أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

يوليو 24، 2026

إرهاب المستوطنين، إلى متى؟


قبل أيام، قتل الجيش الإسرائيلي أربعة مواطنين من قرية تل، أثناء تصديهم لاعتداء مجموعة مستوطنين هاجموا منازلهم، وفي خضم الحدث قُتل مستوطنان وجُرح آخرون.. الإعلام العبري تناول الحدث بطريقة مستفزة تثير الغثيان: "الإرهاب الفلسطيني يتصاعد في يهودا والسامرة ويقتل متنزهين إسرائيليين أثناء تجوالهم في المنطقة.." انظروا إلى أي حد وصل الإرهاب؟ وإلى أي حد يستخف الإعلام العبري بعقول الناس؟ المستوطنون الذين ينفذون اعتداءاتهم كل يوم صاروا مجرد متنزهين! والتنزه والسياحة بحسب أعراف المستوطنين تشمل حرق أي سيارة يتصادف أنها متوقفة في طريق تنزههم! وحرق الحقول التي يتنزهون بها! واقتلاع أشجار الزيتون حتى لا تعيق تنزههم! أماكن التنزه المقصودة والمفضلة هي بيوت الفلسطينيين، ومزارعهم، وممتلكاتهم، وأراضيهم الزراعية.. وفي الطريق لا بأس من سرقة أية أغنام ومواشي يعثرون عليها بالصدفة حتى لو كانت داخل حظائرها! ومصادرة الأراضي التي تروق لهم وتحويلها إلى بؤر استيطانية! وإذا تجرأ أي فلسطيني على إعاقة تنزههم يتم التنكيل به بكل وحشية، واتهامه بالإرهاب! وعادي جدا أن يتم قتله، فلا أحد يحاسبهم! ويصدف أحيانا أن يتم التنزه داخل بيوت الفلسطينيين، ثم حرق البيت بمن فيه (عائلة الدوابشة)، أو حرق طفل مقدسي أثناء لعبه في الشارع (محمد أبو خضير)..

المستفز أيضا أن تقوم الصحافة الأميركية والأجنبية بتبني المصطلحات نفسها، بكل وقاحة وانحياز.. أو الاكتفاء بالإشارة إلى مواجهات بين فلسطينيين ومستوطنين.. حتى عبارات التنديد والإدانة لا تكفي.. أو توجيه عقوبات (شكلانية) لبعض المستوطنين.. المشكلة ليست في أشخاص (رغم إجرامهم).. الجريمة الأولى هي الاستيطان.. وهذه الحكومة ليست يمينية متطرفة فقط، هي حكومة إستيطان..

خطورة الموقف ستزداد مع قرب موعد الانتخابات الإسرائيلية، خاصة في ظل تراجع كبير لليمين وبدء تفكك تكتل نتنياهو وفشل مشروعه التوسعي "الإمبراطوري".. وقد اعتادت القوى الإسرائيلية اليمينية خاصة على استخدام الدم الفلسطيني مادة دعائية في حملاتهم الانتخابية..

ردا على ما حدث في قرية تل، قررت حكومة نتنياهو اتخاذ عدة عقوبات جماعية بحق الفلسطينيين، سموها تدابير لحماية أمن إسرائيل، وأي مراقب يعرف أنها عقوبات جماعية، وتنكيل بالأهالي الضحايا الذين دافعوا عن أنفسهم. من القرارات التي اتخذوها:  هدم منزل منفذ عملية إطلاق النار، وتنفيذ عمليات عسكرية مكثفة في القرى التي تعتبرها إسرائيل بؤراً للمواجهة، بما في ذلك جمع الأسلحة (ما يعني مداهمات للبيوت وتفتيش)، وسحب تصاريح العمل، وتعزيز تواجد الجيش في أنحاء الضفة الغربية، وتعزيز عمليات الفصل بين محاور الحركة وإقامة حواجز وقطع الطرق وتضييق حركة المرور للفلسطينيين. وتسريع إجراءات تسوية البؤر الاستيطانية الزراعية (المزارع الاستيطانية) وإنشاء بؤر جديدة.

هذا ما تقوم به حكومة الاستيطان منذ سنوات.. كل ما في الأمر أنها تصعّد وتكثّف وتنفذ بوتيرة متسارعة.. تريد مسابقة الزمن قبل انهيار إئتلاف اليمين، وقبل أن يستيقظ المجتمع الدولي ويتنبه إلى حجم وخطورة السياسات الاستيطانية ومدى إرهاب المستوطنين..

 إسرائيل تستغل الصمت العالمي على جرائمها في غزة، وتبث دعاية مضللة تزعم أنها تدافع عن نفسها ضد الإرهاب، وضد إيران (النووية).. تستغل أجواء الحرب المشتعلة، وبتواطئ أميركي لمواصلة تنفيذ مخططاتها في الضفة الغربية، وسائر فلسطين: مخططات التهجير وإقامة إسرائيل "اليهودية" بين البحر والنهر.

الرد الفلسطيني والمطلوب: رغم خطورة الموقف، ورغم حماوة الدم، والاستفزازات المتكررة وضرورة التصدي لها ينبغي التيقظ والانتباه لما تريده إسرائيل على المدى البعيد.. هجمات المستوطنين ليست مبادرات ذاتية، ولا هي مجرد أطماع لتحقيق خرافات توراتية؛ هي سياسة منظمة وموجهة تديرها حكومة الاحتلال، بحماية الجيش.. لذا يجب أن يكون الرد الفلسطيني واعيا ومنظما وجماعيا.. الموضوع ليس فزعات، ولا هي طوشة باب الحارة..

