أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

سبتمبر 21، 2026

خطأ إستراتيجي

خطأ إستراتيجي

ذكرت في مقالات سابقة أن الخطأ الأهم الذي وقعت فيه الثورة الفلسطينية، وكان أحد أسباب تراجعها وإخفاقها هو أنها كانت تسير بلا إستراتيجية واضحة ومتفق عليها.. ومع ذلك يمكن القول أن الفلسطينيين بشكل عام ساروا ضمن إستراتيجية ما، غير مكتوبة، أو غير مفصلة بشكل واضح، وهي إستراتيجية إدارة الصراع وإدامته..

وعادةً في الصراعات الكبرى يتبنى كل طرف إما إستراتيجية الهجوم، أو الدفاع.. وفي الحالتين يتوجب على كل طرف ممارسة "إدارة الصراع" إلى أن يتمكن من الحسم، أو يقترب منه..

فمثلاً؛ مع إن إسرائيل تواصل إستراتيجية الهجوم المتصاعد والمتراكم منذ قيامها وحتى اللحظة، لكنها في الوقت نفسه تمارس "إدارة الصراع"، لأنها لم تتمكن من حسمه، ورغم كل ممارساتها الإجرامية وما وصلت إليه من حالة قوة غير عادية لم تقترب من الحسم.. بيد أنها أنهكت الفلسطينيين إلى حد كبير.. في المقابل رغم كل النضالات والتضحيات إلا أن الفلسطينيين لم يحسموا الصراع، وهم الآن في طور التراجع، بيد أنهم ما زالوا قادرين على الصمود والبقاء وإفشال المشروع الصهيوني.

منذ انطلاقة الثورة في ال1965، وحتى بدء حرب الإبادة في 2023.. تمحور النضال الفلسطيني حول إستراتيجية الدفاع، أي البقاء.. رغم الشكل الظاهري للهجوم؛ فالعمليات الفدائية والانتفاضات وأشكال المقاومة الشعبية وكل المبادرات السياسية والهجمات الدبلوماسية والقانونية والإعلامية.. كلها كانت تسير وفق المنهج ذاته.. أي منهجية الصمود والبقاء.. فالضربات العسكرية كانت كلها محدودة من حيث عدد القتلى في صفوف العدو، ومن حيث الأثر السياسي والإعلامي والمعنوي.. هذا لا يقلل من شأن الكفاح الفلسطيني؛ بل هذا هو الشكل المطلوب المتناسب مع موازين القوى والمعادلات السياسية الإقليمية والدولية، والمتناسب مع قدرات الشعب ومدى تحمله.. أي إنه خيار حتمي..  

لكنَّ زخم الثورة وعنفوانها، وصدى العمليات الفدائية، والأثر المعنوي لكل انتفاضة، وعمليات التحريض، وحماسة الخطاب، والشعارات المعلنة، إلى جانب الخطابات الشعبوية.. كلها خلقت انطباعات عامة لدى قطاعات واسعة من الجماهير بأننا لسنا في حالة دفاع، بل في قلب الهجوم.. وعلى هذا الهجوم أن يتواصل ويتصاعد، مع قناعة راسخة بقرب ساعة الحسم، وإمكانية تحقيقه.. كل ما يلزم مزيدا من العمليات الفدائية، وتصعيد الاشتباك اليومي مع العدو، وإعلاء نبرة الخطاب، وبناء تحالفات مع قوى دولية، أو بالاعتماد على الشارع العربي والإسلامي.. حينها ستكون ثمار النصر قد نضجت، وكل ما نحتاجه زعيم مخلص يقطف الثمرة..

للأسف هذه مجرد تمنيات وأهداف طموحة، تصلح لقصيدة أو لخطبة ثورية أو لكلمات الصباح في الإذاعات المدرسية.. لكنها في سوق السياسة وعلى أرض الواقع لا شيء، ونتائجها كارثية.. ليس لأنها خطأ، بل لأنها تأتي ضمن الإستراتيجية الخطأ.. أي إستراتيجية الهجوم المبنية على فرضية إمكانية حسم الصراع بالضربة القاضية.. 

