وتختفي الاحتمالات التي لم يتم اختيارها.

البُعد السادس: بُعد فضاء الإمكانيات المحتملة، ويمكن فيه التنقل بين الأزمنة.. أي رؤية الاحتمالات التي كانت ممكنة، ولم تحصل. وهذه الأبعاد الستة الأولى خاصة بكوننا، وهي مجرد نقطة في البعد السابع، حيث الأكوان المتعددة، ولكل كون قوانين فيزيائية مختلفة، وشروط مبدئية مختلفة، في البعد الثامن نرى جميع الأكوان كشبكة مسطحة ببعدين.

حسب قوانين الفيزياء المعروفة لدينا فإن السفر في الزمن نحو الماضي أمر مستحيل.. فبالإضافة للعائق الفيزيائي (بحسب قوانين النسبية) لدينا أيضا المعضلة الفلسفية الأشهر، وهي معضلة قتل الجد.. ومختصرها أنه لو تمكن شخص من العودة إلى الماضي، وقابل جده وقتله، حينها لن ينجب والده، وبالتالي لن يأتِ هو نفسه!

لكن فرضية الأكوان الموازية لها رأي آخر، حيث تقول بإمكانية التنقل بين الأزمنة، وفي ردها على استحالة السفر للماضي، فذلك لأن قوانين الفيزياء التي نعرفها تفترض أن خط الزمن متصل، وبالتالي أي متغير بسيط على هذا الخط سيؤدي إلى سلسلة تغيرات مستقبلية، مثل تأثير الدومينو، أو أثر الفراشة، بينما الزمن ليس خطا متصلا يشمل كل أجزاء الكون بالتساوي، بل لكل شخص، ولكل جسم زمنه الخاص به (وهذا أيضا حسب النظرية النسبية) فالأزمنة هنا منفصلة، وبالتالي الأكوان متعددة.

فإذا أراد شخص ما تغيير حاضره ومستقبله، أن يصبح ثريا مثلا، فعليه السفر في البعد الخامس والعودة إلى الماضي وتغيير خياراته السابقة، كأن يختار استثمار مربح، وهنا لأن خط الزمن متصل، فإن هذا التغيير في الماضي سيضمن له تغيير المستقبل. ولكنه لو سافر في البعد السادس، أي إلى كون موازي آخر، فما عليه إلا اختيار العالم الذي تعيش فيه شخصيته الثرية أصلا، أي التي اختارت الاستثمار أساسا..

تبدو هذه الفرضية مجرد ترف فكري، وهي لحد الآن غير مثبتة بأدلة قطعية، فيزيائيا قد تكون مستحيلة، لكنها رياضيا ممكنة، بل ومنطقية جدا.. ولا يعني عدم تبنيها من المجتمع العلمي، أو تعذر إثباتها بأدلة دامغة أنها نظرية فاشلة، أو خاطئة.. فكثير من الفرضيات رُفضت بداية، واحتاجت سنوات عديدة حتى برهن عليها علماء آخرون..

إذا اقتنعنا بأجزاء منها، من الممكن تخيل عوالم مدهشة: أن يكون لك عدد من النسخ موزعة في كواكب أخرى، ستجد نسخة منك ثرية في كوكب، وبائسة في كوكب آخر.. في عالم آخر اخترت مهنة أخرى، وسافرت إلى بلد بعيد، وكونت عائلة مختلفة، وفعلت ما كنت تشتهي فعله، ولم ترتكب أخطاءك الفادحة.. وما لا حصر له من الاحتمالات..

ماذا ستقول حين تقابل إحدى شخصياتك الأخرى؟ هل ستقنعها على تغيير خيارات معينة؟  

سنناقش هذا الموضوع من خلال نظرية أثر الفراشة في مقال قادم.

أكتوبر 11، 2020

عن ماكرون، وأزمة الإسلام 1-2

 

صرح الرئيس الفرنسي "ماكرون" بأن "الإسلام يعيش في أزمة"، وبهذا التصريح أثار موجة غضب عارمة في العالم الإسلامي.. وللأسف لم يرتقِ أي رد فعل إسلامي إلى المستوى المطلوب، فجاء رد البعض سطحيا، فمثلا، قال بعضهم إنّ اعتناق "صوفي بترونين" للإسلام هو أقوى رد على ماكرون ("بترونين" رهينة فرنسية مسنّة كانت مختطفة في مالي لأربع سنوات)، وبعد إطلاق سراحها استقبلها ماكرون، فصُدم لما رآها وتأكد أنها قد اعتنقت الإسلام، فخرج من المطار دون إعطاء أي تعقيب صحفي..

كيف عرفوا أن ماكرون مصدوم ومستاء؟ هل تعابير وجهه ولغة جسده كافية لمثل هكذا استنتاج؟ هل مجرد امتناعه عن الإدلاء بتصريح دليل على ما في قلبه؟ هل صدمته باعتناق مواطنة فرنسية للإسلام أهم من فرحته بتحريرها؟ سيقول البعض إن الصحافة الفرنسية هاجمت الرهينة.. هل موقف صحافي واحد (أو عشرة) يمثل موقف الشعب والحكومة؟ مهما كانت الإجابات، فليس فيها أي رد حقيقي وجوهري على تصريحات ماكرون.. بل إن البعض كان ردهم بأن "ماكرون هو نفسه المأزوم والمعقد لأن زوجته قبيحة"!! فضلا عن عنصرية وسطحية هذا الرد، ما علاقته بالتصريح؟؟

آخرون انتقدوا خطاب ماكرون لأنه ركز على المسلمين، ولم يأت على ذِكر اليهود الفرنسيين، الذين يؤمنون بتفوق اليهود، ويمارسون أشكالا عديدة من العنصرية ويحرضون على العنف.. وهذا صحيح، لكن ما علاقته بصلب الموضوع؟ وهل ممارسات وأفكار اليهود تبرر مثلها للمسلمين؟

آخرون قالوا "إن فرنسا والنظم الرأسمالية هي من تعيش في أزمة".. وهذا صحيح أيضا.. ولكنه ليس ردا مناسبا، ولا علاقة له بالموضوع.. بل هو هروب آخر من الإجابة..

لا ريب أن الغرب والعالم الرأسمالي عموما يعيش في أزمة، وهي أزمة بنيوية مستفحلة تنبع من صلب فكره، وهو متورط بماضٍ استعماري قبيح ومخجل.. ولا شك أن فرنسا نفسها تمر في أزمات، لكن الفرق أن المفكرين والفلاسفة والباحثين ومراكز الدراسات هناك تعترف بوجود هذه الأزمات، وأيضا تقر بها الحركة الأدبية والفنية والسينمائية، وطالما تناولتها في أعمالها.. والمجتمعات الغربية (وخاصة الطبقات الوسطى والمثقفين) يقرون بها كذلك، ويعملون على حلها وتغييرها.. ينجحون مرة، ويفشلون مرة، لكنهم يظلون في حِراك دائم، وتطور مستمر..

لن نناقش تفاصيل خطاب ماكرون، فتلك مهمة مفكري ونشطاء الجالية المسلمة في أوروبا، وهم الأقدر والأعلم.. ما يهمنا هنا عبارة "الإسلام يعيش في أزمة".

ليس من السهل وصف دين بالمأزوم، فذلك يؤذي أتباعه، والأسهل وصف ممارسات أتباع الدين، وانتقادها إذا لزم الأمر.. فمن الممكن أن يكون أتباع الدين هم المأزومين. وهذا يقودنا إلى السؤال المعقد والحساس: هل الأزمة في الإسلام نفسه، أم في المسلمين؟

غالبا ستكون الإجابة بأن الأزمة في المسلمين، وأنّ الإسلام دين الله الحق، الذي لا يأتيه الباطل، وهو صالح لكل الأمم، وفي كافة الأماكن والأزمنة، ولا يجوز انتقاده، أو الدعوة لتطويره.. تلك إجابة مريحة في ظاهرها، لكنها تخلق مشكلة عويصة؛ فإذا كان الإسلام كذلك، فلماذا أخفق المسلمون في تطبيقه؟ ولماذا كل النماذج التي قدموها في الحكم والحياة الاجتماعية كانت بائسة، أنتجت كل هذا الواقع المرير والمهين، بحيث صار المسلمون في الحضيض، وفي أسفل السلم، مقارنة بغيرهم من شعوب الأرض؟

بالنسبة لي لا أشكك بأنّ الإسلام دين الله الحق، وهو في جوهره وروحه ونظامه يجلب الخير والسعادة والعزة للمسلمين، ولكافة البشر.. لكن، لنتذكر أن الشيوعية حملت نظرية مثالية تعد بيوتوبيا غير مسبوقة، وأنها ستجلب الخير والسعادة لبني الإنسان.. ونتذكر أنه في مرحلة ما كانت النظم الشيوعية تمتد على مساحة تغطي ثلثي الكوكب.. ونحن نعلم جميعا ما حل بالشيوعية.. وقد برر أتباعها بأن انهيارها كان بسبب خلل في التطبيق، بينما النظرية تظل صالحة اليوم وغدا..

ما قيمة النظرية مهما كانت جميلة وصالحة وقوية ومصاغة بأبرع طريقة، إذا كان تطبيقها متعذرا؟؟

إذا كانت المشكلة في المسلمين، فهذا توصيف عنصري، يتلاقى مع أطروحات اليمين المتطرف الذي يتهمهم بعدم القدرة على التطور والتكيف مع القيم الحداثية.. فأين المشكلة إذن؟

بداية، لا بد من الاعتراف بوجود أزمة، بدليل واقعنا المرير، والذي لا يحتاج إلى شرح، ونحن المسلمون من خلق هذه الأزمة، ونتحمل مسؤوليتها بالدرجة الأولى (دون أن نعفي الغرب الاستعماري) وعناوين وأسباب هذه الأزمة تكمن في الآتي:

أولاً: طريقة تعريفنا للإسلام بأنه دين وهوية وجنسية.. واعتقادنا أن الفلبيني والصيني والإيراني والتركي والأردني والمغربي والأمريكي والهولندي والأوغندي.. كل هؤلاء يشكلون أمة واحدة لمجرد أنهم مسلمون.. وهذا توصيف غير علمي لمفهوم الأمة، ويكذّبه الواقع، فبناء عليه سيكون المسيحيون في عموم الأرض أمة واحدة، وهذا الطرح يتلاقى مع الدعوة الصهيونية التي تجعل من الدين والقومية شيئا واحدا، لتبرير مقولة الدولة اليهودية..  

ثانياً: اعتقادنا أن الإسلام معطى مطلق، بصيغة واحدة، وقالب جامد، نحمله من جيل لآخر كمن يحمل جثة هامدة، دون تجديد، دون تطوير، دون مراعاة للظروف الموضوعية، وبنزعه عن سياقه التاريخي وبعده الاجتماعي السسيولوجي، وبذلك أفقدناه طابعه المرن، وحرمانه سمة النمو والتطور والتكيف.

الفقهاء غالبا، هم الذين شرحوا للناس دينهم، وهم لا يؤمنون بالتجديد، ولا يقبلون مراجعة منظومتهم الفقهية، وهم عادة يهربون من الحاضر بتقديس الماضي، ولا يفكرون في المستقبل. وبذلك عمقوا الأزمة، لأن العالم يسير إلى الأمام، وفي حالة تغير مستمر، والتاريخ لا يتوقف عند أي عصر.

فهمنا الحالي للإسلام هو نتاج فهم المسلمون الأوائل له، والتي صاغوها بمقولات فقهية وفكر ديني سلفي كان نتاج البيئة والحدود المعرفية التي عاشوا فيها، وبسبب عدم التجديد وضعف الرؤى المستقبلية، حوّل الفقهاء الإسلام إلى مجرد منظومة فقهية وتدين شكلي على حساب البعد الفكري والإبداعي.

وبتغييب البعد الفكري غاب المفكرون والمجددون (حدث هذا بتحالف الفقهاء مع السلطة) وبسبب سطوة الفقه على الفكر ساد نمط محدد للإسلام اتبعه عامة الناس. وبذلك انفصل المسلمون عن الواقع العالمي، وتخلفوا عنه.

التأثير بين الإسلام والمسلمين متبادل، على مدى قرون طويلة ظلت السلطة الدينية هي التي تشكل المسلمين، وإذا أردنا حل الأزمة، يجب الاعتراف بوجودها بدايةً، ثم صياغة فهم إسلامي جديد حضاري متنور، متصالح مع العصر؛ فالمسلمون هم من يشكلون الإسلام حسب فهمهم له، وحسب مستواهم الحضاري.

أغسطس 29، 2017

لغز الكون الأعظم

 (1~2)
كل من يقترب من محاولة فهم نظام الكون وآليات عمله، وكيف نشأت الحياة، وما هو دور الإنسان الوظيفي فيه.. وكل من يطرح على نفسه مثل هذه الأسئلة الوجودية، سيجد نفسه مباشرة أمام مدرستين مختلفتين تقريبا في كل شيء؛ الأولى تفسر الحياة وتفهم نظام الكون استنادا إلى الفهم المادي والتاريخي المجرد، بينما الثانية تنطلق من الإيمان بما جاء في الأديان حول الخلق، ودعّمته بالبراهين العقلية والنقلية، وما اعتبرته أدلة علمية لا تقبل الشك.

أبريل 15، 2015

الإنسان والحيوان


من أخطائنا الشائعة تعميم صفة معينة على الحيوانات، أو ذم إنسان معين بتشبيهه بالحيوانات؛ فالحيوانات عوالم واسعة، تحتمل كل الصفات والسمات، التي تتشارك في كثير منها مع الإنسان، بل وفي أحيان معينة تتفوق فيها عليه، وربما هذا يعزز فرضية الأصل المشترك.

ولو نظرنا لحاجات الطرفين وغرائزة الأساسية لوجدنا تشابها كبيرا بينها؛ فعلى مدى ملايين السنين خاضت الكائنات الحية صراعا مريرا مع قوى الطبيعة وضد بعضها البعض، كانت غريزتي البقاء والجنس هما المحرك الرئيسي لهذا المسار الطويل، إلى أن رشَح منها من نجح في الصمود، وصولاً إلى المشهد الحالي الذي يضم ملايين الأصناف والأنواع.

صحيح أن الإنسان تفوق بعقله وروحه، وتميز عن باقي الكائنات، وطور لنفسه نظاما اجتماعيا معقدا، لكن بعض الحيوانات طورت نظماً اجتماعية بالغة التعقيد والانضباط والتراتبية، مثل النمل والنحل.

وصحيح أيضا أن الإنسان قنّن الجنس بالزواج، ومن خلال الأعراف والقيم الأخلاقية والمجتمعية والأديان، إلا أن هذا في حقيقة الأمر وعلى مستوى الواقع غير دقيق تماما، فقد بقي الشبق الجنسي والحيل للوصول إلى الأنثى صفات مشتركة بين الإنسان والحيوان.

سبتمبر 22، 2014

الأفلاتوكسين ... القاتل الخفي



سموم خفيّة، لا نعرف عنها الكثير، خطيرة جدا على صحة الإنسان والحيوان، تسبب سنويا خسائر باهظة للتجارة الدولية تتجاوز المليار دولار، تتواجد في عدد كبير من الأطعمة، التعرض لكميات ضئيلة جدا منها يسبب سرطان الكبد، أما تناول جرعات أكبر منها لا تتجاوز أجزاء بالمليون قد تسبب الموت، ولا يمكن القضاء عليها لا بالحرارة ولا بالمطهرات... إنها سموم الأفلاتوكسين.
الأفلاتوكسين، أحد أشهر وأخطر السموم الفطرية، واليوم، فإن تلوث المحاصيل والأغذية بالسموم الفطرية يعد من أهم المشاكل التي تواجه العالم، وبحسب تقارير علمية، فإن الأفلاتوكسين يلوث ربع الإمدادات الغذائية العالمية، ويتعرض له أكثر من نصف سكان العالم، وهي غير خاضعة للرقابة في بلادنا مما يجعلنا أكثر عرضه لمخاطرها...

والأفلاتوكسين بوصفه البسيط هو "أحد أنواع السموم الناشئة عن العفن"، وبوصفه العلمي هو "أحد المركبات الكيميائية شديدة السمية تنتجها أنواع من الأعفان، والتي عادة ما تنتشر في البذور الزيتية بصفة عامة" كما يقول المهندس "محمد قلالوة" مدير تأكيد الجودة في مطاحن القمح الذهبي.

نوفمبر 29، 2013

وما زالت الأرض تكشف أسرارها


منذ اكتشاف النار، وحتى هبوط أول مركبة فضائية على سطح المريخ، والأرض ما زالت تُحدِّث أخبارها، وتُواصل كشف أسرارها. وطوال هذا الزمن الممتد، والإنسان قائد هذه المغامرة وبطلها. كان غروره في كل حقبة يخيل له أنه وصل الذروة، لكن فضوله من جهة أخرى كان يفتح له في كل مرة آفاقا جديدة، ومختلفة، وغير متوقعة.
في البدايات السحيقة الموغلة في القِدم كان الإنسان رمّيا، فهو بلا مخالب ولا أنياب، وسرعته وقوته تعد الأضعف بين سائر الوحوش التي كانت تحيط به، فاخترع الصيد، ولما أدرك أن الصيد يتطلب تعاونا، اخترع الكلام. ولكن، هل كان يتوقع أن تلك الأصوات الغريبة التي كان يصدرها ستتطور إلى مئات اللغات، وستصبح شِعرا وأغنيات ؟
هل كان يدرك أن مائدته التي كانت إما لحما نيئا أو مقددا أو مشويا، إلى جانب بعض الثمار المنتقاة بعشوائية ستضم بعد زمن قائمة من الأطعمة لها أول وليس لها آخر ؟ هل كان بإمكانه أن يتخيل البيتزا والمعكرونة والهمبرغر ؟
هل كان يتوقع وهو يضرب بفأسه الحجري حجرا آخر وينقش عليه أسماء الملوك والحروب، أنه سيضرب في يوم ما بأنامله الناعمة لوحا رقيقا اسمه الكيبورد ؟ وحتى عندما اخترع أول حاسوب، هل توقع بأن حجمه سيتقلص من حجم الغرفة إلى رقائق أصغر من علبة الكبريت ؟
هل علم الإنسان وهو يصك سبائك البرونز، أنه هناك معدنا أصلب اسمه الحديد سيصهره سيوفا بعد قرون قليلة ؟ وأن الطبيعة تخبئ له الألمنيوم والبلاستيك وألياف الكربون ؟ وأن الرمل ممكن أن يتحول إلى زجاج ؟ وأن طاقة الشمس ستتحول إلى كهرباء ؟ وحزمة الضوء تصبح إشعاع ليزر ؟ وأن مضارب خيامه ستصبح مدنا ضخمة بيوتها تناطح السحاب ؟
هل حلم "ابن فرناس" وهو يطير بجناحين بدائيين أن صاروخا سيحمل رجلاً اسمه "أرمسترونغ" ويحط بهم فوق سطح القمر ؟ وهل توقع "مندل" وهو يربي فاصوليته أنها تخبئ سراً عظيما اسمه DNA ؟ هل توقع "أديسون" أن مصباحه الصغير سيضيء كوكب الأرض بأكمله ؟ هل توقع "موريس" وهو يصنع تلغرافه، لينقل الأخبار بين المدن، أن "هيرتس" سيكتشف من بعده أهم أسرار الطبيعة: الموجات الكهرومغناطيسية، التي ستحمل الكلام والصور والأخبار وتطوف بها أرجاء الأرض قبل أن يرتد إليك طرفك ؟ وهل أدرك "إينشتاين" حين قدم نظريته النسبية أنها ستتحول إلى قنبلة ذرية فتاكة ؟ وهل تنبأ "جاليليو" وهو يصوب تلسكوبه نحو المشتري، معتقدا أنه آخر الكون،  أن "هابل" سيفتح لنا نافذة تطل على مائة مليار مجرة ؟ هل توقع "التدمريون" أن ساعتهم الرملية ستصبح مجرد تحفة، ليحل محلها ساعات رقمية، وكاميرات رقمية، وحواسيب محمولة، وهواتف ذكية، وآي باد، وتابليت، وإكس بوكس ؟
هل كنا نتوقع أن ليفا زجاجيا أرق من الشعرة بإمكانه أن يحمل مئات الآلاف من الرسائل والصور الرقمية ؟ كنا نستشعر بالهواء والنسيم العليل، ولكن هل كنا نتوقع أنه بإمكانه أن يحمل الأصوات والصور والأفلام والموجات والإشعاعات ؟ كنا نرى ألواح الزجاج الشفافة، ونظن أنها لا تصلح إلا للشبابيك، هل كنا نظن أن بمقدروها أن تتحول إلى لوحات ذكية بقدرات خارقة ؟
حين كنا ننقل الرسائل مع الحمام الزاجل، هل كان بمقدورنا أن نتخيل شيئا اسمه الفيسبوك ؟ هل كانت "كليوباترا" تحلم  بمستحضرات "ماكس فاكتور" ؟ هل كان بمقدور "أبو سفيان" أن يتخيل اتفاقية "الجات"، ونقل الأموال عبر "الويسترن يونيون" ؟ هل كان بمقدور "صلاح الدين" أن يصدق أن سيوفه وقلاعه لن تصمد أمام كبسة زر يطلقها رعديد من غرفة مكيفة في الجهة المقابلة من الأرض ؟
رغم كل هذا التقدم، ما زال الإنسان يوظف العلم للربح، والاختراعات للتدمير، الحرب كانت أول شيء اخترعه الإنسان، وظلت هاجسه وكابوسه، فخاض ما لا حصر له من الحروب والمعارك، وجرب كل أنواع الأسلحة، ولكنه حتى هذه اللحظة لم يجرب السلام .. السلام الذي يعم ربوع الأرض كلها.
هل بإمكاننا حاليا أن نتخيل ماذا يمكن للهندسة الوراثيةـ وتقنيات النانو ورقائق الكمبيوتر وثورة الاتصالات أن تفعل بنا بعد عشرين سنة، أو ألف عام ؟ ماذا يخفي عنا العلماء والمخترعون في "الناسا" و"ميكروسوفت" و "سامسونج" و"جوجل" و"سوني" ؟ والسؤال الاعتراضي: ماذا أعددنا للمستقبل ؟!
أيها العالم، إلى أين أنت ماضٍ بنا ؟ أيها العلم، متى ستلقي مرساتك في مينائك الأخير ؟ أيها المستقبل، ماذا تعد لنا من مفاجآت ؟ أيها الإنسان، منى ستدرك أنك مجرد ومضة من تاريخ الكون الطويل ؟ أيتها الأرض، يا أمنا الرؤوم، هل بقي في جعبتك الكثير من الأسرار ؟
قال تعالى: "علم الإنسان مالم يعلم". صدق الله العظيم


أغسطس 28، 2012

هل حقا هبط الإنسان على سطح القمر ؟!


بموت أرمسترونغ يدفن السر العظيم ..
نيل أرمسترونج صاحب العبارة الشهيرة التي قالها حينما وطأت قدماه أرض القمر: "خطوة صغيرة لإنسان، لكنها خطوة عظيمة للإنسانية"، يوم أمس فاضت روحه إلى بارئها تاركا وراءه أعظم سر ما زال يثير الجدل للآن ..

إذا كان حقا قد وطأ سطح القمر، وغرس العلم الأمريكي هناك فإن هذا يعد أعظم إنجاز للبشرية في تاريخها الطويل ... وإذا كان قد حط بقدميه صحراء نيفادا محاطا بمخرجين ومصورين من هوليود - كما يدعي الكثيرين - فإنه يكون متورطا بأكبر كذبة في تاريخ البشرية ... كلا الفريقين (الذين ينفي أو يؤكد الهبوط على سطح القمر) له حججه ومبرراته .. ولن نعرف الحقيقة إلا إذا اعترفت أمريكا بها ,, وهذا هو المستحيل بعينه، لأن هذا الإدعاء أو الإنجاز هو الذي قامت عليه الدعاية الأمريكية.

التشكيك بهبوط الإنسان على سطح القمر موضوع ليس بالجديد، هناك علماء وسينمائيون ومحللون أكدوا أن مَشاهد رواد الفضاء الأمريكان وهم يجوبون سطح القمر إنما هي مشاهد مزيفة مفبركة، تم إعدادها في إستوديوهات هوليود، والهدف من كل ذلك أن تثبت أمريكا للعالم حقيقة أسطورة العقلية الأميركية، خاصة وأن روسيا  (السوفييتية) كانت السباقة في اختراق عالم الفضاء، وكان ضروريا لأمريكا أن تثبت تفوقها في سياق الحرب الباردة.

المشككون لديهم ما يقولونه بهذا الشأن، على سبيل المثال إحدى صور وكالة ناسا كانت اللقطة تنظر إلى أعلى باتجاه "نيل أرمسترونغ" وهو يهم بأخذ أعظم خطوة للإنسانية، المصور يجب أن يكون مستلقيا على سطح القمر لأخذ الصورة، وإذا كان أرمسترونغ أول رجل فضاء ينـزل على سطح القمر فمن الذي أخذ الصورة ؟!  ثم يسوق المشككون أمثلة رفرفة العلم (مع عدم وجود غلاف جوي)، والظلال المتداخلة والمتفاوتة في الطول، والغبار وغيرها من التقنيات الفنية التي تؤكد أن ما يحدث إنما يحدث في صحراء نيفادا.

وبالإضافة لأخطاء الصور هنالك من يتساءل: كيف أمكن لرواد الفضاء المكوث ساعات طويلة على سطح القمر ؟؟ خاصة في الرحلات الستة التالية لرحلة أرمسترونغ، والغريب أن هذه الرحلات لم تصور، وحسب أرشيف الناسا في الرحلة الأخيرة مكث الرواد 22 ساعة خارج الكبسولة الفضائية، وهو أمر يصعب تحقيقه لأكثر من سويعات معدودة !! حيث أن الحرارة على القمر تبلغ 120 درجة مئوية ونسبة الإشعاع مرتفعة جدا، وبالتالي مثل هذه الظروف لا تحتمل أبدا، وكذلك كيف أمكن لصاروخ الفضاء أن ينطلق من القمر في رحلة العودة؟ حيث أن الصاروخ يحتاج منصات وأوكسجين للاحتراق ؟؟

هناك أمثلة أخرى ولكنها غير مقنعة، أو يمكن دحضها بسهولة، وهناك ايضا نظرية تقول أن الهبوط على القمر حقيقي ومؤكد، لكن الصور مفبركة؛ حيث أخبر العلماء الرئيس نيكسون بأنه لا يمكن تصوير عمليه الهبوط على سطح القمر بسبب الحرارة الشديدة التي ستتلف الكاميرات والأفلام (حاليا توجد كاميرات تصور من على سطح المريخ)، فأدرك نيكسون أنه لا يمكن الانتصار على السوفييت بدون الصور؛ لأن الصور ضرورية لكسب معركة غزو الفضاء، وأصحاب نظرية المؤامرة هذه يقولون أن مساعدي نيكسون قرروا الاستعانة بالمخرج السينمائي "بستانلي كوبريك" من أجل تصوير فيلم الهبوط على سطح القمر داخل استوديوهات هوليود،  ويذهب هؤلاء إلى حد الزعم بأن المخابرات الأمريكية خافت أن يفضح المشاركين في تصوير الفيلم المزيف دورهم في هذه الخدعة، لذا قررت السي أي أيه التخلص من كل ممن شاركوا في هذا العمل؛ فتمت عمليات اغتيال متلاحقة لهم.

المؤمنون بعملية الإنزال يتساءلون ولهم الحق في ذلك، كيف تغامر أمريكا برصيدها وسمعتها من خلال عملية مفبركة؟ ألا يمكن كشفها، وبالتالي تخسر أمريكا مصداقيتها العلمية ؟؟ وكيف ستتمكن من خداع مئات الهيئات العلمية ومئات العلماء الذين اشتركوا في العملية ؟؟ والصخور التي تم جلبها من القمر يؤكد علماء أوروبيون أنها تعرضت لإشعاعات شمسية مختلفة عن الإشعاعات التي تتعرض لها صخور الأرض، وأنها فعلا من القمر، وأيضا ضمن مشروع أبوللو توجد مرآة تعكس شعاع ليزر يطلق من الأرض لقياس بُعد القمر ومقدار تباعده سنويا.

ستظل قصة هبوط الإنسان سطح القمر لغزا محيرا، ولكنها رغم ذلك تبقى مصدر إلهام للأجيال وللعلماء، وإذا كان "أرمسترونغ" قد مات، فإن السر لن يدفن بهذه السهولة؛ فهناك أكثر من عشرة رواد أمريكان مازالوا أحياء، ومئات العاملين في الناسا والذين اشتركوا في المشروع، ومن الصعب ضبط هؤلاء جميعا، وأنه لا يوجد من بينهم من يطمع بالشهرة والأموال لكشف الحقيقة. (الحقيقة الضائعة).

سواء كانت خدعة أم حقيقة، فقد غيرت أمريكا من خلال هذا الحدث مجرى التاريخ، وكسبت الحرب وأثبتت تفوقها. وسواء صدقناها أم لا فهذا لن يغير كثيرا الآن؛ فقد فات الأوان، والكثير من الناس يرفض التشكيك، لأنهم ببساطة لا يريدون القول أنهم كانوا ضحايا أكبر خدعة، وأنهم مخدوعون.

للمزيد، أنظر الرابط


يوليو 14، 2011

كيف نفهم نظام الكون ؟

كل من يقترب من محاولة فهم نظام الكون وآليات عمله، وكيف نشأت الحياة، وما هو دور الإنسان الوظيفي في هذا النظام .. وكل من يطرح على نفسه هذا النمط من الأسئلة الوجودية، سيجد نفسه مباشرة أمام مدرستين مختلفتين تقريبا في كل شيء، الأولى تفسر الحياة وتفهم نظام الكون استنادا إلى الفهم المادي والتاريخي المجرد، بينما الثانية تنطلق من الإيمان بما جاء في الأديان حول الخلق، ودعّمته بالبراهين العقلية والنقلية، وما اعتبرته أدلة علمية لا تقبل الشك.

ولو كان للباحث خيار أن ينهل ما يشاء من المدرستين دون أن يعرض نفسه لخطر التكفير أو اتهامه بالجهل، لما كانت هناك مشكلة، ولكنه سيصدم بسيل عارم من الاتهامات المتبادلة التي تصل حد تسخيف الآخر ونعته بأبشع الأوصاف!

يوليو 08، 2011

انفجار الحياة

لا يمكن فهم المعنى الحقيقي للحياة بصورتها الحالية لكافة الكائنات الحية وعلى رأسها الإنسان، دون فهم الظروف التي سبقت نشأتها، والتي أحاطت بها أثناء صيرورتها في ذلك الزمن الموغل في القِدم، نظرا للتشابك الذي لا يقبل الانفصام بين الحياة نفسها والوسط المحيط الذي انبثقت منه، وعمق وقوة التأثير المتبادل فيما بينهما.

فلو عدنا بالزمن 4.7 مليار عام، وهو العمر الذي يقترحه العلماء لكوكب الأرض، لوجدنا كوكبا ملتهبا تُقدر حرارته بمئات الدرجات المئوية، ويدور حول نفسه مرة كل ثماني ساعات، والقمر على مسافة قريبة جدا منه، بحيث كان تأثيره بالغا على توجيه ميل محور الأرض وجعله غير مستقر، الأمر الذي أخّر حصول التغييرات المناخية اللازمة لنشوء الحياة، حيث أن زاوية ميل محور الأرض ضرورية لتكوّن الدوائر القطبية، وتوزيع كمية الحرارة الشمسية على سطح الأرض، مما يجعله أحد العناصر الأساسية لاستقرار مناخ الأرض وتتابع الفصول الأربعة. وكانت الأرض في ذلك الزمن السحيق بلا غلاف جوي يحميها من إشعاعات الشمس القاتلة، وقشرتها غير مستقرة، تتفجر فيها البراكين على نحو مجنون، وتضربها الزلازل والصواعق والبروق، ولا يوجد بها ماء ولا أوكسجين، وتتعرض لقصف نيزكي شديد البطش .. بجملة واحدة كانت غير صالحة للحياة.

يوليو 01، 2011

تأملات في الكون

لنتخيل الصورة معاً: في لحظة ما .. هي ليست بلحظة .. ليس قبلها أي زمان، ولكنها ستلد الأزمان كلها، هي قبل ذلك لا شيء، ولم تكن في أي مكان، ولكنها عمّا قليل ستملأ الآفاق .. نقطة متناهية الصغر، ولكنها ستُنجب كونا كاملاً .. يلفها ظلام دامس، أو بياض مدهش، لا أحد يعرف، فلا وجود للألوان .. قبل ذلك لم تكن حارّة، ولا باردة، فلا يمكن قياسها .. بعد برهة ستصبح شديدة الحرارة، بل أن حرارتها ستفوق الوصف .. بمليارات الدرجات على مقياسنا المئوي، نقطة واحدة اختزلت كل هذا الكون، وحبلت به لأجزاء ضئيلة من الثانية، بكل طاقته الكامنة.

يونيو 28، 2011

في البحث عن جدوى للحياة

بعد أن ورثنا حصتنا من تاريخ وجغرافية هذا الكون، وفرحنا بها لزمن طويل، اكتشفنا متأخرين أن هذه الحصة بالغة الضئالة والتواضع إلى حد الشفقة، وأنها لا تتجاوز حبة رمل في شواطئ البحار والمحيطات على كواكب مليار مجرة .. وأنَّ كل عمر البشرية ليس أكثر من ومضةٍ خاطفة من عمر الكون المنبثق بكل غموض من الأزل، والسائر بكل جنون إلى ما لا نهاية .. كونٌ ممتد ومتسع بما يفوق الخيال .. ليس فيه شمال ولا جنوب .. تختلط فيه الأزمان .. يتداخل فيه الماضي مع المستقبل، والمكان مع الزمان .. فضاءٌ يلفه ظلام دامس، وبرودة أشد من الزمهرير .. ما يلبث قليلا حتى يستحيل إلى نجم متفجر بالجحيم .. وقوده الانفجارات النووية، أو ثقباً أسود يبتلع كل ما يحيط به من كواكب ومجرات، حتى شعاع الضوء لا ينفذ منه .. تترامى أطرافه وتتباعد .. ويسافر بنا بعيدا بعيداً متجاوزا حدود الإدراك ..

مايو 31، 2011

لماذا تغير طعم البطيخ ؟!

نشر الزميل "إبراهيم جابر" على صحيفة "الغد" الأردنية قبل نحو سنتين مقالته الشهيرة بعنوان "لماذا تغير طعم التفاح ؟" وقد لاقت حينها انتشارا واسعا وحظيت بردود وتعليقات أكثر من أي مقالة أخرى. ورغم أن المقالة لم تتناول موضوع تغير طعم التفاح من ناحية فنية، إذْ أن الكاتب طرح هذا التساؤل في إشارة منه إلى فقدان الطعم الحقيقي للحياة مع تغير الأنماط السلوكية للبشر، وقد يفهم من المقالة فقدان الطعم اللذيذ الذي كانت تخبؤه خيرات الطبيعة عندما كانت تُزرع بالطرق التقليدية، أي بدون أسمدة كيماوية ولا مبيدات حشرية وهرمونات منظمة للنمو وغير ذلك من مضافات فرضتها التطورات التي حصلت في عالم الزراعة والتي أدت بدورها إلى تغير طعم الخضروات والفواكه بشكل عام.

فبراير 26، 2011

تحسين مواصفات رغيف الخبز

بالنظر للعادات الغذائية السائدة في منطقتنا، فإن الخبز يعتبر أحد أهم السلع الأساسية للأسرة العربية، والتي لا يستطيع أي فرد أن يستغني عنه لما له من مكانة خاصة على المائدة، وحيث أنه يُعد أهم وأرخص مصدر للطاقة مقارنة بالمصادر الأخرى، فهو متوفر على الدوام وبسعر معقول، وقد اعتاد المواطن على تناوله على الوجبات اليومية الثلاث، الأمر الذي أعطى هذه السلعة الحيوية هذا الدور الهام والخطير في الأمن الغذائي، ومع أن الخبز هو القوت اليومي للناس، الفقير والغني على حد سواء إلا أن أهميته تزداد عند الفئات المسحوقة والطبقات الشعبية عموما التي من الصعب عليها إيجاد بديلا عنه، وبالتالي فإن أي تلاعب في هذه السلعة الخطيرة سواء من ناحية توفرها الدائم في الأسواق أو من ناحية سعرها أو من ناحية جودتها يُعد تلاعبا مباشرا بالأمن القومي للمجتمع

الاحتباس الحراري

الاحتباس الحراري هو ظاهرة ارتفاع درجة حرارة الأرض عن معدلها الطبيعي نتيجة تغيير في سيلان الطاقة الحرارية منها وإليها، وعن مسببات هذه الظاهرة ينقسم العلماء إلى من يقول أنها ظاهرة طبيعية باعتبار أن مناخ الأرض شهد في العصور الموغلة في القِدم فترات ساخنة وفترات باردة جليدية. والقسم الآخر من العلماء يوعزون السبب للتلوث البيئي.
ولفهم الظاهرة أكثر ومعرفة أسبابها وتأثيراتها، لا بد أن نعرف أولاً النظام المناخي للأرض، فمن المعروف أن الكرة الأرضية تتميز عن الكواكب السيارة الأخرى بامتلاكها غلافا جويا يحيط بها بسبب قوة جاذبيتها, ويرجع الفضل لنشوء الحياة وتطورها على كوكب الأرض لوجود هذا الغلاف الجوي،

يوليو 16، 2010

مستقبل الإنسانية

لو ضغطنا عمر الكون البالغ 15 مليار سنة وافترضنا أنه يعادل 24 ساعة بمقياسنا الحالي، فستكون كل ثانية من هذا اليوم الكوني تساوي 174 ألف سنة أرضية، أما إذا طبقنا نفس الفرضية على عمر كوكب الأرض فستعادل كل ثانية منها 53 ألف عام، وبهذا المعنى فإن الإنسان الذكي لم يظهر للوجود إلا في الدقيقة الأخيرة بالضبط، وبدأ حضارته في عُشر الثانية الأخيرة، أما الثورة الصناعية فلم تنطلق إلا منذ جزء بالمائة من الثانية الأخيرة من هذا اليوم الطويل، فإذا كان عمر البشرية برمتها لا يتجاوز ومضة سريعة تكاد لا تُذكر من عمر الحياة، فإن عمر الإنسان أقل من أن يدخل في الحسابات الكونية، ولكنه رغم ذلك طويل جدا بالنسبة لفرد لديه قدرة خارقة على البناء والتخريب.

يونيو 11، 2010

غلاء الأسعار .. أسباب وتداعيات


اجتاحت المنطقة في العام الماضي موجة غلاء غير مسبوقة شملت العديد من السلع الأساسية، وقد وصلت هذه الأسعار مستويات قياسية جعلت المواطن يئن تحت وطأتها ويعاني من تبعاتها بما يفوق قدرته على التحمل، الأمر الذي ينذر بحدوث اضطرابات وحركات احتجاج لا أحد يعلم مداها، وقد بانت بوادرها بالفعل إذ شهدت كل من مصر واليمن وموريتانيا والجزائر اضطرابات وأعمال عنف، وبالطبع لن يقتصر الأمر على تلك الدول فمن المؤكد أن العدوى ستنتقل إلى معظم بلدان العالم الثالث وقد تحدث في بعضها ثورات شعبية تأخذ في طريقها الكثير وقد تحدث بعض التغيرات في ملامح الخارطة السياسية للمنطقة، وما يُخشى منه هو أن تركب جماعات سياسية معينة الموجة وتجيرها لأغراضها السياسية .