أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

يوليو 01، 2011

تأملات في الكون

لنتخيل الصورة معاً: في لحظة ما .. هي ليست بلحظة .. ليس قبلها أي زمان، ولكنها ستلد الأزمان كلها، هي قبل ذلك لا شيء، ولم تكن في أي مكان، ولكنها عمّا قليل ستملأ الآفاق .. نقطة متناهية الصغر، ولكنها ستُنجب كونا كاملاً .. يلفها ظلام دامس، أو بياض مدهش، لا أحد يعرف، فلا وجود للألوان .. قبل ذلك لم تكن حارّة، ولا باردة، فلا يمكن قياسها .. بعد برهة ستصبح شديدة الحرارة، بل أن حرارتها ستفوق الوصف .. بمليارات الدرجات على مقياسنا المئوي، نقطة واحدة اختزلت كل هذا الكون، وحبلت به لأجزاء ضئيلة من الثانية، بكل طاقته الكامنة.

ما أن تنفجر حتى تنبثق منها غيمة هائلة، وفي أجزاء قليلة من الثانية الأولى ستصبح بحجم المجموعة الشمسية، ثم تهدأ حرارتها حتى تبلغ مائة مليار درجة مئوية لا غير، ومع استمرار تبريد هذا الحساء الكوني وبعد ثلاث دقائق من الانفجار العظيم تشكلت النواة الأولى، وبعد ثلاثمائة ألف سنة ولدت الذرات الأولى للهيدروجين ذو القدرة العجيبة على التطور كمادة بدائية أولى لكل ما هو قادم، لينجب من اتحاد ذراته مادة الهيليوم، التي تجمعت مكونة غيوماً غازية تشبه الضباب الكثيف، وصار واضحا أن الثبات ليس من خصائص هذه المادة، بل أن ما يميزها هي خاصية الصيرورة المستمرة، وأنها خاصية تنسحب بالضرورة على كل ما ينتجه هذا الكون المولود والمتمدد بصورة انفجارية، فبعد ثلاثة مليارات عام ظهرت النجوم الأولى داخل زوابع هائلة من غبار النجوم، فتشكلت المجرات، ولكن كان علينا أن ننتظر خمسة مليارات عام لنشهد ميلاد شمسنا الدافئة، ثم خمسة أخرى ليولد كوكبنا الأم.

نحن الآن على صهوة كوكب مجنون، حرارته خرافية، يدور حول نفسه بثلاثة أضعاف سرعته الحالية، والقمر أقرب إليه من منـزلته الحالية بخمسين مرة، يموج بالبراكين والزلازل، غلافه الجوي بلا حماية، وأرضه خراب، لا ماء فيه ولا هواء، ولا أثر لكائن حي، فلا شيء فيه يغري للعيش .. سيمضي على هذا الحال ملياري عام، قبل أن تهدأ سرعته ويبرد، ويملأ قيعانه بماء المحيطات، ويكوّن حوله غلافا من الأوكسجين والغازات، وتتهيأ عليه الظروف لانبثاق أول أشكال الحياة .. ثم مليارين آخرين ليسمح بأول الكائنات أن تخرج للوجود .. ثم بضعة مئات من ملايين السنين ليكسوه غطاء أخضر، وأصناف شتى من الكائنات، ثم ملايين أخرى قبل أن يَنطِق أول إنسان بأول الكلمات ..

خلال هذه الملايين الكثيرة من السنين، امتلأ كوكبنا بأشكال لا حصر لها من الحياة، كانت في كل مرة تُفجع بكارثة بيئية، أو تُصدم بجرم فالت من أطراف السماء، فيحدّق كل من على الأرض مباشرة بعينيّ الفناء، فتجّرب الأرضُ نوعا آخر للحياة، وهكذا تستمر، حتى تنجح أخيرا في تكوين مشهدها الخلاب.

إذن، فقد شكّل الانفجار العظيم بداية تاريخ الكون كما يزعم العلماء، فقبل الانفجار كان العدم المطلق .. كان اللاشيء معلقا في اللامكان في الزمن الصفر، ولا وجود للحركة، ولا وجود أصلا للمادة، ولا حتى قوانين الفيزياء .. لم يكن انفجارا في الفضاء، بل انفجار صنع الفضاء. ولكن من أين جاء هذا الانفجار ؟! ومن أين له كل هذه المادة بطاقتها الهائلة ؟! يزعم العلماء مرة ثانية أن كوننا جاء على أنقاض كون آخر، وُلد قبله بزمن سحيق، لا بل يزعم آخرون أنه مع الانفجار العظيم اختفى جزء من المادة المضادة، ونشأ كون آخر موازي لكوننا، بل كوْنان، أو ربما عدد لا نهائي من الأكوان الموازية !! من يدري ؟ من يملك الإجابة الحاسمة ؟؟ لا أحد بالتأكيد.

إذا كان كوننا قد أتى من رحم كون آخر، فهل ستنشأ بعد فناءه مادة أولية لكونٍ جديد لم يأتي بعد ؟ هل هو مسلسل لا نهائي يفصل بين حلقاته مليارات السنين ؟؟ إذا كانت الإجابة نعم، فإن سؤالنا عن البدايات سيصبح بلا معنى، لأن البداية من هذا المنظور لم توجد أبدا، وكذلك فإن النهاية ستشبه البداية، وحينها ستضيع الأسئلة في المجهول وإلى الأبد. ولكن بدلا من السؤال متى نشأ الكون وكيف، يبقى السؤال الأهم هو: لماذا نشأ هذا الكون ؟

تبدأ قصة الكون ونشأة الحياة منذ لحظة البيغ بانغ، وتمتد من هناك بلا توقف عبر تشكّل الكواكب وتهيؤ ظروفها الملائمة للحياة، ثم انفجارها المدهش في العصر الكامبري، وأخيرا ظهور الإنسان وامتلاكه الوعي، ونشوء التاريخ البشري والذي تُوّج بالعلم، ومن وحي هذه القصة ما زال أمام العلماء والمؤرخين مهمة لم تكتمل بعد، وهي اشتقاق تاريخ الإنسانية وصبّه في مجرى تاريخ الكون. ليدرك الإنسان مكانه ومكانته في هذا الكون. لعله يجيب على أسئلته المؤرقة: هل نحن وحدنا في هذا الفضاء ؟ ولماذا نحن على هذه الأرض ؟ ولماذا هي الحياة ؟

بعد عصور طويلة من عمليات التطور الجارية عبر مليارات السنين، وبعد مليوني عام من ظهورنا لأول مرة، وبعد خمسة آلاف سنة من اختراعنا للقلم، وما بينهما من تاريخ طويل من اللاوعي، نكون أول كائن حي يكتشف نفسه كناتج أخير لهذا المسلسل الطويل من التعقيد، وأول كائن يعي نفسه وما حوله، ولديه القدرة على إعادة رسم هذا الخط الممتد الطويل والعودة به إلى الوراء، حتى بداياته الأولى.

تُشكِّل عمر الديانات السماوية أقل من عشرة بالمائة من عمر الإنسان الحديث، قبلها ولزمن طويل كانت النجوم شديدة التلألؤ، والسماء لا يعكر صفوها شيء، وما أن أحد يمنع الإنسان من التفكير وطرح الأسئلة كما يحلو له، ولكن المشكلة أنه لم يكن قد اهتدى بعد لأدوات المعرفة، في العصر الحديث امتلك الإنسان كل ما يحتاجه من أدوات لسبر أغوار الفضاء، ولكن المشكلة أن السماء تعكرت بفعل التلوث، والأسئلة تم تحريمها من قبل الكهنوت ورجال الدين.

ومع هذا فإن تلسكوب الفضاء "هابل" قد اقتحم أعماق الكون وقدم للعلماء صورا لم يكونوا ليحلموا بها، فإذا كان الإنسان لا يرى بعينيه من نجوم السماء سوى أقل من سبعة آلاف نجمة ويظن أنها كل الكون، فإن "هابل" قد صوّر مليارات المجرات التي تحوي كل مجرة منها مائة مليار نجم على أقل تقدير. وليست المفارقة فقط في هذه الأرقام الفلكية المخيفة، بل في سيل الأسئلة الذي لم يعد بالإمكان منع تدفقه.

أول هذه الأسئلة كيف لنا أن نتصور اللاشيء الذي سبق الانفجار الكبير !! ثم فهم صيرورة الكون المدهشة، وتصور حدوده الممتدة إلى ما نهاية !! وأين هي حدده تلك ؟ وماذا سيكون بعدها ؟ طالما عرفنا أن الكون يتمدد بسرعة فائقة. فإلى أين سيصل بنا ؟! وقبل هذا كله لماذا هو بهذا الحجم الخرافي ؟

الإجابة السهلة التي تمنحنا اليقين: أن الله سبحانه قد خلق هذا الكون وأبدع هندسته لغاية لم ندركها بعد، وأسكننا ركنا قصي منه في كوكب يدعى الأرض. وكفى الله المؤمنين شر التفكير وسوء الظن.

في مقابل هذه الإجابة المطلقة تثور أسئلة عديدة: هل نحن وحدنا من يعي هذا الإبداع في الخلق ؟ علما بأننا لم نكتشف منه سوى النـزر القليل. وهل نستحق هذا التكريم الإلهي؟ علما بأن حياة الإنسان ما هي إلا مسلسل من التعاسة والشقاء؟ وهل هذا الكون بمجراته وسدومه يسير وفق نظام محكم ؟ علما بأن ملايين الإصطدامات بين النجوم وأحيانا بين مجرات بأكملها تحدث في كل لحظة. نجوم تموت وأخرى تنشأ، ثقوب سوداء نهمة تبتلع كل ما يحيط بها. وأكوان عديدة تسبح خارج نطاق الإدراك، وفوق حدود التخيل. فما الحكمة من كل هذا ؟! الأسئلة لا تنتهي، ومهما بدت معقدة فإن كل واحد منا يظن أن لديه الإجابة الصحيحة واليقين المطلق. ولكن إذا حطمنا كل ما ورثناه من تابو ومقدس وما نظن أنه محرم سنعثر على إجابات مختلفة، أو بداية إجابات ليس أكثر، لتتناسل منها أسئلة جديدة. المهم أن لا نكف عن السؤال، لأنه بداية المعرفة.

إذا كان الإنسان بكل غروره وكبريائه لا يشكل أكثر من نقطة في النهر العظيم الذي شكل تاريخ الأرض، فإن الأرض نفسها ليست أكثر من ذرة ضئيلة مقابل كون فسيح. ومع كل هذا، فإن ضئالة الإنسان المتناهية في الصغر أمام فضاء متناهي في العظمة، لم تمنعه أن يعتبر نفسه المخلوق الوحيد في هذا الكون المحظوظ بالحياة، الفرح بها، والمتمسك بتلابيبها، والمدرك لأهميتها وكنهها. وبالرغم من ذلك، فقد اخترع الحروب ليمارس من خلالها عبقرية الفناء .

1 التعليقات:

خلود يقول...

أسئلة مشروعة للغاية ولكن الأهم من السؤال هو الإجابات؟؟ فكلنا نتساءل وكلنا نفكر ونبحر ولكن كم منا استطاع أن يجد اية إجابة لأية سؤال؟؟ يقول البعض أن الواقع الذي تعيشه "أي الحاضر" أهم من كل شيء ... لأن في السعي والبحث عن الإجابات نضيع العمر الذي أصلا هو قصير للغاية ... فلماذا؟؟ السؤال الأهم: لماذا نتساءل؟؟ بحثا عن الخلود؟؟؟ أم الفضول القاتل؟؟ أم محاولة الخروج عن النص؟؟ أم محاولة أن نكون ببساطة "غير"؟؟ لماذا؟؟
ببساطة الإنسان وتراكمات معرفته لا تصل ذرة في علم هذا الكون فلماذا نتعب أنفسنا في التساؤل؟؟؟
ولكن ببساطة دعني أقول" حاضرنا يستحق أن نلتفت إليه أكثر لأنه ببساطة ما نملك فقط ...

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار