أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

أبريل 05، 2026

قانون إعدام الأسرى، فرصة تاريخية لعزل إسرائيل

 

استغلت إسرائيل أحداث السابع من أكتوبر لتنفيذ كل ما كانت تخطط له ضد الحركة الأسيرة، ولم تسعفها الظروف سابقاً للقيام بذلك، فإعلان حالة الحرب والطوارئ مكّنها من التجرّد من كل الاعتبارات والالتزامات المترتبة على الدول، والتحرر من المواثيق الدولية ذات الصلة، فأعلنت الحرب على الأسرى بالمعنى الحرفي للكلمة. وتتويجا لهذا المسار التصعيدي بحقهم، أقر الكنيست بتاريخ 30 آذار 2026 بالقراءتين الثانية والثالثة قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين؛ بأغلبية 62 نائبا مقابل معارضة 48 نائبا وامتناع نائب واحد، وسط حالة من الابتهاج في أحزاب اليمين الإسرائيلي.

ينص القانون على فرض عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين، وتنفيذ العقوبة عبر الشنق، على يد ضابط سجون ملثم، لضمان مجهولية القاتل وحمايته، مع  منحه حصانة جنائية ومدنية كاملة. ويحظر أي تخفيف أو إلغاء للحكم بعد صدوره، ويمكن إصدار حكم الإعدام دون طلب من المدعي العام، كما لا يشترط الإجماع في القرار، مع منح وزير الدفاع حق إبداء الرأي أمام هيئة المحكمة. وبعد صدور الحكم يتوجب التنفيذ خلال 90 يوما. ويتم احتجاز المحكومين في زنازين انفرادية تحت الأرض، ومنع الزيارات عنهم حتى لحظة الصعود لحبل المشنقة.

ينطبق القانون على المواطنين الفلسطينيين المقيمين فقط في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية. وعلى غير الإسرائيليين من سكان الضفة الغربية، المدانين بالقتل العمد في "أعمال إرهابية"، ويُحصر خيار السجن المؤبد في حالات استثنائية للغاية.

الجديد في القانون أنه يشرعن القتل علانية، علماً أن الاحتلال دأب على إعدام الأسرى بصور متعددة: لديه دوما قائمة مطلوبين للاغتيال (ليس للاعتقال)، ويتعمد قتل كل من يشتبه به، وإذا أطلق عليه الرصاص يمنع إسعافه حتى ينزف كل دمه، إضافة إلى من أعدم تحت التعذيب، أو بسبب الإهمال الطبي.

في الواقع، لم تكن إسرائيل بحاجة لمثل هذا القانون، كان بوسعها المضي قدما في سياسة الخداع التي مارستها عقودا طويلة، والزعم بأنها تمتنع عن تنفيذ عقوبة الإعدام، لأنها دولة ديمقراطية، وليبرالية، وتقدر قيمة الحياة.. إلخ من هذه الديباجة.. وفي الوقت ذاته تواصل قتل كل من تعتبره خطرا على أمنها، سواء كان مدنيا آمنا في بيته، أو طالبا في مدرسته، أو مطلوبا أمنيا تهم باعتقاله، لكنها بدلا من سجنه وتقديمه للمحكمة تقوم باغتياله ميدانيا، بقرار مسبق.. أو تواصل عمليات تصفية الأسرى والمعتلقين في سجونها إما تحت التعذيب، أو بمواصلة سياسة الإهمال الطبي، وجعل السجن بيئة محفزة لكل الأمراض العضوية والنفسية.

لكن إسرائيل، وكنتيجة متوقعة لمسار صعود وهيمنة اليمين المتطرف والعنصري، وسيطرته على الدولة والجيش والإعلام، وصولا للقضاء رأت أن بوسعها الاستغناء عن العالم، والمجاهرة بضرب الأعراف والقيم الدولية، والتباهي بكشف حقيقة إسرائيل العنصرية والمتوحشة ودون أي قناع.. تجاهلت الحكومة اليمينية أنها تمثل دولة، وينبغي عليها أن تحتكم إلى ما نصّت عليه الاتفاقات والقوانين والشرائع الدولية، مثل اتفاقيات جنيف الرابعة، وتصرفت كما لو أنها عصابة تحركها نزعة الشر والانتقام وإيقاع أكبر قدر من الأذى بالشعب الفلسطيني وبرموزه من الأسيرات والأسرى.

قانون إعدام الأسرى بحد ذاته جريمة، تضاف إلى جريمة الاحتلال نفسه؛ جريمة احتلال شعب وحكمه بالبطش والقمع، ونهب أراضيه، وهدم بيوته.. تضاف إليها جرائم القوانين والممارسات العنصرية، وجرائم حروب الإبادة والقصف والتهجير.. فضلا عن جريمة الاعتقال نفسه وسياسات القتل البطيء في سجون الاحتلال.

بعد إقرار قانون القومية (2017)، إلى جانب عشرات القرارات والقوانين العنصرية التي تؤكد عنصرية هذا الكيان. يأتي قانون إعدام الأسرى ليمثل الحلقة الواضحة التي بددت كل غموض، وفضحت كل إدعاء حاولت إسرائيل إخفاء وجهها الحقيقي خلفه، وبذلك، تكون إسرائيل قد سارت على نفس خطوات "الحزب الوطني اليميني" الذي قاد جنوب إفريقيا في حقبة الفصل العنصري؛ فقد كان صعود هذا الحزب وتسلمه مقاليد السلطة عام 1948، ثم تبنيه جملة قرارات وقوانين عنصرية، كانت الحكومات التي سبقته تمارسها فعليا ولكن دون التباهي بها، فجاء الحزب الوطني وشرعنها وجعلها سياسة رسمية معلنة ومعتمدة للبلاد، وكان هذا إيذانا ببدء التحول الذي انتهى بسقوط الحزب وسرديته، وانهيار نظام الفصل العنصري للأبد..

لقد كشفت حرب الإبادة للعالم أن إسرائيل تمارس التطهير العرقي والتمييز العنصري وتقتل الأطفال والمدنيين.. وانهارت سرديتها المزعومة بأنها ضحية ومظلومة وتدافع عن نفسها.. بالتالي صار العالم مهيأ أكثر لعزل إسرائيل ومعاقبتها، فمثلا أدان الاتحاد الأوروبي القانون الإسرائيلي بهذا الشأن لكونه  قانون تمييزي يطبق حصراً على الفلسطينيين،  ولأن أوروبا ترفض عقوية الإعدام، وهدد الاتحاد بتعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل، بما في ذلك الاتفاقيات التجارية والتعاون الاقتصادي.

كما أعربت العديد من دول العالم عن رفضها واستنكارها للقانون، مع إجماع على وصفه بالخطير، والعنصري، وأصدرت بيانات منفصلة اعتبرته تصعيدا خطيرا وخرقا جسيما للمواثيق الدولية، ويمثل صورة مشينة من صور الفصل العنصري.

أما الموقف الأميركي فلم يكن مستغربا، رغم أنه يفضح ازدواجية معايير الإدارة الأميركية، ويؤكد انحيازها السافر والأعمى لصالح إسرائيل، حتى في المواقف التي تستنكرها وترفضها بشدة إذا أتت من دول وكيانات أخرى..إذ امتنعت واشنطن عن إدانة القانون، وجاء في بيان الخارجية الأميركية: "تحترم الولايات المتحدة حق إسرائيل السيادي في تحديد قوانينها والعقوبات المفروضة على المدانين بالإرهاب".

صحيح أن الموقف العربي والأوروبي والعالمي، لم يرقَ للمستوى المطلوب، لكن هذا القانون سيء الصيت يوفر حافزا وفرصة لنجعل منه عنواناً لحملة وطنية شاملة ومتواصلة، ووسيلة لكشف الوجه العنصري لمنظومة القضاء الاحتلالية وفاشية الاحتلال.

مثل هكذا حملة يتوجب عليها أن تتجاوز الخطابية والشعارات، وعدم الاكتفاء ببيانات الإدانة والاستنكار، بأن تبني تحالفات جادة مع المؤسسات الحقوقية العربية والدولية، و"منظمة العفو الدولية" و"هيومان رايتس ووتش"، وأن تستهدف الأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان، والرأي العام العالمي، وسائر القوى والفعاليات وحركات المقاطعة حول العالم. وأن تستثمر اللحظة التاريخية التي بات فيها العالم مهيؤ أكثر لرفض وإدانة الاحتلال الإسرائيلي ورفض كافة أشكال التمييز والعنصرية.

أبريل 03، 2026

إغلاق مضيق هرمز، المستفيدون والمتضررون

 

أثناء خطاب نتنياهو أمام الجمعية العامة في أيلول 2023، رفع خريطة لمنطقة الشرق الأوسط وقال: "سيتغير الشرق الأوسط كله، وسنبني ممرا للسلام والرخاء يربط آسيا عبر الإمارات والسعودية والأردن وإسرائيل وصولا إلى أوروبا".

قبل الحرب على غزة كانت تدور في الخفاء حرب عالمية صامتة بين الأقطاب الدولية المتنافسة، وأهمها الولايات المتحدة في مواجهة الصين، وهي حرب اقتصادية وتجارية وتكنولوجية وسيبرانية، وحرب أخرى متصلة بين روسيا من جهة، وحلف الناتو من جهة ثانية، وعنوان هذه الحرب وحيزها أوكرانيا، وتسعى روسيا (والصين) من خلالهما إعادة بناء النظام الدولي، واستعادة روسيا لدورها ومكانتها، وتبؤ الصين على قمة النظام بثقلها الصناعي والاقتصادي والتكنولوجي، الأمر الذي تحاربه أميركا بشدة.

لهذا الصراع الدولي تجليات عديدة، لكن تموضع القوى الإقليمية والعالمية على جانبي الصراع لا يتخذ أشكالا صارمة ونهائية، بل تتداخل فيه التحالفات على نحو معقد ومتشابك. فإذا تناولنا إحدى تجليات تلك الحرب، سنجد صراعا وتنافسا حادا على الممرات المائية والطرق التجارية العالمية، بهدف السيطرة على مسارات تدفق الطاقة والبضائع والخدمات (عصب الاقتصاد العالمي)؛ والتي باتت تُعرف بحرب الموانئ.. بموازاتها، وفي السياق ذاته اندلعت قبل عقد من الزمان حرب الطرق التجارية، حيث أطلقت الصين مشروعها العملاق والأضخم عالميا، المتمثل بطريق بري يصل الصين بالشرق الأوسط وبأوروبا بأقصر الطرق الممكنة، كلفها مليارات الدولارات، وجعلها أقرب إلى قلب العالم. وقبل الحرب بفترة وجيزة أُعلن عن طريق بري بحري عملاق ليكون البديل والمنافس لطريق الحزام الصيني؛ يبدأ (بحريا) من الهند، ويمر (بريا) بدول الخليج والأردن وينتهي بإسرائيل.

هذا الصراع وكل تلك المشاريع غير منزوعة عن سياق حرب أخرى سبقتها، دارت رحاها في سورية، وقد تبين أن من بين أهم أسبابها الصراع على حقول وأنابيب الغاز، وطرق توصيله، وكانت الأطراف اللاعبة في الصراع كلٌ من روسيا، إيران، أميركا، قطر، وهي أهم مصادر الغاز في العالم، بالإضافة لتركيا (الممر والناقل)، وأوروبا (المتلقي والمستفيد). وما زاد من حدة صراع الغاز، اكتشاف حقول غنية من الغاز على شرق المتوسط. وقبل اندلاع الحرب بفترة وجيزة تم الاتفاق بين إسرائيل ولبنان (بمباركة حزب الله) على ترسيم الحدود بينهما، بما في ذلك حدود المياه الإقليمية والتي تقع فيها حقول الغاز.

يُعد هذا المخطط أحد أهم أعمدة مشروع السلام الاقتصادي، فهو ليس مجرد مشروع نقل، بل رؤية جيوسياسية لإعادة تشكيل المنطقة اقتصاديًا. بحجة تعزيز التجارة الإقليمية، تهدف الخطة لبناء تعاون عربي إسرائيلي بحيث يغدو فيه الاقتصاد مدخلًا للسلام بدلا من الاتفاقات السياسية. وتصبح إسرائيل عقدة التجارة الإقليمية، بعد أن تغدو بديلا عن باب المندب وقناة السويس، ومضيق هرمز، وتغدو موانئها بديلا عن سائر الموانئ العربية الأخرى.

يمنح المخطط إسرائيل قوة اقتصادية مضاعفة، ونفوذًا سياسيًا دائمًا، ويمكنها من تجاوز الحل السياسي للقضية الفلسطينية (التي ستتحول من قضية تحرر وطني إلى قضية تنمية اقتصادية). وفي المحصلة، بعد التطبيع يتم دمج المنطقة اقتصاديًا، ويخف الضغط الدولي على إسرائيل، التي سترسخ الاحتلال دون تسوية نهائية.

ولتعبيد الطريق أمامه تم تفجير خط أنابيب الغاز "نورد ستريم 2" (أيلول 2022)، لمنع إمدادات الغاز الروسي لأوروبا، وإجبارها على شراء الغاز الأميريكي. وفي آب 2020 تم تفجير مرفأ بيروت، ومن قبلها تم إخراج ميناء اللاذقية عن الخدمة، وفي أثناء الحرب على غزة تم استهداف ميناء الحديدة اليمني، وقامت مجموعات متمردة باستهداف ميناء بورتسودان.. وأثناء الحرب على إيران تم قصف ميناء عُمان، والملفت للانتباه أن إيران أنكرت مسؤوليتها عن القصف، واتهمت إسرائيل.. من الواضح أن الهدف إبقاء ميناء حيفا الوحيد القادر على خدمة إمدادات الغاز والبضائع إلى أوروبا. ولا يبدو أن تلك التفجيرات أتت صدفة.

لكن هذا المخطط واجه منذ البداية مشكلة كبيرة؛ فهذا الطريق الطويل الواصل بين الهند إلى حيفا لا يمكن أن يشكل بديلا عن النقل البحري، نظرا لتكلفة النقل البري الإضافية، ما ينشأ عنها من تأخير أثناء التفريغ والتحميل، وبالتالي تحتاج وقتا أطول لوصول البضائع إلى الموانئ.. إذا ما الحل؟

المؤسف أن الحل أتى من جهة العدو! لا أعلم إن كان ذلك مصادفة، أم غباء، أم سوء تخطيط، أم نتيجة عرضية غير مقصودة، ولا بد منها..

في البداية أعلن الحوثيين ما يشبه الإغلاق لباب المندب، وتم استهداف السفن المارة، خاصة التي اعتبروها تتبع جهات معادية، الأمر الذي دفع بتغيير مسارات السفن وتجنب المرور عبر قناة السويس.. صحيح أن إسرائيل تضررت نسبيا، وجمدت العمل (أو قلصته للحد الأدنى) في ميناء إيلات.. لكن إسرائيل لديها بدائل أخرى على المتوسط.. أما المتضرر الحقيقي فكانت مصر، التي شهدت تراجعا حادا في مدخولات القناة. لكن المسألة لم تقتصر على ذلك؛ الأخطر هو تفكير شركات النقل الكبرى بالبحث عن بدائل، وأولها سيكون طريق الهند – الإمارات – حيفا، التي تحدثنا عنه سابقاً.

بعد العدوان على إيران، لم يعلن الحرس الثوري إغلاق مضيق هرمز رسميا، لكنه عمليا أغلقه وفرض رسوما باهظة (مليوني دولار) على كل ناقلة وسفينة يسمح لها بالعبور، هذا الإغلاق تسبب بأزمة طاقة عالمية، وأعاق أهم الطرق المائية في العالم.. المتضرر دول شرق آسيا التي تعتمد على نفط الخليج، والمستفيد الأكبر أميركا، التي ستجبر العالم على شراء نفطها بأسعار مضاعفة.

بعد باب المندب، جاء إغلاق هرمز ليجبر السفن على التفكير جديا بالبحث عن بدائل.. وأهمها إسرائيل التي ستصبح ممرا إجباريا، أو بديلا عن الطرق المائية التقليدية، حتى لو أعيد فتح المضائق بعد الحرب.. وفي جميع الحالات إسرائيل مستفيدة، ومصر متضررة.

دون التقليل من أهمية قناة السويس على الاقتصاد العالمي، حيث يمر منها 12% من تجارة العالم، لنتذكر أن القناة أُغلقت لثماني سنوات متواصلة بعد حرب ال1967، حينها استطاعت الدول التكيف وإيجاد بدائل، منها الدوران حول رأس الرجاء الصالح.

من أكثر المواضيع التي طرحها نتنياهو في اجتماعاته ومقابلاته الصحافية سعيه مع واشنطن لتجاوز نقل النفط من الخليج العربي عبر أنابيب تمر من إسرائيل بدلا من مضيق هرمز، ما يعني أن هذا أحد أهم أهداف الحرب على غزة وعلى المنطقة، وقد تم التخطيط لها مسبقا..

أبريل 02، 2026

هكذا يكون المؤثرون

 يعجُّ عالم التواصل الاجتماعي بالمئات ممن يعرفون بالمؤثرين، أي أولئك المشاهير الذين يظهرون على منصات يوتيوب وتيكتوك وغيرها، ولديهم ملايين المتابعين.. هل هم مؤثرون حقاً؟ وماذا يقدمون؟ باستثناء قلة قليلة جداً ممن يقدمون محتوى هادف ومفيد، سنجد البقية لا يقدمون سوى خطاب شعبوي تحريضي، ومعلومات مضللة، ومحتوى تافه..

سأقدم لكم ثلة من أوائل المؤثرين، قبل ظهور منصات التواصل الاجتماعي، ممن كانت لهم إسهامات تاريخية إيجابية بالغة الأهمية، وتحديدا من الوسط الرياضي؛ وسنبدأ بلاعب "الكونغ فو" الأشهر "بروس لي".

في طفولته واجه "بروس لي" تمييزا عنصريا من قبل أبناء بلده، بسبب عدم "نقاء دمه"، لأن أمه من أصول ألمانية، وكان الصينيون في ذلك الوقت يعتبرون تعلم فنون القتال شرفٌ خاص لذوي الدم الصيني النقي.

غادر "بروس لي" بلده هونغ كونغ إلى الولايات المتحدة حاملا معه ثقافة موطنه التي خزّنها في عضلات جسده النحيل، وهناك افتتح مدرسة لتعليم فنون الكونغ فو استقطبت محبي اللعبة من مختلف الأعراق والثقافات، فحاربته الجالية الصينية بضراوة بنفس الذريعة التي دفعته للهروب من بلده: أسرار الكونغ فو حكر للصينيين وحسب. فكان رده عليهم أن هذه مجرد رياضة، وثقافة عريقة تقوم على فلسفة التوازن بين القوى المتضادة والمتكاملة، تهذب النفس، وتدعو للبساطة والتواضع والعودة إلى الفطرة النقية.. وهي مُثل إنسانية تسمو فوق كل تصنيف..

كما واجه عنصرية المجتمع الأميركي، حيث رفضته عائلة زوجته لأنه "صيني"، لكن زوجته غلّبت الحب على العنصرية واختارته خلافا لرغبة عائلتها.. معركته التالية كان ضد عنصرية منتجي الأفلام في هوليود، وضد الصورة النمطية للرجل الآسيوي في الوقت الذي كان العالم يعيش تطاحنا إيديولوجيا.

قدمت الأفلام الأميركية الشخصية الآسيوية بصورة خادم، أو مجرم خطير، أو ماكر وهارب من العدالة، ومجرّد من الإنسانية، لكن "بروس لي" غيَّر تلك الصورة كلياً، فكان أول رجل آسيوي يجسّد كل علامات الرجولة التقليدية في الأفلام الأميركية؛ ليس في جسده الرياضي الممشوق وحسب، بل في طريقة قتاله الشجاعة، وانتصاراته المتكررة، وطرحه فكرة القتال النبيل، وفي إبراز إنسانيته بكل معانيها.. فتمكن من هزيمة إرث غربي ثقيل من العنصرية تجاه الآسيويين. كما بنت هوليود صورة نمطية أخرى جعلت الأميركي "الخارق" ممثلاً وحيدا لقيم الخير والعدالة في مواجهة قيم الشر التي يجسدها الآخر (الصيني، الياباني، الفيتنامي، الروسي، الألماني.. باختصار كل أعداء أميركا)، أو تجعل الرجل الأبيض عموما (الأميركي والأوروبي) وحده من يمثل الخير والرقي والتحضر، لكن أفلام بروسلي كسرت تلك الصورة، ولم يعد البطل أميركيا بالضرورة. الأمر الذي دفع بهوليود للانفتاح على تقديم فنون القتال المختلفة الخاصة بالثقافات والأعراق الأخرى.

أشعل فيلمه "عودة التنين" شرارة الشغف تجاه فنون القتال حول العالم، ما أدى إلى إعادة افتتاح معبد الشاولين، أحد المعابد البوذية القديمة، فتدفقت إليه أعداد كبيرة من الشبان، حتى أن الرئيس الأمريكي "نيكسون" زاره في العام 1972، وكانت تلك بداية توجه أميركي نحو فتح قنوات حوار مع الصين.

في فيلمه "قبضة الغضب" أظهر اضطهاد اليابانيين لأبناء بلده مقابل صورة المقاتل الشجاع في مواجهة عنصرية الغزاة، تلك الصورة جعلت الصينيين يفتخرون بأنفسهم.

لم تكن أفلامه مجرد عروض لفنون القتال واستعراضاً لعضلاته ومهاراته؛ بل كانت دروسا في نبذ العنصرية، ونشر أفكارٍ فلسفية من قلب الثقاقة الصينية العريقة، تُعرض لأول مرة أمام جيل متعطش للأفكار والفلسفات الروحية القديمة، مثل الوصول للسلام الداخلي والخارجي بعيدًا عن القيود الاجتماعية الجامدة، والعيش وفقاً للتلقائية الطبيعية والحرية الشخصية، والابتعاد عن الطموح الجشع والتعقيدات الاصطناعية. وفلسلفة عدم معاداة الطبيعة بل الانسجام مع التدفق الطبيعي للأمور بدلاً من مقاومتها.. ظهرت تلك الأفكار في أساليب قتاله، أي التكيف مع الخصم، واستخدام ما ينفع فقط، معتبراً أن المقاتل يجب أن يكون كالماء، يتشكل بمرونة حسب الظروف.

لم يتسنَّ له توضيح كل فلسفاته في أفلامه، إذ باغته القدر في ذروة تألقه، فكانت نهايته تراجيدية، تماما مثل نهايات الأساطير الصينية والإغريقية القديمة، ومثلما عاش حياة أسطورية قُـدّر لموته أن يكون أسطورياً غامضاً، وأن تُحاك حوله القصص ونظريات المؤامرة.

بطلنا الثاني، الأسطورة البرازيلية الأشهر "بيليه".. وصف بيليه كرة القدم باللعبة الجميلة، وظيفتها المتعة والدهشة، لا مجرد منافسة، واعتبرها أداة للحب والسلام وأداة لعلاج مشاكل العالم وتوحيد الشعوب على قيم الإنسانية، وقد استخدم شهرته لتعزيز السلام، ونُسب إليه دور في وقف الحرب الأهلية في نيجيريا، كما أدرك مسؤوليته كنموذج يحتذى به للأطفال، مشدداً على أهمية تربية الأجيال على القيم الإيجابية النبيلة داخل وخارج الملعب.

مثله، كان لاعب المنتخب البرزيلي المثقف الملتزم "سقراط"؛ كان طبيباً ومفكراً ومناضلاً، آمن بأن كرة القدم أداة للتغيير الاجتماعي والسياسي. تمحورت رسالته حول الديمقراطية والعدالة وحرية التعبير، ووظف شهرته للدفاع عن المهمشين ومحاربة الديكتاتورية.

أما الأسطورة الأشهر محمد علي كلاي فكان نموذجا ملهماً للأنفة والثقة بالنفس، وإعلاء قيم الحرية والكرامة الإنسانية، وقد حوّل حلبة الملاكمة إلى رمز للتمرد ضد العنصرية والظلم. خاض نضالا طويلا في الدفاع عن الحقوق المدنية، ومناهضة التمييز العنصري، ضحى بلقبه العالمي في ذروة مسيرته الرياضية برفضه التجنيد في حرب فيتنام، آمن بأن العقل والإرادة أقوى من العضلات، وقد لخصها في مقولته: "حلق كالفراشة، والسع كالنحلة". اعتنق الإسلام ورفض اسم العبودية (كاسيوس كلاي) ليصبح "محمد علي"، بعد اعتزاله واصل نشاطه سفيراً للنوايا الحسنة وداعية للسلام.

وأيضاً، كريستيانو رونالدو أشهر وأغنى لاعبي كرة القدم حالياً، تبرّع بجوائز مالية كبرى، من بينها مكافأة دوري أبطال أوروبا وجائزة الحذاء الذهبي، دعم العديد من المبادرات الإنسانية حول العالم، وتبرع بملايين الدولارات لمساعدة ضحايا الكوارث الطبيعية، وموّل عمليات جراحية منقذة للحياة، ولديه العديد من اللفتات الإنسانية تجاه أطفال، وتجاه أشخاص ذوي إعاقة..

 

الجامعة الأردنية


لم يكن منزلنا في صويلح يبعد عن الجامعة الأردنية سوى بضعة كيلومترات، وطالما قطعنا تلك المسافة جيئة وذهاباً مشياً على الأقدام، كانت أجرة الباص خمسة قروش، وإلى كراجات العبدلي عشرة، كنا نادرا ما نغادر صويلح، ففيها كل ما تشتهي الأنفس، وفي المرات القليلة التي كنا نذهب فيها إلى عمّان (غالبا لزيارة الطبيب، أو لزيارة أحد أقربائنا المنتشرين في جبال عمان السبعة، وتحديدا في الشرقية منها) كلما مررتُ من أمام الجامعة الأردنية وألمح بوابتها الجميلة بقبابها البيضاء المميزة وأشجار السرو المنتشرة بكثافة حولها تراودني أفكارا غامضة عن تلك الجامعة.. متخيلا عالما ساحرا يتشكل خلف تلك البوابات..

افتُتحت الجامعة في العام 1962، وكانت البداية بنواة لكلية الآداب، شملت أقسام العلوم الإنسانية. ضم الفوج الأول 160 طالبًا وطالبة، يدرسهم مجموعة من الأكاديميين البارزين والأكفّاء من العالم العربي، أردنيون وعراقيون وسوريون، ترأسها الدكتور ناصر الدين الأسد، وهو شخصية بارزة كان لها وزنها في الساحتين الأكاديمية والأدبية، وقد حظيت الأفواج الأولى بتفضل الملك الحسين بتخريجهم، وكان يصافحهم واحدا واحدا، في فعالية مبهجة تُبث على التلفزيون.

كانت الجامعة شعلة نشاط وساحة مصغرة للصراعات السياسية والمناظرات الفكرية من مختلف التيارات، بعد سنة من تأسيسها قرر الأردن الدخول في الحرب اليمنية إلى جانب السعودية والملكيين،  فاندلعت الاحتجاجات الشعبية رفضاً للقرار، ووصلت الاحتجاجات إلى الجامعة، فنظمت مظاهرة كبيرة ما جعل قوات البادية تردّ بعنف، ثم تقرر إغلاق الجامعة فصلا ًكاملاً، كانت المرة الوحيدة التي تُغلق فيها.

في ربيع العام 1978 حظيتُ بأول زيارة للجامعة، كانت الذكرى الثانية ليوم الأرض، وقد أقام ناشطو الحركة الوطنية معرضا خاصا لإحياء المناسبة، تحديدا في مبنى المكتبة القديم، أبهرني المعرض برسوماته ولوحاته وصوره والفعاليات التي أقيمت آنذاك، ما زلت أذكر شخصا ما يقف أمام مستمعيه ويشرح لهم خارطة لحرب أكتوبر، وقد استخدم عبارة "فكي الكماشة".. المهم أن المعرض لاقى ترحيبا وإقبالا كبيرا من الطلبة ومن الأهالي الذين قدموا بالمئات لمشاهدته..

في العام التالي، وفي اليوم ذاته، ركبنا أنا وتوأمي محمود الباص قاصدين الجامعة لمشاهدة معرض يوم الأرض في ذكراه الثالثة، فوجئنا أن البوابة الرئيسية مغلقة، وقد انتشرت حولها قوات كبيرة من الشرطة ورجال الأمن، يمنعون أي شخص من دخول الجامعة، باستثناء طلبتها، وبعد تفتيشهم.. حاولنا الدخول عبثاً، فتوجهنا إلى بوابة كلية العلوم، فوجدناها مغلقة، ثم إلى بوابة كلية الزراعة وأيضا فشلنا في الدخول، وأخيرا تمكنا من الدخول من جهة مستشفى الجامعة باتجاه كلية الطب، وسرنا نحو مبنى المكتبة فوجدناها فارغة، وقد منعت رئاسة الجامعة إقامة أي فعالية وطنية في ذلك اليوم.. أصبنا بخيبة أمل..

استبدل طلبة الحركة الإسلامية يوم الأرض بفعالية عرض فيلم "الرسالة"، وقد شاهدنا إعلانا لعرض الفيلم في قاعة سمير الرفاعي، فوجدناها فرصة لمشاهد الفيلم بالمجان، وحتى لا نعود خائبين..

لم أدرك حينها أن تلك السنة ستكون بداية تحول كبير ليس في هوية الجامعة وأجوائها وحسب، بل في سائر المنطقة؛ إذ بدأت رحلة صعود تيارات الإسلام السياسي، والاختفاء التدريجي لمظاهر المدنية والتعددية، حتى مرت بضعة عقود وضربت المنطقة عاصفة ثلجية، ومن الطبيعي أن تكون منطقة الجامعة الأشد تأثرا، لدرجة أنها اقتلعت وحطمت عشرات الأشجار.. فقام طلبة الفنون الجميلة بالتقاط جذوع وسيقان الأشجار وصقلها وتشذيبها على شكل منحوتات وتماثيل بديعة وضعوها في أماكن منتقاة في باحات الجامعة، الأمر الذي أثار حفيظة وسخط بعض الطلبة من الأصوليين، الذين اشتكوا لعمادة شؤون الطلبة معترضين عليها بحجة أنها تماثيل وأصنام تُعبد من دون الله.. داعين لتحطيمها، فجاء رد الإدارة "وسطيا"، إذ اكتفت بجمع المنحوتات وإلقائها في أحد المستودعات.. على الأقل كان تصرفها أرحم وألطف من تصرفات جموع الدواعش حين اقتحمت مدينة تدمر وحطمت بلا رأفة تماثيلها، التي لا تقدر بثمن.

بعد عشر سنوات سأعود للجامعة مرة ثانية، ملتحقا بكلية الدراسات العليا.. شهدت تلك السنة 1989 إنهاء حالة الأحكام العرفية، واستئناف الحياة الديمقراطية. لم يتأخر المجتمع، فأُعلن عن تأسيس عشرات الأحزاب والتكتلات والجمعيات، لدرجة أن الملك الحسين قال: هذا الازدحام سيخلق أزمة مرور، بمعنى خفوا علينا شوية..

وجدناها فرصة لإنشاء اتحاد الطلبة، فعقدنا عشرات الاجتماعات داخل وخارج الجامعة، كنتُ حينها ناشطا محسوبا على حركة فتح.. جاء رمضان تلك السنة في الربيع، فقررتُ إقامة مأدبة إفطار لممثلي القوى الوطنية، جهزت قائمة بالمدعويين فإذا بها كبيرة جدا، والبيت لا يتسع لهم، فقد تضطر أمي لطرد القوى الوطنية فأكون قد خربت مشهد الوحدة الوطنية، فقمتُ بتخفيض العدد إلى ثلاثين وتحمّل الإحراج أمام من لم تتم دعوته، ثم قسمت المدعويين إلى مأدبتين، الأولى لنشطاء فتح، والثانية لبقية القوى الوطنية..

على المأدبة جرى نقاش واسع وساخن حول الواقع الجديد، وهذا العدد الكبير من الأحزاب السياسية، وتصنيفها بين يمين ويسار، ومن يمثل الشغيلة والكادحين والطلبة، ومن يمثل اليمين والبرجوازية والعشائرية.. وفرص كل حزب في استقطاب الجماهير، وكيف يصوغ خطابه، وما هي أدواته وأساليبه.. في الحقيقة كانت الفروقات بين أطروحات الأحزاب بالكاد تُرى، وقد ظهرت عشرات المقترحات والتصورات المتناقضة، وبما أني صاحب البيت، ستكون لي كلمة الفصل، وأثناء احتدام النقاش سكت الجميع فجأة بانتظار ما سأنطق به، وبنبرة استعراضية ساخرة قلت: أيها الرفاق، أي حزب يريد النجاح واستقطاب الجماهير والفوز في الانتخابات البرلمانية عليه فقط أن يستأجر مقره بحيث يكون على شارع رئيسي يسهل الوصول إليه مشياً، أو بالسرفيس، دون الحاجة لسيارة خاصة أو تاكسي.. على الفور دوت ضحكة هستيرية، وخرب الاجتماع، وأكلنا القطايف وانفض الجمع كلٌ إلى عالمه الخاص.

لم أكمل دراستي في الجامعة الأردنية لأسباب أمنية قاهرة، لكني خبأت فيها أجمل الذكريات، هناك تشكلت شخصيتي وتعرفت على أروع الأصدقاء، سيظل لها مكانة خاصة في قلبي، وحنين أبدي بأن أزورها مرة ثانية ذات يوم..


مارس 31، 2026

أسرانا المنسيون

 مباشرة بعد بداية عدوانه على غزة في 7 أكتوبر أقامت سلطات الاحتلال سجناً في قاعدة عسكرية في صحراء النقب على بُعد 30 كيلومترا من قطاع غزة، المعروف باسم "سدي تيمان"، ونقلت إليه كل من اعتقلتهم في غزة، بينهم نساء وأطفال ومسنين. احتجزتهم في ظروف غير إنسانية وبلا مقومات للحياة. وبحسب شهادات موثقة وتقارير لمنظمات حقوقية تناولتها مختلف وسائل الإعلام بما فيها صحف إسرائيلية، فقد ارتكب الجنود الإسرائيليون في هذا السجن الفظيع انتهاكات حقوقية مرعبة في حق المعتقلين، وأذاقوهم فيه مختلف أصناف التعذيب والإهانة، بما فيها حالات اغتصاب، وجرائم الإخفاء القسري. وذكرت صحيفة هآرتس أن نحو أربعين أسيراً منهم قد قتلوا، نتيجة الاعتداءات الوحشية التي تعرضوا لها.

منذ بداية حرب الإبادة اختلفت ظروف السجون والمعتقلات الإسرائيلية، صحيح أنها كانت باستيلات مرعبة، لكن الحركة الأسيرة استطاعت انتزاع الكثير من حقوق الأسرى بعد سلسلة إضرابات طويلة ومريرة، وعبر مسيرة نضال طويلة ومضنية قدمت فيها عشرات الشهداء.. بعد 7 أكتوبر انقلبت كل القواعد التي حكمت العلاقة بين الحركة الأسيرة وإدارة مصلحة السجون، فأصبح الجيش هو المسؤول الأعلى عن السجون وأُعلنت حالة الطوارئ، فاستغل بن غفير الظرف الجديد، وقد أزيلت من أمامه كل المعوقات لتنفيذ سياسته وتوجهاته الإجرامية بحق الأسرى، ليعلن الحرب على الأسرى بالمعنى الحرفي للكلمة.

منذ حرب الإبادة قامت مصلحة السجون بقطع الأسرى عن العالم الخارجي، ومنعتهم الخروج إلى الساحات أو التنقل بين الأقسام، وأوقفت زيارة الأهالي والصليب الأحمر والمحامين، ثم صادرت كافة مقتنياتهم، وبدأت أعمال التنكيل والضرب الوحشي وتقليص وجبات الطعام بشكل خطير، حتى فقدَ الأسير بمعدل عشرين كغم من وزنه، وتم سحب كافة الملابس والأغطية ولم يبقوا لدى الأسير سوى غيار واحد وبطانية واحدة، ومع زيادة أعداد المعتقلين صار يزج بهم في نفس الغرف التي كانت تعاني أصلاً من الاكتظاظ، الأمر الذي أدى إلى حالة من الاختناق، كما تم تقليص كميات مواد التنظيف، مما تسبب بخلق بيئة محفزة على انتشار الأمراض الجلدية والعصبية والنفسية، وتواصل إدارة السجون عمليات نقل مستمرة ومتواصلة بين الأقسام والسجون حتى لا يشعر الأسير بأي قدر من الاستقرار، مع استهداف بعض الأسرى الذين مارسوا أدواراً قيادية بعزلهم عن بقية الأسرى والتنكيل بهم والاعتداء عليهم بطريقة وحشية تعرض حياتهم للخطر.

وبحسب مقال قدورة فارس، الرئيس السابق لهيئة شؤون الأسرى والمحررين: استغلت إسرائيل أحداث السابع من أكتوبر لتنفيذ كل ما كانت تخطط له ضد الحركة الأسيرة، ولم تسعفها الظروف سابقاً للقيام بذلك، فإعلان حالة الحرب والطوارئ مكن بن غفير من التجرّد من كل الاعتبارات والالتزامات المترتبة على الدول، وتجاهلت الحكومة الفاشية في إسرائيل حقيقة أنها دولة ينبغي لها أن تحتكم إلى ما نصّت عليه الاتفاقات والقوانين والشرائع الدولية، وضربت بعرض الحائط اتفاقيات جنيف، وتصرفت كما لو كانت عبارة عن ائتلاف لمجموعة من العصابات الإجرامية التي تحركها نزعة الشر والرغبة بالانتقام وإيقاع أكبر قدر من الأذى بالشعب الفلسطيني وبرموزه من الأسيرات والأسرى.

اعتاد بن غفير زيارة السجون والتلذذ بمشاهد تعذيب الأسرى والتنكيل بهم، بل ويعمد بنفسه على توجيه إهانات شخصية لهم، وفوق ذلك ينشر صور ما يقوم به من ممارسات سادية وعنصرية وتهديدات بتحويل حياتهم إلى جحيم.

مؤخرا أقر الكنيست بالقراءتين الثانية والثالثة قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين؛ بعد أن ظلت إسرائيل لسنوات حريصة على الظهور إعلاميا بمظهر دولة القانون والديمقراطية، وأن تتلاءم في تشريعاتها مع العالم الغربي، لكن هذه المزاعم سرعان ما تكشفت مع الصعود المتنامي لليمين القومي والديني، وتحت وطأة سيطرة تيارات فاشية عنصرية على مقاليد الحكم في إسرائيل، فبعد إقرار قانون القومية هاهي تتبنى قانون إعدام الأسرى، ما يُعد تصعيدا غير مسبوق في سياسات القتل والتنكيل، وتشريعا رسميا للإعدام خارج نطاق القانون، وتحدٍّ صارخ للقانون الدولي الإنساني.. إلى جانب عشرات القرارات والقوانين العنصرية التي تؤكد عنصرية هذا الكيان، وأنه يمثّل خطرًا على الإنسانية وتهديدا لمنظومة السِّلم الدولي.

أثار قانون إعدام الأسرى ردود فعل فلسطينية غاضبة، وقد أصدرت الرئاسة والخارجية ومختلف الفصائل الفلسطينية والعديد من المنظمات الحقوقية بيانات منددة تعتبر أن القانون الجديد يشكّل تطورا خطيرا في منظومة التشريعات الإسرائيلية، ويكرّس الطابع العنصري لمنظومة الاحتلال، ويشرعن القتل بوصفه أداة سياسية، ويضع حياة آلاف الأسرى الفلسطينيين في دائرة الاستهداف المباشر.

الجديد في القانون أنه يشرعن القتل علانية، علماً أن الاحتلال دأب على إعدام الأسرى بصور متعددة: لديه دوما قائمة مطلوبين للاغتيال (ليس للاعتقال)، ويتعمد قتل كل من يشتبه به، وإذا أطلق عليه الرصاص يمنع إسعافه حتى ينزف كل دمه، إضافة إلى من أعدم تحت التعذيب، أو بسبب الإهمال الطبي.

حاليا، بلغ عدد الأسرى الفلسطينيين أكثر من 9500 أسير، بينهم 350 طفلا يعانون من التعذيب والتجويع والإهمال الطبي والاعتداءات الجنسية الممنهجة، إلى جانب سلسلة من الانتهاكات، من بينها الحرمان، والسلب، والتنكيل، والإذلال، والاحتجاز في ظروف لا إنسانية تمس الكرامة الإنسانية. وعلى مدار العقود الماضية اعتقلت سلطات الاحتلال أكثر من 16.000 سيدة فلسطينية، بقي منهن 66 أسيرة.

وبحسب بيان لنادي الأسير: منذ عام 1967  بلغ عدد شهداء الحركة الأسيرة 326 شهيدًا، منهم 89 شهيدًا ممن عُرفت هوياتهم ارتقوا نتيجة جرائم التعذيب بعد حرب الإبادة الأخيرة، فضلا عن العشرات وربما المئات المفقودين، ومن تخفيهم سلطات الاحتلال، وعشرات آخرين جرى إعدامهم ميدانيًا، وقد أظهرت صور جثامينهم التي سُلّمت بعد وقف إطلاق النار، أنهم تعرضوا للتعذيب وتم إعدامهم ميدانيا.

إسرائيل هي الكيان الوحيد في العالم وعلى مر التاريخ التي تعتقل جثامين موتى! فهي تحتجز جثامين97 شهيدًا معروفة هوياتهم، من بينهم 86 شهيدًا منذ بدء حرب الإبادة.

كل القوانين والإجراءات الاحتلالية لن تنجح في كسر إرادة الشعب الفلسطيني أو النيل من صموده، ولن تثنيه عن مواصلة نضاله المشروع من أجل نيل حريته.. 

الحرية لأسرانا الأبطال..