إستراتيجية الهجوم المبنية على فرضية إمكانية حسم الصراع بالضربة القاضية، تختلف كليا عن إستراتيجية الدفاع والبقاء والصمود.. ولكل منها أدواتها وآلياتها وأساليبها وخطابها السياسي والإعلامي المختلف.. والخلط بينهما يقود إلى الكوارث، وينم عن قُصر نظر وسوء تقدير.. لأن البند الأهم في أي إستراتيجية وحتى تتمكن من تحقيق غاياتها أن تكون مبنية على ما يسمى "تقدير الموقف".. وتقدير الموقف يُبنى على جملة واسعة من العوامل الذاتية والموضوعية، وعلى قراءة متبصرة للواقع المحيط، وتحليل علمي دقيق لموازين القوى وطبيعة المعادلات السياسية القائمة، وطبيعة النظام الدولي المهيمن، ونقاط قوة وضعف العدو.. وكل خلل في تقدير الموقف يتسبب في إخفاق أو تراجع أو هزيمة كبرى..

عندما أعدت حماس "تقدير موقف"، بنته على أساس أننا في مرحلة هجوم وحسم (وعد الآخرة)، ورأت موازين القوى من خلال شعار "أوهن من بيت العنكبوت"، وقرأت كافة المعطيات بعقلية غيبية، وبأدوات ومعايير طوباوية، وتعاملت مع السياسة بمنطق الأيديولوجيا، وذخيرتها الشعارات والخطابات.. ثم قررت هجمات 7 أكتوبر، فكانت الكارثة والنكبة.. لأن تقديرها للموقف كان خاطئا من البداية، وبالتالي كل الخطط المبنية عليه فاشلة..

إذا كان الواقع السياسي قبل حرب الإبادة يعطي الفلسطينيين هامشا للتحرك (يصغر ويكبر تبعا للظروف)، ويزودها بأدوات (ولو بسيطة) للاقتحام والمبادرة وخوض أشكال متعددة من النضال والاشتباك (سياسيا وشعبيا)، ويمنح القيادة مساحة معينة للمناورة ولقول لا أحيانا أو لعم أحيانا أخرى.. فإن نتائج حرب الإبادة قد قلصت كل تلك الهوامش إلى أصغر حد..

إضافة للخسائر البشرية الفادحة في الأرواح، والتي لا تعوض، فإن الخسارة الكبرى ستكون في مفهوم المقاومة نفسها، بما فيها المقاومة الشعبية.. غزة خرجت من المعادلة، وستحتاج عقودا طويلة قبل أن تستعيد جزءا من روحها وعافيتها.. في الضفة الوضع خطير ومخيف.. مواجهة بسيطة مع الاحتلال أو ضد قطعان المستوطنين تكلف أثمانا بشرية وسياسية ومادية باهظة جدا.. والأسوأ من ذلك أنها لن تكون مجدية سياسيا في المدى المنظور..

للخروج من هذا المأزق ولمواجهة كل هذه الأخطار التهديدات الوجودية، ينبغي أولاً أن نستأنف كفاحنا الوطني ضمن إستراتيجة البقاء والصمود.. وهذه لها أدواتها وأولوياتها وقادتها وخطابها الخاص..

باختصار، نتائج وتداعيات حرب الإبادة خلقت واقعا جيوسياسيا مختلفا كليا عما سبقها، وأوجدت معادلات جديدة كل من لم يستوعبها سيعرض نفسه لخطر الانقراض.. وأمام هذا الواقع الظالم، والهجمة الصهيونية الأميركية الشرسة، وفي ظل المعادلات الإقليمية القائمة فإن أفضل وأهم ما يمكننا إنجازه، هو البقاء.. البقاء فوق الأرض الفلسطينية، والحفاظ على وحدة الشعب، ووحدانية تمثيله السياسي، وعلى كيانه الوطني، وإبقاء جذوة النضال متقدة، وإبقاء القضية الفلسطينية حاضرة في الأجندات العالمية..

هذه ليست مجرد واقعية سياسية، هذه محاولة استنهاض وطني بتحديات كبيرة دونها خرط القتاد.. وأهم ما يتوجب إسقاطه بدايةً: خطاب الشعارات والعنتريات والشعبوية والمزاودات..


سبتمبر 15، 2026

في الحالة الفلسطينية، من يحاسب من؟

 

في تصريح لعضو اللجنة المركزية لحركة فتح ماجد فرج قال فيه: "حتى تدخل حماس في النظام السياسي الفلسطيني، عليها أن تعتذر للشعب الفلسطيني عمّا تسببت به من كوارث أضرت بالقضية الفلسطينية، قبل الانقلاب وبعده، وبعد هجمات 7 أكتوبر..".. رد عليه القيادي في حماس باسم نعیم: "إذا كان على حماس أن تعتذر عن 7 أكتوبر، فعلى السيد ماجد فرج أن يطالب حركة فتح أولا والرئيس الراحل أبو عمار رحمه الله في قبره بالإعتذار عن كل "الكوارث" التي تسببوا بها لشعبنا على مدار عقود في فلسطين وخارجها، وكان آخرها إنتفاضة الأقصى، والتي تسببت بإعادة احتلال الضفة في عملية السور الواقي وقبلها في الأردن ولبنان وحرب الخليج الأولى وغيرها"..

قوبل التصريحان بحملة اتهامات متبادلة، وكل طرف يريد من الآخر الاعتذار.. المزعج في الموضوع أن كل طرف يفهم الاعتذار وكأنه مسبة وإهانة، أو حبل مشنقة.. أي وصف سيء حتى يتجنب الاعتذار..

في تصريحات باسم نعيم جانب من الصواب؛ أي مطالبته القيادة الفلسطينية بالاعتذار عن كل "الكوارث" التي تسببوا بها لشعبنا على مدار عقود في فلسطين وخارجها، وأضم صوتي له ولكن مع استبدال كلمة اعتذار بالمراجعة والنقد الذاتي ومحاسبة كل من أخطأ.. هذا من واجب القيادة ومن حق الشعب الفلسطيني.. ليس لأن الاعتذار بحد ذاته شيء سيء، بل لأن المطلوب ما هو أهم وأقوى من الاعتذار: المراجعة والنقد والمحاسبة، ولأن حركة فتح الفصيل التاريخي وباعثة الحركة الوطنية المعاصرة، وصاحبة الحضور الأكبر في الثورة الفلسطينية، ولأنها هي من صنعت تاريخنا الحاضر (بسلبياته وإيجابياته)، ولأنها تقود المنظمة والسلطة، ولاعتبارات أخرى كثيرة.. عليها قبل أي طرف آخر أن تبادر وعلى الفور بعمليات مراجعة شاملة تتضمن نقدا ذاتيا جريئا وموضوعيا لكافة المحطات والمراحل السابقة، هذا استحقاق تأخر كثيرا، وبدون مراجعات فكرية لكل الشعارات والبرامج المطروحة، وبدون محاسبة كل من قصّر ومن أساء ومن أخطأ.. سنظل في دوامة الفشل، ولن نتقدم خطوة..

الأمر الآخر الأكثر إزعاجا اعتقاد البعض (وخاصة حماس) أنهم فوق النقد.. والترويج على وصف حماس ب"الحركة الربانية"، و"المباركة"، وأنها "تمثل المقاومة"، و"مضحية".. وحتى لو كان هذا صحيحا (وهو غير صحيح من وجهة نظري)، فهذا لا يعفيها من النقد، ولا يعفيها من تحمل مسؤوليات قراراتها وسلوكها، ولا يمنع الشعب من مساءلتها ومحاسبتها.. فلا أحد فوق النقد، ولا وجود لحركة مقدسة، المقدس الوحيد هو دماء الناس التي سُفكت بلا مبرر، وحيواتهم التي أهدرت بالمجان.. ومن تسبب بذلك عليه مواجهة عقبات فعلته، وتحمل المسؤولية كاملة.. سواء حماس أو غيرها..

وإذا كان البعض يعتقد أنها حركة ربانية، فأود تذكيرهم بأن الله سبحانه وفي كتابه العزيز لام النبي الكريم شخصيا، ولام الصحابة، في العديد من الآيات القرآنية الواضحة، في سورة "عبس"، وفي الآيات التي تناولت معركة أحد، ومعركة الخندق، ومعركة حُنين، وغزوة تبوك، والتي تحدثت عن المرجفين والمنافقين والمتخلفين عن الزحف، ومن خافوا وارتعبوا، ومن يئسوا وظنوا بالله الظنونا، وأيضا في قصص الأنبياء السابقين نجد لوماً ونقداً. بوسع أي شخص مراجعة تلك الآيات، والتي تُفهم كممارسة قرآنية للنقد الذاتي والتوجيه والوعد بالمحاسبة.. ولا أظن أن حماس أهم من الأنبياء والصحابة..

النقطة الثالثة في هذا السياق: صحيح أن كل طرف مطالب بالنقد وتحمّل المسؤولية، والاعتذار عن أخطائه، الصغيرة والكبيرة منها.. لكن يجب التنويه إلى أن حجم الأخطاء وتداعياتها يتفاوت وبشكل كبير جدا.. لنأخذ مثلا قرار الذهاب إلى أوسلو، بوصفه حدثا مفصليا، أثار الكثير من الجدل وما زال، حتى أضيع وقت القارئ بقراءة السياقات التاريخية والجيوسياسية التي أفضت إلى أوسلو لنذهب مباشرة إلى النتائج: أوسلو أعاد مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى وطنهم فاستقروا فيه، وتكاثروا وهم الآن بحدود المليون شخص.. فعادت فلسطين نقطة جذب بعد أن كانت عامل طرد لو استمرت في ذلك المسار لخلت من سكانها.. وبرأيي هذا منجز بالغ الأهمية.. كما أن أوسلو فتح آفاقا سياسية غير مسبوقة لو قيض لهذا المسار النجاح لكنا الآن في وضع أفضل مائة مرة مما هو الآن (عوامل النجاح كانت متوفرة، لكن تحالف اليمين المتشدد من الطرفين أجهضها). وفي النتيجة ومع فشل مسار أوسلو إلا أنه أسس لنواة دولة، وبنى مؤسساتها، من نظام صحي وتعليمي وبنية تحتية وأمن وقضاء.. مع علاقات ممتازة مع العالم، ومكّن الفلسطينيين من البقاء ومن ممارسة حياتهم بشكل ما، رغم كل المنغصات والمعيقات وأشكال السيادة المنقوصة والمستلبة.. إلا أنها أفضل بما لا يُقارن مع النتائج الكارثية لقرار 7 أكتوبر.

بالنسبة لانتفاضة الأقصى التي يطالب باسم نعيم بالاعتذار عنها؛ فهي أولا حافظت على طابعها الشعبي، وتبنت الوسائل المناسبة لقدرات شعبنا، والمتلائمة مع نهجه المقاوم، وحازت على تعاطف العالم. وكانت تضحياتها في حدود المتحمّل؛والأهم أن من أفشلها ونزع عنها طابعها الشعبي، وحولها إلى هزيمة هو نهج العمليات الانتحارية التي نفذتها حماس.

المحطات الأخرى التي تستوجب المحاسبة: الانقلاب وإحداث الانقسام، وجر القطاع إلى حروب عبثية لم نجنِ منها سوى الدمار والخراب، وآخرها هجمات 7 أكتوبر، التي تقمصت شخصية الجيش النظامي، وبالتالي جلبت إدانات الدول والأمم المتحدة التي وصفتها بالجرائم. أما نتائجها فكانت كارثية بالكامل، ودون أي منجز، بل بالعكس أعادت احتلال غزة، وأعادت القضية إلى زمن الوصاية. بل إنها قوضت مفهوم المقاومة نفسه، وجعلته أبعد منالا..

في الخلاصة، في تاريخ النضال الفلسطيني الكثير جدا من الأخطاء، من قِبل الجميع: قرارات، مواقف، اصطفافات، ارتجال، فساد، فوضى، تعصب، ارتهان للأجندات الخارجية، حرف البوصلة، خلق الذرائع وتقديمها هدايا للعدو، استدعاء الوصاية.. وهذه كلها تحتاج مراجعات ونقد ذاتي ومحاسبة ومساءلة.. وهذه في الأصل (أي المحاسبة والمراجعة) جزء أساسي من العمل السياسي والتنظيمي والنضالي، بل هي الجزء الأهم.. لكن أصحاب العقول الأيديولوجية المغلقة ومن يحيطون أنفسهم بهالات مزيفة من القداسة يخشون المراجعات والنقد والمحاسبة، لأنهها ستعريهم، وتكشف زيف شعاراتهم، وتقوض بنيانهم الفكري والسياسي المتهافت..

الدماء التي سُكبت، وعذابات الأطفال، ومعاناة الغزيين وقهرهم وذلهم وجوعهم والأرواح التي قبضت قبل أوانها، وزجت في حرب دون إذنهم، ورحلوا عنا قبل أن تتاح لهم فرصة الاحتجاج على قتلهم.. لهؤلاء جميعا حق ودين علينا أن نحاسب من جرنا إلى هذه النكبة.

سبتمبر 14، 2026

السفر عبر الأزمنة

 

التنقل عبر الأزمنة حلمٌ راود معظم علماء الفيزياء، وشكّل مادة خصبة لمئات المسلسلات والأفلام السينمائية، سواء من وحي الخيال العلمي، أم بإسقاطات سياسية واجتماعية.. وفي الحقيقة هو موضوع شيق ومثيرـ وربما تمنى الكثير منا لو ركب آلة الزمان وسافر بها إلى زمن آخر، إما للهروب من واقعنا البائس، أو لعيش تجربة جديدة ومثيرة.. لكننا سنحتار إلى أية جهة سنسير؟ للمستقبل، حيث لا يعرفنا أحد، فنعيش غرباء عن الناس وعن التقنيات التي سنعجز عن فهمها وكيفية التعاطي معها! أم إلى الماضي، وبالتالي سنُحرم من كل وسائل الراحة والترفيه التي تعودنا عليها! وفي الحالتين، لنفترض أن أحدنا نجح فعلا في الانتقال إلى زمن آخر، هل سيألف البيئة الجديدة، وينسى أهله وأحباءه؟ أم سيشتعل قلبه حنينا ويعود أدراجه على الفور؟

مبدئياً، التنقل عبر الأزمنة من وجهة نظر علمية أمرٌ مستحيل، هو ممكن افتراضياً بحسب "النظرية النسبية" التي تتنبأ بتباطؤ الزمن مع زيادة السرعة، ليصبح صفرا عند مساواته مع سرعة الضوء، ومن بعدها يتحول إلى السالب.. أي يعود للماضي، أو ينتقل للمستقبل كما في المثال الشائع عن شاب سافر على مركبة فضائية بسرعة تقترب من سرعة الضوء وعاد بعد ساعات ليجد أقرانه صاروا شيوخا أو متوفين..

لكن المسألة من ناحية فيزيائية مستحيلة، ومن ناحية منطقية أيضا مستحيلة ومربكة للعقل، حيث سنواجه معضلة الحفيد والجد؛ فلو عاد شخص ما سبعين سنة للوراء مثلا والتقى بجده، وقتله أو أقنعه بعدم الزواج.. فكيف سيأتي للوجود هو شخصياً، طالما أن أبويه لم يلتقيا أصلاً!

لطالما أثارني هذا الموضوع؛ وقد تناولته في العديد من القصص القصيرة التي كتبتها، وفي مقالات عديدة، أحيانا لرغبة مني في محاولة فهم كيفية العيش في الأزمنة المختلفة، وأيضاً في البيئات الجغرافية المختلفة، أي فهم سيسيولوجيا المجتمعات وسيكولوجيا الإنسان في الأمكنة والأزمنة المختلفة، ومحاولة تصور شكل الحياة الاجتماعية في كل بيئة، وإجراء المقارنات فيما بينها.. مع محاولات تطبيق نظرية "أثر الفراشة"، لأرى كيف سيحفز حدثٌ ما جرى في الماضي سلسلة أحداث لا متناهية من بعده وصولا إلى تغيير الحاضر..

كما تأملتُ في هذه المسألة بعناية في الكثير من الروايات التي قرأتها والأفلام التي شاهدتها، إلى جانب التجارب الشخصية لي ولمن سافر إلى بلدان أخرى وعاد بقصص ومشاهدات عنها.. وحتى في القصص المروية عن أيام زمان، بكل ما فيها من تفاصيل صغيرة، والتفاتات قد لا ينتبه إليها الكثير من الناس.

عند قراءة تاريخ وحضارات الشعوب، لا يكفي معرفة من انتصر، ومن هُزم، ومن حكم ومن تآمر على الحكم.. هنالك ما هو أعمق وأهم من التاريخ السياسي؛ التاريخ الاجتماعي بكل تفاصيله: حكايات الناس البسطاء، المهن والحرف، الأسواق ونوعية البضائع المتوفرة، تاريخ الجوع والأوبئة، متى وصلت المراحيض لتلك المجتمعات، الأمثال الشعبية، الأزياء، الأكلات البيتية، الفنون والآداب، أسماء المثقفين المغمورين..

بتلك التأملات، وتتبع ورصد حركة المجتمعات البطيئة في مسارات تطورها، أو تراجعها، أو تبدل معاييرها وتنوع قيمها، وتفاوت مستوياتها، سنلحظ الكثير من التغيرات: في اللهجة المحكية، في المفردات التي تسود ثم تختفي، في الأزياء والمظاهر وأنماط العمران، وتبدل الأذواق في كل شيء تقريبا، بدءا من الموسيقى والأغاني المفضلة إلى تغير أنماط الاستهلاك وشكل وألوان أثاث المنزل، حتى تغيير أنواع الطعام.. وما يسمى "الموضة"، أو "الترند" المنتشر..  

وهذه التغييرات تنتج عن تغير أدوات ووسائل الإنتاج، وعن تغيير المستويات الاقتصادية لطبقات المجتمع، وتغيير النظم السياسية الحاكمة، وعن تدافع الأجيال، وتغيير مستويات الوعي والثقافة، وبسبب الانتشار المكثف لوسائل الإعلام، خاصة الإعلام المجتمعي، وبشكل غير مباشر نتيجة تغيير المعادلات السياسية والاقتصادية على مستوى العالم، وما يتخللها من حروب وصراعات ومعاهدات..

ليس كل تغيير يعني تطور، وليست كل التغييرات إيجابية، ولا سلبية بالضرورة.. المسألة أعقد بكثير من وصفها وتصنيفها بحسب التسلسل الزمني.. والقول: أيام زمان كانت أحسن، فكل جيل يردد نفس المقولة، حتى لو عدت فجأة ألفي سنة للوراء ستسمع المقولة نفسها.

التغيير سمة إنسانية أصيلة، وهي سبب تطور المجتمعات، بل سبب بقاء جنس البشر.. ولولا هذا التنوع لاستحالت الحياة، أو لكانت جحيما لا يُطاق..

الخلاصة التي انتهيت إليها أن كل شيء في المجتمع يتغير ويتبدل ويتطور ويتراجع، ولا يوجد مجتمع نسخة مطابقة عن مجتمع آخر، لا في الوقت الراهن، ولا في أي مرحلة تاريخية سابقة أو ستأتي لاحقاً.. لكل مجتمع سماته الخاصة والمنفردة، كما أن لكل إنسان شخصيته المنفردة والمختلفة.. هذه سنن الكون وقوانين الطبيعة.. من الأزل وإلى الأبد.. لكن يمكن القول أن سمتين أساسيتين تتوفران في كل المجتمعات وفي كل البشر: على المستوى الشخصي: لغة الجسد.. وعلى المستوى الجمعي: الصراعات..

بالنسبة للغة الجسد، لو أخذت عينة من أي مجتمع في أي مرحلة ومن أي مكان ستجد دوما حركات وإيماءات لا تحتاج مترجما: الابتسامة، والدمعة، والضحكة، والخجل، والغضب، والحزن، والفرح، والتعجب، والاستنكار، والقبول، والحب، والغيرة، والحسد، وقلق الانتظار، ولهفة الشوق، والخوف من المجهول، والانبهار أمام الجمال، ونشوة الانتصار، وغل الانتقام، ولحظة الانكسار.. ستجد الجسد يستجيب تلقائيا لكل انفعال.. ستجد سمات الضعف الإنساني..

أما عن الصراعات، ستجد في كل مجتمع تناقضات داخلية على كافة المستويات: دينية، قبلية، طائفية، بين الطبقات، بين الأخيار والأشرار، ستجد مستضعفين ومستبدين، فقراء ومستغلين، ستجد الظلم ومن يتصدى له.. وستجد صراعات مع المجتمعات الأخرى: سياسية، اقتصادية، أطماع توسعية، دوافع أيديولوجية..

هذه طبيعة البشر في كل زمان ومكان، الأمر الذي يقوض أسس أية تصنيفات جاهزة وينسف كل حكم مسبق، ويجعل من التعميم فعلا لغة الحمقى.. بل يجعل منه سلوكا عنصريا..