ينعقد المؤتمر
الثامن لحركة فتح في ظروف بالغة الخطورة وشديدة التعقيد، حيث تمر فلسطين والإقليم والعالم بأسره في مرحلة
انتقالية تاريخية بين عالم قديم يتداعى فيه كل شيء تقريبا: القيم والمفاهيم والخرائط
الجيوسياسية وموازين القوى، وآخر يتشكل في ظل الحروب، دون أن تتّضح ملامحه بعد،
فيما تراوح مكانة القضية الفلسطينية في سلّم الأولويات الدولية بين مد وجزر، وتقف
السلطة الوطنية على شفير الهاوية.
لذا، لن يكون
هذا المؤتمر مجرد استحقاق تنظيمي، بل سيشكل نقطة مفصلية في تاريخ الحركة الوطنية
سيتحدد على ضوئها مستقبل القضية الفلسطينية.. ذلك لأنّ "فتح" تشكل
العمود الفقري للحركة الوطنية الفلسطينية، ولأنها في الوقت نفسه، أحد مصادر أزمتها.. وكلما كانت
فتح قوية وحيوية كانت القضية الفلسطينية بخير.. وكلما أصابها الوهن وتراجعت،
تراجعت معها القضية..
سيواجه
المؤتمر الثامن تحديات خطيرة جدا، لدرجة أن البعض اعتبر أن انعقاد المؤتمر في ظل
هذه الظروف خطيئة، وقد يعرضها لخطر لكارثة كبرى، أو للانشطار والتشظي، أو
الاندثار.. لكن المسؤولية الوطنية التي طالما تفاخرت فتح بتحملها تقتضي منها
المواجهة، وحسم الخيارات، وعدم التهرب..
سيكون أمام
المؤتمر العديد من القضايا الحساسة والخطيرة، والتي تحتاج موقفا واضحا، على أن
تأتي الإجابات محصلة نقاش مسؤول وناضج، وليست نتيجة إملاءات من قبل القيادة
المتنفذة.
القضية الأولى:
مستقبل التسوية السياسية، مع انسداد الأفق السياسي، وهيمنة اليمين الصهيوني وتصعيد
مشروعه الاستيطاني التوسعي، الرافض لأي تسوية، والمناهض لفكرة الدولة الفلسطينية،
بل الساعي بخطى حثيثة لتصفية القضية الفلسطينية دون حلها، ووضع الشعب الفلسطيني
أمام خيارين: إما البقاء كعمّال ومستخدمين ومواطني درجة ثالثة دون أية حقوق
سياسية، أو المغادرة والهجرة.. ومن يرفض الخيارين سيلاقي القمع والاضطهاد والسجون
والاغتيالات.. وما يزيد من تعقيد المشهد الانحياز السافر للإدارة الأميركية، والذي
تجاوز محددات السياسية الخارجية الأميركية التقليدية.. وتراجع مكانة القضية
الفلسطينية في الأجندة الدولية خاصة مع اشتعال العديد من الحروب في الإقليم
والعالم..
السؤال
السياسي يرتبط تلقائيا بقضية أخرى بالغة الأهمية؛ وهي إعادة تعريف المشروع الوطني،
والذي على ضوئه ستتم صياغة البرنامج السياسي والكفاحي للحركة، وتحديد الخيارات
المتاحة واللازمة.. وهذا يحتاج بالضرورة تحديد موقف واضح من المقاومة: هل المطلوب
مقاومة مسلحة؟ وبأية أدوات؟ أم مقاومة شعبية سلمية؟ وكيف نعيد ثقة الشارع بهذا
الخيار؟ وكيف نستنهضه من جديد؟ مع تقديم كشف حساب بما تم إنجازه في المرحلة
السابقة في سياق الكفاح الدبلوماسي والقانوني والإعلامي وعلى الساحة الدولية، وكيف
أُديرت كل تلك العملية، خاصة تجاه حرب الإبادة التي تعرض لها أهلنا في غزة، وماذا
قدمت الحركة لهم..
القضية الأُخرى
التي ربما تفجر المؤتمر، هي الموقف من حماس: والإجابة على أسئلة من نوع:
لماذا أخفقت فتح (وحماس) في إنهاء الانقسام؟ والتوصل إلى حد مقبول من تحقيق شكل ما
من الوحدة الوطنية؟ وهل المطلوب استيعاب حماس، وإعادتها للحاضنة الوطنية؟ أم تركها
لمصيرها وتحمُّل مسؤولية سياساتها وخياراتها منذ الانقلاب وحتى اللحظة الراهنة؟
خطورة مثل هذه الأسئلة وجود مجموعة أو تيار من "المركزية" و"الثوري"
مؤيدون لخيارات حماس وعلى رأسها هجمات 7 أكتوبر، وامتناعهم عن توجيه أي لوم أو نقد
لحماس، حتى مع إصرارها على التفرد في تقرير مصير ومستقبل غزة! في مقابل موقف
الشارع الغزي، والموقف الوطني عامة الذي يرى أن حماس جلبت الانقسام، وأصرت عليه،
وما زالت تسير في الاتجاه المعاكس لمصلحة القضية والوطن، وأنها تسببت بنكبة جديدة
أشد وأقسى من نكبة ال48.
بالمثل، ولكن
بدرجة أقل تحديد موقف واضح وصريح من دحلان، وما يسمى التيار الإصلاحي، وكيفية
إعادة الاعتبار لقطاع واسع وعريض من المستنكفين والمهمشين من أبناء الحركة.
من أبرز
القضايا الخطيرة التي يتوجب طرحها، موضوع الأسرى والشهداء، من ناحية إيقاف رواتبهم،
ومخصصات أهاليهم، تحت ضغوضات وتهديدات إسرائيلية وأميركية وأوروبية بل وعربية..
وفي السياق ذاته قضية تغيير المناهج، ووقف ما يُسمى التحريض الإعلامي، والاستجابة
للضغوطات الدولية المفروضة على السلطة تحت مسمى "إصلاحات".
وأيضا طرح ملفات
الفساد: المحسوبيات، وتعيين السفراء واحتكار المناصب العليا في السلطة وتوريث
الوظائف، ومحاسبة من سرق المال العام، وكيفية إدارة الهيئات والمؤسسات والمشاريع،
ولماذا تعطلت الانتخابات كل هذه السنين، سواء الانتخابات الحركية في الأقاليم، أم
انتخابات الاتحادات والنقابات والانتخابات البلدية والتشريعية والرئاسية.. وهذا
الملف يرتبط عضويا بملف المراجعات العامة، الذي يجري التهرب منه بأساليب ملتوية
سنة بعد أخرى.. أي إجراء مراجعة نقدية شاملة لتاريخ الحركة الوطنية من ناحية
سياسية وتنظيمية وإدارية، بل وحتى مراجعة الشعارات والمفاهيم والمصطلحات التي سادة
طوال العقود الماضية..
المراجعة
النقدية تتطلب بالضرورة مراجعة وتقييم أداء اللجنة المركزية والمجلس الثوري وقادة
الأقاليم في كل ما يخص القررات والمخططات التي اعتمدها المؤتمر السابع.. ما هي
المنجزات، والإخفاقات؟
حساسية الموقف
وخطورته تكمن في وجود تيارات وتوجهات متباينة ومتعددة وأحيانا متناقضة بين أعضاء
المؤتمر.. وهذا سيسخّن النقاش.. صحيح أن تلك سمة "فتح" الأزلية، وطالما استفادت
منها في تصليب موقف الحركة واستيعاب كل تلك التناقضات وصهرها في بوتقة الحركة.. لكن
خطورة الملفات المطروحة تتطلب مرونة وتفهم ونقاش موضوعي من الجميع، وإلا تحول
المؤتمر حقا إلى كارثة.
الإجابة على
تلك الأسئلة وغيرها وتحديد موقف واضح مسألة في غاية الأهمية حتى لا يتحوّل المؤتمر
(كما حصل في مؤتمرات سابقة) إلى كرنفال انتخابات ومناسبة لتوزيع المناصب والمكاسب..
أي لنجعل منه محطّةً للتقييم والمراجعات وتجديد الدماء والطاقات، وبالتالي إنقاذ
الحركة واستنهاضها من جديد.