أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

سبتمبر 30، 2026

في وداع الأشياء


من وُلدوا في ستينيات القرن الماضي، قبل أو بعد ذلك بقليل، يعيشون اليوم حالة نفسية مربكة، أشبه ما تكون بحفل وداع معذبٍ ومضنٍ، أبناء هذا الجيل شهدوا أعمق التحولات وأكثرها غرابة ربما في تاريخ البشرية كلها، ففي هذه الحقبة الزمنية الممتدة نحو ستة عقود طرأت على حياتنا، وعلى عموم الكوكب جملة من المتغيرات الشمولية بتداعيات شديدة وممتدة، وبإيقاع متسارع لدرجة منهكة تجعلنا عاجزين حتى عن استيعابها ومواكبتها والتأقلم معها، سواء على الصعيد الشخصي والعاطفي، أم فيما يتعلق بأنماط الحياة والمظاهر الاجتماعية.. فضلا عن التغيرات السياسية التي سأتجنب الحديث عنها هنا. كان المشهد الطاغي في هذا المسرح مشهد الوداع..

منذ أن تفتح وعينا على هذه الدنيا، كنا في كل سنة نودع مشهدا لن يتكرر، ولن يعود.. بشخوصه وظروفه وملابساته.. كل مشهد سأذكره لم يختبره من عاشوا قبلنا، ولن يدركه من جاؤوا بعدنا، إلا من باب التخيل، كمن يتخيل أكلة شهية لكن دون رائحة ولا مذاق..

ودّعنا الحرب الباردة، وتهديدات ريغان بحرب النجوم، ومنظمة كانت مهمة تدعى دول عدم الانحياز، وشاهدنا انفراط الاتحاد السوفيتي، وحلف وارسو، ويوغوسلافيا، وتوحد ألمانيا، وانتصار إنسانية مانديلا..

عشنا في زمن كاسترو، وتيتو، وماوتسيتونغ، وأنديرا غاندي، وبنازير بوتو، وجاك شيراك، وأولوف بالمة، وميركل، والأميرة ديانا.. 

اختبرنا مشاعر العزة في خطابات عبد الناصر، والخوف في ظل نظام الأسد وأجهزته القمعية وسجونه الفظيعة، وتابعنا بأسى أخبار حروب اليمن الداخلية غير المفهومة، واحترقنا في أتون حرب لبنان الأهلية، سحرتنا شجاعة ياسر عرفات، وكاريزمة هواري بو مدين، وتقدمية الحبيب بورقيبة، وحكمة الحسين بن طلال، وسخرنا من مشاكسات القذافي، وارتعبنا من قسوة صدام ومن حروبه التي لا تنتهي، وحيرتنا حيادية قابوس وروقان العمانيين..

عشنا بطولات الفدائيين لحظة بلحظة.. أبو إياد، وجورج حبش، وخليل الوزير، ودلال المغربي..

ودعنا هؤلاء جميعاً.. وانتظرنا طويلا أن يملأ أحد الفراغ الذي تركوه.. دون طائل.. ويبدو أننا ودعنا مرحلة سياسية كاملة بلا رجعة.

الجيل الذي سبقنا كان يراقب موجات المهاجرين اليهود القادمين من أطراف الدنيا، ويرى كيف يستولون على البلاد شبرا شبرا، حتى خسرناها كلها، وودعناها بالنكبة.. اليوم نرى قطعان المستوطنين وهم يقضمون ما تبقى من البلاد قرية قرية.. وصرنا نقول بحسرة: زمان كنا نطلع من رام الله إلى جنين أو نابلس في نص الليل، ونروح على الخليل في أي وقت.. ونسافر على الجسر بعد المغرب، ونطلع رحلات صباحية إلى البراري القريبة، ونصل لحد بحر يافا.. وإذا لم نستفق سنصحو على كابوس..

خسائرنا ليست فقط في الأوطان.. والأسماء التي ودعناها ليست كلها سياسية؛ ودعنا أم كلثوم، وعبد الحليم، وفريد الأطرش، وفايزة أحمد، ووديع الصافي، ونور الشريف، وأحمد زكي، ونادية لطفي، وفاتن حمامة..

كما ودعنا محمود درويش، ونزار قباني، والبياتي، ونجيب محفوظ، وغسان كنفاني، وعبد الرحمن منيف.. وهؤلاء أيضا لم يعوض غيابهم أحد..

في الحياة الاجتماعية ودعنا صوبة الفوجيكا، وأجهزة الفيديو، وشرائط الكاسيت، والجريدة الورقية، والرسائل المعطرة التي كانت تنتهي دوما بعبارة "والذكرى ناقوس يدق في عالم النسيان"، والحمد لله إنه ما حدا عاد يكتبها.. ودعنا فيلم السهرة كل خميس، والمسلسل العربي بعد أخبار الثامنة..

بعد كل هذه الوداعات، نكون قد ودعنا أيام النشاط والحماسة والركض، وجولات الجدالات الساخنة والتقاتل على تعريف المصطلحات وتصنيف الآخرين.. وبدأنا نشعر بأثر الوداعات الشخصية..

مع كل عزيز غادر عالمنا إلى الأبدية كان يأخذ معه قطعة من قلوبنا (كما عبّر جبران) حتى كادت تذوي.. ويترك مكانها ذكرى بعيدة، في هذه المرحلة تكثر الغيابات، فتتزاحم الذكريات، ثم لا يعود لها متسع لكثرتها، أو تدعكها وطأة الحياة.. وهكذا تتحول حياتنا السابقة ومعها أحبائنا وأصدقائنا إلى كومة ذكريات تثور بين فينة وأخرى، وأحيانا تحرمنا النوم.. وبذلك تغدو حياتنا الراهنة بما تبقى فيها من سنين مجرد هواجس وحنين وأطلال..

ثم نصحو على أنفسنا، فنكتشف ما ودّعناه من أجسادنا، وما تركته السنون من علامات على وجوهنا وظهورنا وصحتنا..

مع كل هذه الوداعات، ورغم كل تلك الخسائر، والمشاهد التي لن تتكرر، ومع الأحزان على كل من فقدناهم.. في كل صباح أحاول أن أفرح، أفتّش عن الفرح وإذا لم أجده، أفرح لفرح غيري..

أتذكّر أن الله يمنحنا في كل يوم حياة جديدة: طلعة بهية للشمس، وطاقة متجددة، ونهاراً آخر، وخيارات لا حصر لها في كل الاتجاهات، وأملاً بتغيير نحو الأفضل، وحلماً سأشتغل عليه، وأناساً نبتسم لهم ويبتسمون لنا، ومدنًا جديدة لنكتشفها، وروايات لنقرأها، وموسيقى لنسمعها، وأسئلة تبحث عن إجابات، وهدفاً نسعى لتحقيقه، وأحباء نعيش من أجلهم كما نعيش لأنفسنا قبل أيّ شيء، وذكريات جميلة، وأطيافاً نورانية تحلّق من حولنا لمن غادرونا مبكرين.


سبتمبر 23، 2026

أشياء محيرة


من الأشياء التي طالما حيرتني في الكتب والأفلام التاريخية مسألة اختيار مواقع الحروب والمعارك.. إذا استثنينا المعارك والغزوات التي كانت تغير فيها قبيلة على أخرى في عقر دارها، والحروب التي كانت تتجه فيها الجيوش الغازية إلى المدن والقلاع فتدك أسوارها أو تحتلها.. سنجد حروبا ومعارك كثيرة كانت بعيدة جغرافيا عن التجمعات السكانية، وخارج المدن..

خذ مثلا في التاريخ الإسلامي غزوة بدر وأُحد وحنين.. أو معارك الجمل وصفين.. أو معركة حطين وعين جالوت..

في غزوة الأحزاب هاجمت قوات قريش المسلمين في المدينة المتحصنين خلف الخندق.. في غزوات بني النضير وبني المصطلق وغيرها هاجم المسلمون أعداءهم في عقر دارهم.. هنا الوضع طبيعي وليس فيه ما يستدعي السؤال بخصوص موقع الاشتباك، أما في غيرها من المعارك لا بد أن نتساءل: كيف ولماذا تم اختيار موقع المعركة؟

هل كانت مراسلات بين الأطراف المتحاربة، وتم الاتفاق على اختيار الموقع؟ مثلاً شو رأيك عند جبل أحد موقع مشرف وإطلالة جميلة؟ أو عند بئر بدر حتى نتمكن من سقي الإبل والخيل؟ أو دعنا نختار موقعا وسطاً حتى نختصر الطريق على الجنود، ونوفر الكثير من أعلاف الخيل؟

طيب، لنفترض أن الجيشين اتفقا على موقع معين، ووصل الجيش الأول إلى الموقع وأخذ ينتظر وصول العدو، ما الذي يجعل الجيش الثاني يلتزم بموقع المعركة؟ ماذا لو غدر بالجيش الأول وتوجه مباشرة إلى مساكن وتجمعات العدو المدنية، وأخذ الأطفال عبيدا والنساء سبابا؟ وبذلك يحسم المعركة دون خسائر.. قد يجيب البعض أن النخوة والشهامة العربية وأخلاق الفروسية تمنعه من الغدر، وتلزمه بالمواجهة برجولة وشجاعة.. طيب أين كانت تلك القيم النبيلة حين يغير الجيش على مرابض العدو دون سابق إنذار؟ أليست الحرب خدعة؟ كما أن هذه الإسئلة مطروحة إزاء كل ما يتعلق بحروب وغزوات الأقوام الأخرى من روم وفُرس ويونان وعجم وغيرهم.. هل هي النخوة البيزنطية والشهامة الزرادشتية والشجاعة الإغريقية؟

اعتدنا في الأفلام التاريخية على مشهد منازلة قائد الجيش لنظيره قبل بدء المعركة، أو فارس مغوار من الطرف الأول مقابل فارس آخر في مبارزة بالسيوف بانتظار من سيقتل الآخر.. قبل المبارزة تجري مفاوضات سريعة بين القائدين قد تنهي المعركة قبل بدئها، ويعود كل طرف من حيث أتى.. أو تفشل المفاوضات وفي هذه الحالتين يظل الجيش منتظرا (في وضعية الطيران) يتفرج على قائده وبانتظار مقتله ليصيح غاضباً متوعداً ثم يبدأ بالقتال؟ فروسية أيضاً؟!

مع ذلك، يا ريت يرجع هذا النظام، فيقف أبو مازن قبالة نتنياهو، أو مجتبى خامنئي مقابل ترامب.. ويتفاوضان، أو يتبارزان بالمسدسات، وبذلك ينتهي الصراع..

في غزوة تبوك زحف جيش المسلمين من المدينة شمالاً مسيرة شهر.. وكان عددهم بضعة آلاف.. لماذا بقي جيش الروم في انتظارهم وهم الأكثر عددا ولم يقطعوا عليهم الطريق؟

سؤال آخر: لماذا في عهد الإمام علي انتقل الصراع فجأة من نطاق الحجاز والجزيرة العربية إلى العراق والشام؟ وكيف تضاعفت أعداد الجيوش مرة واحدة من بضعة آلاف إلى عشرات ومئات الآلاف؟ ولماذا تم اختيار موقع أذرح جنوب الأردن لعقد المفاوضات الشهيرة بين أبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص لإنهاء معركة صفين التي جرت على ضفاف الفرات شرق سورية؟

من المشاهد المحيرة أيضا، قائد الجيش وهو يمتطي صهوة جواده ويخطب في صفوف المقاتلين، ويحرضهم على الهجوم والتضحية، ويردد أبياتا من الشعر، أو مقولة مقدسة، أو يعلن عن خطة المعركة وكيفية انتشار الفِرق وتوزيع الفرسان والرماة.. السؤال: كيف يصل صوته إلى الجنود في الصفوف الخلفية والبعيدة؟ يعني مثلا في وقتنا الراهن نكون في ندوة ثقافية في صالة صغيرة مغلقة ويبدأ الضيف بالحديث وبمجرد أن يتعطل الميكروفون نبدأ بالصراخ: صوت صوت.. مش سامعين.. كيف كان القادة زمان يخاطبون التجمعات العامة دون ميكروفونات وسماعات؟ ما تقللي صدى الصوت، وهندسة البناء، والمسافة المحسوبة بين الجدران.. نتحدث عن لقاءات كبيرة وحاشدة في ساحات مفتوحة..

مسألة أخرى: قديماً لم تكن تقنية التصوير معروفة، ولأن السلطان مقيم في قصره ولا يختلط بالعامة، سيعيش الآلاف من شعبه ويموتون دون رؤيته ومعرفة شكله ومعالم وجهه.. ماذا لو قام شخص ما بارتداء زي فخم وأحاط نفسه بموكب من الخيالة والفرسان وذهب إلى بلدة نائية وقال لهم أنا السلطان؟ أو أرسل مندوبا إلى دولة مجاوره وأعلن عليها الحرب؟؟ أليس ذلك ممكنا على الأقل نظريا، طالما أن البشرية عرفت كل أشكال النصب والاحتيال.

سؤال آخر محير: عندما كانت جيوش المسلمين تصل إلى البلاد المفتوحة، كانوا يرسلون وفداً إلى ملكها ويخبرونه أنه أمام ثلاث خيارات: اعتناق الإسلام، أو دفع الجزية، أو القتال.. وأمام الدولة ثلاثة أيام فقط لتقرر وتختار.. كيف يغير شعب بأكمله دينه خلال ثلاثة أيام؟ أو على الأقل يعلن قبوله المبدئي بدخول الدين الجديد، على أن يفهمه ويتعلمه لاحقاً.. وكيف سيعمم الملك الخبر على عموم الشعب؟ وهل سيأخذ برأيهم؟ مع تذكر أنه في تلك الأزمنة لم تكن وسائل التواصل السريع قد ظهرت بعد، وأي خبر أو مسألة تحتاج أسابيع وأشهر حتى تعمم على الجميع.. في وقتنا الراهن مثلا لو نشبت مشكلة بين سكان عمارة على تنظيف بيت الدرج ستحتاج أسابيع وربما سنوات لحلها..

هذه مجرد أسئلة للتفكر، وليست للتشكيك برواية معينة، بل للبحث عن إجابات علمية غير تلك التي نشاهدها في الأفلام.. وغير الإجابات السريعة والجاهزة.. مع قناعتي بأن معظم من كتبوا التاريخ تلاعبوا به وفق أهوائهم ومصالحهم.. لذلك، نحن بحاجة للتفكر والتمحيص في أصغر التفاصيل، لأنها هي التي تكشف هشاشة الرواية، أو تثبتها..


سبتمبر 21، 2026

خطأ إستراتيجي

خطأ إستراتيجي

ذكرت في مقالات سابقة أن الخطأ الأهم الذي وقعت فيه الثورة الفلسطينية، وكان أحد أسباب تراجعها وإخفاقها هو أنها كانت تسير بلا إستراتيجية واضحة ومتفق عليها.. ومع ذلك يمكن القول أن الفلسطينيين بشكل عام ساروا ضمن إستراتيجية ما، غير مكتوبة، أو غير مفصلة بشكل واضح، وهي إستراتيجية إدارة الصراع وإدامته..

وعادةً في الصراعات الكبرى يتبنى كل طرف إما إستراتيجية الهجوم، أو الدفاع.. وفي الحالتين يتوجب على كل طرف ممارسة "إدارة الصراع" إلى أن يتمكن من الحسم، أو يقترب منه..

فمثلاً؛ مع إن إسرائيل تواصل إستراتيجية الهجوم المتصاعد والمتراكم منذ قيامها وحتى اللحظة، لكنها في الوقت نفسه تمارس "إدارة الصراع"، لأنها لم تتمكن من حسمه، ورغم كل ممارساتها الإجرامية وما وصلت إليه من حالة قوة غير عادية لم تقترب من الحسم.. بيد أنها أنهكت الفلسطينيين إلى حد كبير.. في المقابل رغم كل النضالات والتضحيات إلا أن الفلسطينيين لم يحسموا الصراع، وهم الآن في طور التراجع، بيد أنهم ما زالوا قادرين على الصمود والبقاء وإفشال المشروع الصهيوني.

منذ انطلاقة الثورة في ال1965، وحتى بدء حرب الإبادة في 2023.. تمحور النضال الفلسطيني حول إستراتيجية الدفاع، أي البقاء.. رغم الشكل الظاهري للهجوم؛ فالعمليات الفدائية والانتفاضات وأشكال المقاومة الشعبية وكل المبادرات السياسية والهجمات الدبلوماسية والقانونية والإعلامية.. كلها كانت تسير وفق المنهج ذاته.. أي منهجية الصمود والبقاء.. فالضربات العسكرية كانت كلها محدودة من حيث عدد القتلى في صفوف العدو، ومن حيث الأثر السياسي والإعلامي والمعنوي.. هذا لا يقلل من شأن الكفاح الفلسطيني؛ بل هذا هو الشكل المطلوب المتناسب مع موازين القوى والمعادلات السياسية الإقليمية والدولية، والمتناسب مع قدرات الشعب ومدى تحمله.. أي إنه خيار حتمي..  

لكنَّ زخم الثورة وعنفوانها، وصدى العمليات الفدائية، والأثر المعنوي لكل انتفاضة، وعمليات التحريض، وحماسة الخطاب، والشعارات المعلنة، إلى جانب الخطابات الشعبوية.. كلها خلقت انطباعات عامة لدى قطاعات واسعة من الجماهير بأننا لسنا في حالة دفاع، بل في قلب الهجوم.. وعلى هذا الهجوم أن يتواصل ويتصاعد، مع قناعة راسخة بقرب ساعة الحسم، وإمكانية تحقيقه.. كل ما يلزم مزيدا من العمليات الفدائية، وتصعيد الاشتباك اليومي مع العدو، وإعلاء نبرة الخطاب، وبناء تحالفات مع قوى دولية، أو بالاعتماد على الشارع العربي والإسلامي.. حينها ستكون ثمار النصر قد نضجت، وكل ما نحتاجه زعيم مخلص يقطف الثمرة..

للأسف هذه مجرد تمنيات وأهداف طموحة، تصلح لقصيدة أو لخطبة ثورية أو لكلمات الصباح في الإذاعات المدرسية.. لكنها في سوق السياسة وعلى أرض الواقع لا شيء، ونتائجها كارثية.. ليس لأنها خطأ، بل لأنها تأتي ضمن الإستراتيجية الخطأ.. أي إستراتيجية الهجوم المبنية على فرضية إمكانية حسم الصراع بالضربة القاضية.. 

إستراتيجية الهجوم المبنية على فرضية إمكانية حسم الصراع بالضربة القاضية، تختلف كليا عن إستراتيجية الدفاع والبقاء والصمود.. ولكل منها أدواتها وآلياتها وأساليبها وخطابها السياسي والإعلامي المختلف.. والخلط بينهما يقود إلى الكوارث، وينم عن قُصر نظر وسوء تقدير.. لأن البند الأهم في أي إستراتيجية وحتى تتمكن من تحقيق غاياتها أن تكون مبنية على ما يسمى "تقدير الموقف".. وتقدير الموقف يُبنى على جملة واسعة من العوامل الذاتية والموضوعية، وعلى قراءة متبصرة للواقع المحيط، وتحليل علمي دقيق لموازين القوى وطبيعة المعادلات السياسية القائمة، وطبيعة النظام الدولي المهيمن، ونقاط قوة وضعف العدو.. وكل خلل في تقدير الموقف يتسبب في إخفاق أو تراجع أو هزيمة كبرى..

عندما أعدت حماس "تقدير موقف"، بنته على أساس أننا في مرحلة هجوم وحسم (وعد الآخرة)، ورأت موازين القوى من خلال شعار "أوهن من بيت العنكبوت"، وقرأت كافة المعطيات بعقلية غيبية، وبأدوات ومعايير طوباوية، وتعاملت مع السياسة بمنطق الأيديولوجيا، وذخيرتها الشعارات والخطابات.. ثم قررت هجمات 7 أكتوبر، فكانت الكارثة والنكبة.. لأن تقديرها للموقف كان خاطئا من البداية، وبالتالي كل الخطط المبنية عليه فاشلة..

إذا كان الواقع السياسي قبل حرب الإبادة يعطي الفلسطينيين هامشا للتحرك (يصغر ويكبر تبعا للظروف)، ويزودها بأدوات (ولو بسيطة) للاقتحام والمبادرة وخوض أشكال متعددة من النضال والاشتباك (سياسيا وشعبيا)، ويمنح القيادة مساحة معينة للمناورة ولقول لا أحيانا أو لعم أحيانا أخرى.. فإن نتائج حرب الإبادة قد قلصت كل تلك الهوامش إلى أصغر حد..

إضافة للخسائر البشرية الفادحة في الأرواح، والتي لا تعوض، فإن الخسارة الكبرى ستكون في مفهوم المقاومة نفسها، بما فيها المقاومة الشعبية.. غزة خرجت من المعادلة، وستحتاج عقودا طويلة قبل أن تستعيد جزءا من روحها وعافيتها.. في الضفة الوضع خطير ومخيف.. مواجهة بسيطة مع الاحتلال أو ضد قطعان المستوطنين تكلف أثمانا بشرية وسياسية ومادية باهظة جدا.. والأسوأ من ذلك أنها لن تكون مجدية سياسيا في المدى المنظور..

للخروج من هذا المأزق ولمواجهة كل هذه الأخطار التهديدات الوجودية، ينبغي أولاً أن نستأنف كفاحنا الوطني ضمن إستراتيجة البقاء والصمود.. وهذه لها أدواتها وأولوياتها وقادتها وخطابها الخاص..

باختصار، نتائج وتداعيات حرب الإبادة خلقت واقعا جيوسياسيا مختلفا كليا عما سبقها، وأوجدت معادلات جديدة كل من لم يستوعبها سيعرض نفسه لخطر الانقراض.. وأمام هذا الواقع الظالم، والهجمة الصهيونية الأميركية الشرسة، وفي ظل المعادلات الإقليمية القائمة فإن أفضل وأهم ما يمكننا إنجازه، هو البقاء.. البقاء فوق الأرض الفلسطينية، والحفاظ على وحدة الشعب، ووحدانية تمثيله السياسي، وعلى كيانه الوطني، وإبقاء جذوة النضال متقدة، وإبقاء القضية الفلسطينية حاضرة في الأجندات العالمية..

هذه ليست مجرد واقعية سياسية، هذه محاولة استنهاض وطني بتحديات كبيرة دونها خرط القتاد.. وأهم ما يتوجب إسقاطه بدايةً: خطاب الشعارات والعنتريات والشعبوية والمزاودات..


سبتمبر 15، 2026

في الحالة الفلسطينية، من يحاسب من؟

 

في تصريح لعضو اللجنة المركزية لحركة فتح ماجد فرج قال فيه: "حتى تدخل حماس في النظام السياسي الفلسطيني، عليها أن تعتذر للشعب الفلسطيني عمّا تسببت به من كوارث أضرت بالقضية الفلسطينية، قبل الانقلاب وبعده، وبعد هجمات 7 أكتوبر..".. رد عليه القيادي في حماس باسم نعیم: "إذا كان على حماس أن تعتذر عن 7 أكتوبر، فعلى السيد ماجد فرج أن يطالب حركة فتح أولا والرئيس الراحل أبو عمار رحمه الله في قبره بالإعتذار عن كل "الكوارث" التي تسببوا بها لشعبنا على مدار عقود في فلسطين وخارجها، وكان آخرها إنتفاضة الأقصى، والتي تسببت بإعادة احتلال الضفة في عملية السور الواقي وقبلها في الأردن ولبنان وحرب الخليج الأولى وغيرها"..

قوبل التصريحان بحملة اتهامات متبادلة، وكل طرف يريد من الآخر الاعتذار.. المزعج في الموضوع أن كل طرف يفهم الاعتذار وكأنه مسبة وإهانة، أو حبل مشنقة.. أي وصف سيء حتى يتجنب الاعتذار..

في تصريحات باسم نعيم جانب من الصواب؛ أي مطالبته القيادة الفلسطينية بالاعتذار عن كل "الكوارث" التي تسببوا بها لشعبنا على مدار عقود في فلسطين وخارجها، وأضم صوتي له ولكن مع استبدال كلمة اعتذار بالمراجعة والنقد الذاتي ومحاسبة كل من أخطأ.. هذا من واجب القيادة ومن حق الشعب الفلسطيني.. ليس لأن الاعتذار بحد ذاته شيء سيء، بل لأن المطلوب ما هو أهم وأقوى من الاعتذار: المراجعة والنقد والمحاسبة، ولأن حركة فتح الفصيل التاريخي وباعثة الحركة الوطنية المعاصرة، وصاحبة الحضور الأكبر في الثورة الفلسطينية، ولأنها هي من صنعت تاريخنا الحاضر (بسلبياته وإيجابياته)، ولأنها تقود المنظمة والسلطة، ولاعتبارات أخرى كثيرة.. عليها قبل أي طرف آخر أن تبادر وعلى الفور بعمليات مراجعة شاملة تتضمن نقدا ذاتيا جريئا وموضوعيا لكافة المحطات والمراحل السابقة، هذا استحقاق تأخر كثيرا، وبدون مراجعات فكرية لكل الشعارات والبرامج المطروحة، وبدون محاسبة كل من قصّر ومن أساء ومن أخطأ.. سنظل في دوامة الفشل، ولن نتقدم خطوة..

الأمر الآخر الأكثر إزعاجا اعتقاد البعض (وخاصة حماس) أنهم فوق النقد.. والترويج على وصف حماس ب"الحركة الربانية"، و"المباركة"، وأنها "تمثل المقاومة"، و"مضحية".. وحتى لو كان هذا صحيحا (وهو غير صحيح من وجهة نظري)، فهذا لا يعفيها من النقد، ولا يعفيها من تحمل مسؤوليات قراراتها وسلوكها، ولا يمنع الشعب من مساءلتها ومحاسبتها.. فلا أحد فوق النقد، ولا وجود لحركة مقدسة، المقدس الوحيد هو دماء الناس التي سُفكت بلا مبرر، وحيواتهم التي أهدرت بالمجان.. ومن تسبب بذلك عليه مواجهة عقبات فعلته، وتحمل المسؤولية كاملة.. سواء حماس أو غيرها..

وإذا كان البعض يعتقد أنها حركة ربانية، فأود تذكيرهم بأن الله سبحانه وفي كتابه العزيز لام النبي الكريم شخصيا، ولام الصحابة، في العديد من الآيات القرآنية الواضحة، في سورة "عبس"، وفي الآيات التي تناولت معركة أحد، ومعركة الخندق، ومعركة حُنين، وغزوة تبوك، والتي تحدثت عن المرجفين والمنافقين والمتخلفين عن الزحف، ومن خافوا وارتعبوا، ومن يئسوا وظنوا بالله الظنونا، وأيضا في قصص الأنبياء السابقين نجد لوماً ونقداً. بوسع أي شخص مراجعة تلك الآيات، والتي تُفهم كممارسة قرآنية للنقد الذاتي والتوجيه والوعد بالمحاسبة.. ولا أظن أن حماس أهم من الأنبياء والصحابة..

النقطة الثالثة في هذا السياق: صحيح أن كل طرف مطالب بالنقد وتحمّل المسؤولية، والاعتذار عن أخطائه، الصغيرة والكبيرة منها.. لكن يجب التنويه إلى أن حجم الأخطاء وتداعياتها يتفاوت وبشكل كبير جدا.. لنأخذ مثلا قرار الذهاب إلى أوسلو، بوصفه حدثا مفصليا، أثار الكثير من الجدل وما زال، حتى أضيع وقت القارئ بقراءة السياقات التاريخية والجيوسياسية التي أفضت إلى أوسلو لنذهب مباشرة إلى النتائج: أوسلو أعاد مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى وطنهم فاستقروا فيه، وتكاثروا وهم الآن بحدود المليون شخص.. فعادت فلسطين نقطة جذب بعد أن كانت عامل طرد لو استمرت في ذلك المسار لخلت من سكانها.. وبرأيي هذا منجز بالغ الأهمية.. كما أن أوسلو فتح آفاقا سياسية غير مسبوقة لو قيض لهذا المسار النجاح لكنا الآن في وضع أفضل مائة مرة مما هو الآن (عوامل النجاح كانت متوفرة، لكن تحالف اليمين المتشدد من الطرفين أجهضها). وفي النتيجة ومع فشل مسار أوسلو إلا أنه أسس لنواة دولة، وبنى مؤسساتها، من نظام صحي وتعليمي وبنية تحتية وأمن وقضاء.. مع علاقات ممتازة مع العالم، ومكّن الفلسطينيين من البقاء ومن ممارسة حياتهم بشكل ما، رغم كل المنغصات والمعيقات وأشكال السيادة المنقوصة والمستلبة.. إلا أنها أفضل بما لا يُقارن مع النتائج الكارثية لقرار 7 أكتوبر.

بالنسبة لانتفاضة الأقصى التي يطالب باسم نعيم بالاعتذار عنها؛ فهي أولا حافظت على طابعها الشعبي، وتبنت الوسائل المناسبة لقدرات شعبنا، والمتلائمة مع نهجه المقاوم، وحازت على تعاطف العالم. وكانت تضحياتها في حدود المتحمّل؛والأهم أن من أفشلها ونزع عنها طابعها الشعبي، وحولها إلى هزيمة هو نهج العمليات الانتحارية التي نفذتها حماس.

المحطات الأخرى التي تستوجب المحاسبة: الانقلاب وإحداث الانقسام، وجر القطاع إلى حروب عبثية لم نجنِ منها سوى الدمار والخراب، وآخرها هجمات 7 أكتوبر، التي تقمصت شخصية الجيش النظامي، وبالتالي جلبت إدانات الدول والأمم المتحدة التي وصفتها بالجرائم. أما نتائجها فكانت كارثية بالكامل، ودون أي منجز، بل بالعكس أعادت احتلال غزة، وأعادت القضية إلى زمن الوصاية. بل إنها قوضت مفهوم المقاومة نفسه، وجعلته أبعد منالا..

في الخلاصة، في تاريخ النضال الفلسطيني الكثير جدا من الأخطاء، من قِبل الجميع: قرارات، مواقف، اصطفافات، ارتجال، فساد، فوضى، تعصب، ارتهان للأجندات الخارجية، حرف البوصلة، خلق الذرائع وتقديمها هدايا للعدو، استدعاء الوصاية.. وهذه كلها تحتاج مراجعات ونقد ذاتي ومحاسبة ومساءلة.. وهذه في الأصل (أي المحاسبة والمراجعة) جزء أساسي من العمل السياسي والتنظيمي والنضالي، بل هي الجزء الأهم.. لكن أصحاب العقول الأيديولوجية المغلقة ومن يحيطون أنفسهم بهالات مزيفة من القداسة يخشون المراجعات والنقد والمحاسبة، لأنهها ستعريهم، وتكشف زيف شعاراتهم، وتقوض بنيانهم الفكري والسياسي المتهافت..

الدماء التي سُكبت، وعذابات الأطفال، ومعاناة الغزيين وقهرهم وذلهم وجوعهم والأرواح التي قبضت قبل أوانها، وزجت في حرب دون إذنهم، ورحلوا عنا قبل أن تتاح لهم فرصة الاحتجاج على قتلهم.. لهؤلاء جميعا حق ودين علينا أن نحاسب من جرنا إلى هذه النكبة.

سبتمبر 14، 2026

السفر عبر الأزمنة

 

التنقل عبر الأزمنة حلمٌ راود معظم علماء الفيزياء، وشكّل مادة خصبة لمئات المسلسلات والأفلام السينمائية، سواء من وحي الخيال العلمي، أم بإسقاطات سياسية واجتماعية.. وفي الحقيقة هو موضوع شيق ومثيرـ وربما تمنى الكثير منا لو ركب آلة الزمان وسافر بها إلى زمن آخر، إما للهروب من واقعنا البائس، أو لعيش تجربة جديدة ومثيرة.. لكننا سنحتار إلى أية جهة سنسير؟ للمستقبل، حيث لا يعرفنا أحد، فنعيش غرباء عن الناس وعن التقنيات التي سنعجز عن فهمها وكيفية التعاطي معها! أم إلى الماضي، وبالتالي سنُحرم من كل وسائل الراحة والترفيه التي تعودنا عليها! وفي الحالتين، لنفترض أن أحدنا نجح فعلا في الانتقال إلى زمن آخر، هل سيألف البيئة الجديدة، وينسى أهله وأحباءه؟ أم سيشتعل قلبه حنينا ويعود أدراجه على الفور؟

مبدئياً، التنقل عبر الأزمنة من وجهة نظر علمية أمرٌ مستحيل، هو ممكن افتراضياً بحسب "النظرية النسبية" التي تتنبأ بتباطؤ الزمن مع زيادة السرعة، ليصبح صفرا عند مساواته مع سرعة الضوء، ومن بعدها يتحول إلى السالب.. أي يعود للماضي، أو ينتقل للمستقبل كما في المثال الشائع عن شاب سافر على مركبة فضائية بسرعة تقترب من سرعة الضوء وعاد بعد ساعات ليجد أقرانه صاروا شيوخا أو متوفين..

لكن المسألة من ناحية فيزيائية مستحيلة، ومن ناحية منطقية أيضا مستحيلة ومربكة للعقل، حيث سنواجه معضلة الحفيد والجد؛ فلو عاد شخص ما سبعين سنة للوراء مثلا والتقى بجده، وقتله أو أقنعه بعدم الزواج.. فكيف سيأتي للوجود هو شخصياً، طالما أن أبويه لم يلتقيا أصلاً!

لطالما أثارني هذا الموضوع؛ وقد تناولته في العديد من القصص القصيرة التي كتبتها، وفي مقالات عديدة، أحيانا لرغبة مني في محاولة فهم كيفية العيش في الأزمنة المختلفة، وأيضاً في البيئات الجغرافية المختلفة، أي فهم سيسيولوجيا المجتمعات وسيكولوجيا الإنسان في الأمكنة والأزمنة المختلفة، ومحاولة تصور شكل الحياة الاجتماعية في كل بيئة، وإجراء المقارنات فيما بينها.. مع محاولات تطبيق نظرية "أثر الفراشة"، لأرى كيف سيحفز حدثٌ ما جرى في الماضي سلسلة أحداث لا متناهية من بعده وصولا إلى تغيير الحاضر..

كما تأملتُ في هذه المسألة بعناية في الكثير من الروايات التي قرأتها والأفلام التي شاهدتها، إلى جانب التجارب الشخصية لي ولمن سافر إلى بلدان أخرى وعاد بقصص ومشاهدات عنها.. وحتى في القصص المروية عن أيام زمان، بكل ما فيها من تفاصيل صغيرة، والتفاتات قد لا ينتبه إليها الكثير من الناس.

عند قراءة تاريخ وحضارات الشعوب، لا يكفي معرفة من انتصر، ومن هُزم، ومن حكم ومن تآمر على الحكم.. هنالك ما هو أعمق وأهم من التاريخ السياسي؛ التاريخ الاجتماعي بكل تفاصيله: حكايات الناس البسطاء، المهن والحرف، الأسواق ونوعية البضائع المتوفرة، تاريخ الجوع والأوبئة، متى وصلت المراحيض لتلك المجتمعات، الأمثال الشعبية، الأزياء، الأكلات البيتية، الفنون والآداب، أسماء المثقفين المغمورين..

بتلك التأملات، وتتبع ورصد حركة المجتمعات البطيئة في مسارات تطورها، أو تراجعها، أو تبدل معاييرها وتنوع قيمها، وتفاوت مستوياتها، سنلحظ الكثير من التغيرات: في اللهجة المحكية، في المفردات التي تسود ثم تختفي، في الأزياء والمظاهر وأنماط العمران، وتبدل الأذواق في كل شيء تقريبا، بدءا من الموسيقى والأغاني المفضلة إلى تغير أنماط الاستهلاك وشكل وألوان أثاث المنزل، حتى تغيير أنواع الطعام.. وما يسمى "الموضة"، أو "الترند" المنتشر..  

وهذه التغييرات تنتج عن تغير أدوات ووسائل الإنتاج، وعن تغيير المستويات الاقتصادية لطبقات المجتمع، وتغيير النظم السياسية الحاكمة، وعن تدافع الأجيال، وتغيير مستويات الوعي والثقافة، وبسبب الانتشار المكثف لوسائل الإعلام، خاصة الإعلام المجتمعي، وبشكل غير مباشر نتيجة تغيير المعادلات السياسية والاقتصادية على مستوى العالم، وما يتخللها من حروب وصراعات ومعاهدات..

ليس كل تغيير يعني تطور، وليست كل التغييرات إيجابية، ولا سلبية بالضرورة.. المسألة أعقد بكثير من وصفها وتصنيفها بحسب التسلسل الزمني.. والقول: أيام زمان كانت أحسن، فكل جيل يردد نفس المقولة، حتى لو عدت فجأة ألفي سنة للوراء ستسمع المقولة نفسها.

التغيير سمة إنسانية أصيلة، وهي سبب تطور المجتمعات، بل سبب بقاء جنس البشر.. ولولا هذا التنوع لاستحالت الحياة، أو لكانت جحيما لا يُطاق..

الخلاصة التي انتهيت إليها أن كل شيء في المجتمع يتغير ويتبدل ويتطور ويتراجع، ولا يوجد مجتمع نسخة مطابقة عن مجتمع آخر، لا في الوقت الراهن، ولا في أي مرحلة تاريخية سابقة أو ستأتي لاحقاً.. لكل مجتمع سماته الخاصة والمنفردة، كما أن لكل إنسان شخصيته المنفردة والمختلفة.. هذه سنن الكون وقوانين الطبيعة.. من الأزل وإلى الأبد.. لكن يمكن القول أن سمتين أساسيتين تتوفران في كل المجتمعات وفي كل البشر: على المستوى الشخصي: لغة الجسد.. وعلى المستوى الجمعي: الصراعات..

بالنسبة للغة الجسد، لو أخذت عينة من أي مجتمع في أي مرحلة ومن أي مكان ستجد دوما حركات وإيماءات لا تحتاج مترجما: الابتسامة، والدمعة، والضحكة، والخجل، والغضب، والحزن، والفرح، والتعجب، والاستنكار، والقبول، والحب، والغيرة، والحسد، وقلق الانتظار، ولهفة الشوق، والخوف من المجهول، والانبهار أمام الجمال، ونشوة الانتصار، وغل الانتقام، ولحظة الانكسار.. ستجد الجسد يستجيب تلقائيا لكل انفعال.. ستجد سمات الضعف الإنساني..

أما عن الصراعات، ستجد في كل مجتمع تناقضات داخلية على كافة المستويات: دينية، قبلية، طائفية، بين الطبقات، بين الأخيار والأشرار، ستجد مستضعفين ومستبدين، فقراء ومستغلين، ستجد الظلم ومن يتصدى له.. وستجد صراعات مع المجتمعات الأخرى: سياسية، اقتصادية، أطماع توسعية، دوافع أيديولوجية..

هذه طبيعة البشر في كل زمان ومكان، الأمر الذي يقوض أسس أية تصنيفات جاهزة وينسف كل حكم مسبق، ويجعل من التعميم فعلا لغة الحمقى.. بل يجعل منه سلوكا عنصريا..

سبتمبر 11، 2026

ذكرى 11 سبتمبر

 

مع الذكرى ال25 لهجمات مانهاتن الإرهابية، وتدمير برجي التجارة، أعود بكم إلى نظريات عديدة ظهرت خلال هذه الفترة لتفسير ما حدث.

في الفترى الأولى ساد اعتقاد بأن هذا النوع من الهجمات يتطلب تخطيطا معقدا وطويلا ودقيقا، وعقولا عبقرية، وجهات تمتلك إمكانيات هائلة.. مع العلم بأن عملية الهجوم لم تكن تتطلب سوى اختطاف طائرتين في الوقت نفسه (تكفي مسدسات)، وأن يمتلك أحد الخاطفين مهارات طفيفة في قيادة الطائرة (يعني شوفير تيس)، ويقوم بالاصطدام بجدار العمارة التي لا تبعد سوى أميال عن المطار.. وما ساعد في نجاح العملية أن إجراءات الأمن في المطارات الأميركية (خاصة للرحلات الداخلية) كانت آنذاك بسيطة ويمكن تفاديها..

بالتأكيد تطلبت العملية تفاصيل كثيرة وتخطيط دقيق، لكن ليس بحجم التهويل الذي ساد حينها، وما زال.. المهم أن العملية تمت، وتم تحميل المسؤولية لحركة طالبان التي كانت تحكم أفغانستان حينها..

العملية كانت مأساة حقيقية، فقد قتل فيها آلاف المدنيين، وأثارت الرعب في قلوب الشعب الأميركي، وفي عموم الكوكب، وكانت بداية صعود "الإسلامفوبيا"، وصعود اليمين المتطرف في أميركا وأوروبا، وقد شكلت صدمة للعالم، بما في ذلك العالم الإسلامي، وكانت حجة قوية لتشويه صورة الإسلام، وربطه بالإرهاب، والأهم أنها منحت الإدارة الأميركية أقوى ذريعة كانت تحتاجها لخلق توازن قوى دولي جديد قائم على مفهوم مكافحة الإرهاب، تقوده الولايات المتحدة، تستطيع من خلاله بسط هيمنتها أكثر فأكثر على ربوع الكوكب، خاصة بعد الفراغ الذي خلفه سقوط الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة. وحاجة أميركا لعدو جديد يعوض هذا النقص، وقد وجدته في الإرهاب، وتحديدا "الإرهاب الإسلامي".

بالفعل، لم تتأخر أميركا كثيرا، فقبل انتهاء العام كانت قد احتلت أفغانستان، وأطاحت بحركة طالبان، وافتتحت بذلك عصرا جديدا للهيمنة الأميركية.

إزاء هجمات البرجين تفاوتت ردود العالم الإسلامي بين مصدق ومكذب.. علما أن بن لادن نفسه سرب تسجيلا بثته الجزيرة اعترف بمسؤوليته عن الهجوم، وعدّد الفوائد والمكاسب التي سيجنيها في حربه على الطاغوت، و"العدو البعيد"، بحسب وصفه. ومع ذلك، إذا استثنينا حماقة البيان المنسوب للجبهة الديمقراطية التي تبنت الهجوم في يومه الأول، وإذا استثنينا بعض الأصوات الانفعالية والمرتجلة (وهي قليلة جدا بالمناسبة) التي أيدت الهجمات، انطلاقا من ثارات قديمة ومتجددة تجاه تاريخ طويل من الإرهاب الأميركي وجرائم جيشها ضد شعوب العالم.. فإن جميع الحكومات في العالم الإسلامي أدانت الهجمات ووصفتها بالجريمة الإرهابية، وكذلك فعلت أغلب الأحزاب والقوى والتيارات وعدد لا يحصى من الكتاب والمثقفين من إسلاميين وعلمانيين..

أوجدت الهجمات مأزقا أخلاقيا وقيميا لكل من سيؤيدها، سواء كان بسبب الخوف من التبعات الأمنية والقانونية لتأييدها، أو لقناعة راسخة بأنها فعلا هجمات إرهابية يتوجب إدانتها.. في الحالتين يتوجب الإجابة على السؤال الكبير: ما هو الموقف الديني (سواء الفقهي أو الأيديولوجي) من الهجمات؟ وكيف نحافظ على صورة الإسلام الحضارية في ظل هذه الهجمة الشرسة من اليمين (واليسار) في كل مكان من العالم؟   

الـمَخرج الأبرز والأكثر رواجا تمثّل في القول: هؤلاء لا يمثلون الإسلام.. وزيادة في التأكيد انتشرت مقولة أن المخابرات الدولية (وخاصة الأميركية) هي التي أوجدت هذه التنظيمات، وهي التي مولتها ودعمتها، وزرعتها في المنطقة، وسهلت لها مهامها في التواصل والتنقل وتجاوز الحدود.. وما زالت هذه المقولة تتردد ولكن دون الإجابة على سؤال أكثر تعقيدا وخطورة: كيف نوفق بين إدانة هذه الجماعات وبين النصوص الدينية التي تستند إليها في تنفيذ عملياتها، والتي يراها البعض تؤيد القتال والعنف والتعصب، خاصة مع تاريخ طويل وممتد للعنف الديني والأصولي؟

المهم، خرجت نظرية جريئة مفادها أن المخابرات الأميركية هي التي نفذت هجمات 11 سبتمبر، بواسطة وكلائها، بدليل تمكن المهاجمين بسهولة من تحقيق هدفهم، وبدليل أن المستفيد الأكبر من كل ما جرى بعد  ذلك هي الإدارة الأميركية، التي استخدمت الهجمات ذريعة للبدء بمسار جيوسياسي جديد بالكامل، ما زال قائما حتى اللحظة.

بغض النظر عن مدى دقة وصوابية هذه النظرية، هذا ليس موضوع المقال، المهم أن أصحابها يقرون بأمرين، الأول: المخابرات الأميركية هي التي سهلت العملية.. الثاني: أن أميركا كانت تحتاج الذريعة.. وهذه نقطة مهمة سنحتاجها بعد قليل.

المشهد نفسه تكرر مرات عديدة في السنوات العشرين الأخيرة، بل هو استمرار لمشهد سابق تشكل في الحرب الأهلية الأفغانية، فقد تبين بما لا يترك مجالا للشك أن المجاهدين الأفغان كانوا مدعومين بكل قوة من المخابرات الأميركية، ومن حلفاء أميركا في المنطقة (أبرزهم حينها باكستان التي أوجدت تنظيم طالبان، والسعودية التي أوجدت العرب الأفغان). وبعد احتلال العراق، والأزمة السورية ظهرت عشرات التنظيمات الأصولية برعاية مخابرات المنطقة (تنضم تركيا في هذه المرحلة).

وإزاء حجم العنف وقسوة المشاهد والممارسات الفظيعة لتلك الجماعات تظهرا مجددا مقولة "هؤلاء لا يمثلون الإسلام"، ومعها مقولة "هؤلاء صنيعة الغرب"، خاصة مع جرائم داعش التي أثارت صدمة للعالم، والتأكيد على أنها صنيعة المخابرات الأميركية، لاتخاذها نموذجا للإرهاب الإسلامي، وبالتالي ذريعة لتشويه الإسلام، وللدخول للمنطقة واحتلالها.. وهذه المقولات كانت ترد من إسلاميين معروفين..

في الخلاصة، تم تبني مقولات "صنيعة الغرب"، و"الذريعة".. من قبل قادة ومثقفين إسلاميين، برأيي الشخصي اتفق مع المقولتين، سواء كانت تلك الجماعات صنيعة بالكامل، أم تم اختراقها وإعادة توجيهها، أو زرع عملاء في داخلها ودعمهم ليصبحوا قادة ومؤثرين، أو تم تمويلها مقابل تحقيق أهداف محددة.. أو تم استدراجها لمناطق معينة، أو نصب الأفخاخ لها لسوقها إلى فعل معين.. كل هذا وارد وواقعي بل حدث فعلا، ليس مع تلك الجماعات حسب، بل حتى مع دول وحكومات.. لأن الاختراق أو الاستدراج يعطي الجهة الداعمة والممولة ما تحتاجه بشدة: الذريعة.

مع التسريبات والاعترافات والاتهامات المتبادلة داخل إسرائيل بشأن ما حدث صبيحة 7 أكتوبر.. هل توقفت مخابرات الغرب (بما فيها الموساد طبعا) عن نهجها التقليدي في الاستدراج والاختراق ونصب الكمائن، وحاجتها للذريعة؟ أم أن تفسيرنا للأحداث وفهم سياقاتها الجيوسياسية والاستخباراتية يتم وفق مغالطة "انتقاء الكرز"؟ والاكتفاء بالقول "سبحان الله".

سبتمبر 05، 2026

من يعتاشون على أزمات المجتمع

 

من يتذكر مسلسل "صح النوم" لغوار الطوشة وحسني البرزان؟ سأذكركم بمقطع جاء في الحلقات الأخيرة: قام قائد المخفر أبو كلبشة بحبس غوار، ولأن غوار كان الشخص الوحيد الذي يثير المشاكل ويشغّل المخفر، بعد حبسه هدأت "حارة كل من إيده إله"، ولم يعد المخفر يشتغل، فخاف أبو كلبشة من تنبه الحكومة للأمر فتقوم بإغلاق المخفر، لعدم الحاجة له، أو أن تتهمه بأنه لا يقوم بواجبه.. وهكذا قرر أن يفرج عن غوار، ولأنه لا يملك صلاحية ذلك، فكر بحيلة بأن يسهّل عليه إمكانية الهروب، وفعلا ترك له الباب مفتوحا، وانتظره ليهرب، فيلقي القبض عليه، ويخرج للإعلام بخبر مثير تعيد له مكانته وأمجاده.. المشكلة أن غوار كان قد قرر التوبة وأن يصبح مواطنا صالحا، الأمر الذي أزعج أبو كلبشة..

صديقي أنور، درس هندسة تصميم وتركيب المصاعد، ونال شهادات عليا في هذا التخصص، بعد تخرجه لم يكن في صويلح حينها سوى بنايتين أو ثلاثة بطبقات متعددة تحتاج مصعدا.. فسافر إلى إستراليا بحثا عن فرص أفضل، قادته الأقدار إلى مدينة كبيرة، فاكتشف أنّ جميع بناياتها من طابق واحد أو طابقين فقط.. وعليه أن ينتظر سنين طويلة قبل أن تبدأ العمارات العالية بالظهور، وتطلب خبراته في تركيب المصاعد.. لذلك اضطر لتغيير مهنته بالكامل والبدء بمسار مهني جديد..

طيب، لنفترض أن شخصا أمضى نصف حياته في دراسة الطب، ثم استقر في مدينة ما وافتتح فيها عيادته الخاصة.. وكان سكان تلك المدينة من النوع الذي لا يمرض؛ الهواء عليل، المياه نقية، الشوارع نظيفة، جميع السكان تلقوا التطعيمات الوقائية، ولديهم ثقافة صحية جيدة، وأكلهم صحي، ويمارسون الرياضة.. ماذا سيفعل الطبيب؟

ولنفترض أن شخصا ما حصل على وكالة بسعر مغري لجهاز فلترة المياه، فاستورد "كونتينر" فلاتر من الصين.. ولسوء حظه كانت البلدية توفر شبكة مياه نظيفة وصحية وعذبة المذاق.. ماذا سيفعل؟ هل سيغير منتجاته ويستورد أشياء يحتاجها الناس فعلا؟ أم سيقوم بترويج حملة دعائية بأن مياه البلدية تحتوي طفيليات خطيرة وفيروسات، ومن يشك في أقواله عليه فحصها في المختبر.. معتمدا على أن لا أحد سيقوم بالفحص..

الفكرة هنا، أن بعض فئات المجتمع، أو بعض المهن تبدو في ظاهرها متعارضة مع مصلحة المجتمع العليا، لأن شغلها يعتمد على وجود مشاكل وأزمات في المجتمع، فالطبيب يحتاج مرضى، وسيزدهر عمله في حالة انتشار وباء مثلا.. والمحامي والنائب العام والقاضي يعتمدون في أعمالهم على وجود مشاكل وقضايا وخلافات بين الناس، والتي كلما زادت ازدهرت أعمالهم.. وأجهزة الأمن تعتمد في مبرر وجودها على وجود مجرمين وخارجين عن القانون..

لكن هذا لا يحصل.. والحقيقة أن الطبيب لا يتمنى تفشي الأمراض والأوبئة، ولا المحامي ولا القاضي ولا أجهزة الأمن يتمنون انهيار الأمن وحصول الفوضى، ولا شركات التأمين ولا أصحاب الكراجات يدعون ربهم أن يُكثر من حوادث السير.. لأن الناس بطبيعتهم لن يتوقفوا عن إثارة المشاكل، ولن يتحولوا إلى ملائكة، وسيصابون بالأمراض مهما بلغتهم حيطتهم، وسيتعرضون لحوادث مهما كانوا حذرين.. ومهما بلغ المجتمع من تقدم وتطور ووعي صحي وساد فيه الأمن والطمأنينة وتفشت فيه مشاعر الوئام والمحبة.. في كل الأحوال سيجد الأطباء والمحامين والقضاة ورجال الأمن وأصحاب الكراجات وغيرهم سيجدون عملا وزبائن ولن يعانوا من الكساد..

ومع ذلك.. ستجد فئة جديدة (غير الفئات التي ذكرناها) تحاول بطرق شتى تضخيم الأحداث إن وقعت، أو اختلاق مشاكل وافتعال أزمات، وبث الإشاعات إن لزم الأمر.. هذه الفئة موجود منذ أقدم الأزمان، لكنها ازدهرت وصارت ظاهرة خطيرة مع انتشار "السوشال ميديا"..

الحكاء أو الراوي قديما كان يجمع الناس في المقهى ويسرد عليهم سيرة الهلالي وعنترة والزير سالم.. وكان يعتمد في جذب الزبائن والاستحواذ على انتباهمم على عنصر التشويق والمبالغة.. فلو كان أبطاله أناسا عاديين لما استمع إليه أحد..

اليوم، في زمن الإعلام الفضائي والإنترنت، ظهر الحكاؤون بصورة ومظهر عصري: محلل سياسي، خبير إستراتيجي، كاتب متخصص.. وهؤلاء تزدهر بضائعهم في ظل الأزمات، وفترات الخوف الجمعي، فيلجؤون إلى التضحيم والمبالغات وإثارة العواطف وركوب الموجة بخطاب شعبوي..

هل تذكرون سنة الكورونا؟ لم يكفِ الناس حينها خوفهم وقلقهم والتدابير الصحية الصارمة التي حبستهم في بيوتهم.. كان يخرج على الإعلام كل يوم طبيب أو عالم بيولوجي أو صحافي استقصائي يتحدثون عن مؤامرات كونية، وفضائح فساد حول منظمة الصحة العالمية، وتورط مختبرات أميركية وصينية.. منهم من يشكك في وجود الوباء أصلا، أو في التطعيمات، أو طبيعة الفيروس.. كانوا يثيرون الرعب في قلوب الناس، ويعمقون حيرتهم، والناس تتابعهم بقلق مصحوب بالرعب.. وهم يجنون الأرباح من منصات التواصل الاجتماعي.. إلى أن تبين لنا أنهم مدّعون، وعلومهم زائفة، ويكذبون..

وبما أن أكثركم ناسيين، سأذكركم بأزمة أخرى سبقتها بسنوات.. بعد احتلال الكويت وحتى تحريرها عاش العالم ستة أشهر من الرعب والقلق والانتظار.. سأركز على الإعلام العربي الشعبوي في تلك الفترة؛ كانت أقوال المحللين والخبراء تُجمع بما لا يترك مجالا للشك أن صدام منتصر لا محالة، وأن الأمريكان وتحالفهم سيولون الأدبار مهزومين أذلاء.. لو خرج أحدهم حينها وقال إن هزيمة منكرة ستلحق بنا، وسندفع ثمنها لعقود طويلة قادم، بالتأكيد سيتم اتهامه بالتخابر مع الاحتلال، وأنه جاسوس، أو مرجف ويبث الإحباط واليأس في صفوف الجماهير.. وفي كل الأحوال لن يصدقه أحد.

وبما أن أكثركم ناسيين سأذكركم بأزمة أخرى بدأت قبل ثلاث سنوات وما زالت حاضرة ومؤثرة وشواهدها واضحة لا تحتاج سوى عين سليمة وقلب إنسان وعقل قابل للاستخدام.. إنها حرب الإبادة.. ارجعوا بذاكرتكم إلى أول سنتين وشاهدوا الدويري وبقية مرتزقة الجزيرة وجوقتها الذين طبلوا للحرب، وتجاهلوا معاناة الغزيين وآلامهم ودمائهم.. تذكروا "المثلثات الحمراء"، و"ما خفي أعظم"، و"الخاصرة الرخوة"، و"غابات الزيتون"، و"بدخلوش بري"، و"مقبرة الغزاة"، و"سيغرقون في رمال غزة".. بعد كل هذا الخراب والدم.. ألم يعد واضحا أنهم مدعون وكذبة ومزيفون؟ وأنهم ضللوا الناس، وأخفوا الحقيقة، وتكسبوا على حساب غزة..

متى سنُصدم؟ ومتى سنتعلم من دروس التاريخ؟

سبتمبر 01، 2026

الدين السياسي


يمكن النظر للدين في أحد معانيه الأولى والأكثر نقاءً، بوصفه علاقة وجدانية بين الإنسان والمطلق، وحتى مع تطور الأديان ظل معناه الخالص والبريء علاقة وجدانية بين الإنسان وخالقه.. هكذا نشأ؛ وهكذا ظل في مراحله الجنينية والمبكرة: ارتعاشات عاطفية، توسلات شعورية، رجاء وأدعية، مناجاة، تأملات، خلاص فردي، خوف من المجهول.. بشّر به نبي أو فيلسوف، صدّقه وتبعه البسطاء والباحثون عن النجاة والسلام الداخلي، ثم كبرت هذه الجماعة، ومع مرور الزمن نشأ منها وعلى هامشها جماعات وقوى لها أغراض أخرى، أقحمت أهدافها الدنيوية في صلب الدين، وشيئاً فشيئاً بدأت بالابتعاد التدريجي عن جوهر الدين ورسالته الخلاصية الروحية، ليتحول إلى أيديولوجيا وسياسة..

والدين السياسي الذي تشكل لاحقا لم يكن مجرد حضور الدين في المجال العام، ولا مشاركة المتدينين في السياسة، بل تشكل بعد تحويل الدين من تجربة إيمانية وأخلاقية إلى أيديولوجيا للسلطة، ومن الإنسان المؤمن إلى عضو في كتلة سياسية، ومن الإيمان المجرد إلى أداة للحشد والتمييز والصراع.

أي أنه بمجرد أن تم الخلط بين الدين والسياسة تحول إلى دين جمعي، وصار هوية قومية للأديان المحلية، أو أيديولوجيا للأديان العابرة للحدود.. ثم صار أداة بيد السلطات لهندسة المجتمع والتحكم به، ولحماية مصالح الطبقات المهيمنة.. طبعا على حساب الفقراء والعامّة. وقبل الفقراء والعامّة كان الدين نفسه هو الضحية الأهم؛ فقد براءته وطهرانيته..

على مدار القرون الماضية استخدمت القوى الإمبريالية الدين لخدمة أهدافها التوسعية، في تجنيد شعوبها وتحريضهم وتبرير ممارساتهم الشريرة واللاإنسانية، وفي تبرير وتسهيل سيطرتها على الشعوب المحتلة، ولنهب خيراتها..

ومنذ مطلع القرن العشرين برزت نسخة مطورة من الدين السياسي، استخدمتها السلطات والقوى الإمبريالية التي تدعمها، وأنشأت الجماعات الدينية بأشكالها (أحزاب، ميليشيات مسلحة، قوى قبلية وطائفية) وراحت توظفها ضمن مخططات معدة بخبث وعناية.. وصارت تلك الجماعات أدوات تستخدمها السفارات الأجنبية، وأجهزة المخابرات الدولية والمحلية، ودخلت على الخط كل مكونات المجتمع: شيوخ القبائل، زعامات الطوائف، مراكز القوى، التكتلات الاقتصادية والقوى التجارية، الأحزاب السياسية، وكل فرد لديه طموح شخصي أو مآرب خاصة (سواء خيّرة أم شريرة).. كل هؤلاء استخدموا الدين وأسقطوا عليه تأويلاتهم الخاصة، ووظفوه بما يخدم توجهاتهم، واستثمروا فيه، واستغلوا أتباعه (سواء أصواتهم في صندوق الانتخابات، أم أرواحهم في الصراعات السياسية وفي العمليات الانتحارية).. وما يجمع تلك الفئات أيضا إصرارها على زج الدين بالسياسة ورفض إعادته إلى بيئته وحاضنته الأولى: الإنسان الفرد.. لماذا؟

حين يكون التدين فردياً وحراً وواعياً لا يعود بوسع القوى المتصارعة الاستفادة من الدين، أو بعبارة أخرى من جمهور المتدينين.. كيف؟

حين يكون الدين والتدين علاقة حصرية بين الإنسان وربه؛ علاقة روحية وجدانية قائمة على الحب الإلهي، عبارة عن صلوات وابتهالات، وأدعية للنجاة وطلب الرزق، ومناجاة في جوف الليل، علاقة يرى من خلالها الإنسانُ ربه رحيما محبا كريما متسامحا عطوفا.. في تلك الحالة يصلي ويشتغل، يصوم ويفطر، يصيب ويخطئ، يذنب ويستغفر، يتعامل برفق مع هشاشته وضعفه الإنساني، لا يدعي الملائكية، منسجم مع فطرته، ينعم بالسكينة والطمأنينة، لا يتدخل في شؤون غيره وحياتهم الخاصة، لا يعنيه إن كان جاره مسلما أم مسيحيا، المهم أن يلقوا بعضهم بوجه بشوش، لا يضيره إن كان أستاذه بوذيا طالما يقدم له العلوم النافعة، أو كان صديقه علمانياً، أو قريبه ملحداً.. المهم أن يتعامل الجميع مع بعضهم باحترام، وأن يلتزموا بالقانون، وألا يضروا بالبيئة..

حينها سيتحرر من عقدة الخوف (من عذاب القبر، ومن جحيم الآخرة)، ومن عقد الشعور بالذنب، وبهذا التحرر لن يستطيع أحد أن يستغله، لا حزب، ولا طائفة، ولا سلطة.. أنت سيد نفسك، وعقلك سيدك..

حين يكون التدين جمعياً، يتحول إلى هوية جمعية مغلقة ومنظمة سياسياً، وينشأ غالباً مركز قوة يسعى إلى تنظيم المشهد والتحكم به وتسييره.. وهذا المركز أو تلك الجماعة تعتمد أساسا على الأتباع، كلما زاد عدد الأتباع زادت قوتها وحضورها.. ويمكن للأتباع، في ظروف الخوف والاستقطاب والتعبئة، أن يتحولوا إلى جموع تفقد تدريجياً استقلالها النقدي، وتستبدل حكم الفرد بعقل الجماعة، في هذه الحالة تتراجع فرداينة الشخص ويضمحل استقلاله، لدرجة أنه سيلغي عقله، ويدمجه مع عقل الجموع.. الجموع التي يحركها قائد أو زعيم أو سلطة.. وهكذا بدون وعيك تصبح أداة بيد الغير..

الأداة الثانية هي التخويف؛ التخويف من الرب المنتقم الجبار، ومن تهمة الخروج عن الجماعة، ومن تهمة شق الصف، وتهمة إثارة الفتنة، وتهمة التكفير والتخوين.. والخوف يعني الطاعة والخضوع والتسليم دون اعتراض..  

هذا الخوف الكامن يزدهر في النفوس الملتاعة والقلقة والمرتجفة، التي تئن تحت وطأة الفقر والعوز والظلم الاجتماعي، وتكتوي بلهيب القمع السلطوي، وفي النفوس المحتارة التي تتذبذب بين الأفكار المتناقضة والتيارات المتنافسة والقوى المتصارعة.. وهذا ما يمهد الطريق لتلك الجماعات لتكوين الجموع؛ حيث تمنحها اليقين (النفسي والفكري) والملاذ الآمن والحماية.. فيتمسك الفرد أكثر بالجماعة.. ويمكن للجموع، حين تُدار بالخوف والهوية المغلقة، أن تنتج التعصب، ويمكن للتعصب في ظروف معينة أن يتحول إلى تطرف وعنف، فيتحول العنف من أداة للتخويف إلى قيمة عليا بحد ذاتها.. لذلك تجد في مجتمعات القطيع تمجيدا لكل مظاهر القوة والعنف: السلاح، الذكورة، العصبية، إطلاق الرصاص في الهواء وعلى الخصوم..

المشكلة ليست في اجتماع المؤمنين، فالدين عرف منذ بداياته الطقس الجماعي والمجتمع، بل في اللحظة التي تزعم فيها الجماعة احتكارها الحقيقة، وتتحول إلى سلطة على ضمير الفرد، ويصبح الانتماء إليها شرطاً للإيمان، والطاعة لها شرطاً للنجاة.

وكما تستغل الجماعات الدينية أتباعها وصولا إلى العنف، فإن السلطات تقوم بالدور ذاته حرفيا: تستغل الدين وتحارب به خصومها بكل عنف، وبذلك يفتتح الطرفان دوائر العنف التي لا يمكن التحكم بها فيما بعد..

من ناحية أخرى يسهم التدين الجمعي (السياسي) بخلق ظاهرة جديدة في المجتمعات الدينية: ظاهرة التدين الشكلي (النفاق)، حيث يكون الدين مهيمنا على كافة مظاهر الحياة العامة والخاصة، ويكون التدين قيمة اجتماعية تعطي صاحبها الحظوة والحضور والفرص والاحترام والهيبة، وتجنبه اللوم والتقريع وخطر التهم الجاهزة.. فيصبح ضروريا إبراز مظاهر التدين (الشكلانية المتعلقة بالهيئة والملابس وترديد العبارات الدينية).. وهنا يصبح استغلال الدين على المستوى الفردي، وتعمم ظاهرة النفاق والتدين الشكلي على نطاق أوسع، وبتداعيات سلبية أشد خطورة، حتى نجد أنفسنا أمام دين جديد، لا علاقة له بالدين الأصلي إلا بالاسم والمظاهر. 

أغسطس 28، 2026

لغز الأديرة المنعزلة وعلاقتها بمكة المكرمة


في رحلة عائلية إلى وادي القلط على مقربة من أريحا، سلكنا طريقاً متعرجاً بانحناءات حادة، تحيط بها التلال من كل الاتجاهات. بعد نصف ساعة شعرنا كما لو أننا دخلنا الوادي المفقود، ازدادت وعورة الطريق، وازدادت معها عزلة المكان، إلى أن وصلنا مدخل الدير؛ ثلاثة أقواس حجرية باسقة، تقف على رأس منحدر حاد، شعرنا أننا انتقلنا إلى عالم آخر دفعة واحدة؛ منظر من النوع الذي لا يُنسى: إلى الشمال والغرب ثمة وادٍ سحيق ينحدر إلى الأسفل بقوة، في الجهة المقابلة تماما، ينتصب جدار صخري مهيب، بارتفاع يزيد عن المئة متر، في هذا الفضاء السابح بين الجبلين، وعلى كتفي الوادي لا تجد سوى الصمت مؤكداً على عذرية المكان، وعلى تواصله مع الزمن السحيق.. في وسط هذا الجدار الصخري، ينتصب دير "القديس جورج"، في منظر بديع يحبس الأنفاس، ويضفي على المشهد سحر الغموض.. أول ما تراه تتساءل بعفوية: كيف بُني هذا الدير؟! وأي فنان قدّه من الصخر!؟ ولماذا هذا المكان الذي تعزله عن العالم ممرات وعرة لا تسلكها إلا الضواري والطيور الجارحة!؟ من يسكن هذا الدير؟! وكيف وصلوا هنا أصلاً !؟

أثار الموضوع اهتمامي فشرعتُ بالبحث لأجد أنه ليس الوحيد من نوعه، على الأقل هنا في فلسطين وحسب القائمة المعدة لليونسكو يوجد 73 موقعاً شبيهاً. أشهرها "دير القرنطل" غربي أريحا (تأسس سنة 480 م)، و"دير القديس مار سابا" بالقرب من العبيدية (تأسس سنة 483 م)، وأقدمهم "دير القديس خارِيتون" (تأسس سنة  330 م).

قبل بناء تلك الأديرة، مع نهايات القرن الثالث الميلادي، أخذ النساك المسيحيون يتجهون إلى برية القدس وأريحا؛ فوجدوا في وادي القلط ما يبحثون عنه: العزلة، الصخور والكهوف، ومصادر المياه، فأنشأوا شبكة من الأديرة في الصحراء بين القدس وأريحا والبحر الميت تحولت مع مرور الوقت إلى مجتمع موازي يضم الكهوف، والكنائس، وخزانات المياه، ومخابز، وحدائق صغير يزرعون فيها بعض الخضروات، وحجرات للنسخ والكتابة، ومكتبات، وطرقاً تربط الأديرة ببعضها. ولم يكن اختيار تلك المواقع مصادفة معمارية أو جغرافية، بل هي ظاهرة تاريخية بدأت من مصر وانتقلت إلى فلسطين وسورية وآسيا الصغرى وإيطاليا، وحتى إثيوبيا، تعود جذورها إلى القرنين الثالث والرابع الميلاديين، ثم بلغت ازدهارها في القرنين الخامس والسادس.

ولكن لماذا بنيت تلك الأديرة على قمم الجبال، وفي أكثر الأماكن وعورة وعزلة؟

الأسباب متعددة ومتداخلة؛ العزلة تعني الهروب من العالم، أو الانسحاب من المجتمع.. والعزلة تعني أيضا الزهد، حيث كان الناسك يبتعد عن المدينة والسلطة والمغريات اليومية، ليكرس حياته للصلاة والتأمل، بهذا المعنى لم تكن الصحراء أو الجبل مجرد منظر جميل؛ كانت أداة روحية. إضافة لوجود رابط بين جغرافيا المكان والنصوص الدينية. فمثلا في المخيال المسيحي المبكر، الصحراء هي المكان الذي ذهب إليه موسى، وعاش فيها الأنبياء.. دير القرنطل ارتبط بتجربة المسيح الأربعينية.. عموماً أراد الرهبان أن يكونوا قريبين من الأماكن المقدسة، أي أن اختيار البرية حمل معنى دينياً قائماً بذاته.

أما اختيار الأماكن الوعرة؛ ربما لأن الراهب لا يريد فقط أن يكون بعيداً عن الناس؛ بل أراد أن يكون الوصول إليه صعباً وشاقا وخطرا، سواء من قبل اللصوص، أو من قبل السلطات الحاكمة خاصة في فترات الاضطهاد الديني، أو من قبل الجيوش الغازية، لذا اختيرت مواقع الأديرة بحيث لا يمكن الوصول إليها إلا بممرات صغيرة ومنزلقات خطرة، أو باجتياز وادي سحيق وضيق، لكن بعد أن صارت المسيحية الدين الرسمي للإمبراطورية الرومانية لم يعد اضطهاد المسيحيين هو التفسير الوحيد؛ أصبحت العزلة نفسها قيمة دينية؛ فالصمت صلاة، وصعوبة الوصول اختبار للإرادة.

وهذا يفتح سؤال جديداً: ألا يتعارض اختيار المواقع الصعبة والنائية للأديرة مع مهمة التبشير، التي تقتضي تسهيل وصول المؤمنين للدير؟

قد يكون الجواب أن للدير مهمات تختلف عن الكنيسة، فالدير للعزلة والتأمل، حتى أن بعض الأديرة تجمد فيها الزمن، كانت في البداية فردية أي "ناسك منفرد" يعيش وحده في كهف أو صومعة، إلى أن وضع "باخوميوس" في مصر نموذجاً للرهبنة الجماعية في القرن الرابع، بحيث يعيش الرهبان معاً وفق نظام وقواعد مشتركة. وأصبحت تجمعات النساك والصوامع أساسا لما يسمى اللافرا، حيث يعيش الرهبان منفردين معظم الوقت لكنهم يجتمعون للصلاة والمناسبات الدينية.

لكن ظاهرة الأديرة النائية والمنعزلة لم تقتصر على فلسطين، سنجدها بكثرة في مصر، وسورية، وتركيا، وفي أثيوبيا حيث توجد كنيسة تعد الأخطر من نوعها في العالم، من حيث إمكانية الوصول إليها، إذ تحتاج مهارات خاصة في التسلق، وأي خطأ بسيط يكلف المؤمن حياته.

إذاً، بدأت الرهبنة كحركة منعزلة عن العالم، لكنها انتهت إلى صناعة عالم جديد؛ فبعض الكنائس بدأت بوصفها كهوفا للنساك ثم توسعت وتحولت إلى منشآت دينية أكبر.. وهنا يجب أن نتذكر أنّ الرهبان لم يكونوا يعيشون في فضاء مثالي؛ بل كانوا يتعاملون مع السلطات الحاكمة، والإمبراطوريات، والضرائب، والقبائل، والحروب، والحجاج، والسلطات الدينية، وأحيانًا كانوا يملكون نفوذاً سياسياً.. والأهم لديهم أسرارهم الخاصة.

قبل هذه الظاهرة بقرون، كان "الأسينيون" قد لجأوا للأماكن المعزولة هروبا من اضطهاد السلطات الدينية الرسمية، والأسينيون جماعة يهودية، ذات نظام ديني صارم انفصلوا عن التيار الديني السائد بسبب خلافات عميقة حول الشريعة، والكهنوت، واختبئوا في موقع خربة قمران في القرن الثاني قبل الميلاد (هناك عُثر على مخطوطات البحر الميت، التي تعد أهم وثيقة مكتوبة في التاريخ). ويُقال أنَّ بعض أفراد جماعة قمران فروا إلى قلعة متسادا غرب البحر الميت عندما اقتربت جيوش الرومان في القرن الأول الميلادي.

إذا اتفقنا أن العامل المشترك بين تلك الأديرة هو انعزالها، وبعدها عن الطرق التقليدية، وصعوبة الوصول إليها.. فهل هذا ينطبق على مكة المكرمة؟ من حيث أنها تقع في منطقة نائية، بعيدة عن طرق التجارة الدولية، يصعب الوصول إليها، ولا تتمتع بعوامل الجذب التاريخية، فليس فيها زرع ولا أشجار، ولا نهر ولا بحيرة، وبعيدة عن البحر، وأمطارها شحيحة، ومناخها قاسي وحار.. فلماذا وكيف صارت منشأ الإسلام؟

في البحث في هذا الموضوع الشائك سنواجه أسئلة محيرة تربك العقل..

توصلنا إلى أن العامل المشترك بين الأديرة التي ظهرت في القرون الميلادية الأولى هو انعزالها، وبعدها عن الطرق التقليدية، وصعوبة الوصول إليها، وأن السبب الأهم إلى جانب الاعتكاف والتأمل هو إيجاد مكان آمن.. وتساءلنا إن كان هذا ينطبق على مكة المكرمة؟ من حيث أنها تقع في منطقة نائية، بعيدة عن طرق التجارة الدولية، يصعب الوصول إليها، ولا تتمتع بعوامل الجذب التاريخية.

يقول العديد من الباحثين والمؤرخين أن اسم مكة لم يرد في الخرائط الجغرافية التي ظهرت قبل القرن السابع الميلادي، ولم يرد في سجلات التجار، ولا في نقوش ومسلات الدول المجاورة.. غابت عن موسوعة بليني الأكبر في القرن الأول التي دَوَّن فيها حواضر العرب وطرقهم. وغابت عن خارطة بطليموس في القرن الثاني التي ذكر فيها خمسين موقعاً من مدن وأسواق ومحطات قوافل. وعن خريطة بوتنجر الرومانية، التي وثقت طريق التجارة في الإمبراطورية. كما غاب ذكرها في الشواهد الصخرية من نقوش سبئية ومعينية ولحيانية وثمودية، أَرَّخَت لِلمُدُن والأسواق والممالك والحروب في شتى بقاع الجزيرة العربية. ولم يوجد لها ذكر في المصادر الحبشية أو البيزنطية أو الفارسية.   

هذا الغياب يبدو غريبا عند مقارنته بحضور مدن مثل تدمر والبتراء، أو يثرب والطائف، أو القدس وبصرى وصنعاء وعدن.. لا اسم لمكة، ولا موقعها، ولا وصفها كمركز ديني تضم أهم معبد في الجزيرة العربية، ويُنسب تأسيسها للنبي إبراهيم، وكانت محطة للتجارة الدولية.. والأغرب أن موقع مكة نفسها لم يُعثَر فيه على بقايا أثرية تعود إلى فترة ما قبل الإسلام، خلافا لكل المدن القديمة التي تضم طبقات أثرية شاهدة على ماضيها. وما يزيد من تعقيد السؤال أن السلطات السعودية منعت كل أعمال التنقيب، وبنت بنية تحتية حديثة، فوق ما يُفترض أنه يضم الأطلال والآثار القديمة، واستبدلتها بشوارع وساحات وبنايات ضخمة، بحيث صار العثور على أي قطعة أثرية شبه مستحيل.

حسنا، دعنا نشكك بصحة كل ما ورد بهذا الشأن، فغياب الدليل لا يعني تأكيد العدم، لنترك السؤال معلقا حتى تظهر أدلة أركيولوجية، أو إجابات منطقية.. ولكن هذا يفتح سؤالا جديدا إجابته لا تحتاج دليل: كيف نشأت مدينة مركزية بهذا الحجم في بيئة مجافية لا تتوفر على شروط نشوء وتطور المدن؟

تاريخيا: جميع الحضارات القديمة نشأت على ضفاف البحيرات والأنهار أو على شواطئ البحار، حيث يُعد توفر مصادر وفيرة من المياه شرطا أساسياً.. ومع ذلك قد تنشأ بلدات صغيرة أو قرى في أي مكان يحتوي على بئر أو جدول صغير.. والمنطق التاريخي يقتضي أن أي مدينة حتى تزدهر وتغدو مركزا تجاريا تحتاج للماء والغذاء والطريق السالك، وهي مقومات لا تملك مكة منها شيئاً. المياه شحيحة تقتصر على عدة آبار (أشهرها زمزم)، والبئر بدون معدات متطورة لنقل المياه لا يمكنه خدمة سوى عدد قليل من السكان. بالنسبة للغذاء، فمن المعروف أن تربة مكة غير خصبة، ولم تظهر فيها البساتين والحقول حتى أن القرآن الكريم وصفها "بوادٍ غير ذي زرع".. ولا تحيط بها سلسلة قرى زراعية بحيث تؤمّن حاجاتها الغذائية.. وفوق ذلك أمطارها شحيحة، ومناخها قاسٍ وحار. أما بخصوص الطريق السالك، مكة تقع في وادٍ مسدود جغرافياً، في منطقة جبلية وعرة، وليست نقطة عبور طبيعية، وطُرُق التجارة تمر عادة عبر ممرات سهلة وسهول مفتوحة وقرب خطوط السواحل، والتجار يبحثون عن ممر آمن يوصلهم لوجهتهم، وغير مضطرين لدخول مسالك وعرة وصعبة.

إذاً، كيف ظهرت مكة، وصارت منشأ الإسلام؟

ورد اسم "مكّة" صراحةً في القرآن الكريم مرة واحدة فقط، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ (الفتح 24). لكن مكّة وردت في القرآن بأسماء أخرى، منها: "بَكَّة": ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران 96). وأمّ القرى: ﴿وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ (الأنعام 92).

كما وردت في الأحاديث الشريفة والسيرة النبوية والعديد من المصادر الإسلامية المبكرة بشكل لا لُبس فيه. لكني هنا لا أشكك بوجود مكة قبل الإسلام.. إنما أستعرض وجهة نظر مؤرخين وباحثين طرحوا أسئلة تحتاج إجابات.. ومشكلة هؤلاء أنهم يتبنون المنهج التاريخي العلمي الذي لا يعتمد النصوص الدينية كدليل، إلا إذا كانت مخطوطات أصلية. فيقولون إن أول مرة ورد اسم مكة في مصدر غير إسلامي كانت في منتصف القرن السابع الميلادي، أي بعد ظهور الإسلام بنحو 50 سنة وأكثر.

واعتراض هؤلاء الباحثين  أن كل ما جاء عن مكة قبل الإسلام في النصوص الإسلامية المبكرة كُتِبَ بعد مئة وخمسين إلى مئتي سنة من ظهور الإسلام، فابن إسحاق أول من وثّق السيرة النبوية  كتبها بعد قرن ونصف، وابن هشام نقحها بعد قرنين، ولا يوجد مصدر واحد مُعاصِر للأحداث المروية. هذه الفجوة الزمنية تحتاج إلى إجابات لردمها.

هل تستطيع قصة عبد الله ابن الزبير ردم تلك الفجوة؟ في السردية التاريخية بحسب هؤلاء الباحثين: بعد مقتل الحسين بن علي سنة 61 هجرية صار ابن الزبير أبرز معارض سياسي للحكم الأموي؛ فهرب من بطش الحجاج، ومعه الحجر الأسود، ولجأ إلى مكة (التي كانت قرية صغيرة آنذاك) وجعل منها مركزا دينيا يستقطب الحجيج.. هنا نجد أن مكة وفرت له مكانا يصلح للاختباء أكثر من كونه طريقا تجاريا مفتوحا ومعروفا.. وفي تكملة القصة قصف الحجاجُ الكعبةَ وهدمها وقتل ابن الزبير في مكة سنة 73 للهجرة.. ثم وجد ابن اسحاق وابن هشام والواقدي في مكة مكانا مناسبا للسيرة النبوية، حيث لا شهود عايشوا تلك الفترة يمكنهم تفنيد أجزاء منها..  

طبعاً، أنا لا أتبنى هذه الأطروحة، وليس بوسعي دحضها.. إنما أعرض عليكم أسئلة عالقة تحتاج نقاشا عقلانيا هادئا مدعما بالأدلة المادية.. وبالذات حول الصورة التقليدية لمكة قبل الإسلام، كمركز تجاري دولي ضخم على طريق البخور، ومركز ديني معروف على نطاق واسع.

بالمناسبة، في الجزء الرابع من "المفصل" خصص جواد علي فصلاً بعنوان "مكة المكرمة"، ناقش فيه موقعها ووصفها وتاريخها.. واعتمد على البلاذري والطبري والمسعودي، إضافة إلى القرآن، وكان واعياً ومدركا لمشكلة غياب مكة في المصادر غير الإسلامية المستقلة.