أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

نوفمبر 03، 2026

رواية مستحيل

 

رواية جديدة للشاعر الفلسطيني  يوسف الشايب حملت عنوان "مستحيل il" (منشورات المتوسط، 160 صفحة، 2026)، قرأتها في جلسة واحدة دون ملل، وتلك بنظري أولى علامات نجاح أي عمل أدبي، أي أن تستمتع بقراءته، وهذا ما حصل معي، رغم أني لم أستوعبها تماماً، أو أشكلت عليَّ بعض الرموز، لكن بالمجمل هي رواية شيقة، لغتها عالية، سلسة وغير متكلفة، وتكاد تخلو من الأخطاء اللغوية والنحوية والجمل التركيبية الشائعة.. لكنها مبدئيا تفتح سؤالين للنقاش، الأول: لا أعرف إلى أي مدى تنطبق عليها معايير الرواية، وفقا لقواعد التجنيس الأدبي؟ الإجابة متروكة للقراء والنقاد، من جهتي رأيتها أقرب لنص حر بلغة شاعرية مرهفة وأسلوب نثري، أو نص سردي تجريبي يتجاوز الحدود المألوفة للتجنيس الروائي، هذا لا يقلل من شأنها، فمن قال أن الرواية أرقى قيمة أدبية من القصة أو الخاطرة أو النثر؟

الثاني: النص مفرط في الرمزية، لدرجة يصعب فهمها في كثير من المقاطع.. وهذا السؤال يفتح سؤالين: لمن نكتب؟ وما هي رسالة الأدب وقيمته إذا لم يكن قابلا للفهم من قبل العامّة؟ لمن نكتب هذا سؤال يحتمل عشرات الإجابات، ولكل كاتب جمهوره ومريديه، أما عن قيمة ورسالة الأدب فعلى الأقل ثمة جوابين حاضرين: الأدب موجه للناس العاديين على اختلاف مستوياتهم التعليمية والثقافية، وهذا يستدعي أسلوبا مبسطا ولغة بمستوى قريب من الناس، خاصة لمن أراد توصيل رسالة أو لمن يحمل مشروعا ثقافيا خاصا به.. أو هو موجه للنخبة، أي بأعلى معايير اللغة وبأقصى درجة من البلاغة، وهنا يستخدم الكاتب أفضل ما عنده من مهارات إبداعية وصيغ بلاغية.. وقد نجمع بين الأسلوبين، فنكتب بلغة بسيطة غير معقدة مع رفع مستوى البلاغة من حين إلى آخر لنرفع من خلالها الذائقة العامة ونرتقي بالقراء قليلا.. صعوبة النص ليست بالضرورة عيباً، والغموض ليس بالضرورة علامة على العمق، الرمزية يجب أن تكون قابلة للتأويل، لا أن تتحول إلى حاجز يفصل النص عن قارئه.

يبدو أن يوسف الشايب اختار الأسلوب الثاني، وطبعا هذا من حقه، بل أراها شجاعة وجرأة منه في التجريب، وتمردا على ما يمكن وصفه تجاوزا كلاسيكيات الرواية.. فما قرأته في "مستحيل il" أسلوب غير مطروق وغير معتاد في الأدب العربي، على الأقل في حدود ما أعرف، وضمن تجربتي القرائية الخاصة.. هذا ابتكار جديد ومدهش، وللحقيقة نال إعجابي، وأعترف بأنني سأحاول خوض تجربة مماثلة في نص قادم..

الرواية تدل أيضا على حصيلة ثقافية واسعة وحس إنساني متقدم لدى لكاتب، وهذا الشرط الثاني لتميز أي عمل أدبي، خاصة الرواية والقصة.. رواية "مستحيل il" ليست سهلة، وتتطلب التركيز، كما أنها تستفز الكثير من الأسئلة والنقاشات، وهذا دور الأدب عموماً.

قيمة الرواية من ناحية فنية أنها طورت إمكانات السرد الفلسطيني باتجاه تجريبي تخيلي أشبه بالفنتازي يتحرك بين الأزمنة، يستخدم لغة أدبية بأسلوب جديد حداثي في التعبير عن الرواية الوطنية الفلسطينية، بتوظيف التقنيات الرقمية ومفاهيم العصر السيبراني كمادة لبناء المفارقات الساخرة، وتخيل شكل المستقبل، دون أن يفقد صلته بالجغرافيا والذاكرة والتراث. فما فعله الشايب أنه نقل التجربة الفلسطينية إلى فضاء رقمي متخيل باستعارة أدوات المستقبل، دون أن يتخلى عن جذوره التاريخية والجغرافية، فهو لا يعتمد على الحكاية التقليدية المتسلسلة، بل يوظف الوثائق والقصاصات والهوامش والرموز وتعدد الأصوات والرواة. وهنا تكمن جرأة المشروع.

قيمة الرواية من حيث المحتوى أنها تناولت القضية الفلسطينية (روايتنا الوطنية) من منظور إنساني بحت، جمعت بين النكبة والمخيم والجدار والمنفى والمقاومة وصورة الإنسان الفلسطيني واختزلتهم جميعا في رموز، الابتكار الجديد تمثل في الرؤية الاستشرافية لمستقبل بعيد، بأسلوب تخيلي تتداخل فيه الأزمنة وتختلط مع الأمكنة، بالترميز والسخرية والحيل البلاغية ولعبة تبديل الأحرف، واستخدام أشياء بسيطة وتحميلها دلالات مركزية؛ مثل المرآة، والسمكة والمفتاح والراديو والحفرة لتصبح شواهد على حياة افتراضية وأحيانا مستحيلة.

من أجمل التشبيهات مشهد المفتاح الصدئ: "الصدأ ليس فساداً للمعدن، بل أرشفة للزمن، كل ذرة أكسيد هي شاهدة على زمن الغياب"، هنا يتحول الصدأ من علامة على تآكل المعدن إلى سجل للانتظار، ويغدو شاهداً على طول المنفى واتساعه.

في مشهد استشرافي آخر يصف فيه لحظة انهيار جدار الفصل العنصري: "في العام 2072، سقط الجدار، لم يسقط بانفجار، بل بتفكيك هادئ ومنظم، باشره سكان قلنديا كعمل من أعمال الصيانة المنزلية لإزالة قطعة أثاث قبيحة لم تعد لها وظيفة، تبخر الشبح في ضوء النهار، وانكشف الأفق، لم يكن جميلاً كما في الأساطير، بل كان أفقاً عادياً مغبرّاً ومملوءاً بالمستودعات الصناعية، كانت الحقيقة أقل شاعرية من الحصار".. "أزال حسن وخالد آخر قطعة إسمنت، ونظرا إلى الفراغ الحقيقي، لم يعد هناك سجن ليقاوَم، بل فضاء ينتظر أن يُملأ".. هنا لا يجرد الشايب الفلسطيني من صورة البطل، بل ينزله من علياء الأسطورة التي أثقلته إلى أرض الواقع كإنسان عادي يريد بلدا عاديا يعيش فيه دون أن يكون مضطرا للصمود والتضحية، فكل ما ينتظره أفق عادي ومستقبل عليه أن يملؤه..  وهنا تظهر فارقة أدبية جميلة: سقوط الجدار ليس لحظة انتصار أسطورية، بل عمل عادي يقول إن التحرر الحقيقي جزء من الحياة اليومية.

كثرة العناوين الفرعية حتى داخل الصفحة الواحدة تبطئ إيقاع القراءة، كذلك تكرار بعض المقاطع والتوصيفات، وأحيانا شعرت أن الشخصيات لا تمتلك استقلالاً نفسياً، وكأنها تتحدث جميعها بصوت الراوي. أيضا لم يتضح لي تماما من الذي غطى الجدار بالمرآة؟ معرفة الفاعل مهمة، لأنها ستحمل دلالات مختلفة، صحيح أن المرآة ستعطي نتيجة خادعة في أغلب الحالات، إما توسعة الأفق الضيق أصلا، أو برؤية الفلسطيني المحاصَر لذاته، وكأن الاحتلال يستوطن عقله، لا أرضه وحسب. كما أن اختزال القضية والصراع في المخيم والجدار والمنفى غير مقبول (ربما الرواية مخصصة لهذه الجوانب) لأن القضية الفلسطينية والصراع والعدو أكثر من ذلك بكثير.. هذه التجربة تفتح أفقاً لمشروعات روائية أخرى تستكشف جوانب مختلفة من الواقع الفلسطيني.

في الرواية بعض المواقف تحتاج تركيزا عاليا لفهمها، وليس شرطا أن نتفق معها، مثلا تحول بلاغة الصمت والسكوت إلى خطاب مقاوم، وأن يصبح الغياب موقفاً.. وهذه أطروحات تحتاج نقاشا مستفيضا.. لذا يبدو أن الرواية تحتاج قراءة ثانية متأنية..

أكتوبر 29، 2026

ما يدعو للاطمئنان بعد جريمة الكرك


مجموعة من المجرمين الإرهابيين تقتحم كنيسة حمود في الكرك، وتطلق النار بشكل عشوائي على أناس مدنيين أبرياء كانوا يشيّعون سيدة فاضلة من عائلة هلسة. سقط في هذه العملية الجبانة ستة شهداء وعشرات الجرحى. عملية غادرة في منتهى الخسة والجبن، وجريمة إرهابية مدانة بكل العبارات واللغات.

الجريمة لم تستهدف المسيحيين وحسب؛ بل استهدفت، أولاً، نسيج المجتمع الأردني ووحدته وأمنه، واستهدفت تاريخاً طويلاً من التعايش السلمي بين مكونات المجتمع الأردني وطوائفه. أراد المجرمون شق المجتمع الأردني، وزعزعة أمنه واستقراره، وتهديد مستقبله.

رغم حجم المأساة وفداحتها، فإن في المشهد بضع نقاط تبعث على التفاؤل وتدعو للاطمئنان؛ أولها تصرف الإخوة المسيحيين على نحو حضاري وإنساني. فقد تجرعوا أحزانهم بنبل، وتعالوا على جراحهم. فلا الكنيسة ردّت بخطاب تحريضي، ولا المسيحيون قالوا إننا مستهدفون، وتعرضنا لطعنة نجلاء، وتعالوا نتكتل وندافع عن أنفسنا «كمسيحيين». مثل هذا التوجه قد يفتح باباً للطائفية، لكنهم، عوضاً عن هذا التفكير الغرائزي، احتموا بالدولة، ولجأوا إلى القانون، ووضعوا ثقتهم بالأجهزة الأمنية وبالقضاء الأردني، وتحدثوا بصوت واحد: نحن أردنيون أولاً، وننتمي إلى دولة وطنية.

النقطة الثانية: أن الدولة، بصفتها الرسمية، ومؤسساتها وأجهزتها وخطابها الإعلامي وشخوصها (من الملك حتى الجندي)، تصرفت جميعها كدولة وطنية تدافع عن مواطنيها، وتحارب الجريمة من حيث كونها جريمة أولاً، ولأنها استهدفت مواطنين أبرياء (تصادف أنهم مسيحيون). وكانت ستفعل الشيء نفسه لو كان المستهدفون من أي فئة أو طائفة أخرى. هذا الأمر يعزز الثقة بالدولة، ويعزز الانتماء إليها، بحيث تسود هويتها الجامعة على أي هوية فرعية. فلم يقع الأردن في الخطيئة التي وقعت فيها بعض دول الجوار، حين دخلت في حروب أهلية وفتن طائفية.

النقطة الثالثة: أن جميع الأردنيين أدانوا الجريمة ومرتكبيها، بمشاعر حزن وتضامن صادقة، باستثناء قلة شاذة تناولت القضية من زاوية طائفية، أو فهمتها برؤية سلفية جامدة. وما عدا ذلك، وقف المجتمع الأردني صفاً واحداً في وجه الفتنة وضد الإرهاب. نأمل ألا نكتفي بمجرد الانفعال إزاء الجريمة، وإنما مراجعة الموروثات والقناعات التي جعلت بعض الفئات تتعامل مع المختلف دينياً أو مذهبياً باعتباره عدواً. وأن تُحدث الجريمة «صدمة» تهز بعض القناعات السابقة التي هيمنت لفترة من الوقت لدى فئات معينة من المجتمع، ممن تلقوا تربية وثقافة سلفية متشددة، أو كانوا يظنون أنفسهم محصنون وبمعزل عما يجري، وأن ما تعرضت له دول الجوار لن يطالهم.

هذه المرة، استشعر الجميع الخطر، وبدأ الخطاب الرسمي والشعبي يدعو إلى وأد الفتنة، والتعايش، والتسامح، وتقبّل الآخر. هذا حسن، لكن لا بد من الانتباه إلى خطورة فكرة «التسامح»، واستبدالها بفكرة «المواطَنة»؛ فالتسامح يعني تنازل القوي للضعيف، والسماح له بالعيش وممارسة حرية العبادة. وهذا مرفوض في مفهوم الدولة الحديثة؛ دولة القانون التي تمنح الجميع حقوقاً متساوية، بغض النظر عن الدين أو اللون أو الجنس، لأن المواطَنة مبنية على مبدأ الحق والمساواة. وثانياً: عند الحديث عن تقبّل الآخر، ينبغي أن نتذكر أن الآخر ليس هو المسيحي، أو الدرزي، أو أي مكوّن آخر؛ فـ«الآخر» قد يكون من نفس طائفتك ومذهبك وعشيرتك، لكنه يختلف معك في مسألة فكرية أو سياسية أو دينية. وهنا تكمن قيمة وأهمية مفهوم «تقبّل الآخر»، بوصفه شرطاً أساسياً لدولة المواطنة والمجتمع المتحضر.

سنخدع أنفسنا إذا اكتفينا بإدانة الجريمة، وتغنّينا بالتعايش الإسلامي المسيحي، وإذا اعتقدنا أن الجريمة معزولة عن سياق طويل متصل، أو توهمنا بأنها ستكون الأخيرة. فقد سبقتها جرائم عديدة في مدن مختلفة من المملكة، وبالتالي فهي ليست غريبة ولا شاذة عن أحداث سابقة في السياق نفسه.

صحيح أن يقظة الأجهزة الأمنية وجهودها المتواصلة أدت إلى إحباط عمليات عديدة، وإلى محاصرة تلك الخلايا الإرهابية النائمة، حتى إن ضباطاً ومنتسبين للأجهزة الأمنية سقطوا شهداء في إطار مكافحة الإرهاب والجريمة. لكن معالجة الأمر بعقلية أمنية فقط لن تنهي هذه الظاهرة؛ لأن هؤلاء المجرمين هم نتاج بيئة فكرية متشددة قادتهم إلى هذا الفعل الشنيع. في تلك البيئة ترعرع الفكر التكفيري والطائفي والداعشي، على يد مشايخ كانوا يعتلون المنبر في صلاة الجمعة، ويدعون جهاراً نهاراً: «اللهم عليك باليهود والنصارى...»، وبفعل الكتب التكفيرية التي تباع على الأرصفة، ومشايخ ينشطون على يوتيوب وغيره من منصات التواصل الاجتماعي، ويحرضون على الطوائف الأخرى بالتكفير والوعيد والتهديد. لدرجة أن مئات التعليقات السخيفة تظهر كلما توفي مسيحي، ويستكثر أصحابها على الناس الدعاء له بالرحمة، أو يستكثرون عليهم تهنئة أهلهم وجيرانهم بعيد الميلاد أو الفصح. هذه بيئة تكفيرية متزمتة ومتخلفة، من المتوقع أن تنتج تكفيريين وقتلة وإرهابيين. وقد أدى السكوت عنهم والتهاون معهم إلى تفشي هذا العفن الفكري.

هذه المرة استُهدف مسيحيون، وقد سبق ذلك التحريض على كل فئة أو طائفة مختلفة في دول الجوار: الدروز، والعلويون، والأيزيديون، والأقباط، والشيعة، والسُّنّة، وحتى من يختلفون فكرياً أو مذهبياً. فهذه العقلية الأيديولوجية المغلقة لا تستوعب المختلف ولا تتقبله.

مسألة أخيرة: بحسن نية، وبهدف الإدانة، انتشرت مقولات تدين الجريمة لأنها وقعت في كنيسة، وضد أناس آمنين. طبعاً، يزداد الغضب والحزن عندما تقع جريمة في مكان عبادة، لكن الإرهاب مدان في كل مكان وزمان، حتى لو وقع في ملهى ليلي أو في الصحراء. وقتل أي إنسان مرفوض، مهما كان موقفك العقائدي والأيديولوجي منه.

ما يدعو للخوف ويثير القلق هو الاستعجال في ردة الفعل الأردنية بقصف موقع للإرهابيين، وما نجم عن ذلك من استشهاد مدنيين أبرياء، وكذلك الخطأ في استخدام كلمة «انتقام» في البيان الصادر عن الحكومة. فالدولة لا تنتقم، بل تحمي مواطنيها وتسعى إلى تحقيق العدالة. وقد استُغل هذا الخطأ في حملة مشبوهة تستهدف العلاقات الأخوية الأردنية السورية، وللتغطية على جريمة الكرك.

جفّفوا مستنقعات الإرهاب والطائفية والتكفير.

حمى الله الأردن، ورحم الله شهداء الكرك، والشفاء للجرحى، وخالص العزاء لذويهم ولشعب الأردن كله.


أكتوبر 24، 2026

مفاجأة نتنياهو للسلطة

 صرح نتنياهو بأنه يعد مفاجأة كبيرة جداً للسلطة، وأنه لن يعلن عنها الآن، لأنه ينفذ ثم يشرح.. فما هي تلك المفاجأة؟

بدايةً، يجب ألا نستخف بتصريحات نتنياهو، وأن نأخذها على محمل الجد، ولكن دون خوف ولا تهويل، فهو ليس قدر الشعب الفلسطيني، ولا هو سوبرمان القادر على فعل ما عجز عنه غيره.. على أرض الواقع لا أحد يمسك بمفاتيح الحل كلها، ولا أحد بمقدوره رسم المسارات التي يريدها؛ لا نتنياهو ولا ترامب ولا الفلسطينيون ولا العرب.. فالمنطقة شديدة الوعورة والمشهد شديد التعقيد، والعوامل المؤثرة على كل مسار بيد جميع الأطراف، ولن يستطع أي طرف حسم الصراع وفق منظوره وحسب هواه..

من الممكن أن تكون مفاجأة نتنياهو مجرد تصريح دعائي، في إطار الحملة الانتخابية، ومن الممكن أن تكون خطة محكمة جرى إعدادها منذ زمن وآن الأوان لطرحها.. في كل الأحوال يتوجب علينا فهم العقلية الإسرائيلية وحدود إمكانياتها، دون مبالغة ولا استخفاف.

وبما أنه قال مفاجأة كبير جدا، فمن المتوقع أنها تتعلق بمصير ومستقبل السلطة، وهذا يعني تلقائيا محاولة حسم الصراع، وتغيير الخارطة السياسية بشكل جذري.. الأمر الذي عجز عنه كل قادة إسرائيل سابقا، بدليل استمرارية الصراع، وثانيا هذا المستوى من الحسم ليس بيد إسرائيل وحدها، ولا بد من موافقة الولايات المتحدة، وشركاء إسرائيل من المجتمع الدولي، وموافقة أو خضوع دول الإقليم.. وهذا الشرط غير متوفر حاليا.

ربما تتوقف المفاجأة عند حدود عملية أمنية واسعة تشمل الضفة الغربية (أقل أو أكثر قليلا من عملية السور الواقي)، وهنا لا مفاجأة في الموضوع، لأن عشرات التصريحات لقادة إسرائيليين تحدثت عن ذلك علانية وبوضوح، والهدف خلق المزيد من الحقائق على الأرض، مثل الضم الزاحف، وتوسعة الاستيطان، والتهجير الصامت، ومواصلة حصار السلطة لإضعافها ونزع الشرعية عنها، وإحراجها أمام شعبها لمنعها من ممارسة أي دور سياسي في إطار حل الدولتين، أو محاكمة إسرائيل دوليا، أو تحقيق المزيد من الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية..

تمتلك إسرائيل حاليا العديد من نقاط القوة التي تمكنها من مواصلة هذا النهج، ببطء وتدرج وصولا إلى التغيير الكبير المنشود.. أهمها أنها الآن في ذروة تفوقها العسكري، ولديها ضوء أخضر أميركي وتواطؤ دولي، وهي الآن تستخدم كامل قوتها في هجمة شرسة متعددة الجبهات وغير مسبوقة طالت الإقليم كله، بخسائر عسكرية وبشرية متواضعة جدا.. الأمر الذي يفتح شهيتها على فكرة حسم الصراع.

لكن إسرائيل أمام معيقات مهمة؛ أبرزها أنّ مسألة حسم الصراع بتفكيك السلطة وإنهائها ليس موضع إجماع لدى صناع القرار في إسرائيل، حتى لو فاز نتنياهو أو اليمين المتشدد؛ فالسلطة بصيغتها الحالية تمثل الحل الوحيد المتاح لأزمة إسرائيل الإستراتيجية الذي يمكنها من الاحتفاظ بالأرض، وتأجيل المعضلة الديموغرافية (الحكم الذاتي)، وثانياً: ليس موضع إجماع لدى الولايات المتحدة، فالحزب الديمقراطي ما زال يؤمن بأهمية وجود السلطة وبدورها.. وكذلك أوروبا.

ثالثا: إن مسار السلام الإبراهيمي لا يتوافق مع هذا الطرح، خاصة مع تشدد السعودية واشتراطها فتح مسار سياسي يفضي إلى دولة فلسطينية. ورابعا: موقف كلٌ من مصر والأردن وبدرجة أقل سائر الدول العربية الرافضة لهذا الطرح، والداعمة للفلسطينيين. وخامسا: بسبب جرائمها المروعة في غزة بدأ العالم يعزلها، حتى أن دولا أوروبية طرحت مشاريع فرض عقوبات على إسرائيل، بالإضافة إلى التغيير الكبير الحاصل في الكونغروس وفي موقف الشارع الأميركي.. بمعنى أن الطريق ليس سهلا ولا ممهدا أمام نتنياهو ليفعل ما يشاء.

قبل "مفاجأة نتنياهو" طرحت إسرائيل العديد من المبادرات والخطط الإستراتيجية لحسم الصراع، وجميعها فشلت، أو بمعنى أدق لم تحسم الصراع، لأن المأزق الإسرائيلي كبير جدا وبالغ التعقيد ومن المستحيل حله وفق الحلم الصهيوني.. من هذه المشاريع خطة آلون 1967 (لاحتفاظ بالمناطق المهمة استراتيجيا وأمنيا لإسرائيل مع تجنب ضم الكثافة السكانية الفلسطينية العالية للحفاظ على طابع الدولة اليهودي، وترسيم حدود نهائية مع الأردن)، ومشروع دايان (تسهيلات للفلسطينيين ودمج المجتمعين بهدف كي الوعي)، مشروع بيريس للحكم الذاتي (انتخابات البلديات 1976 الذي انتهى بفوز قوائم منظمة التحرير)، ومشروع بيغين للقضاء على تجربة الانتخابات البلدية (اغتيال رؤساء البلديات وإبعادهم)، ومشروع شارون للقضاء على منظمة التحرير (اجتياح لبنان 1982)، ومشروع بيغين للحكم الذاتي (في إطار كامب ديفيد 1978)، ومشروع روابط القرى كبديل عن منظمة التحرير(1980)، ومشروع الإدارة المدنية (احتلال خفي وناعم)، ومشروع التقاسم الوظيفي مع الأردن (بيريس 1985)، ومحاولات رابين لإنهاء الانتفاضة وخلق قيادات محلية (1988)، وإستراتيجية عزل الضفة والقطاع عن إسرائيل بعد فشل مشروع الدمج (1991)، وخطة شامير للتهرب من استحقاقات مدريد (1992)، ومشروع أوسلو (1993)، ثم الارتداد عنه، والسور الواقي، وجدار الفصل العنصري، ومشروع شارون الثاني لتقويض السلطة (انتفاضة الأقصى)، والانسحاب من غزة، ثم إعادة احتلالها، واستخدام حماس لخلق الانقسام لمنع قيام دولة فلسطينية، ثم تدمير غزة وطرح مشروع التهجير القسري، ومشروع ضم الضفة الغربية..

كل هذه المشاريع أخفقت في حسم الصراع، ورغم ضعف الفلسطينيين، فقد أفشلوا كل تلك التسويات، ورفضوا كل الصفقات التي أرادت طمس وجودهم، وتجاوز حقوقهم الوطنية.. رفضوها بالدم والتضحيات، وظلت القضية الفلسطينية شعلة متقدة، وصارت أيقونة للتحرر، ورمزا للحرية والانعتاق من الظلم، ورفض الاحتلال والعنصرية.. وما زال الدرب أمامهم طويلا وشاقا..

وفي نكسة 1967، استكملت إسرائيل احتلالها كامل أرض فلسطين، لكن هذا النجاح أوقعها في مأزق تاريخي وإستراتيجي، شكّل وما زال يشكل تهديدا وجوديا للمشروع الصهيوني قد يؤدي إلى فشله وانهياره، حيث أنها أخفقت في طرد الفلسطينيين من أرضهم بعد أن تعلموا من درس النكبة..

كل الخطط العسكرية التي اعتمدت القوة والعنف لم  تهزم الفلسطينيين، وكل المشاريع السياسية التي قامت على فكرة إنشاء سلطة محلية لم تنجح بالصورة التي كان يريدها الإسرائيليون، فالاحتلال لم يتحول إلى قوة ناعمة، والشعب لم يعش بهناء وهدوء، ما يعني أن الفكرة فقدت مغزاها الأصلي.. إسرائيل أظهرت صورتها المتوحشة، أما الفلسطينيون فما زالوا يقاومون، ويتكاثرون..

ربما تكون هذه المرحلة الأثقل على الفلسطينيين، خاصة مع صعود وهيمنة اليمين الإسرائيلي المتطرف، وبروز الانحياز الأمريكي بوجهه السافر..

نقاط القوة التي نمتلكها؛ إستراتيجيا: بقاؤنا وصمودنا. وسياسيا: شرعية المنظمة في تمثيل الشعب وشرعية السلطة واعتراف العالم بها.. أما نقاط ضعفنا: الانقسام، وعدم امتلاكنا خطة (لا سرية ولا علنية) وضعف أداء القيادة خاصة وأن تداعيات الحرب ضيقت هامش المناورة إلى أصغر حد.. ومع ذلك، تظل المنطقة حبلى بالأحداث والمفاجآت.. طالما ظل الفلسطينيون قابضون على الجمر..

عدونا لم يستطع هزيمتنا لأننا لم ننكسر، ولكننا سننكسر حين نتشظى أحزابا وعشائر ومخاتير، حين نفقد وحدتنا، ستنهار قلعتنا من الداخل..

ويظل أملنا بشعبنا كبيرا..