أن تزعم
إسرائيل أنها تحارب حماس بلا هوادة، وأنها ستقضي عليها.. فلأنها عدو.. وأن تدعمها
الإدارة الأميركية فلأنها صنيعتها وحليفتها.. وأن تنحاز إليها دول الغرب فلأنهم
جميعاً يشكلون نظاما دوليا غاشما وظالما.. وأن تتواطأ معها الدول العربية وما يسمى
بالوسطاء فلأنهم أضعف من مواجهة إسرائيل وأميركا، أو لأنههم لا يريدون ذلك
لأسبابهم الخاصة.. هذا كله متوقع ومعروف، ومعرفته لا تشكل أي إضافة، والإقرار به
لا يغير من الواقع شيئاً..
أما أن يخرج
فلسطينيون ومن داخل غزة للمطالبة برحيل حكم حماس، فهذا شيء جديد ومختلف في السياق
التاريخي وفي المعاني السياسية والوطنية، ويتوجب علينا فهم أوجه الاختلافات
ودلالاتها، وعلى قيادة حماس أن تتنبه لما يحدث وأن تقرأ المشهد بعناية، وتفهمه
جيداً، وقبل فوات الأوان..
هذه ليست أول
مرة تخرج فيها احتجاجات شعبية ضد حكم حماس في غزة، فقد ظهرت قبل الحرب بسنوات
حراكات شبابية عديدة، مثل "بدنا نعيش"، و"تمرد على الظلم"..
وكانت مطالبها اجتماعية، وقد جوبهت حينها بالقمع والتنكيل، ولم تتحول إلى ظاهرة
شعبية رغم عدالة مطالبها، وتضامن الجماهير (الخفي والخجول) معها.. فقد تعايش أهالي
غزة مع حكم حماس (رغم كل دعوات إنهاء الانقسام) نتيجة شعور عام بالخشية من عودة
الاقتتال الداخلي، إضافة إلى أن الأوضاع المعيشية كانت آنذاك معقولة، وضمن القدرة
على التحمل.
في الأشهر
الأولى من العدوان لم يكن أحد ليجرؤ على الاحتجاج على حكم حماس، أو حتى انتقادها،
ربما خوفاً من مسلحيها عند البعض، أو رهانا عليها من قبل آخرين، أو بسبب التأثر
العاطفي بالخطاب الشعبوي السائد والشعارات المطروحة.. ومع استمرار الحرب ووقوع
المزيد من الخسائر وسقوط الرهانات واحدا تلو الآخر بدأت أصوات عديدة هنا وهناك
تنتقد حماس، وحين تجاوز عدد الشهداء الخمسين ألف، ودون أي بارقة أمل لا بحسم
عسكري، ولا بوقف الحرب، ولا بتحقيق أي منجز سياسي يوازي التضحيات الغالية بدأت
أصوات المعارضة ترتفع، وتتجاوز حدود غزة، ولم يعد بالإمكان التغاضي عن صوت الناس
الحقيقي، الذي حجبته "الجزيرة" وغيرها طوال فترة العدوان بتهويمات
دوغمائية مضللة..
بعد استئناف
العدوان الإسرائيلي بهذا القدر من التوحش، وخيبة الأمل الكبيرة من كل العناصر التي
تم الرهان عليها، وبدء تنفيذ مخطط التهجير أو وصوله إلى مراحل خطيرة وجدية،
وانغلاق الأفق السياسي تماما، شعر أهل غزة بأن الموقف لم يعد يحتمل مراهنات، ولا
مغامرات، ومستقبل غزة وفلسطين وقضيتها بات على المحك..
في أثناء
العدوان تزايدت قناعات الناس بأن حماس لا تعبأ بمعاناتهم، ولا تقيم وزنا لحياتهم،
ولم تبذل جهدا للتخفيف من آلامهم، بل تركتهم لمصيرهم، وبدلا من معاقبة كبار التجار
ولصوص المساعدات.. لجأت لعنف مفرط لمعاقبة من اتهمتهم بالسرقات والتعديات (وهم
الفقراء والأطفال).
تيار جماهيري عريض
وصل إلى قناعة أن كل ما تفعله حماس (الآن بالذات) عبارة عن مقاومة انتحارية، هدفها
الحفاظ على سلطة حماس واستعادة حكمها للقطاع، وبالتالي هذا ليس مشروع الشعب
الفلسطيني، وليست حربه..
مع كل تلك
التراكمات، صارت كل عناصر التفجير متحققة، فجاءت تصريحات بعض قادة حماس بمثابة
الشرارة التي ستشعل الحريق.. وآخرها تصريح سعيد زياد الذي طالب أهل غزة بالصمود
والمقاومة بالأظافر وبلحم أطفالهم..
لهذا تمثَّل
أول رد فعل شعبي بتظاهرة رفعت شعارات: "من حق الأطفال أن يعيشوا بسلام"،
"لحم أطفالنا ليس سلاحاً للقتال في حروبكم"، "دماؤنا ليست رخيصة"..
كما كانت ردا على تصريحات سابقة لقادة حماس، اعتبرت تضحيات الشعب الباهظة وأرواح
عشرات الآلاف مجرد خسائر تكتيكية، أو أوراق ضغط، وغيرها من التصريحات التي تدل على
استخفافهم بالدم الفلسطيني، واسترخاصهم له، واستعدادهم للتضحية بكل الشعب (حتى آخر
طفل) مقابل شعارات أيديولوجية وحزبية.. فرفعت التظاهرات شعار "نرفض نحن نموت"..
وبعيدا عن
التوظيف السياسي للاحتجاجات، دعونا نضعها في السياق الطبيعي، على أنها مطالب شعبية
لإيقاف الحرب، وإزاحة حكم حماس (باعتبارها الآن مبرر إسرائيل الأهم لإطالة أمد
الحرب)، واعتبار الاحتجاجات خروج الناس للتعبير عن رفضهم لفكرة الموت المجاني،
ودون تحقيق أي منجز وطني، وبالتالي هي مطالبة في الحياة فقط.. فهل المطالبة
بالحياة انقلابا على المقاومة؟ وتساوقا مع العدو؟
التظاهرات عفوية،
ولم تتلق تعليمات من أحد، وأعداد المتظاهرين ليست قليلة، وهي في تزايد مستمر، وهؤلاء
يمثلون صوت المواطنين الحقيقي، فهم الذين فقدوا أولادهم وأحباءهم، وخسروا حاضرهم ومصادر
رزقهم ومستقبلهم، هم أنفسهم الذين جاعوا وأكلوا علف البهائم، هم الذين احترقت
خيامهم، وناموا في العراء، وتجمدت أطرافهم من البرد وتحت المطر، ومن نهشت الكلاب
جثث موتاهم، ومن بحثوا عن أحبتهم تحت الردم وبين الأنقاض، هم الذين داستهم
الدبابات، وقتلهم رصاص القناصة في رحلة بحثهم عن كيس طحين، ومن خرج أولادهم لجلب
غالون ماء ولم يعودوا، الذين عانوا جشع التجار والسماسرة، ومن لصوص البيوت
المتروكة، وتجار الكوبونات، ومن جحيم الفلتان الأمني، الذين رغم القصف ظلوا في
خيامهم وبيوتهم الآيلة للسقوط وصمدوا وأفشلوا مخططات التهجير..
باختصار، هم من
عاشوا ويلات حرب الإباده عاماً ونصف، كل واحد فيهم مجروح ومكلوم، ولا يحق لأحد المزاودة
عليهم، أو اتهامهم بغدر المقاومة، لأنهم هم الممثل الحقيقي للمقاومة، ومن مارسها فعلياً..
وكل من هم خارج غزة لم يقدموا لهم شيئا سوى الخذلان والمتاجرة بدمهم.
في الأحوال الطبيعية يختار الشعب من يحكمه من خلال الانتخابات، أما حين
يتعرض لخطر وجودي وتتهدد مصالحه فيحتج ويطالب بإزاحة من لا يريده أن يحكمه، وهذا
طبيعي ومشروع.. من تفاجأ
بتظاهرات غزة هم الذين غسلت الجزيرة أدمغتهم بأخبار وتحليلات منفصلة عن الواقع.. ومن
غضب منها أولئك الذي استراحوا طويلا في جنة أوهامهم، فجاءت الاحتجاجات لتصدمهم
بالحقيقة المرة.. أما بيان "إيدي كوهين" فهو لعبة استخباراتية خبيثة وطعنة
في ظهور المحتجين، لأن اسرائيل معنية بالحفاظ على الصورة التي رسمتها للعالم أن كل
أهالي غزة مؤيدون لحماس، ويدعمون "الإرهاب"، ويستحقون الموت. وهذه التظاهرات
تكشف زيف الدعاية الإسرائيلية، وتسقطها..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق