أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

أكتوبر 24، 2026

مفاجأة نتنياهو للسلطة

 صرح نتنياهو بأنه يعد مفاجأة كبيرة جداً للسلطة، وأنه لن يعلن عنها الآن، لأنه ينفذ ثم يشرح.. فما هي تلك المفاجأة؟

بدايةً، يجب ألا نستخف بتصريحات نتنياهو، وأن نأخذها على محمل الجد، ولكن دون خوف ولا تهويل، فهو ليس قدر الشعب الفلسطيني، ولا هو سوبرمان القادر على فعل ما عجز عنه غيره.. على أرض الواقع لا أحد يمسك بمفاتيح الحل كلها، ولا أحد بمقدوره رسم المسارات التي يريدها؛ لا نتنياهو ولا ترامب ولا الفلسطينيون ولا العرب.. فالمنطقة شديدة الوعورة والمشهد شديد التعقيد، والعوامل المؤثرة على كل مسار بيد جميع الأطراف، ولن يستطع أي طرف حسم الصراع وفق منظوره وحسب هواه..

من الممكن أن تكون مفاجأة نتنياهو مجرد تصريح دعائي، في إطار الحملة الانتخابية، ومن الممكن أن تكون خطة محكمة جرى إعدادها منذ زمن وآن الأوان لطرحها.. في كل الأحوال يتوجب علينا فهم العقلية الإسرائيلية وحدود إمكانياتها، دون مبالغة ولا استخفاف.

وبما أنه قال مفاجأة كبير جدا، فمن المتوقع أنها تتعلق بمصير ومستقبل السلطة، وهذا يعني تلقائيا محاولة حسم الصراع، وتغيير الخارطة السياسية بشكل جذري.. الأمر الذي عجز عنه كل قادة إسرائيل سابقا، بدليل استمرارية الصراع، وثانيا هذا المستوى من الحسم ليس بيد إسرائيل وحدها، ولا بد من موافقة الولايات المتحدة، وشركاء إسرائيل من المجتمع الدولي، وموافقة أو خضوع دول الإقليم.. وهذا الشرط غير متوفر حاليا.

ربما تتوقف المفاجأة عند حدود عملية أمنية واسعة تشمل الضفة الغربية (أقل أو أكثر قليلا من عملية السور الواقي)، وهنا لا مفاجأة في الموضوع، لأن عشرات التصريحات لقادة إسرائيليين تحدثت عن ذلك علانية وبوضوح، والهدف خلق المزيد من الحقائق على الأرض، مثل الضم الزاحف، وتوسعة الاستيطان، والتهجير الصامت، ومواصلة حصار السلطة لإضعافها ونزع الشرعية عنها، وإحراجها أمام شعبها لمنعها من ممارسة أي دور سياسي في إطار حل الدولتين، أو محاكمة إسرائيل دوليا، أو تحقيق المزيد من الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية..

تمتلك إسرائيل حاليا العديد من نقاط القوة التي تمكنها من مواصلة هذا النهج، ببطء وتدرج وصولا إلى التغيير الكبير المنشود.. أهمها أنها الآن في ذروة تفوقها العسكري، ولديها ضوء أخضر أميركي وتواطؤ دولي، وهي الآن تستخدم كامل قوتها في هجمة شرسة متعددة الجبهات وغير مسبوقة طالت الإقليم كله، بخسائر عسكرية وبشرية متواضعة جدا.. الأمر الذي يفتح شهيتها على فكرة حسم الصراع.

لكن إسرائيل أمام معيقات مهمة؛ أبرزها أنّ مسألة حسم الصراع بتفكيك السلطة وإنهائها ليس موضع إجماع لدى صناع القرار في إسرائيل، حتى لو فاز نتنياهو أو اليمين المتشدد؛ فالسلطة بصيغتها الحالية تمثل الحل الوحيد المتاح لأزمة إسرائيل الإستراتيجية الذي يمكنها من الاحتفاظ بالأرض، وتأجيل المعضلة الديموغرافية (الحكم الذاتي)، وثانياً: ليس موضع إجماع لدى الولايات المتحدة، فالحزب الديمقراطي ما زال يؤمن بأهمية وجود السلطة وبدورها.. وكذلك أوروبا.