 شجاعة أهالي تل قدمت مثالا على ما يمكن ويتوجب فعله.. طبعا كل القرى شجاعة والموضوع ليس مزاودة، على الكل الفلسطيني تشكيل لجان حماية شعبية، في كل مكان مهدد بالإستيطان، يجب أن يدرك المستوطنين أن إرهابهم واعتداءاتهم ليست نزهة، وأن يدفعوا ثمن كل اعتداء.. الدفاع عن النفس حق مشروع وواجب مستحق، وكل إنسان يعرف كيف يدافع عن بيته حين يتعرض لاعتداء.. ولا يحتاج الفلسطينيين لدروس في المقاومة والشجاعة..

الكثير من دعوات إشعال الضفة وتصعيد المقاومة ليست أكثر من حملات دوغمائية، أو على الأقل هي هبات عاطفية وموسمية، وليس هذا ما نريده.. يجب التنبه للجهات التي تقف وراء هذه الدعوات، يجب سحب كل ذريعة ممكن أن تخدم نتنياهو وحكومته. خاصة دعوات تصعيد العمل المسلح والمواجهات المسلحة.. سواء من قبل أفراد وفصائل، أو من قبل أجهزة السلطة.. هذا بالضبط ما يريده نتنياهو.. تحويل الضفة الغربية إلى كومة دمار كما فعل في غزة، لكن هذه المرة مع تنفيذ متسارع للتهجير.. في هذه الحالة لن تأتي أية مساعدة للفلسطينيين من الخارج، لا من جيوش، ولا من شعوب، ولا من مجتمع دولي، ولا من مجلس أمن.. لن نحصل إلا على صورة مشابهة لدمار غزة وجنوب لبنان.. سنكسب فقط دعاء الطيبين، وبوستات النشطاء على فيسبوك، وقصائد منتظرة ترثي فلسطين..

هذا لا يعني السكوت والسلبية.. لجان الحراسة الشعبية ممارسة ثورية فعّالة اختبرها الفلسطينيون في الانتفاضة الأولى.. وهذا لا يعني وضع العبء كله على القرى الحدودية، المدن والمخيمات يجب أن تنخرط في المواجهة، صفا واحدا، بجهود متناسقة ومدروسة، وشعبنا يعي جيدا معنى المقاومة الشعبية وأساليبها.. وكيف يجعل من المواجهة أسلوب حياة.

بموازاة ذلك، يجب توثيق كل الإعتداءات، وتصديرها بكثافة للعالم، وتكثيف الحضور الإعلامي في كل المنابر الدولية، وبكل اللغات، وتنشيط الجهد الدبلوماسي والقانوني، والتنسيق مع الأشقاء العرب، ومع الأصدقاء في العالم، ومع الشعوب المحبة لفلسطين، والمناصرة للحق والعدالة، مع الأحزاب والبرلمانات والشخصيات المؤثرة.. ثمة دور كبير ومهم يمكن ويجب على السلطة القيام به، وعلى حركة فتح بالذات..

لقد جاوز المستوطنون المدى، ولم يعد بالإمكان تحمل اعتداءاتهم، أو السكوت عنها، لقد وصل إرهاب المستوطنين بيوتنا، وشوارعنا.. وهي في تصاعد مستمر وخطير بما ينذر بتفجر الأوضاع على نحو لا يمكن السيطرة عليه.. الضفة الغربية محتقنة جدا.. وعلى الجميع تحمل مسؤولياته.. سلطة، فصائل، إعلام، نشطاء، مجتمع مدني، مواطنين..

القادم خطير، ويحتاج وقفة وطنية مسؤولة..

مواقع فلسطينية في قائمة التراث الإنساني - اليونسكو

 

في خضم الأخبار المثقلة بالهموم والأحزان يأتي خبر مفرح: تم إدراج بلدة سبسطية في قائمة التراث العالمي، خلال اجتماع لجنة التراث العالمي في مدينة بوسان الكورية الجنوبية، وسط ترحيب فلسطيني واعتراض إسرائيلي على القرار ومبرراته التاريخية. وأهمية القرار أنه يأتي بعد سلسلة تدابير إسرائيلية إستيطانية للسيطرة على سبسطية وتحويلها إلى معلم إسرائيلي، وبعد منع الفلسطينيين من تنفيذ أية أعمال ترميم أو تجميل للمنطقة.. ونأمل أن نوظف القرار بشكل فعّال.

ومن المفيد التذكير بأن إدراج أي موقع على قائمة التراث الإنساني يأتي ضمن اتفاقية "التراث العالمي"، وهي أهم الاتفاقيات الدولية وأكثرها رواجا والتزاما، صادقت عليها 190 دولة، وتم اعتمادها منذ العام 1972 في التشريعات والقوانين الدولية  والوطنية في مختلف أنحاء العالم، من أجل حفظ وصون عناصر التراث العالمي على نحو فعّال. وتهدف الاتفاقية إلى حماية التراث المسجل كتراث عالمي وإظهار أهميته وتسليط الأنظار نحوه، ومعالجة ما يحيط به من أخطار. وتحدد هذه الاتفاقية واجبات الدول التي وقّعت عليها ودورها في حماية هذه المواقع والحفاظ عليها.

بعد انضمام فلسطين إلى اليونسكو، واعتراف الأخيرة بعضوية دولة فلسطين  الكاملة رسميا عام 2011، استطاعت  دولة فلسطين تحقيق العديد من الانجازات داخل أروقة اليونسكو، وسجلت العديد من المواقع على قائمة التراث العالمي وهي: مكان ولادة السيد المسيح: كنيسة المهد ومسار الحجاج - بيت لحم (2012)،  وفلسطين أرض العنب والزيتون: المشهد الثقافي لقرية بتير  (2014)، والبلدة القديمة والحرم الإبراهيمي في الخليل كتراث ثقافي فلسطيني معرض للخطر بسبب سياسات الاحتلال التهويدية  في البلدة القديمة في الخليل (2017). وأريحا القديمة/ تل السلطان، ودير القديسة هيلاريون في تل أمّر (2024). وكانت الأردن قد سجلت البلدة القديمة وأسوارها في القدس على لائحة التراث العالمي عام 1981.

. علما أن القائمة التمهيدية (المؤقتة) لفلسطين تضم 14 موقعا ثقافيا وطبيعيا سوف يتم تسجيلها لاحقا.

كما اعتمدت اليونسكو إدراج "فن التطريز الفلسطيني" في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، وجاء الاعتماد بعد محاولات إسرائيلية لتوظيف الثوب والتطريز الفلسطيني كتراث "إسرائيلي" في مسابقة "ملكة جمال الكون 2021".

وحسب وزارة السياحة والآثار الفلسطينية بلع عدد المواقع الأثرية الرئيسية في الضفة الغربية وقطاع غزة، 944 موقعًا؛ وعدد المعالم الأثرية 10 آلاف معلم أثري؛ وهناك ما يزيد عن 350 نواة لمدينة وقرية تاريخية تضم ما يزيد عن 60 ألف مبنى تاريخيًا.

في هذا السياق، رفضت اليونسكو طلبات تقدمت بها إسرائيل لتسجيل أماكن فلسطينية بوصفها تراثا يهوديا، مثل "تل القاضي"، التي حاولت إسرائيل تسجيلها باسمها وفشلت، حين نجح الفلسطينيون في الدفاع عن حقهم فيها، ولكن إسرائيل نجحت في قضية تسجيل "كهوف بيت جبرين". وسبب ذلك إلى أن الطرف العربي أحيانا لا يقدم دلائل كافية تقنع اليونسكو.   

وقد اتبعت سلطات الاحتلال أساليبَ عدة في استهدافها المواقع والآثار التاريخية، مثل التقسيم (الحرم الإبراهيمي)، والسيطرة (متحف روكفلر، وقلعة القدس، وقلعة الفريديس شرق بيت لحم)، والتدمير والتجريف (حي المغاربة في القدس، وخربة أم الجمال في العيزرية)، أو منع إجراء عمليات الترميم (سبسطية)، وأيضا في الأحياء العربية في المدن الواقعة داخل الخط الأخضر، خاصة يافا، حيث تتبع سياسة صارمة وعنصرية، هدفها دفع المواطنين الفلسطينيين للهجرة، أو لإعادة هيكلة المدن والتجمعات السكنية المختلطة وفق معايير الفصل العنصري الإسرائيلي.

يُضاف إلى ما سبق، محاولات إسرائيل تدمير كل ما له علاقة بالتراث والثقافة الفلسطينية، بشكل ممنهج، وباستخدام القوة العسكرية، مثلا خلال انتفاضة الأقصى منذ عام 2000 هدمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي العديد من المباني التاريخية، باستخدام القنابل والصواريخ والجرافات، وظهر ذلك في اجتياحات البلدات القديمة لمدن نابلس والخليل، وحصار كنيسة المهد في بيت لحم، عندما دمرت مئات المواقع والمنازل والقصور التاريخية وبيوت العبادة الإسلامية والمسيحية التي تحمل بين طياتها ملامح العمارة الفلسطينية وأصالتها. كما قامت بتدمير وتفجير مبنى الإذاعة والتلفزيون في رام الله وفي غزة أكثر من مرة.

في اجتياحها بيروت 1982، دمرت مركز الأبحاث الفلسطيني، ونهبت محتوياته، وأرشيفه (ثم أعادته بعد سنوات ضمن صفقة تبادل أسرى مع منظمة التحرير). وفي العام 2018، قامت طائرات الاحتلال بقصف مبنى مؤسسة المسحال للثقافة والفنون بغزة، سبقه استهداف مبنى دار الكتب الوطنية بغزة.

في حربها العدوانية على غزة لم تستهدف إسرائيل البشر وحسب، بل عملت أيضاً على تدمير وتخريب كل ما يتصل بحياة الفلسطينيين، بما في ذلك التراث الثقافي والحضاري الفلسطيني، حيث استهدفت تدمير المواقع الأثرية، والمباني التاريخية والدينية من جوامع وكنائس، ومتاحف ومسارح ومكتبات، ومؤسسات ثقافية وأكاديمية بما فيها الجامعات، وتخريب المشهد الثقافي. فدمرت نحو 200 موقع أثري في القطاع. رغم حصولها على إحداثيات هذه المواقع الأثرية من اليونسكو التي طالبت إسرائيل بعدم استهدافها..

هذا التدمير جزء أصيل من أهداف الحرب؛ فهذه المؤسسات والصروح الحضارية والمواقع الأثرية الفلسطينية هي النقيض الأساس للرواية الصهيونية المزعومة للصراع؛ والتي أثبت الحفريات الأثرية تهافتها. فحرب الراوية هي جوهر الصراع الأساس.. والباقي مجرد تفاصيل وعوامل مساعدة.

الهدف من وراء كل ذلك التخريب هو القضاء على الذاكرة الفلسطينية، فهي تستهدف المكان بحد ذاته، وعلاقته بالناس، وبالماضي، والمستقبل.. تستهدف كل مكوناته وعناصره لتشويه معالمه أو إلغائها كلياً..

أراد العدو كل ذلك، فعله عن سبق الإصرار والترصد.. أراد محو المكان، وطمس معالمه، والقضاء على كل ما يتصل به من علاقات وتفاعلات وذاكرة وتاريخ.. حتى لا تعود غزة التي نعرفها.. وحتى لا يعود مجتمعها، وناسها.. إنها حرب عدوانية ممنهجة استهدفت الإنسان أولا.. وكل ما حوله..

وفي سياق محاربتها للفكر والثقافة والإبداع الفلسطيني نفذت إسرائيل سلسلة اغتيالات بحق كتّاب وأدباء ومفكرين فلسطينيين أبرزهم غسان كنفاني، وائل زعيتر، عبد الوهاب الكيالي، محمود الهمشري، عز الدين القلق، كمال ناصر، يوسف مبارك، نعيم خضر، حنا مقبل، ناجي العلي، ماجد أبو شرار، وغيرهم.. علما بأن هؤلاء لم يكونوا مسلحين، كان سلاحهم الفكر والكلمة والإبداع.. وكان شعارهم: بالدم نكتب لفلسطين.

يوليو 11، 2026

سمات جمهور المقاومة


لم تُحدث سيطرة حماس على غزة 2007 انقساما جغرافيا وسياسيا وحسب؛ بل أوجدت انقساما مجتمعيا وثقافيا آخذ يتوسع مع مرور الوقت، وتعمق أكثر بعد حرب الإبادة، حتى صار عندنا جمهوران: أحدهما مؤيد بشدة لحماس ولكل ما قامت وتقوم به، والثاني معارض لسياسات حماس ونهجها..

لو اقتصر هذا الخلاف على النقاشات والحوارات لكان ظاهرة جيدة ومحمودة، المشكلة أنه تحول إلى شقاق عميق وساحة لتبادل الشتائم والاتهامات.. لدرجة يمكننا القول بكل أسف لم نعد شعباً واحداً..

وبما أني في الصف المعارض لسياسات حماس ونهجها، وكتبت الكثير في هذا المجال، لن أتحدث عن حماس نفسها، سأحاول فهم دوافع ومبررات الجمهور المؤيد لحماس، بالقدر الممكن من الموضوعية وبكل أمانة..

بداية يتوجب فهم البيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تجمع هذا الجمهور، وهنا لا يجد أي باحث أي عناء في التوصل إلى أن الكتلة البشرية لهذا الجمهور تتركز بالدرجة الأولى في الأردن، وبدرجة أقل في الجزائر وموريتانيا، وبعض الدول الأوروبية، وإذا استثنينا مؤيدي حماس في الضفة الغربية، فهذا يعني أن مؤيدي حماس يقيمون في المناطق الآمنة البعيدة عن ساحة الصراع، ولا يتعرضون لأية مخاطر، ولا يعانون من شيء، ولا يترتب على مواقفهم دفع أثمان أو تضحيات، وبالتالي يسهل عليهم رفع سقف الشعارات وكأنها فقرة من بيان حزبي، أو دعاية انتخابية، أو قصيدة لشاعر، أو كلمة لتلميذ في إذاعة المدرسة الصباحية.. هذا أولاً، وثانياً: بحكم مناطق إقامتهم فهم غير مطلعين على حقيقة الأوضاع في فلسطين، مهما ادعى أي شخص أنه متابع للأخبار ولديه مصادر معلومات.. فالأخبار (خاصة من الجزيرة) وقصص الناس وانطباعات الأشخاص، ومنشورات الفيسبوك، وغروبات العائلة على الواتس ليست مصادر موثوقة، وغالبها هري وهراء وشعارات وتمنيات، أو أخبار موجهة لأغراض سياسية محددة، تعرض جزءاً من الحقيقة بشكل انتقائي.

هؤلاء أيدوا حماس وناصروها بناء على ما يرونه من مواجهات عسكرية ضد الاحتلال، واستبسال عناصر حماس في المعارك، والتأييد هنا لفعل المقاومة، وليس لمبدأ الحركة ونهجها وسياساتها. وهنا يتوجب الإشارة لمغالطة مهمة يقع فيها الكثير، وآخرون وظفوها بشكل متعمد ودغمائي، وهي الخلط بين حماس وبين المقاومة.. جميعنا بلا استثناء نؤيد المقاومة، ونريدها أن تستمر وتتصاعد، ونؤمن أنها حق وواجب، ولا خلاف على ذلك، لكن حماس شيء مختلف..

وثمة مغالطة أخرى لا تقل خطورة، وهي حصر المقاومة بالسلاح، هذه المغالطة أضرت أولا بالمقاومة نفسها، وحرمتها من ميزة المشاركة الشعبية، وأضرت بالقضية الفلسطينية إعلاميا، ومكنت إسرائيل من مواصلة عدوانها مستفيدة من الذرائع التي تقدمها المغامرات العسكرية غير المحسوبة، وغير المجدية.. وجعلت من الجمهور (خاصة في الخارج) يصفق لأي فعل عسكري، مهما كانت نتائجه، حتى لو كانت جرح جندي، أو كسر لوح زجاج.. تقوم إسرائيل في المقابل بتهجير مخيم، أو تدمير مربع سكني أو قتل المئات.. المهم أن فلسطينيا قام بطعن جندي، أو أطلق من رشاشه صلية رصاص.

المهم عند هذا الجمهور الشعور بالنشوة، وتفريغ مشاعر الغضب والكبت، ونزعة الانتقام، ونشوة الانتصار حتى لو كان وهميا.. صورة المواجهات تولد عندهم مشاعر الفخر، وهي التعويض الزائف عن واقع ذلك الجمهور، الذي يعاني القهر والقمع السلطوي، ويعيش واقعا مزريا وظروف اقتصادية صعبة، وفي بلادهم مظاهر الفساد والفوضى والتراجع، مع إحساس عميق بالهزيمة.. هنا تأتي صور المواجهات في غزة وتمنحهم إحساسا بالكرامة، وترفع معنوياتهم، وتعيد إلى مخيلاتهم مشاعر الفخر والمجد الغابر.. وليس مهما عندهم ماذا حصل لأهل غزة بعد ذلك.

لذلك، كانت عيون وقلوب المشاهدين متركزة فقط على أخبار المواجهات، والمثلثات الحمراء، وخطابات أبو عبيدة، لم يروا واقع غزة الاجتماعي، ماذا حل بالناس، لم يروا طوابير المراحيض، والمياه الملوثة، والتكيات، والجوع، والخيام، والقوارض، والحر، والطين، والمستنقعات الآسنة، وأكوام النفايات، وحطام البيوت، وخوف الأطفال، وبؤس الناس، وقلقهم وصراعاتهم مع أبسط تفاصيل الحياة اليومية.. لم تكن كل هذه المشاهد جزءا من تفكيرهم، ولا مرتكزا لتكوين آرائهم، ولم تشكل محددات تُبنى عليها مواقفهم.. لذلك، أقل ما يُقال أن أي موقف يتأسس بمعزل عن الواقع الحقيقي البائس لقطاع غزة ويهمل حياة الناس وقيمة الإنسان وقلقه المشروع وأحلامه وذكرياته.. ويجعل من الغزي مجرد قربان، أو رقم إحصائي، أو ماكينة إنتاج، أو مجرد تضحيات مستحقة.. موقف غير إنساني، وبلا أخلاق، ومنزوع الوطنية..

أغلب جمهور المؤيدين انساقوا وراء فكرة أن أهل غزة استثنائيون، جبابرة، يضحون بسعادة ودون تردد، أعصابهم من فولاذ، مستعدون لدفع كل الأثمان اللازمة، ومعتادون على الموت وتقبل الخسائر، ومستعدون لمواصلة المشوار حتى آخر غزي.. لهذا، عندما خرجت مبادرات فردية وجماعية تطالب حماس بالانسحاب من المشهد، ومظاهرات تندد بتجبّر عناصر حماس، وجباياتها، وترويعها للأهالي، وإعداماتها الميدانية، وتطالب بالحياة "وبدنا نعيش".. على الفور تم اتهامهم بالعمالة، وشق الصف الوطني، والتماهي مع الاحتلال.. استكثروا عليهم حتى الصراخ، أو التعبير عن آلامهم والتذكير بمعاناتهم..

كل من انتقد حماس، حتى لو ناصحا ومحبا، وكل من انتقد نهجها وتصريحات قادتها (المستفزة)، أو انتقد أي شخصية مقربة من الحركة، يتم فورا اتهامه بالخيانة وأنه طابور خامس، ومن المرجفين، أو جزء من حملة مشبوهة.. حتى صار النقد محرما، والمراجعات ممنوعة، وصار هؤلاء فوق النقد ولا يخطئون.. ربما حماس في داخلها تخشى النقد والمراجعة والتقييم حتى لا تتم محاسبتها، لكن جمهورها يحـرّم النقد ويعتبره عارا لأنهم فرحين بتلك الصورة المثالية التي شكلوها عن المقاومة، وتلك المشاعر المزيفة التي عاشوها، ويخافون أن تنهار، وتنهار معها أمانيهم وصورهم أمام ذواتهم، ويعودون محبطين، إلى واقعهم البائس.. الحقيقة صادمة ومؤلمة.. هذا التحليل لا ينطبق على الجميع، فالتعميم لغة الحمقى، وبالتأكيد نوايا الأغلبية ومشاعرهم صادقة.. لكن الناس عادة تفضل العيش في أماكن الراحة حتى لو على حساب الحقيقة، وعلى حساب آلام الآخرين..

والآخرين هنا وللمصادفة التعيسة هم أهل غزة..


يوليو 10، 2026

الفيفا، وشعوب العالم المقهورة

 

منذ أقدم الأزمان والشعوب تعاني من الظلم والاضطهاد، عانت من حروب التوسع وغزوات الإمبراطوريات، وعانت من العبودية، ومن الاستعمار الكولونيالي، ومن التمييز العنصري، ومن الاحتلال، ومن الحروب والصراعات، من الحرب الباردة والحروب بالوكالة، والحروب الأهلية، من عنف الميليشيات، ومن سعار الطائفية والصراعات الإثنية..

كانت شعوب العالم الفقيرة هي التي تدفع أثمان كل ذلك، النساء والأطفال في مقدمة الضحايا، المدنيين الذين لا دخل لهم بكل هذه الصراعات، والذين يكافحون من أجل حياة عادية بسيطة استخدمتهم القوى المتنفذة حطبا لحروبها، لم يكونوا في نظر القوى المتصارعة أكثر من قرابين وأرقام..

حتى بدون حروب ظلت تعاني؛ من الفقر والعوز، من الفساد والمحسوبيات، من القمع والسجون والتنكيل، من التهميش، ومن حرمانها حقوقها المدنية والإنسانية.. شعوب الدول الغنية أيضا عانت؛ من البطالة، ومن أزمات الحداثة والعولمة، ومن الفساد المستتر خلف يافطات خادعة، ومن المافيات التي تسيطر على مختلف القطاعات..

تفاقمت أشكال المعاناة وتعددت أوجهها، حتى ضاقت الأرض بسكانها.. لقد سُحقت الشعوب دون رحمة، دون أن تحظى باستراحة.. ربما الاستراحات القصيرة التي حظيت بها تمثلت في مجالات الترفيه، وأهمها وأكثرها انتشارا البطولات الرياضية، وأشهرها بطولة كأس العالم..

تنتظرها الشعوب بترقب وشغف كل أربع سنوات، لتجد فيها تعويضاً عن كربها وآلامها، متنفساً لمشاعر القهر المكبوتة، لعلها تداوي بعض جراحها، وتنسيها واقعها الأليم ولو لبعض الوقت، وبشكل مؤقت وعارض.. ولكن حتى هذه اللعبة لم تخلُ من أشكال القهر والفساد والعنصرية..

استكثرت قوى الشر والطغيان على شعوب العالم المقهورة هذه الاستراحة، استكثرت عليهم الفرح، بل وحرمتهم منه.. لقد حاولت شعوب كثيرة من دول العالم الثالث استخدام الرياضة وكرة القدم لتجد لها من خلالها مكانا في هذا العصر، وبين الدول المتقدمة والغنية.. كافحت واشتغلت بجد لبناء منتخب رياضي قادر على حمل أحلامها وصنع انتصار أو تحقيق منجز لعله يدخل الفرح إلى قلوب الناس..

مصر، مثال حي على هذه المحاولة؛ شكلت منتخبا قويا، وهذا المنتخب خاض مباريات عديدة بعزيمة وروح قتالية، وحقق انتصارات مهمة ومبهرة، وكان على مقربة من إنجاز كبير وتاريخي.. لكن تحيز الحكام حرمهم وبشكل سافر ومفضوح من هذا الإنجاز، سرق منهم فرحتهم، وصادر أحلام شعب كامل، ومعه أحلام الأمة العربية بأكملها، وكل الشعوب المقهورة..

لم يكن تحيز الحكم حالة منفردة وعابرة، أو مجرد خطأ بشري، كان واضحا أنه نتاج منظومة كاملة من الفساد.. لم تكن مباراة مصر والأرجنتين المثال الوحيد على هذا الفساد.. جميع المباريات التي خاضتها الأرجنتين شهدت تحيز الحكام، وصار واضحا لكل العالم أن الفيفا قررت منذ البداية أن الأرجنتين هي من ستفوز بالبطولة، ومن أجل ذلك وظفت كل إمكانياتها لتذليل العقبات، وتمهيد الطريق أمامها للوصول إلى النهاية..

في المقابل تغاضت وتواطأت مع كل ما فعلته أميركا تجاه المنتخب الإيراني للحيلولة دون تسجيله أية انتصارات، من ضغوطات وتمييز في المعاملة، وفرض إقامة المنتخب في المكسيك بينما مبارياته داخل أميركا، حتى في انحياز الحكام، كان الظلم واضحا..

لماذا الأرجنتين؟ لأنها الدولة الوحيدة في أميركا الجنوبية التي تدعم إسرائيل، وقد زار رئيسها إسرائيل ثلاث مرات خلال حربها العدوانية على غزة، وأعلن دعمه الكامل لها، ولأنها الدولة التي تتماهى مع إسرائيل في عنصريتها ونزوعها المتزايد نحو اليمين الفاشي.. ولا غرابة أن الجمهور الإسرائيلي من أشد المتحمسين للمنتخب الأرجنتيني.

لماذا ميسي؟ لأنه اللاعب الوحيد الذي زار إسرائيل، وأعلن تضامنه معها.. ولأنه اللاعب الأشهر الذي لم يتبن أي موقف سياسي أو إنساني تجاه أي قضية عادلة.. لذلك، صار فتى الفيفا المدلل.. ولاعب بهذه المواصفات يُعد كنزاً ثميناً بالنسة للفيفا: تستخدمه لتسويق سياساتها، وتبريرها، وتجميلها في أعين العالم، وللتغطية على فسادها، تستخدمه للدعاية والإعلان والمراهنات..

تزعم الدول الغربية أن الرياضة غير مسيسة، ولكنها هي نفسها استخدمتها سلاحا ضد روسيا بسبب حربها على أوكرانيا، حيث حرمتها من المشاركة في كافة الفعاليات الرياضية الدولية، بما فيها الشطرنج ورقص الباليه! وسط تواطؤ الفيفا. الأمر نفسه يتكرر مع أي رياضي يعلن تضامنه مع الشعب الفلسطيني، بما في ذلك رفع العلم أو الكوفية الفلسطينية! هنا فقط تصبح الرياضة غير مسيسة! ومع ذلك، ظل العلم الفلسطيني حاضرا في أغلب المباريات، وكأنّ فلسطين المنتخب الخفي الحاضر في كل مواجهة.. وحين رفع المدرب المصري البطل حسام حسن العلم الفلسطيني في قلب أميركا عوقب بشدة.. وكان القرار استبعاد المنتخب المصري ووضع حد لصعوده في المونديال!

عموماً هذا ليس بجديد على الفيفا، وأقصد الفساد من جهة، وتوظيفها المونديال في السياسة من جهة أخرى، ولخدمة الفاشيات والدكتاتوريات ومنظومة الفساد العالمية من كبريات الشركات العملاقة، ورؤوس الأموال، والقوى المتنفذة والمافيات الدولية.. أنظر كيف سوّق هتلر النازية في مونديال برلين 1936، وكيف استخدمها دكتاتور الأرجنتين السابق "فيديلا" في مونديال 1978، ليطوي بها صفحة مظلمة من تاريح الأرجنتين.

للمونديال سجل حافل في الفساد، أشهرها مونديال 2002 في كوريا، التي اشترت الحكام ووصلت إلى النهائيات بطرق غير مشروعة.. كل دولة تريد تحقيق منجزات سياسية أو تبييض صفحتها أو للتغطية على فسادها تعمل كل ما بوسعها لاستضافة المونديال.. بالمناسبة الدولة المستضيفة لا تستفيد شيئا، عليها عبء بناء الملاعب ومرفقاتها، وتكلفة المصاريف اللوجستية والأمنية وتجهيز البنية التحتية وتأمين الطرق.. وهذه مبالغ طائلة تقدر عادة بالمليارات، في المقابل عائدات البطولة من تذاكر وحقوق البث وأرباح الدعايات وبيع الماركات والقمصان والمراهنات وغير ذلك كلها تذهب إلى الفيفا مباشرة كأرباح صافية لا تدفع منها سنتا واحدا كضرائب.. وهذه الأرباح تقدر بالمليارات، ولا أحد يعرف أين تروح، فالفيفا لا توجد عليها أية رقابة مالية من أية جهة..

صدّقت شعوب العالم أن الرياضة يجب أن تخلو من السياسة، وأن كرة القدم توحد الشعوب.. وأن الفيفا مؤسسة محايدة وأهدافها نبيلة.. لكن مباراة مصر والأرجنتين كشفت عن هذه الأوهام والتمنيات البريئة، كانت مثالا صارخا لفساد الفيفا، وقد أثارت حالة غير مسبوقة من السخط والغضب في صفوف الملايين حول العالم.. هذه المباراة شكلت فرصة لفضح هذه المنظومة الفاسدة.. وهي فرصة لشعوب العالم المقهورة لتواصل صراخها وحراكها ضد الظلم والفساد والعنصرية.

يوليو 08، 2026

انقسام وضجة إعلامية مفتعلة

 

لو أني تحدثتُ عن قوانين نيوتن في الجاذبية ثم تبين لي أن هذا الحديث أسيئ فهمه من قبل أهلنا في غزة، أو أنه جرح مشاعرهم سأخرج فورا دون تردد وأعتذر لهم، وسأقول إنها قوانين خاطئة.. ولن أشعر بأني خدعت أحدا أو أسأت للحقيقة العلمية، ذلك لأن الأهم من كل شيء هو مشاعر أهلنا في غزة.. بالذات في هذه اللحظة التاريخية. وليس من البطولة الانتصار عليهم، بل هذا منزلق خطير وقع فيه قادة ومثقفون..

في هذه اللحظة التاريخية الأشد مأساوية في تاريخنا فلسطين المعاصر يعيش أهلنا في غزة ظروفا بالغة الصعوبة، لدرجة يستحيل على العقل البشري استيعاب كيف يتحملونها.. بين الحزن على من فقدوهم، وبين معاناة الواقع الأليم، والقلق المرعب من المستقبل.. بين الركام والردم وأطلال المنازل المهدمة، وبين أكوام النفايات، ومستنقعات المجاري، والبعوض والبراغيث والقوارض، في الحر، ومع انقطاع الكهرباء، والغلاء وجشع التجار والسماسرة، وإرهاب المسلحين وجبروتهم وقسوتهم وجباياتهم، فوق كل هذا القهر والهوان خطر التهجير، وقصف الاحتلال وقناصيه وحصاره وإرهابه واستهدافه المدنيين دون رادع.. في هذا الواقع البشع كل حديث أو تحليل لا يأخذ هذه الظروف بعين الاعتبار سيكون مجرد هراء.. حديث منزوع الإنسانية، ومنزوع الوطنية، وبلا ضمير.. مجرد استعراض فارغ لا قيمة له..

كيف لشخصية عامة تقول إنها تدعم "المقاومة" وتناصر غزة.. كيف له ألا يخرج معتذراً منحنياً أمام آلام وعذابات الغزيين، تاركا الناس منشغلين في الدفاع عنه أو مهاجمته، وكأنه فرح بهذا الانقسام وبهذه الضجة، وهذا الضخ الإعلامي.. بغض النظر عن مدى دقة ما قاله بشأن إعادة إنتاج الأطفال.. طالما أسيء فهم تصريحاته لماذا لا يخرج ويوضح ويعتذر!! بالمناسبة، هنالك تصريح في مؤتمر عالمي قال فيه أنقذنا 82 ألف جنين (لدي فضول أن أعرف من الذي أنقذهم؟ وكيف؟).. وهنالك بودكاست آخر استخدم فيه عبارة "إنتاج produce"، هذا لمن يدافع عنه، وحتى تتوضح الأمور..

المشكلة ليست مع الدكتور البرغوثي، وهي لم تبدأ بتصريحاته الأخيرة المثيرة للجدل.. المشكلة الحقيقية مع جوقة الجزيرة المرتزقة التي انشغلت على مدار عامين بالتضليل والحديث عن انتصارات المقاومة والمثلثات الحمراء وتدمير 20 ألف دبابة، وأن حكومة نتنياهو ستسقط الأسبوع القادم، وأن محور المقاومة سيغير المعادلات، وأن أهل غزة أسطورة بأجساد وأعصاب فولاذية، وانهم معتادون على الموت ويتقبلونه بفرح وفخر، وأنهم يسجلون الانتصارات..

هذه السردية التي بنتها الجزيرة لم تكن بريئة ولا عفوية.. فهي أولا خاطئة، لأن جميع توقعاتهم خابت بل وأتت النتائج معاكسة تماما؛ فجيش الاحتلال دخل بريا إلى كل حارة وزقاق في القطاع، واحتله بالكامل، وهو يسيطر فعليا ومباشرة على 70% من القطاع.. وتبين أن الحديث عن محاور القتال والقطاعات العسكرية وغابات الزيتون وقذائف الياسين والأنفاق والصواريخ.. لم يكن أكثر من تهويمات وتمنيات طوباوية ساذجة.. ثانياً، وهذا الأهم: هذه السردية حرفت الأنظار عن الحقيقة، وضللت شعوب العالم.. فقد قدمت العدوان في صورة مواجهة عسكرية بين جيشين، وبين قويتين صاروخيتين، وأن هناك مقاومة قوية تتصدى بل وتسجل انتصارات، وبالتالي فإن ما يحصل ليس إبادة جماعية، بل إسرائيل تحارب جيشا مقداما لديه ترسانة صواريخ.. ماذا كانت النتيجة؟

بدايةً تأثرت شعوب العالم وصدقت، ما جعلها تدرك في قرارة نفسها أن النصر حتمي، وما علينا سوى صبر ساعة، ولا حاجة للتحرك وللفعل، وبالتالي البقاء في موقع المتفرج المشجع، ولم يكن غريبا أن حراك الجماهير (خاصة في الأردن) كان موجها فقط لنصرة "المقاومة"، مع تغييب كامل لأوجه المأساة الإنسانية الكارثية.. وغياب فاضح للمبادرات السياسية والإعلامية والجماهيرية التي من شأنها الضغط على إسرائيل لوقف العدوان..

ثم إن هذه السردية أراحت إسرائيل وخففت عنها عبء الضغوطات الدولية، لتوضيح ذلك، لنتخيل  لو أن الرأي العام العربي والإسلامي والعالمي تشكل على أساس أن إسرائيل تنفذ إبادة جماعية وحملة تطهير عرقي وترتكب جرائم حرب وهدفها الحقيقي الناس المدنيين العزل، وتفريغ غزة من سكانها، وجعلها بيئة طاردة، وتغيير معطيات الواقع بحيث يتكرس الانقسام، ويتم عزل الضفة (تمهيدا للضم) والتخلص من استحقاقات الحل السياسي وتصفية القضية الفلسطينية نهائيا.. وأن كل حديثها عن الدفاع عن نفسها، وعن محاربة إرهاب حماس مجرد تضليل وخداع لتتمكن تحت هذا الغطاء من مواصلة تنفيذ مخططها الإستراتيجي.. لو أن هذه السردية هي التي سادت بدلا من أكاذيب الدويري والجزيرة.. هل كان بوسع إسرائيل فعل كل مافعلته في غزة؟ أعتقد جازما أن الإجابة لا وبشكل قاطع.

هذه السردية صورت المقاومة على إنها فقط بالسلاح، وليس أي سلاح (الصواريخ والقذائف..)، وأنها محصورة فقط في غزة، وأن حماس هي فقط من يجسدها.. وبهذا الطرح تم إلغاء وتغييب وتقزيم كافة أشكال المقاومة الأخرى، ولهذا لم نشهد أي حراك جماهيري في الضفة ولا في القدس ولا في الداخل المحتل، لأن أي فعل مسلح سيكون ثمنه باهظاً وفوق التحمل، سيحول المنطقة إلى كومة خراب وإلى رفح أخرى، وهذا ثمن لا يرغب أحد بدفعه، ليس جبناً ولا تخاذلاً ولا تقصيراً.. بل هو انحياز طبيعي لخيار الحياة ولقوانين الطبيعة والإنسانية، هو خيار عقلاني في عالم مجنون.. خاصة مع توحش الاحتلال وتواطؤ العالم معه.. والغريب أن هناك من كان يحرض ويدفع باتجاه تفجير المنطقة، وبالتالي تقديم الذريعة لإسرائيل أن تواصل مخططها في كل فلسطين وصولا إلى تصفية القضية وسط سكوت العالم وموافقته، وكل ما سنحصل عليه قصائد الرثاء، وبوستات النشطاء المتحمسة والساخطة، وحملات التبرع التي ستُسرق..

هذه السردية مثّلت أكبر حملة تضليل وكذب في التاريخ الحديث.. والغريب أنه بعد كل هذه النتائج وبعد أن تبين أن تحليلاتهم هراء وأوهام وتدليس.. لم يعتذر منهم أحد، ويقول كنت مخطئا..

معركتنا الحقيقية ليس مع هؤلاء كأشخاص، وأنهم جنوا ثروات على حساب أطفال غزة، هذا موضوع آخر.. معركتنا الأساسية مع الاحتلال وضد منظومة الظلم والعنصرية والاضطهاد.. ومهمة كل وطني شريف تفنيد هذه السردية، وفضح أكاذيبها، وبناء سردية وطنية واعية وصادقة تضع الإنسان في المقام الأول، ليس بوصفه قربانا، ولا ماكنة إنتاج، بل باعتباره هو القضية وهو الهدف الأسمى والأهم..

نريد سردية قائمة على التخطيط العقلاني، بلا شعارات وشعبوية وتكسُّب وغيبيات وحديث عن انتصارات تاريخية..