قبل أيام، قتل
الجيش الإسرائيلي أربعة مواطنين من قرية تل، أثناء تصديهم لاعتداء مجموعة مستوطنين
هاجموا منازلهم، وفي خضم الحدث قُتل مستوطنان وجُرح آخرون.. الإعلام العبري تناول
الحدث بطريقة مستفزة تثير الغثيان: "الإرهاب الفلسطيني يتصاعد في يهودا
والسامرة ويقتل متنزهين إسرائيليين أثناء تجوالهم في المنطقة.." انظروا إلى أي
حد وصل الإرهاب؟ وإلى أي حد يستخف الإعلام العبري بعقول الناس؟ المستوطنون الذين
ينفذون اعتداءاتهم كل يوم صاروا مجرد متنزهين! والتنزه والسياحة بحسب أعراف
المستوطنين تشمل حرق أي سيارة يتصادف أنها متوقفة في طريق تنزههم! وحرق الحقول
التي يتنزهون بها! واقتلاع أشجار الزيتون حتى لا تعيق تنزههم! أماكن التنزه
المقصودة والمفضلة هي بيوت الفلسطينيين، ومزارعهم، وممتلكاتهم، وأراضيهم
الزراعية.. وفي الطريق لا بأس من سرقة أية أغنام ومواشي يعثرون عليها بالصدفة حتى
لو كانت داخل حظائرها! ومصادرة الأراضي التي تروق لهم وتحويلها إلى بؤر استيطانية!
وإذا تجرأ أي فلسطيني على إعاقة تنزههم يتم التنكيل به بكل وحشية، واتهامه بالإرهاب!
وعادي جدا أن يتم قتله، فلا أحد يحاسبهم! ويصدف أحيانا أن يتم التنزه داخل بيوت
الفلسطينيين، ثم حرق البيت بمن فيه (عائلة الدوابشة)، أو حرق طفل مقدسي أثناء لعبه
في الشارع (محمد أبو خضير)..
المستفز أيضا
أن تقوم الصحافة الأميركية والأجنبية بتبني المصطلحات نفسها، بكل وقاحة وانحياز..
أو الاكتفاء بالإشارة إلى مواجهات بين فلسطينيين ومستوطنين.. حتى عبارات التنديد
والإدانة لا تكفي.. أو توجيه عقوبات (شكلانية) لبعض المستوطنين.. المشكلة ليست في
أشخاص (رغم إجرامهم).. الجريمة الأولى هي الاستيطان.. وهذه الحكومة ليست يمينية
متطرفة فقط، هي حكومة إستيطان..
خطورة الموقف
ستزداد مع قرب موعد الانتخابات الإسرائيلية، خاصة في ظل تراجع كبير لليمين وبدء تفكك
تكتل نتنياهو وفشل مشروعه التوسعي "الإمبراطوري".. وقد اعتادت القوى
الإسرائيلية اليمينية خاصة على استخدام الدم الفلسطيني مادة دعائية في حملاتهم
الانتخابية..
ردا على ما
حدث في قرية تل، قررت حكومة نتنياهو اتخاذ عدة عقوبات جماعية بحق الفلسطينيين،
سموها تدابير لحماية أمن إسرائيل، وأي مراقب يعرف أنها عقوبات جماعية، وتنكيل بالأهالي
الضحايا الذين دافعوا عن أنفسهم. من القرارات التي اتخذوها: هدم منزل منفذ عملية إطلاق النار، وتنفيذ عمليات عسكرية
مكثفة في القرى التي تعتبرها إسرائيل بؤراً للمواجهة، بما في ذلك جمع الأسلحة (ما
يعني مداهمات للبيوت وتفتيش)، وسحب تصاريح العمل، وتعزيز تواجد الجيش في أنحاء
الضفة الغربية، وتعزيز عمليات الفصل بين محاور الحركة وإقامة حواجز وقطع الطرق
وتضييق حركة المرور للفلسطينيين. وتسريع إجراءات تسوية البؤر الاستيطانية الزراعية
(المزارع الاستيطانية) وإنشاء بؤر جديدة.
هذا ما تقوم
به حكومة الاستيطان منذ سنوات.. كل ما في الأمر أنها تصعّد وتكثّف وتنفذ بوتيرة
متسارعة.. تريد مسابقة الزمن قبل انهيار إئتلاف اليمين، وقبل أن يستيقظ المجتمع
الدولي ويتنبه إلى حجم وخطورة السياسات الاستيطانية ومدى إرهاب المستوطنين..
إسرائيل تستغل الصمت العالمي على جرائمها في غزة،
وتبث دعاية مضللة تزعم أنها تدافع عن نفسها ضد الإرهاب، وضد إيران (النووية).. تستغل
أجواء الحرب المشتعلة، وبتواطئ أميركي لمواصلة تنفيذ مخططاتها في الضفة الغربية،
وسائر فلسطين: مخططات التهجير وإقامة إسرائيل "اليهودية" بين البحر
والنهر.
الرد الفلسطيني والمطلوب: رغم خطورة الموقف، ورغم حماوة الدم، والاستفزازات
المتكررة وضرورة التصدي لها ينبغي التيقظ والانتباه لما تريده إسرائيل على المدى
البعيد.. هجمات المستوطنين ليست مبادرات ذاتية، ولا هي مجرد أطماع لتحقيق خرافات
توراتية؛ هي سياسة منظمة وموجهة تديرها حكومة الاحتلال، بحماية الجيش.. لذا يجب أن
يكون الرد الفلسطيني واعيا ومنظما وجماعيا.. الموضوع ليس فزعات، ولا هي طوشة باب
الحارة..
شجاعة أهالي تل قدمت مثالا على ما
يمكن ويتوجب فعله.. طبعا كل القرى شجاعة والموضوع ليس مزاودة، على الكل الفلسطيني تشكيل
لجان حماية شعبية، في كل مكان مهدد بالإستيطان، يجب أن يدرك المستوطنين أن إرهابهم
واعتداءاتهم ليست نزهة، وأن يدفعوا ثمن كل اعتداء.. الدفاع عن النفس حق مشروع
وواجب مستحق، وكل إنسان يعرف كيف يدافع عن بيته حين يتعرض لاعتداء.. ولا يحتاج الفلسطينيين
لدروس في المقاومة والشجاعة..
الكثير من دعوات إشعال الضفة وتصعيد المقاومة ليست أكثر من حملات دوغمائية،
أو على الأقل هي هبات عاطفية وموسمية، وليس هذا ما نريده.. يجب التنبه للجهات التي
تقف وراء هذه الدعوات، يجب سحب كل ذريعة ممكن أن تخدم نتنياهو وحكومته. خاصة دعوات
تصعيد العمل المسلح والمواجهات المسلحة.. سواء من قبل أفراد وفصائل، أو من قبل أجهزة
السلطة.. هذا بالضبط ما يريده نتنياهو.. تحويل الضفة الغربية إلى كومة دمار كما
فعل في غزة، لكن هذه المرة مع تنفيذ متسارع للتهجير.. في هذه الحالة لن تأتي أية
مساعدة للفلسطينيين من الخارج، لا من جيوش، ولا من شعوب، ولا من مجتمع دولي، ولا
من مجلس أمن.. لن نحصل إلا على صورة مشابهة لدمار غزة وجنوب لبنان.. سنكسب فقط دعاء
الطيبين، وبوستات النشطاء على فيسبوك، وقصائد منتظرة ترثي فلسطين..
هذا لا يعني السكوت والسلبية.. لجان الحراسة الشعبية ممارسة ثورية فعّالة اختبرها
الفلسطينيون في الانتفاضة الأولى.. وهذا لا يعني وضع العبء كله على القرى الحدودية،
المدن والمخيمات يجب أن تنخرط في المواجهة، صفا واحدا، بجهود متناسقة ومدروسة،
وشعبنا يعي جيدا معنى المقاومة الشعبية وأساليبها.. وكيف يجعل من المواجهة أسلوب
حياة.
بموازاة ذلك، يجب توثيق كل الإعتداءات، وتصديرها بكثافة للعالم، وتكثيف الحضور
الإعلامي في كل المنابر الدولية، وبكل اللغات، وتنشيط الجهد الدبلوماسي والقانوني،
والتنسيق مع الأشقاء العرب، ومع الأصدقاء في العالم، ومع الشعوب المحبة لفلسطين،
والمناصرة للحق والعدالة، مع الأحزاب والبرلمانات والشخصيات المؤثرة.. ثمة دور
كبير ومهم يمكن ويجب على السلطة القيام به، وعلى حركة فتح بالذات..
لقد جاوز
المستوطنون المدى، ولم يعد بالإمكان تحمل اعتداءاتهم، أو السكوت عنها، لقد وصل
إرهاب المستوطنين بيوتنا، وشوارعنا.. وهي في تصاعد مستمر وخطير بما ينذر بتفجر
الأوضاع على نحو لا يمكن السيطرة عليه.. الضفة الغربية محتقنة جدا.. وعلى الجميع
تحمل مسؤولياته.. سلطة، فصائل، إعلام، نشطاء، مجتمع مدني، مواطنين..
القادم خطير، ويحتاج وقفة وطنية مسؤولة..