ثالثا: إن مسار السلام الإبراهيمي لا يتوافق مع هذا الطرح، خاصة مع تشدد السعودية واشتراطها فتح مسار سياسي يفضي إلى دولة فلسطينية. ورابعا: موقف كلٌ من مصر والأردن وبدرجة أقل سائر الدول العربية الرافضة لهذا الطرح، والداعمة للفلسطينيين. وخامسا: بسبب جرائمها المروعة في غزة بدأ العالم يعزلها، حتى أن دولا أوروبية طرحت مشاريع فرض عقوبات على إسرائيل، بالإضافة إلى التغيير الكبير الحاصل في الكونغروس وفي موقف الشارع الأميركي.. بمعنى أن الطريق ليس سهلا ولا ممهدا أمام نتنياهو ليفعل ما يشاء.

قبل "مفاجأة نتنياهو" طرحت إسرائيل العديد من المبادرات والخطط الإستراتيجية لحسم الصراع، وجميعها فشلت، أو بمعنى أدق لم تحسم الصراع، لأن المأزق الإسرائيلي كبير جدا وبالغ التعقيد ومن المستحيل حله وفق الحلم الصهيوني.. من هذه المشاريع خطة آلون 1967 (لاحتفاظ بالمناطق المهمة استراتيجيا وأمنيا لإسرائيل مع تجنب ضم الكثافة السكانية الفلسطينية العالية للحفاظ على طابع الدولة اليهودي، وترسيم حدود نهائية مع الأردن)، ومشروع دايان (تسهيلات للفلسطينيين ودمج المجتمعين بهدف كي الوعي)، مشروع بيريس للحكم الذاتي (انتخابات البلديات 1976 الذي انتهى بفوز قوائم منظمة التحرير)، ومشروع بيغين للقضاء على تجربة الانتخابات البلدية (اغتيال رؤساء البلديات وإبعادهم)، ومشروع شارون للقضاء على منظمة التحرير (اجتياح لبنان 1982)، ومشروع بيغين للحكم الذاتي (في إطار كامب ديفيد 1978)، ومشروع روابط القرى كبديل عن منظمة التحرير(1980)، ومشروع الإدارة المدنية (احتلال خفي وناعم)، ومشروع التقاسم الوظيفي مع الأردن (بيريس 1985)، ومحاولات رابين لإنهاء الانتفاضة وخلق قيادات محلية (1988)، وإستراتيجية عزل الضفة والقطاع عن إسرائيل بعد فشل مشروع الدمج (1991)، وخطة شامير للتهرب من استحقاقات مدريد (1992)، ومشروع أوسلو (1993)، ثم الارتداد عنه، والسور الواقي، وجدار الفصل العنصري، ومشروع شارون الثاني لتقويض السلطة (انتفاضة الأقصى)، والانسحاب من غزة، ثم إعادة احتلالها، واستخدام حماس لخلق الانقسام لمنع قيام دولة فلسطينية، ثم تدمير غزة وطرح مشروع التهجير القسري، ومشروع ضم الضفة الغربية..

كل هذه المشاريع أخفقت في حسم الصراع، ورغم ضعف الفلسطينيين، فقد أفشلوا كل تلك التسويات، ورفضوا كل الصفقات التي أرادت طمس وجودهم، وتجاوز حقوقهم الوطنية.. رفضوها بالدم والتضحيات، وظلت القضية الفلسطينية شعلة متقدة، وصارت أيقونة للتحرر، ورمزا للحرية والانعتاق من الظلم، ورفض الاحتلال والعنصرية.. وما زال الدرب أمامهم طويلا وشاقا..

وفي نكسة 1967، استكملت إسرائيل احتلالها كامل أرض فلسطين، لكن هذا النجاح أوقعها في مأزق تاريخي وإستراتيجي، شكّل وما زال يشكل تهديدا وجوديا للمشروع الصهيوني قد يؤدي إلى فشله وانهياره، حيث أنها أخفقت في طرد الفلسطينيين من أرضهم بعد أن تعلموا من درس النكبة..

كل الخطط العسكرية التي اعتمدت القوة والعنف لم  تهزم الفلسطينيين، وكل المشاريع السياسية التي قامت على فكرة إنشاء سلطة محلية لم تنجح بالصورة التي كان يريدها الإسرائيليون، فالاحتلال لم يتحول إلى قوة ناعمة، والشعب لم يعش بهناء وهدوء، ما يعني أن الفكرة فقدت مغزاها الأصلي.. إسرائيل أظهرت صورتها المتوحشة، أما الفلسطينيون فما زالوا يقاومون، ويتكاثرون..

ربما تكون هذه المرحلة الأثقل على الفلسطينيين، خاصة مع صعود وهيمنة اليمين الإسرائيلي المتطرف، وبروز الانحياز الأمريكي بوجهه السافر..

نقاط القوة التي نمتلكها؛ إستراتيجيا: بقاؤنا وصمودنا. وسياسيا: شرعية المنظمة في تمثيل الشعب وشرعية السلطة واعتراف العالم بها.. أما نقاط ضعفنا: الانقسام، وعدم امتلاكنا خطة (لا سرية ولا علنية) وضعف أداء القيادة خاصة وأن تداعيات الحرب ضيقت هامش المناورة إلى أصغر حد.. ومع ذلك، تظل المنطقة حبلى بالأحداث والمفاجآت.. طالما ظل الفلسطينيون قابضون على الجمر..

عدونا لم يستطع هزيمتنا لأننا لم ننكسر، ولكننا سننكسر حين نتشظى أحزابا وعشائر ومخاتير، حين نفقد وحدتنا، ستنهار قلعتنا من الداخل..

ويظل أملنا بشعبنا كبيرا..

أكتوبر 23، 2026

عُدتُ إلى العراق

 

هناك في بابل، عثرتُ على نقشٍ حجري بحجم الكف، نُقش عليه بالأحرف المسمارية كلمتان: "خلود وعبد الغني"، لم تكن مصادفة، فقد قادني قلبي إلى ذلك المكان، فسرتُ إليه طائعاً، محمّلاً بالشوق والحنين.. وصلت إليه بعد غياب طويل.. فوجدت نفسي أولد من جديد.. هناك في بابل؛ حيث وُلدت الكتابة لأول مرة، وحيث انطلق شعاع النور ليصل مداه إلى آخر الكون.. كنتُ على مدى سني عمري أينما حللت وتلمست الضوء أدرك أن مصدره هنا، من بابل..

في وادي الرافدين، وتحديدا على ضفاف جنوب الفرات في بقعة صغيرة ستضم أول حاضرة بشرية ستُعرف باسم أور، هناك نشأت أول حضارة، وأول دولة، ومن بعدها ابتدأ التاريخ.. سرعان ما نشأت من حولها مدن أوروك وأريدو ولجش.. وجاء كلكامش باحثاً عن الخلود، في قصة ملحمية تجسدها شخصية أنكيدو لترمز إلى الصراع بين الهمجية وحياة المدن التي بدأ السومريون بالتعود عليها تدريجياً بعد أن غادروا حياة البساطة والزراعة، ودور المرأة (شمخاء) في ترويض وحشية أنكيدو وبالتالي تهذيب إنسانية البشر وفي صناعة الحضارة.. ورمزيتها في الارتداد عن عصر الأمومة، إلى المجتمع الذكوري، من خلال إهانة عشتار وتجاوزها.

 كانت تلك أهم منجزات سومر: بدء الأنسنة، وبدء التاريخ، بعد أن اخترعوا الإبرة وصنارة الصيد، والعجلة، والمحراث، والمدينة.. ثم جاء الأشوريون والكلدان.. وهناك في بابل سـنَّ حمورابي شريعته وصاغ 282 مادة قانونية شكلت أساس القانون الإنساني وأول مدونة أخلاقية.. وهناك جاء المحارب العظيم نبوخذ نصر، الذي وسّع حدود إمبراطوريته حتى وصلت شرق المتوسط.. وهناك في بابل تعلم فيثاغورس علوم المثلثات قبل أن ينقلها إلى أثينا، وهناك ابتدع المسبيون "اليهودية" قبل أن ينقلوها إلى أورشاليم.. وهناك علّم هاروت وماروت الناسَ السحر، لكن السحر الحقيقي تمثّل في طبيعة بابل الخلابة، وعمرانها المهيب..

في قلب بابل نشأت مدينة "الحلة"، وقد مر بها الإمام علي بن أبي طالب عائدا من النهروان، وظلت تحتضن الحوزة الدينية لأربعة قرون قبل أن تنتقل إلى النجف.. ويُذكر أن بابل وآثارها نجت من غزو التتار الذين دمروا بغداد وأحرقوا مكتبتها، كما نجت من غزو داعش الذين دمروا الموصل وهدموا آثارها.. وظل أسد بابل شامخاً، متحديا للغزاة..

في منتجع بابل السياحي حيث مكان إقامتنا طوال فترة مهرجان بابل الثقافي، كنتُ أصحو باكرا لسببٍ بسيط؛ لأنّ حدائقه وشوارعه تشبه حدائق وشوارع كلية الزراعة في "أبو غريب"، فأمشي وحيدا مع ذكرياتي أتنشق عبق المكان الأول ورائحة العشب، وكأنني عدتُ شابا يافعا في طريقه إلى المحاضرة.

عدت إلى العراق بـراً، في رحلة طويلة استغرقت يوما كاملا، مررت بالرطبة والرمادي والفلوجة، لاستوعب جمال البلاد على دفعات، رفقاً بقلبي، كنت أحث الخطى واستعجل الوصول كأنني ذاهب إلى موعد قديم تأخر كثيراً، لأحطّ في قلب بغداد، وأقول لها: الله بالخير.. فترد عليّ التحية بأجمل منها: الله بالخير عيني..

غمرني صديقي العراقي رضا بكرمه، فاصطحبني في رحلة وجدانية في شوارع وأحياء بغداد.. تجولت فيها بمشاعر مرتبكة، بين الحنين والشوق، وتفجر الذكريات، وبين الإعجاب والدهشة، وحزني على ما أصابها من ويلات، وخوفي من التغييرات الكبيرة التي طرأت في بنيتها وعمرانها..

كنت أعرف بغداد مثل كف يدي، لكنني بالكاد عرفت بعض شوارعها القديمة.. بحثت عن شارع السعدون وساحة التحرير، وأبي نواس.. رغبت أن أراها كما تركتها، بحاناتها وأسواقها وباراتها ومقاهيها، كنت أبحث عن مدينة عرفتها، وألفتها؛ فوجدتُ شيئا آخر بدا غريبا ومستهجنا.. لم تكن المسافة بين اليوم والأمس مجرد خطوات في المكان، كانت مسافة عمر كامل.. لم تكن غربتي عن بغداد ناتجة من تغيّرها وحده؛ فقد تغيرت أنا أيضاً.

كل شيء تقريبا تغير في بغداد: المنصور، شارع الرشيد، والمتنبي، وسوق الصفافير وسوق الغزل والشورجة كلها تغيرت، وأعيد هندستها من جديد.. بقيت تماثيل الرصافي والمنصور والأربعين حرامي ونصب الحرية.. اختفت تماثيل صدام وصوره وحلت مكانها صور خامنئي، وشاهدت تمثالا لعبد الكريم قاسم في الساحة التي أُعدم فيها..

ازدادت أعداد الجسور والأنفاق والطرق السريعة، وصعدت مئات العمارات الشاهقة، والإسكانات الضخمة، وظهرت "المولات"، والأسواق الحديثة، وأفخم المطاعم والفنادق.. المدينة مبهرة ومنظمة ونظيفة، لكنها مزدحمة، ومثقلة بالتناقضات.. رغم الأعداد الهائلة للفقراء، لا أثر لهم واضحا في الطرقات..

أعداد كبيرة من مثقفي العراق ومبدعيه وفنانيه عادوا إلى وطنهم بعد غياب قسري دام عقود.. ولّت أيام تكميم الأفواه ورعب الناس من انتقاد السلطة، اليوم بوسعك شتم الحكومة كما شئت، لكن تجنب انتقاد أي حزب.. اسم الرئيس العراقي لم يعد مهما، حتى أن سائق التاكسي لم يعرفه، فالسلطات باتت بيد رئيس الحكومة، الذي تغير مرات عديدة منذ "السقوط"، لكن السلطة الحقيقية تهيمن عليها إيران بشكل مباشر، والولايات المتحدة بشكل موارب.. وفي هذا الهامش الضيق تتقاسم الأحزاب والميليشيات خيرات وموارد العراق؛ لكل قوة حصتها من الحكومة، ونفوذها في جغرافيتها، ونصيبها من الكعكة.. الأمر الذي أنعش ظاهرة الفساد على نحو لم يعرف تاريخ الدول نظيرا له..

كل شيء تقريبا تغير في العراق.. ولكن بقي العراقيون كما هم؛ بطيبتهم وكرمهم وأصالتهم..

في ختام رحلتي حملت النقش الحجري الذي بدأت منه حكايتي؛ كلمتين صغيرتين محفورتين على حجر قديم يختصران رحلة العمر، أثار الحجر ريبة مفتش الجمارك، فقلت له: بعض الأمكنة لا نعود إليها لكي نراها من جديد، بل لكي نكتشف ما بقي منها فينا.. ولتمنحنا ميلادا جديداً.

غادرت العراق مطمئناً إلى مستقبله، وواثقاً بقدرة شعبه الذي ابتدع الحضارة، وما زال متمسكا بالثقافة والأدب والشعر والفن، بأنه سيصنع العراق الجديد..

سلامٌ على هَضَباتِ العراق.. وشطَّيهِ والجُرْفِ والمُنحنى..

على النخلِ ذي السعفاتِ الطوال.. على سيدِ الشجرِ المقتنى. (الجواهري).

أكتوبر 03، 2026

صراع، أم تحدٍ؟

 

مضى على تفجّر الصراع العربي الصهيوني أكثر من قرن. وخلال هذه الفترة الممتدة، كان الطرف الآخر يسجل صعوداً متراكماً، فيما عشنا نحن، في مراحل كثيرة، حالة من الضعف والتراجع. لم ننتصر، ولم نقترب حتى من النصر، وفي الجولة الأخيرة مُنينا بهزيمة قاسية؛ ليس على المستوى الفلسطيني وحده، وإنما على المستوى العربي أيضاً.

فهل فتشنا، حقاً، عن أسباب إخفاقنا وتراجعنا؟

في الإجابة سنجد أسباباً كثيرة، سأسلط الضوء على واحد منها، ربما كان من أهمها: أننا لم نفهم طبيعة الصراع كما ينبغي، ولم ندرك بصورة كافية مصادر قوة الطرف الآخر، ولا أسباب ضعفنا وتخلفنا.

خضنا الصراع طويلًا بعقلية «الكفاح المسلح»، وبمنطق «ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة»، وبثقافة التضحية والفداء وتقبّل الخسائر، وكأنَّ معيار النجاح هو مقدار ما نستطيع إلحاقه بالعدو من خسائر بشرية ومادية. فإذا قتلنا جندياً أو مستوطناً، اعتبرنا ذلك إنجازاً بحد ذاته، نقول حسناً، لقد نقص تعداد السكان فرداً، وعلينا مواصلة القتال حتى نصفي هذا التجمع البشري، أو نرغمه على المغادرة! دون أن نسأل: ماذا نبني نحن في المقابل؟ وما الذي يتراكم لدينا بعد كل جولة؟

المفجع أن العدو مارس هذا النهج، خاصة في حرب الإبادة.. لكنه قبل ذلك مارس ما هو أهم وأخطر: بناء الكيان وغرس أسسه في الأرض، وبناء المؤسسات والركائز الداعمة.. المفارقة أنه لم يعتمد على القوة العسكرية وحدها؛ بل إن القوة العسكرية نفسها كانت ثمرةً لبناء طويل سبقها.

لقد انشغلنا كثيراً بالصراع بوصفه مواجهة عسكرية، بينما تعامل الطرف الآخر معه بوصفه مشروعاً طويل الأمد لبناء كيان قادر على البقاء والتوسع والتكيف. ولذلك لم تكن عناصر قوته في المعسكر وحده؛ كانت في الجامعة والمصنع والمختبر، وفي المؤسسة والنقابة والحزب، والمعارضة، وفي الاقتصاد والإدارة والتخطيط والبحث العلمي.

هنا تحديداً يكمن الفرق بين أن تنظر إلى المسألة باعتبارها صراعاً فحسب، وأن تراها أيضاً تحدياً شاملاً.

الصراع مواجهة، والتحدي أوسع من المواجهة. الصراع قد تكون له جولة وبداية ونهاية، أما التحدي الحضاري والمؤسسي فهو عملية تراكمية طويلة: أن تبني مجتمعاً قادراً على إنتاج المعرفة، وتطوير الاقتصاد، وإقامة المؤسسات، وحماية الإنسان، وصناعة التكنولوجيا، وإدارة الدولة، ومواجهة الأزمات.

منذ المراحل المبكرة، أدركت الحركة الصهيونية أهمية بناء المؤسسات وتوطين التكنولوجيا وتنظيم الوجود الجماعي؛ الجيل الأول من المهاجرين اليهود أتوا من أوروبا، بعد أن عاشوا فيها أجيالا متواصلة، وخبروا تطوراتها الفكرية وإرهاصات نهضتها؛ فأتوا ومعهم خلاصة الحضارة الأوروبية، كانوا متعلمين، فأنشأوا المعهد التقني "التخنيون"، والجامعة العبرية، والوكالة اليهودية، والصندوق القومي اليهودي، والكيبوتسات، واتحاد النقابات العمالية "الهستدروت".. كل هذا قبل إنشاء الجيش بسنوات عديدة.

على صعيد آخر، اهتمت إسرائيل بالزراعة والصناعة، وحرصت أن تكون منتجاتها بأعلى المواصفات، والهدف من ذلك كان سياسيا بالدرجة الأولى: التأكيد على تفوق إسرائيل، وأنها تنتمي للمنظومة الغربية المتقدمة، وتعمل بمعاييرها ومقاييسها، ولتقديم الأنموذج والصورة التي تسعى لتكريسها في الذهنية العربية، وأمام العالم. حتى أصبحت من بين الدول الأولى على مستوى العالم في بعض الصناعات المتخصصة (التكنولوجيا، الأسلحة، الماس، الصناعات الزراعية). وأطلقت أول أقمارها الصناعية في ثمانينيات القرن الماضي.

لم يكن الأمر مجرد تجميع للسلاح. كان بناءً لمجتمع قادر على إنتاج السلاح، وإنتاج المعرفة التي تقف خلفه، والاقتصاد الذي يموله، والمؤسسات التي تنظمه، والإنسان الذي يستطيع تشغيله وتطويره.

هذه ليست تفاصيل هامشية في قصة الصراع؛ هي في صلبه، وتفسّره.

فالقوة ليست دبابة وطائرة فقط؛ القوة اقتصاد قادر على الصمود، وجامعة تنتج المعرفة، ومختبر يحولها إلى تكنولوجيا، ومؤسسة تعمل بكفاءة، وقضاء وإدارة وإعلام، ونظام تعليم، ومراكز أبحاث، وقطاع خاص، وشبكات علاقات دولية، ومجتمع قادر على تنظيم موارده وتوظيفها.

ومقابل ذلك، ركزنا نحن، فلسطينيين وعرباً، في جانب كبير من خطابنا وتخطيطنا، على القوة بمفهومها العسكري والأمني، من دون أن ننجح في بناء قاعدة القوة الأوسع التي تجعل القوة العسكرية نفسها ممكنة ومستدامة.

والأكثر إيلاماً أننا لم نمتلك القدرة العسكرية التي تسمح لنا بردم الفجوة الهائلة في موازين القوى. ومع ذلك، ظل جزء كبير من خطابنا يتعامل مع المواجهة كما لو أنها اختبار للإرادة والتضحية وحدهما.

لكن الإرادة وحدها لا تصنع توازناً في القوة.

ولا تكفي عدالة القضية، مهما كانت راسخة، لكي تحل محل المعرفة والتنظيم والاقتصاد والمؤسسات. كما أن القوة الأخلاقية، على أهميتها، لا تتحول تلقائياً إلى قوة سياسية أو عسكرية أو اقتصادية.

لقد تعاملنا مع الصراع باعتباره مواجهة بين بندقية ودبابة؛ فإذا رفع العدو سقف قوته، رفعنا نحن سقف التضحية، وكأنَّ زيادة التضحيات تعوض غياب التخطيط والاستراتيجية وبناء القوة المتراكمة.

من حق الشعوب أن تقاوم الاحتلال، القضية ليست في الحق في المقاومة؛ بل في سؤال كيف ومتى وبأي أدوات نمارسها؟

المقاومة ليست بندقية فقط. هي التعليم، والاقتصاد والإنتاج، والثقافة والهوية، والمؤسسات، والقانون والدبلوماسية، والصمود الواعي فوق الأرض، والبناء المتواصل للإنسان والمجتمع.

بل إن الصمود نفسه يفقد الجزء الأهم من معناه إذا اختُزل في مجرد البقاء والإنجاب والتكاثر. الصمود الحقيقي هو أن نحمي من بقوا، وأن نسلحهم بالعلم والمعرفة، وأن نبني لهم الجامعة والمؤسسة والاقتصاد، وأن نوفر لهم حياة كريمة، وألا نحولهم إلى وقود دائم للحروب، ولا نجعلهم قرابين بشرية.

لم نعانِ يوماً من نقص البطولة والشجاعة، ولا من قلة من هم مستعدون للتضحية. مشكلتنا كانت في مكان آخر: في العقلية الطائفية والقبلية، وفي التفكير الماضوي، وفي تقديس الزعيم، وفي تشوه مفهوم المقاومة والشرف والبطولة، وفي احتقار المرأة وإهمال الشباب، وفي الفوضى والعنف والفساد، وفي هدر الوقت، وذهنية المؤامرة، والتعصب، ومعاداة العالم، والاعتقاد بأننا خير أمة لمجرد أننا نعتقد ذلك.

وعانينا، قبل كل شيء، من غياب التخطيط طويل المدى، ومن ضعف المؤسسة، ومن غياب النقد الذاتي والمراجعات الجادة.

قدسنا التضحيات، ولم نقدس الإنسان.

قبل أن نسأل: كيف نهزم إسرائيل؟ ينبغي أن نسأل أولًا: كيف نبني الإنسان، والمؤسسة، والجامعة؟