في تصريح لعضو
اللجنة المركزية لحركة فتح ماجد فرج قال فيه: "حتى تدخل حماس في النظام
السياسي الفلسطيني، عليها أن تعتذر للشعب الفلسطيني عمّا تسببت به من كوارث أضرت
بالقضية الفلسطينية، قبل الانقلاب وبعده، وبعد هجمات 7 أكتوبر..".. رد عليه القيادي
في حماس باسم نعیم: "إذا كان على حماس أن تعتذر عن 7 أكتوبر،
فعلى السيد ماجد فرج أن يطالب حركة فتح أولا والرئيس الراحل أبو عمار رحمه الله في
قبره بالإعتذار عن كل "الكوارث" التي تسببوا بها لشعبنا على مدار عقود
في فلسطين وخارجها، وكان آخرها إنتفاضة الأقصى، والتي تسببت بإعادة احتلال الضفة
في عملية السور الواقي وقبلها في الأردن ولبنان وحرب الخليج الأولى وغيرها"..
قوبل التصريحان
بحملة اتهامات متبادلة، وكل طرف يريد من الآخر الاعتذار.. المزعج في الموضوع أن كل
طرف يفهم الاعتذار وكأنه مسبة وإهانة، أو حبل مشنقة.. أي وصف سيء حتى يتجنب
الاعتذار..
في تصريحات
باسم نعيم جانب من الصواب؛ أي مطالبته القيادة الفلسطينية بالاعتذار عن كل
"الكوارث" التي تسببوا بها لشعبنا على مدار عقود في فلسطين وخارجها، وأضم
صوتي له ولكن مع استبدال كلمة اعتذار بالمراجعة والنقد الذاتي ومحاسبة كل من أخطأ..
هذا من واجب القيادة ومن حق الشعب الفلسطيني.. ليس لأن الاعتذار بحد ذاته شيء سيء،
بل لأن المطلوب ما هو أهم وأقوى من الاعتذار: المراجعة والنقد والمحاسبة، ولأن
حركة فتح الفصيل التاريخي وباعثة الحركة الوطنية المعاصرة، وصاحبة الحضور الأكبر
في الثورة الفلسطينية، ولأنها هي من صنعت تاريخنا الحاضر (بسلبياته وإيجابياته)، ولأنها
تقود المنظمة والسلطة، ولاعتبارات أخرى كثيرة.. عليها قبل أي طرف آخر أن تبادر
وعلى الفور بعمليات مراجعة شاملة تتضمن نقدا ذاتيا جريئا وموضوعيا لكافة المحطات والمراحل
السابقة، هذا استحقاق تأخر كثيرا، وبدون مراجعات فكرية لكل الشعارات والبرامج
المطروحة، وبدون محاسبة كل من قصّر ومن أساء ومن أخطأ.. سنظل في دوامة الفشل، ولن
نتقدم خطوة..
الأمر الآخر الأكثر
إزعاجا اعتقاد البعض (وخاصة حماس) أنهم فوق النقد.. والترويج على وصف حماس ب"الحركة
الربانية"، و"المباركة"، وأنها "تمثل المقاومة"، و"مضحية"..
وحتى لو كان هذا صحيحا (وهو غير صحيح من وجهة نظري)، فهذا لا يعفيها من النقد، ولا
يعفيها من تحمل مسؤوليات قراراتها وسلوكها، ولا يمنع الشعب من مساءلتها ومحاسبتها..
فلا أحد فوق النقد، ولا وجود لحركة مقدسة، المقدس الوحيد هو دماء الناس التي سُفكت
بلا مبرر، وحيواتهم التي أهدرت بالمجان.. ومن تسبب بذلك عليه مواجهة عقبات فعلته،
وتحمل المسؤولية كاملة.. سواء حماس أو غيرها..
وإذا كان
البعض يعتقد أنها حركة ربانية، فأود تذكيرهم بأن الله سبحانه وفي كتابه العزيز لام
النبي الكريم شخصيا، ولام الصحابة، في العديد من الآيات القرآنية الواضحة، في سورة
"عبس"، وفي الآيات التي تناولت معركة أحد، ومعركة الخندق، ومعركة حُنين،
وغزوة تبوك، والتي تحدثت عن المرجفين والمنافقين والمتخلفين عن الزحف، ومن خافوا
وارتعبوا، ومن يئسوا وظنوا بالله الظنونا، وأيضا في قصص الأنبياء السابقين نجد
لوماً ونقداً. بوسع أي شخص مراجعة تلك الآيات، والتي تُفهم كممارسة قرآنية للنقد
الذاتي والتوجيه والوعد بالمحاسبة.. ولا أظن أن حماس أهم من الأنبياء والصحابة..
النقطة الثالثة
في هذا السياق: صحيح أن كل طرف مطالب بالنقد وتحمّل المسؤولية، والاعتذار عن أخطائه،
الصغيرة والكبيرة منها.. لكن يجب التنويه إلى أن حجم الأخطاء وتداعياتها يتفاوت
وبشكل كبير جدا.. لنأخذ مثلا قرار الذهاب إلى أوسلو، بوصفه حدثا مفصليا، أثار الكثير
من الجدل وما زال، حتى أضيع وقت القارئ بقراءة السياقات التاريخية والجيوسياسية التي
أفضت إلى أوسلو لنذهب مباشرة إلى النتائج: أوسلو أعاد مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى
وطنهم فاستقروا فيه، وتكاثروا وهم الآن بحدود المليون شخص.. فعادت فلسطين نقطة جذب
بعد أن كانت عامل طرد لو استمرت في ذلك المسار لخلت من سكانها.. وبرأيي هذا منجز
بالغ الأهمية.. كما أن أوسلو فتح آفاقا سياسية غير مسبوقة لو قيض لهذا المسار
النجاح لكنا الآن في وضع أفضل مائة مرة مما هو الآن (عوامل النجاح كانت متوفرة،
لكن تحالف اليمين المتشدد من الطرفين أجهضها). وفي النتيجة ومع فشل مسار أوسلو إلا
أنه أسس لنواة دولة، وبنى مؤسساتها، من نظام صحي وتعليمي وبنية تحتية وأمن وقضاء..
مع علاقات ممتازة مع العالم، ومكّن الفلسطينيين من البقاء ومن ممارسة حياتهم بشكل
ما، رغم كل المنغصات والمعيقات وأشكال السيادة المنقوصة والمستلبة.. إلا أنها أفضل
بما لا يُقارن مع النتائج الكارثية لقرار 7 أكتوبر.
بالنسبة لانتفاضة
الأقصى التي يطالب باسم نعيم بالاعتذار عنها؛ فهي أولا حافظت على طابعها الشعبي،
وتبنت الوسائل المناسبة لقدرات شعبنا، والمتلائمة مع نهجه المقاوم، وحازت على
تعاطف العالم. وكانت تضحياتها في حدود المتحمّل؛والأهم أن من أفشلها ونزع عنها
طابعها الشعبي، وحولها إلى هزيمة هو نهج العمليات الانتحارية التي نفذتها حماس.
المحطات الأخرى
التي تستوجب المحاسبة: الانقلاب وإحداث الانقسام، وجر القطاع إلى حروب عبثية لم
نجنِ منها سوى الدمار والخراب، وآخرها هجمات 7 أكتوبر، التي تقمصت شخصية الجيش
النظامي، وبالتالي جلبت إدانات الدول والأمم المتحدة التي وصفتها بالجرائم. أما نتائجها فكانت كارثية بالكامل، ودون أي منجز، بل بالعكس أعادت احتلال
غزة، وأعادت القضية إلى زمن الوصاية. بل إنها قوضت مفهوم المقاومة نفسه، وجعلته أبعد
منالا..
في الخلاصة،
في تاريخ النضال الفلسطيني الكثير جدا من الأخطاء، من قِبل الجميع: قرارات، مواقف،
اصطفافات، ارتجال، فساد، فوضى، تعصب، ارتهان للأجندات الخارجية، حرف البوصلة، خلق
الذرائع وتقديمها هدايا للعدو، استدعاء الوصاية.. وهذه كلها تحتاج مراجعات ونقد
ذاتي ومحاسبة ومساءلة.. وهذه في الأصل (أي المحاسبة والمراجعة) جزء أساسي من العمل
السياسي والتنظيمي والنضالي، بل هي الجزء الأهم.. لكن أصحاب العقول الأيديولوجية
المغلقة ومن يحيطون أنفسهم بهالات مزيفة من القداسة يخشون المراجعات والنقد
والمحاسبة، لأنهها ستعريهم، وتكشف زيف شعاراتهم، وتقوض بنيانهم الفكري والسياسي
المتهافت..
الدماء التي سُكبت،
وعذابات الأطفال، ومعاناة الغزيين وقهرهم وذلهم وجوعهم والأرواح التي قبضت قبل أوانها،
وزجت في حرب دون إذنهم، ورحلوا عنا قبل أن تتاح لهم فرصة الاحتجاج على قتلهم.. لهؤلاء
جميعا حق ودين علينا أن نحاسب من جرنا إلى هذه النكبة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق