من وُلدوا في
ستينيات القرن الماضي، قبل أو بعد ذلك بقليل، يعيشون اليوم حالة نفسية مربكة، أشبه
ما تكون بحفل وداع معذبٍ ومضنٍ، أبناء هذا الجيل شهدوا أعمق التحولات وأكثرها
غرابة ربما في تاريخ البشرية كلها، ففي هذه الحقبة الزمنية الممتدة نحو ستة عقود
طرأت على حياتنا، وعلى عموم الكوكب جملة من المتغيرات الشمولية بتداعيات شديدة
وممتدة، وبإيقاع متسارع لدرجة منهكة تجعلنا عاجزين حتى عن استيعابها ومواكبتها
والتأقلم معها، سواء على الصعيد الشخصي والعاطفي، أم فيما يتعلق بأنماط الحياة
والمظاهر الاجتماعية.. فضلا عن التغيرات السياسية التي سأتجنب الحديث عنها هنا.
كان المشهد الطاغي في هذا المسرح مشهد الوداع..
منذ أن تفتح
وعينا على هذه الدنيا، كنا في كل سنة نودع مشهدا لن يتكرر، ولن يعود.. بشخوصه
وظروفه وملابساته.. كل مشهد سأذكره لم يختبره من عاشوا قبلنا، ولن يدركه من جاؤوا
بعدنا، إلا من باب التخيل، كمن يتخيل أكلة شهية لكن دون رائحة ولا مذاق..
ودّعنا الحرب
الباردة، وتهديدات ريغان بحرب النجوم، ومنظمة كانت مهمة تدعى دول عدم الانحياز، وشاهدنا
انفراط الاتحاد السوفيتي، وحلف وارسو، ويوغوسلافيا، وتوحد ألمانيا، وانتصار إنسانية
مانديلا..
عشنا في زمن
كاسترو، وتيتو، وماوتسيتونغ، وأنديرا غاندي، وبنازير بوتو، وجاك شيراك، وأولوف
بالمة، وميركل، والأميرة ديانا..
اختبرنا مشاعر
العزة في خطابات عبد الناصر، والخوف في ظل نظام الأسد وأجهزته القمعية وسجونه
الفظيعة، وتابعنا بأسى أخبار حروب اليمن الداخلية غير المفهومة، واحترقنا في أتون
حرب لبنان الأهلية، سحرتنا شجاعة ياسر عرفات، وكاريزمة هواري بو مدين، وتقدمية
الحبيب بورقيبة، وحكمة الحسين بن طلال، وسخرنا من مشاكسات القذافي، وارتعبنا من
قسوة صدام ومن حروبه التي لا تنتهي، وحيرتنا حيادية قابوس وروقان العمانيين..
عشنا بطولات
الفدائيين لحظة بلحظة.. أبو إياد، وجورج حبش، وخليل الوزير، ودلال المغربي..
ودعنا هؤلاء
جميعاً.. وانتظرنا طويلا أن يملأ أحد الفراغ الذي تركوه.. دون طائل.. ويبدو أننا
ودعنا مرحلة سياسية كاملة بلا رجعة.
الجيل الذي
سبقنا كان يراقب موجات المهاجرين اليهود القادمين من أطراف الدنيا، ويرى كيف
يستولون على البلاد شبرا شبرا، حتى خسرناها كلها، وودعناها بالنكبة.. اليوم نرى
قطعان المستوطنين وهم يقضمون ما تبقى من البلاد قرية قرية.. وصرنا نقول بحسرة:
زمان كنا نطلع من رام الله إلى جنين أو نابلس في نص الليل، ونروح على الخليل في أي
وقت.. ونسافر على الجسر بعد المغرب، ونطلع رحلات صباحية إلى البراري القريبة، ونصل
لحد بحر يافا.. وإذا لم نستفق سنصحو على كابوس..
خسائرنا ليست
فقط في الأوطان.. والأسماء التي ودعناها ليست كلها سياسية؛ ودعنا أم كلثوم، وعبد
الحليم، وفريد الأطرش، وفايزة أحمد، ووديع الصافي، ونور الشريف، وأحمد زكي، ونادية
لطفي، وفاتن حمامة..
كما ودعنا
محمود درويش، ونزار قباني، والبياتي، ونجيب محفوظ، وغسان كنفاني، وعبد الرحمن
منيف.. وهؤلاء أيضا لم يعوض غيابهم أحد..
في الحياة
الاجتماعية ودعنا صوبة الفوجيكا، وأجهزة الفيديو، وشرائط الكاسيت، والجريدة
الورقية، والرسائل المعطرة التي كانت تنتهي دوما بعبارة "والذكرى ناقوس يدق
في عالم النسيان"، والحمد لله إنه ما حدا عاد يكتبها.. ودعنا فيلم السهرة كل
خميس، والمسلسل العربي بعد أخبار الثامنة..
بعد كل هذه
الوداعات، نكون قد ودعنا أيام النشاط والحماسة والركض، وجولات الجدالات الساخنة
والتقاتل على تعريف المصطلحات وتصنيف الآخرين.. وبدأنا نشعر بأثر الوداعات الشخصية..
مع كل عزيز
غادر عالمنا إلى الأبدية كان يأخذ معه قطعة من قلوبنا (كما عبّر جبران) حتى كادت
تذوي.. ويترك مكانها ذكرى بعيدة، في هذه المرحلة تكثر الغيابات، فتتزاحم الذكريات،
ثم لا يعود لها متسع لكثرتها، أو تدعكها وطأة الحياة.. وهكذا تتحول حياتنا السابقة
ومعها أحبائنا وأصدقائنا إلى كومة ذكريات تثور بين فينة وأخرى، وأحيانا تحرمنا
النوم.. وبذلك تغدو حياتنا الراهنة بما تبقى فيها من سنين مجرد هواجس وحنين
وأطلال..
ثم نصحو على أنفسنا، فنكتشف ما ودّعناه من أجسادنا، وما
تركته السنون من علامات على وجوهنا وظهورنا وصحتنا..
مع كل هذه الوداعات، ورغم كل تلك الخسائر، والمشاهد التي
لن تتكرر، ومع الأحزان على كل من فقدناهم.. في كل صباح أحاول أن أفرح، أفتّش عن
الفرح وإذا لم أجده، أفرح لفرح غيري..
أتذكّر أن الله يمنحنا في كل يوم حياة جديدة: طلعة بهية
للشمس، وطاقة متجددة، ونهاراً آخر، وخيارات لا حصر لها في كل الاتجاهات، وأملاً
بتغيير نحو الأفضل، وحلماً سأشتغل عليه، وأناساً نبتسم لهم ويبتسمون لنا، ومدنًا
جديدة لنكتشفها، وروايات لنقرأها، وموسيقى لنسمعها، وأسئلة تبحث عن إجابات، وهدفاً
نسعى لتحقيقه، وأحباء نعيش من أجلهم كما نعيش لأنفسنا قبل أيّ شيء، وذكريات جميلة،
وأطيافاً نورانية تحلّق من حولنا لمن غادرونا مبكرين.