أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

أبريل 10، 2026

جورج أورويل يظهر من جديد

 

تضمن منهاج التوجيهي لمادة اللغة الإنجليزية فصلا عن الرواية الشهيرة "مزرعة الحيوان" للأديب الإنجليزي جورج أورويل، ولا غرابة في ذلك، فقد أرادت وزارة التربية توجيهها لمهاجمة ونقد الاتحاد السوفييتي، والقول بأن الثورات الشيوعية والاشتراكية تنتهي بتآكلها من الداخل، ويلتهمها أصحابها.. وفي هذا جانب كبير من الصحة، فجورج أوريل أقر بأن روايته تنقد التجربة السوفييتية، لكن ما غاب عن المنهاج أن كل الثورات الشعبية على الظلم انتهت كذلك، وتحولت إلى نظم ديكتاتورية..

سأعيدكم إلى أجواء الرواية، تمهيدا لعقد مقاربة مع واقعنا الحالي، لنرى كيف استنسخت النظم والثورات العربية والعالمية نموذج مزرعة الحيوان، وطبقته حرفيا.. بدءأ من الاتحاد السوفييتي وإيران، مرورا بكل النظم العربية، وآخرها نظام "الجولاني"، وانتهاء بالأحزاب السياسية التي ادعت المعارضة، والميليشات المسلحة التي ادعت المقاومة..

كتب أورويل "مزرعة الحيوانات" سنة 1945، وروايته الثانية 1984 سنة 1949، والروايتان تستشرفان المستقبل، وتكشفان بتنبؤ واضح أنماطا من الحكم الشمولي تقوم على توظيف التكنولوجيا والتضليل الإعلامي للتسلط على الشعوب، كما لو أن الكاتب زار المستقبل واطلع عليه.

تُظهر رواية "1984" كيف يقوم النظام الاستبدادي (Big brother) بتزييف الواقع، وتغيير المعاني، وإرساء قواعد الخوف السياسي، وتحويل اللغة إلى أداة للاستلاب والسيطرة، واستخدام القهر والتنكيل لاستعباد الفرد من داخله، وتدجينه، ومصادرة إنسانيته وتفكيره وجعله جزءاً من القطيع.

أما "مزرعة الحيوان" فتكشف الوجه الحقيقي للإستبداد المختبئ خلف شعارات الثورة، وتبين كيف تتحول الثورة إلى وحش إستبدادي تلتهم نفسها ومبادئها وشعاراتها، وكيف تعيد إنتاج القهر والاستبداد بأقنعة جديدة. مع إنها وُلدت من رحم الشعب وحملت حلم التحرر والمساواة!

تدور أحداث الرواية حول مزرعة يملكها إنسان فاسد ومستبد يضهد الحيوانات (القيصر)، فيقوم الخنزير العجوز ميجر (لينين) بإلقاء خطبة تبث الأمل بين الحيوانات بأن الثورة ستخلصهم من الظلم، وستحقق لهم حلم المساواة والعدالة.. وبعد وفاته تقوم الثورة وتنجح في طرد مالك المزرعة والاستيلاء عليها، ويتولى قيادتها ثلاثة خنازير.

يتهم الخنزير نابليون (ستالين) شريكه الخنزير سنوبول (تروتسكي) بأنه متآمر فيفر من المزرعة خوفا على حياته. ثم يستخدم الكلاب للتخلص من بقية المعارضين، وينصّب نفسه حاكما مطلقا، ويؤسس نظاما ديكتاتوريا فاسدا، فيستحوذ على أرباح المزرعة، تاركا بقية الحيوانات تعاني الجوع والحياة الشاقة.

يقوم نابليون بدعوة أصحاب المزارع المجاورة (العالم الخارجي المعادي) على مأدبة لعقد اتفاق تجاري. وفي هذه الأثناء كانت الحيوانات تراقب الاجتماع من الشبابيك، دون أن تستطيع التمييز بين من هو الخنزير ومن هو الإنسان.

بالتعرف على بقية شخصيات الرواية، سنجد الخنزير الأصغر "سكويلر" يمثل الإعلام ودوره في الكذب وتبرير القمع وتجميل الواقع وتزويره وإعاد تعريف المصطلحات.. الغراب "موسى" هو المؤسسة الدينية التي تؤدي دوراً رئيسا في تثبيت الإستبداد، عن طريق تأثيرها الروحي والفكري والديني، واستغلال حاجة الناس للأمل، وحديثها الدائم عن الجنة الموعودة، لتُنسي الحيوانات الكادحة واقع بؤسها وحياتها الحاضرة القاسية، وتخدر وعيها بالأوهام فيقبلوا الإستبداد مقابل وعد بالخلاص.

الكلاب هي أجهزة القمع، تمارس دورها دون اعتراض للتخلص من المعارضة.. الأغنام، هي قطيع الجمهور الذي يمارس دوره في الهتاف والتصفيق، ورفض أي صوت ناقد أو متعقل.. الحصان بوكسر يمثل القوى العاملة، التي تكدّ بشرف وإخلاص وتثق بالقيادة ثقة مطلقة.. الحمار بنجامين، الصامت دوما، يمثل السكوت عن الظلم، والسلبية، واليأس من إمكانية التغيير.

بمقاربة أحداث الروايتين وشخصياتهما على واقعنا المعاصر، سنجد تطابقا مدهشا، ولأن المقال لا يتسع لذكر كل حالة بالتفصيل، بوسعك التخيل وعقد المقارنات.. ضع مكان "نابليون" أي زعيم معروف، وبدلا من "سكويلر" أي ناطق إعلامي أو محلل سياسي في "الجزيرة"، وبدلا من المزرعة ضع أي نظام من العالم الثالث..

بعد أن كانت الثورة تستمد شرعيتها من مقولاتها وشعاراتها ووعودها صارت تستمدها من السماء، فتحولت إلى شرعية إلهية مطلقة (الحركات الدينية)، ثم تحولت إلى سلطة ثيوقراطية، وأصبحت الطاعة ملزمة، والمخالف كافر، والنقد فتنة.. أو تستمدها من شعاراتها التي ستفسرها وفقا لمصالحها وتوجهاتها الجديدة (الثورات الوطنية). ومع مرور الوقت واصطدامها بالواقع وبعد سلسلة إخفاقات وهزائم ستبدأ بترديد مقولات النصر الإلهي الموعود، وضرورة الصبر والتضحية، والشهادة. أو بترديد الشعارات القومية القديمة..

في الواقع كل سلطة وفي خضم الثورة كانت تجّهز بصمت آلة القمع والدعاية، حيث ستبرر فشلها وهزائمها بالحديث عن العدو الخارجي (الغرب الصليبي، أو المؤامرة الكونية)، والعدو الداخلي (المرجفين والمنافقين) أو (الثورة المضادة، وأعداء الوطن)، وستستخدمان الخطر الخارجي ذريعة لإسكات كل صوت معارض أو منتقد، أو محتج.

ستحتكر السلطة السلاح والأمن فتتحول مباشرة إلى الاستبداد والقمع، ثم ستبدأ باحتكار تأويل الشعارات والمصطلحات من خلال لعبة إعادة تفسيرها: نحن وحدنا من يمتلك الحقيقة، نحن من نمثل السماء، نحن الشرعية الثورية.. تلك الشرعية ستتحول إلى أبدية وكانها شيك على بياض، وهنا سيتداخل الدين مع السلطة مع السياسة مع الامتيازات بما يشكل مزيجا معقدا وصلبا يصعب اختراقه.

يبدأ الإعلام بشيطنة القائد الذي أطيح به وكأنّ المشكلة كانت محصورة بشخصه وليس في بنية النظام، ثم التخويف من العودة للنظام القديم، وعدم وجود بديل، وهكذا تبدأ عمليات التخدير والتأقلم والتدجين مع الواقع الجديد..

وبعد أن شعر الجميع بنشوة الانتصار، وتعلقوا بالأمل، سيُصدمون بالواقع، وأنَّ لا شيء تحسّن، وكل الوعود جرى التراجع عنها، فيخفت الأمل تدريجيا حتى يُصاب الناس بالتبلد واليأس، ويبدأ المجتمع بالتفكك.. وتنتشر مظاهر الطوابير الممتدة، وأحزمة البؤس، وتحول الناس إلى كتّيبة تقارير ومندوبين بتجسسون على بعضهم البعض في مجتمع تملؤه الريبة والانتهازية..

وهنا تزدهر لعبة الإعلام؛ فتحت وطأة هذا الواقع المرير سيكون المجتمع جاهزا لتصديق أي شعار يخفف وطأة الألم عنه، ويمنحه بعض العزاء أو خيطا من الرجاء (الغامض).. باختصار سنكون أمام وجه جديد للاستبداد، بشعارات مختلفة..

بالعودة للرواية، أراد أورويل أن يثبت لنا أن الإستبداد لم يكن قوة خارجية، بقدر ما هو بذرة كامنة في كل نظام، أو في بنية المجتمع نفسه، أو هو صفة كامنة في النفس البشرية.. وهذه البذرة تنمو وتلك الصفة تتحول إلى سلوك عادي من خلال تغييب الوعي والتلاعب بالأفكار والمسميات.

الزعيم الذي بدأ مناضلاً مخلصا لشعارات الثورة لم يأتِ من الخارج، بل من نواة الثورة نفسها، ثم تسلل الإستبداد إلى عقله أمام إغراء السلطة والقوة والامتيازات، ثم إلى محيطه والطبقة الحاكمة، ثم إلى الجماهير عبر الأفكار المشوهة، والتضليل والخوف.

الاستبداد لا يحتاج إلى جيوش وأجهزة أمنية، بل فقط إلى رواية جميلة، ومتحدث بارع يفرغ اللغة والأفكار من معانيها، ويحولها إلى أداة قهر ومخدرات لتبرير الفشل. فشعار "كل الحيوانات متساوية" عُدّل بخفة، ليصبح: "لكن بعض الحيوانات أكثر مساواة من غيرها".. تلك الإضافة الطفيفة تختصر إنحراف الثورة، حين تتحول المبادئ إلى شعارات تبرر الفشل وتجمّل الظلم.

كل ثورة لا تقدر قيمة الإنسان تتحول إلى وحش. وكل ثورة تفقد النقد والمساءلة تتحول إلى نقيض مشوه لكل ما نادت به، فالخطر لا يجسده الطاغية بشخصه، بل يجسده غياب المؤسسات، والقطيع الذي يتنازل عن حريته مقابل الأمان، وكل شخص يتنازل عن حقه في التفكير التعبير والاختلاف.

 

أبريل 08، 2026

هل انتهت الحرب على إيران؟ تقدير موقف

 مع إعلان ترامب قبول النقاط العشر التي قدمتها إيران كأساس معقول للتفاوض، يمكن القول أن الحرب إما أنها انتهت فعليا، أو في طريقها لذلك.. مع بقاء احتمال تجددها واردا، وإن بنسبة ضئيلة.. المهم أن المواطن، كعادته في الاستسهال، يريد إجابة واحدة مختصرة: من المنتصر؟ ومن المهزوم؟ إجابة وحيدة قاطعة تختزل كل شيء.. طبعا سيتقدم الكثيرون بتقديم مثل هكذا إجابة، كلٌ بحسب انحيازه المعرفي ومواقفه المسبقة.. لكنها من وجهة نظري ستكون إجابات مبتسرة، وسطحية، على شكل معلبات فكرية وشعارات وعبارات جاهزة.. لأن المسألة أعقد مما تبدو بكثير.. وتحتاج تفكيرا موضوعيا وتحليلا يعتمد النسبية والواقعية.

عملياً، وبلغة الأرقام وبحسب الوقائع إيران خسرت الكثير: معظم قياداتها التاريخية، إن لم يكن كلهم، خسرت الكثير من قدراتها العسكرية، ومن بنيتها التحتية، وتفاقمت أزماتها الاقتصادية، وخسرت جيرانها العرب، حتى جمهورها المؤيد لها انقسم إلى نصفين، والأهم خسرت آلاف الأرواح..

كما أنها أُجبرت على التفريط بأحد أهم عناصر قوتها "مضيق هرمز" ووافقت على فتحه، وتراجعت عن شروط سابقة مثل رفضها وقف إطلاق النار دون ضمانات تنهي الحرب كلياً، ومن شبه المؤكد أن نقاطها العشر لن يتم الموافقة عليها بحسب ما تريد، وستخضع منشآتها النووية للرقابة، وقد تتخلى عن حلفائها وأذرعها..

ولأن سماءها استبيحت، وقُصفت في عقر دارها، صارت كرامتها وصورتها الرمزية في أعين مواطنيها موضع تساؤل وشك.. المعارضة الداخلية التي انتفضت ضد النظام مرات عديدة وقُمعت بشدة وقسوة صارت أقوى، على الأقل صار سؤالها الأهم الموجه للنظام: ما جدوى كل ذلك؟ صار أكثر إلحاحاً.. وصار بوسعها استقطاب المزيد، حتى من الكتلة البشرية المحسوبة دوما على النظام.. صحيح أن المعارضة والجماهير تجندتا إلى جانب النظام أثناء العدوان، وهذا سلوك وطني، لكنها بعد انقشاع غبار المعارك ربما تنهض من جديد، وبقوة، وربما يشتد الصراع بين التيار الإصلاحي والحرس الثوري.. المهم أن إيران بعد الحرب لن تعود كما كانت قبلها، ولن تظل علاقاتها بأذرعها كما كانت.. وهذا التغيير سيكون إيذانا بسلسة تغيرات جوهرية ستطال سائر الإقليم.

لكن إيران في المقابل صمدت، وتماسكت، وبقي نظامها قائما (البعض يقول تجدد، وآخرون يقولون تصدع)، وستحقق مطالب ومكتسبات جديدة، مثل التعويضات، ورفع العقوبات وغيرها مما ورد في نقاطها العشر.. وهذا بالنسبة للنظام كافيا للاحتفال بالنصر..

في حال وافقت أميركا على شروط إيران ستعود قوة إقليمية جديدة في المنطقة وربما بقيود أقل، وهذه ضربة قوية للهيمنة الأميركية (أو هزيمة بحسب التعبير الشائع والمستحب)، تُضاف إلى إخفاقاتها في فيتنام وأفغانستان والصومال..

لن نسأل ماذا حققت إيران من هذه الحرب، لأنها ليست من بدأ الحرب.. هذا السؤال يوجه إلى من بدأها: أميركا وإسرائيل.. أميركا التي دخلت الحرب بهدف إسقاط النظام بناء على توهمات الضربة الأولى، فشلت في ذلك، ثم صار هدفها تدمير المشروع النووي، ثم مصادرة اليورانيوم المخصب، ثم تدمير القدرات الصاروخية.. وفشلت في كل ذلك أيضاً، ليصبح هدفها المركزي فتح مضيق هرمز (الذي كان مفتوحا قبل الحرب)، وهذا سلوك مألوف في الحروب، حيث تتغير أهداف الأطراف تبعاً لتغيرات معطيات الميدان، ما يعني أن إيران أجبرت أميركا على تغيير أهدافها وأولوياتها، حيث عمدت إلى أمرين: إغلاق المضيق مما رفع أسعار النفط في العالم وعطّل شريان التجارة الدولية، والثاني استهداف دول الخليج، وبالتالي عوضت ضعف قوتها العسكرية بتعظيم ورفع كلفة الحرب على خصومها، وعلى العالم أجمع..

فشلَ ترامب في تحقيق "صورة النصر الخاطف والكاسح"، رغم شدة القصف، وتدمير آلاف الأهداف في إيران، صحيح أن ترامب ظل يتوعد ويهدد بسحق إيران، وبإنهاء حضارتها، وإعادتها للعصر الحجري.. ثم تراجع عن تهديده أربع مرات.. لكن، لنتذكر أن أميركا لم توقف قصفها يوما واحدا، رغم ما قيل عن مهلة وفرص لإنجاح المفاوضات.. في الواقع استخدم كل طرف في الحرب أقصى ما لديه من قوة.. ولم يعد لديه المزيد، ولم يلح في الأفق ملامح تغيير جذري، أو إمكانية سحق طرف لآخر.. نعم، بوسع أميركا استخدام المزيد من القوة المفرطة، بما فيها سلاح نووي تكتيكي، أو ضرب كل البنية التحتية المدنية من طرق وجسور وجامعات ومستشفيات ومحطات مياه وطاقة وكهرباء وصولا إلى تدمير الدولة وقتل الملايين.. لكنَّ لهذا أثمان باهظة وتداعيات سياسية وقانونية وانتخابية ليس بوسع ترامب ولا الحزب الجمهوري دفع أثمانها.. ما دفع بترامب بالتقاط السلم والنزول عن الشجرة.. ما يؤكد أن أهداف أميركا ليست متطابقة مع أهداف إسرائيل..

اتضح أن أميركا غير قادرة على إنهاء الدور الإيراني، فاستبدلته بالضغط على إيران لتتكيف مع المشاريع الأميركية، وهذا سيتضح في جولات المفاوضات.. وبما أن ترامب دخل الحرب مساعدة مجانية لنتنياهو؛ كان من السهل عليه الانسحاب منها عندما افترقت الأهداف. خاصة مع تصاعد حراكات شعبية في المدن الأميركية وداخل الكونغروس تنتقد ترامب وسياساته المجنونة.

أما خسارة اسرائيل فهي فادحة، إذ انتهى حلم نتنياهو القديم بإسقاط النظام الإيراني، ولن يجد رئيسا أميركيا يوافقه على مشاريعه وطموحه الشخصي.. ولن يكون بوسعه التبجح بخطابات انتصارات ومنجزات إقليمية.. وستأتي الانتخابات المقبلة وبالا عليه، وعلى مشروع اليمين المتطرف برمته.. حتى مشروع السلام الإبراهيمي سيتأثر سلباً وقد أدرك العرب والعالم أن نتنياهو جر الجميع إلى حرب خاسرة دفع الجميع ثمنها باهظا .

سيعوض نتنياهو هزيمته بتصعيد الاعتداءات على لبنان، إلى أن يُجبر على وقفها والانسحاب صاغرا.. وحينها سيدّفع الفلسطينيين ثمن هزائمه..

أما دول الخليج، رغم الاعتداءات عليها، وما أصابها من ضرر، لم تدخل الحرب، ما مكّن إيران من الصمود والمواجهة، الأمر الذي أظهر قوتها الكامنة وغير المستغلة، وبأنه لا يمكن تحقيق الشرق الأوسط الجديد وفق المخطط الأميركي دون رضاها وموافقتها، خاصة السعودية، وأظهر أيضا عناصر قوتها الجيوسياسية الكبيرة والكامنة، وأن بوسعها شلّ الاقتصاد العالمي، وبلورة مصالح قومية قد تتحول إلى مشروع سياسي كبير.

موضوع لبنان وحزب الله مهم وذو صلة، لكنه يحتاج معالجة منفصلة..

أبريل 05، 2026

قانون إعدام الأسرى، فرصة تاريخية لعزل إسرائيل

 

استغلت إسرائيل أحداث السابع من أكتوبر لتنفيذ كل ما كانت تخطط له ضد الحركة الأسيرة، ولم تسعفها الظروف سابقاً للقيام بذلك، فإعلان حالة الحرب والطوارئ مكّنها من التجرّد من كل الاعتبارات والالتزامات المترتبة على الدول، والتحرر من المواثيق الدولية ذات الصلة، فأعلنت الحرب على الأسرى بالمعنى الحرفي للكلمة. وتتويجا لهذا المسار التصعيدي بحقهم، أقر الكنيست بتاريخ 30 آذار 2026 بالقراءتين الثانية والثالثة قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين؛ بأغلبية 62 نائبا مقابل معارضة 48 نائبا وامتناع نائب واحد، وسط حالة من الابتهاج في أحزاب اليمين الإسرائيلي.

ينص القانون على فرض عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين، وتنفيذ العقوبة عبر الشنق، على يد ضابط سجون ملثم، لضمان مجهولية القاتل وحمايته، مع  منحه حصانة جنائية ومدنية كاملة. ويحظر أي تخفيف أو إلغاء للحكم بعد صدوره، ويمكن إصدار حكم الإعدام دون طلب من المدعي العام، كما لا يشترط الإجماع في القرار، مع منح وزير الدفاع حق إبداء الرأي أمام هيئة المحكمة. وبعد صدور الحكم يتوجب التنفيذ خلال 90 يوما. ويتم احتجاز المحكومين في زنازين انفرادية تحت الأرض، ومنع الزيارات عنهم حتى لحظة الصعود لحبل المشنقة.

ينطبق القانون على المواطنين الفلسطينيين المقيمين فقط في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية. وعلى غير الإسرائيليين من سكان الضفة الغربية، المدانين بالقتل العمد في "أعمال إرهابية"، ويُحصر خيار السجن المؤبد في حالات استثنائية للغاية.

الجديد في القانون أنه يشرعن القتل علانية، علماً أن الاحتلال دأب على إعدام الأسرى بصور متعددة: لديه دوما قائمة مطلوبين للاغتيال (ليس للاعتقال)، ويتعمد قتل كل من يشتبه به، وإذا أطلق عليه الرصاص يمنع إسعافه حتى ينزف كل دمه، إضافة إلى من أعدم تحت التعذيب، أو بسبب الإهمال الطبي.

في الواقع، لم تكن إسرائيل بحاجة لمثل هذا القانون، كان بوسعها المضي قدما في سياسة الخداع التي مارستها عقودا طويلة، والزعم بأنها تمتنع عن تنفيذ عقوبة الإعدام، لأنها دولة ديمقراطية، وليبرالية، وتقدر قيمة الحياة.. إلخ من هذه الديباجة.. وفي الوقت ذاته تواصل قتل كل من تعتبره خطرا على أمنها، سواء كان مدنيا آمنا في بيته، أو طالبا في مدرسته، أو مطلوبا أمنيا تهم باعتقاله، لكنها بدلا من سجنه وتقديمه للمحكمة تقوم باغتياله ميدانيا، بقرار مسبق.. أو تواصل عمليات تصفية الأسرى والمعتلقين في سجونها إما تحت التعذيب، أو بمواصلة سياسة الإهمال الطبي، وجعل السجن بيئة محفزة لكل الأمراض العضوية والنفسية.

لكن إسرائيل، وكنتيجة متوقعة لمسار صعود وهيمنة اليمين المتطرف والعنصري، وسيطرته على الدولة والجيش والإعلام، وصولا للقضاء رأت أن بوسعها الاستغناء عن العالم، والمجاهرة بضرب الأعراف والقيم الدولية، والتباهي بكشف حقيقة إسرائيل العنصرية والمتوحشة ودون أي قناع.. تجاهلت الحكومة اليمينية أنها تمثل دولة، وينبغي عليها أن تحتكم إلى ما نصّت عليه الاتفاقات والقوانين والشرائع الدولية، مثل اتفاقيات جنيف الرابعة، وتصرفت كما لو أنها عصابة تحركها نزعة الشر والانتقام وإيقاع أكبر قدر من الأذى بالشعب الفلسطيني وبرموزه من الأسيرات والأسرى.

قانون إعدام الأسرى بحد ذاته جريمة، تضاف إلى جريمة الاحتلال نفسه؛ جريمة احتلال شعب وحكمه بالبطش والقمع، ونهب أراضيه، وهدم بيوته.. تضاف إليها جرائم القوانين والممارسات العنصرية، وجرائم حروب الإبادة والقصف والتهجير.. فضلا عن جريمة الاعتقال نفسه وسياسات القتل البطيء في سجون الاحتلال.

بعد إقرار قانون القومية (2017)، إلى جانب عشرات القرارات والقوانين العنصرية التي تؤكد عنصرية هذا الكيان. يأتي قانون إعدام الأسرى ليمثل الحلقة الواضحة التي بددت كل غموض، وفضحت كل إدعاء حاولت إسرائيل إخفاء وجهها الحقيقي خلفه، وبذلك، تكون إسرائيل قد سارت على نفس خطوات "الحزب الوطني اليميني" الذي قاد جنوب إفريقيا في حقبة الفصل العنصري؛ فقد كان صعود هذا الحزب وتسلمه مقاليد السلطة عام 1948، ثم تبنيه جملة قرارات وقوانين عنصرية، كانت الحكومات التي سبقته تمارسها فعليا ولكن دون التباهي بها، فجاء الحزب الوطني وشرعنها وجعلها سياسة رسمية معلنة ومعتمدة للبلاد، وكان هذا إيذانا ببدء التحول الذي انتهى بسقوط الحزب وسرديته، وانهيار نظام الفصل العنصري للأبد..

لقد كشفت حرب الإبادة للعالم أن إسرائيل تمارس التطهير العرقي والتمييز العنصري وتقتل الأطفال والمدنيين.. وانهارت سرديتها المزعومة بأنها ضحية ومظلومة وتدافع عن نفسها.. بالتالي صار العالم مهيأ أكثر لعزل إسرائيل ومعاقبتها، فمثلا أدان الاتحاد الأوروبي القانون الإسرائيلي بهذا الشأن لكونه  قانون تمييزي يطبق حصراً على الفلسطينيين،  ولأن أوروبا ترفض عقوية الإعدام، وهدد الاتحاد بتعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل، بما في ذلك الاتفاقيات التجارية والتعاون الاقتصادي.

كما أعربت العديد من دول العالم عن رفضها واستنكارها للقانون، مع إجماع على وصفه بالخطير، والعنصري، وأصدرت بيانات منفصلة اعتبرته تصعيدا خطيرا وخرقا جسيما للمواثيق الدولية، ويمثل صورة مشينة من صور الفصل العنصري.

أما الموقف الأميركي فلم يكن مستغربا، رغم أنه يفضح ازدواجية معايير الإدارة الأميركية، ويؤكد انحيازها السافر والأعمى لصالح إسرائيل، حتى في المواقف التي تستنكرها وترفضها بشدة إذا أتت من دول وكيانات أخرى..إذ امتنعت واشنطن عن إدانة القانون، وجاء في بيان الخارجية الأميركية: "تحترم الولايات المتحدة حق إسرائيل السيادي في تحديد قوانينها والعقوبات المفروضة على المدانين بالإرهاب".

صحيح أن الموقف العربي والأوروبي والعالمي، لم يرقَ للمستوى المطلوب، لكن هذا القانون سيء الصيت يوفر حافزا وفرصة لنجعل منه عنواناً لحملة وطنية شاملة ومتواصلة، ووسيلة لكشف الوجه العنصري لمنظومة القضاء الاحتلالية وفاشية الاحتلال.

مثل هكذا حملة يتوجب عليها أن تتجاوز الخطابية والشعارات، وعدم الاكتفاء ببيانات الإدانة والاستنكار، بأن تبني تحالفات جادة مع المؤسسات الحقوقية العربية والدولية، و"منظمة العفو الدولية" و"هيومان رايتس ووتش"، وأن تستهدف الأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان، والرأي العام العالمي، وسائر القوى والفعاليات وحركات المقاطعة حول العالم. وأن تستثمر اللحظة التاريخية التي بات فيها العالم مهيؤ أكثر لرفض وإدانة الاحتلال الإسرائيلي ورفض كافة أشكال التمييز والعنصرية.

أبريل 03، 2026

إغلاق مضيق هرمز، المستفيدون والمتضررون

 

أثناء خطاب نتنياهو أمام الجمعية العامة في أيلول 2023، رفع خريطة لمنطقة الشرق الأوسط وقال: "سيتغير الشرق الأوسط كله، وسنبني ممرا للسلام والرخاء يربط آسيا عبر الإمارات والسعودية والأردن وإسرائيل وصولا إلى أوروبا".

قبل الحرب على غزة كانت تدور في الخفاء حرب عالمية صامتة بين الأقطاب الدولية المتنافسة، وأهمها الولايات المتحدة في مواجهة الصين، وهي حرب اقتصادية وتجارية وتكنولوجية وسيبرانية، وحرب أخرى متصلة بين روسيا من جهة، وحلف الناتو من جهة ثانية، وعنوان هذه الحرب وحيزها أوكرانيا، وتسعى روسيا (والصين) من خلالهما إعادة بناء النظام الدولي، واستعادة روسيا لدورها ومكانتها، وتبؤ الصين على قمة النظام بثقلها الصناعي والاقتصادي والتكنولوجي، الأمر الذي تحاربه أميركا بشدة.

لهذا الصراع الدولي تجليات عديدة، لكن تموضع القوى الإقليمية والعالمية على جانبي الصراع لا يتخذ أشكالا صارمة ونهائية، بل تتداخل فيه التحالفات على نحو معقد ومتشابك. فإذا تناولنا إحدى تجليات تلك الحرب، سنجد صراعا وتنافسا حادا على الممرات المائية والطرق التجارية العالمية، بهدف السيطرة على مسارات تدفق الطاقة والبضائع والخدمات (عصب الاقتصاد العالمي)؛ والتي باتت تُعرف بحرب الموانئ.. بموازاتها، وفي السياق ذاته اندلعت قبل عقد من الزمان حرب الطرق التجارية، حيث أطلقت الصين مشروعها العملاق والأضخم عالميا، المتمثل بطريق بري يصل الصين بالشرق الأوسط وبأوروبا بأقصر الطرق الممكنة، كلفها مليارات الدولارات، وجعلها أقرب إلى قلب العالم. وقبل الحرب بفترة وجيزة أُعلن عن طريق بري بحري عملاق ليكون البديل والمنافس لطريق الحزام الصيني؛ يبدأ (بحريا) من الهند، ويمر (بريا) بدول الخليج والأردن وينتهي بإسرائيل.

هذا الصراع وكل تلك المشاريع غير منزوعة عن سياق حرب أخرى سبقتها، دارت رحاها في سورية، وقد تبين أن من بين أهم أسبابها الصراع على حقول وأنابيب الغاز، وطرق توصيله، وكانت الأطراف اللاعبة في الصراع كلٌ من روسيا، إيران، أميركا، قطر، وهي أهم مصادر الغاز في العالم، بالإضافة لتركيا (الممر والناقل)، وأوروبا (المتلقي والمستفيد). وما زاد من حدة صراع الغاز، اكتشاف حقول غنية من الغاز على شرق المتوسط. وقبل اندلاع الحرب بفترة وجيزة تم الاتفاق بين إسرائيل ولبنان (بمباركة حزب الله) على ترسيم الحدود بينهما، بما في ذلك حدود المياه الإقليمية والتي تقع فيها حقول الغاز.

يُعد هذا المخطط أحد أهم أعمدة مشروع السلام الاقتصادي، فهو ليس مجرد مشروع نقل، بل رؤية جيوسياسية لإعادة تشكيل المنطقة اقتصاديًا. بحجة تعزيز التجارة الإقليمية، تهدف الخطة لبناء تعاون عربي إسرائيلي بحيث يغدو فيه الاقتصاد مدخلًا للسلام بدلا من الاتفاقات السياسية. وتصبح إسرائيل عقدة التجارة الإقليمية، بعد أن تغدو بديلا عن باب المندب وقناة السويس، ومضيق هرمز، وتغدو موانئها بديلا عن سائر الموانئ العربية الأخرى.

يمنح المخطط إسرائيل قوة اقتصادية مضاعفة، ونفوذًا سياسيًا دائمًا، ويمكنها من تجاوز الحل السياسي للقضية الفلسطينية (التي ستتحول من قضية تحرر وطني إلى قضية تنمية اقتصادية). وفي المحصلة، بعد التطبيع يتم دمج المنطقة اقتصاديًا، ويخف الضغط الدولي على إسرائيل، التي سترسخ الاحتلال دون تسوية نهائية.

ولتعبيد الطريق أمامه تم تفجير خط أنابيب الغاز "نورد ستريم 2" (أيلول 2022)، لمنع إمدادات الغاز الروسي لأوروبا، وإجبارها على شراء الغاز الأميريكي. وفي آب 2020 تم تفجير مرفأ بيروت، ومن قبلها تم إخراج ميناء اللاذقية عن الخدمة، وفي أثناء الحرب على غزة تم استهداف ميناء الحديدة اليمني، وقامت مجموعات متمردة باستهداف ميناء بورتسودان.. وأثناء الحرب على إيران تم قصف ميناء عُمان، والملفت للانتباه أن إيران أنكرت مسؤوليتها عن القصف، واتهمت إسرائيل.. من الواضح أن الهدف إبقاء ميناء حيفا الوحيد القادر على خدمة إمدادات الغاز والبضائع إلى أوروبا. ولا يبدو أن تلك التفجيرات أتت صدفة.

لكن هذا المخطط واجه منذ البداية مشكلة كبيرة؛ فهذا الطريق الطويل الواصل بين الهند إلى حيفا لا يمكن أن يشكل بديلا عن النقل البحري، نظرا لتكلفة النقل البري الإضافية، ما ينشأ عنها من تأخير أثناء التفريغ والتحميل، وبالتالي تحتاج وقتا أطول لوصول البضائع إلى الموانئ.. إذا ما الحل؟

المؤسف أن الحل أتى من جهة العدو! لا أعلم إن كان ذلك مصادفة، أم غباء، أم سوء تخطيط، أم نتيجة عرضية غير مقصودة، ولا بد منها..

في البداية أعلن الحوثيين ما يشبه الإغلاق لباب المندب، وتم استهداف السفن المارة، خاصة التي اعتبروها تتبع جهات معادية، الأمر الذي دفع بتغيير مسارات السفن وتجنب المرور عبر قناة السويس.. صحيح أن إسرائيل تضررت نسبيا، وجمدت العمل (أو قلصته للحد الأدنى) في ميناء إيلات.. لكن إسرائيل لديها بدائل أخرى على المتوسط.. أما المتضرر الحقيقي فكانت مصر، التي شهدت تراجعا حادا في مدخولات القناة. لكن المسألة لم تقتصر على ذلك؛ الأخطر هو تفكير شركات النقل الكبرى بالبحث عن بدائل، وأولها سيكون طريق الهند – الإمارات – حيفا، التي تحدثنا عنه سابقاً.

بعد العدوان على إيران، لم يعلن الحرس الثوري إغلاق مضيق هرمز رسميا، لكنه عمليا أغلقه وفرض رسوما باهظة (مليوني دولار) على كل ناقلة وسفينة يسمح لها بالعبور، هذا الإغلاق تسبب بأزمة طاقة عالمية، وأعاق أهم الطرق المائية في العالم.. المتضرر دول شرق آسيا التي تعتمد على نفط الخليج، والمستفيد الأكبر أميركا، التي ستجبر العالم على شراء نفطها بأسعار مضاعفة.

بعد باب المندب، جاء إغلاق هرمز ليجبر السفن على التفكير جديا بالبحث عن بدائل.. وأهمها إسرائيل التي ستصبح ممرا إجباريا، أو بديلا عن الطرق المائية التقليدية، حتى لو أعيد فتح المضائق بعد الحرب.. وفي جميع الحالات إسرائيل مستفيدة، ومصر متضررة.

دون التقليل من أهمية قناة السويس على الاقتصاد العالمي، حيث يمر منها 12% من تجارة العالم، لنتذكر أن القناة أُغلقت لثماني سنوات متواصلة بعد حرب ال1967، حينها استطاعت الدول التكيف وإيجاد بدائل، منها الدوران حول رأس الرجاء الصالح.

من أكثر المواضيع التي طرحها نتنياهو في اجتماعاته ومقابلاته الصحافية سعيه مع واشنطن لتجاوز نقل النفط من الخليج العربي عبر أنابيب تمر من إسرائيل بدلا من مضيق هرمز، ما يعني أن هذا أحد أهم أهداف الحرب على غزة وعلى المنطقة، وقد تم التخطيط لها مسبقا..

أبريل 02، 2026

هكذا يكون المؤثرون

 يعجُّ عالم التواصل الاجتماعي بالمئات ممن يعرفون بالمؤثرين، أي أولئك المشاهير الذين يظهرون على منصات يوتيوب وتيكتوك وغيرها، ولديهم ملايين المتابعين.. هل هم مؤثرون حقاً؟ وماذا يقدمون؟ باستثناء قلة قليلة جداً ممن يقدمون محتوى هادف ومفيد، سنجد البقية لا يقدمون سوى خطاب شعبوي تحريضي، ومعلومات مضللة، ومحتوى تافه..

سأقدم لكم ثلة من أوائل المؤثرين، قبل ظهور منصات التواصل الاجتماعي، ممن كانت لهم إسهامات تاريخية إيجابية بالغة الأهمية، وتحديدا من الوسط الرياضي؛ وسنبدأ بلاعب "الكونغ فو" الأشهر "بروس لي".

في طفولته واجه "بروس لي" تمييزا عنصريا من قبل أبناء بلده، بسبب عدم "نقاء دمه"، لأن أمه من أصول ألمانية، وكان الصينيون في ذلك الوقت يعتبرون تعلم فنون القتال شرفٌ خاص لذوي الدم الصيني النقي.

غادر "بروس لي" بلده هونغ كونغ إلى الولايات المتحدة حاملا معه ثقافة موطنه التي خزّنها في عضلات جسده النحيل، وهناك افتتح مدرسة لتعليم فنون الكونغ فو استقطبت محبي اللعبة من مختلف الأعراق والثقافات، فحاربته الجالية الصينية بضراوة بنفس الذريعة التي دفعته للهروب من بلده: أسرار الكونغ فو حكر للصينيين وحسب. فكان رده عليهم أن هذه مجرد رياضة، وثقافة عريقة تقوم على فلسفة التوازن بين القوى المتضادة والمتكاملة، تهذب النفس، وتدعو للبساطة والتواضع والعودة إلى الفطرة النقية.. وهي مُثل إنسانية تسمو فوق كل تصنيف..

كما واجه عنصرية المجتمع الأميركي، حيث رفضته عائلة زوجته لأنه "صيني"، لكن زوجته غلّبت الحب على العنصرية واختارته خلافا لرغبة عائلتها.. معركته التالية كان ضد عنصرية منتجي الأفلام في هوليود، وضد الصورة النمطية للرجل الآسيوي في الوقت الذي كان العالم يعيش تطاحنا إيديولوجيا.

قدمت الأفلام الأميركية الشخصية الآسيوية بصورة خادم، أو مجرم خطير، أو ماكر وهارب من العدالة، ومجرّد من الإنسانية، لكن "بروس لي" غيَّر تلك الصورة كلياً، فكان أول رجل آسيوي يجسّد كل علامات الرجولة التقليدية في الأفلام الأميركية؛ ليس في جسده الرياضي الممشوق وحسب، بل في طريقة قتاله الشجاعة، وانتصاراته المتكررة، وطرحه فكرة القتال النبيل، وفي إبراز إنسانيته بكل معانيها.. فتمكن من هزيمة إرث غربي ثقيل من العنصرية تجاه الآسيويين. كما بنت هوليود صورة نمطية أخرى جعلت الأميركي "الخارق" ممثلاً وحيدا لقيم الخير والعدالة في مواجهة قيم الشر التي يجسدها الآخر (الصيني، الياباني، الفيتنامي، الروسي، الألماني.. باختصار كل أعداء أميركا)، أو تجعل الرجل الأبيض عموما (الأميركي والأوروبي) وحده من يمثل الخير والرقي والتحضر، لكن أفلام بروسلي كسرت تلك الصورة، ولم يعد البطل أميركيا بالضرورة. الأمر الذي دفع بهوليود للانفتاح على تقديم فنون القتال المختلفة الخاصة بالثقافات والأعراق الأخرى.

أشعل فيلمه "عودة التنين" شرارة الشغف تجاه فنون القتال حول العالم، ما أدى إلى إعادة افتتاح معبد الشاولين، أحد المعابد البوذية القديمة، فتدفقت إليه أعداد كبيرة من الشبان، حتى أن الرئيس الأمريكي "نيكسون" زاره في العام 1972، وكانت تلك بداية توجه أميركي نحو فتح قنوات حوار مع الصين.

في فيلمه "قبضة الغضب" أظهر اضطهاد اليابانيين لأبناء بلده مقابل صورة المقاتل الشجاع في مواجهة عنصرية الغزاة، تلك الصورة جعلت الصينيين يفتخرون بأنفسهم.

لم تكن أفلامه مجرد عروض لفنون القتال واستعراضاً لعضلاته ومهاراته؛ بل كانت دروسا في نبذ العنصرية، ونشر أفكارٍ فلسفية من قلب الثقاقة الصينية العريقة، تُعرض لأول مرة أمام جيل متعطش للأفكار والفلسفات الروحية القديمة، مثل الوصول للسلام الداخلي والخارجي بعيدًا عن القيود الاجتماعية الجامدة، والعيش وفقاً للتلقائية الطبيعية والحرية الشخصية، والابتعاد عن الطموح الجشع والتعقيدات الاصطناعية. وفلسلفة عدم معاداة الطبيعة بل الانسجام مع التدفق الطبيعي للأمور بدلاً من مقاومتها.. ظهرت تلك الأفكار في أساليب قتاله، أي التكيف مع الخصم، واستخدام ما ينفع فقط، معتبراً أن المقاتل يجب أن يكون كالماء، يتشكل بمرونة حسب الظروف.

لم يتسنَّ له توضيح كل فلسفاته في أفلامه، إذ باغته القدر في ذروة تألقه، فكانت نهايته تراجيدية، تماما مثل نهايات الأساطير الصينية والإغريقية القديمة، ومثلما عاش حياة أسطورية قُـدّر لموته أن يكون أسطورياً غامضاً، وأن تُحاك حوله القصص ونظريات المؤامرة.

بطلنا الثاني، الأسطورة البرازيلية الأشهر "بيليه".. وصف بيليه كرة القدم باللعبة الجميلة، وظيفتها المتعة والدهشة، لا مجرد منافسة، واعتبرها أداة للحب والسلام وأداة لعلاج مشاكل العالم وتوحيد الشعوب على قيم الإنسانية، وقد استخدم شهرته لتعزيز السلام، ونُسب إليه دور في وقف الحرب الأهلية في نيجيريا، كما أدرك مسؤوليته كنموذج يحتذى به للأطفال، مشدداً على أهمية تربية الأجيال على القيم الإيجابية النبيلة داخل وخارج الملعب.

مثله، كان لاعب المنتخب البرزيلي المثقف الملتزم "سقراط"؛ كان طبيباً ومفكراً ومناضلاً، آمن بأن كرة القدم أداة للتغيير الاجتماعي والسياسي. تمحورت رسالته حول الديمقراطية والعدالة وحرية التعبير، ووظف شهرته للدفاع عن المهمشين ومحاربة الديكتاتورية.

أما الأسطورة الأشهر محمد علي كلاي فكان نموذجا ملهماً للأنفة والثقة بالنفس، وإعلاء قيم الحرية والكرامة الإنسانية، وقد حوّل حلبة الملاكمة إلى رمز للتمرد ضد العنصرية والظلم. خاض نضالا طويلا في الدفاع عن الحقوق المدنية، ومناهضة التمييز العنصري، ضحى بلقبه العالمي في ذروة مسيرته الرياضية برفضه التجنيد في حرب فيتنام، آمن بأن العقل والإرادة أقوى من العضلات، وقد لخصها في مقولته: "حلق كالفراشة، والسع كالنحلة". اعتنق الإسلام ورفض اسم العبودية (كاسيوس كلاي) ليصبح "محمد علي"، بعد اعتزاله واصل نشاطه سفيراً للنوايا الحسنة وداعية للسلام.

وأيضاً، كريستيانو رونالدو أشهر وأغنى لاعبي كرة القدم حالياً، تبرّع بجوائز مالية كبرى، من بينها مكافأة دوري أبطال أوروبا وجائزة الحذاء الذهبي، دعم العديد من المبادرات الإنسانية حول العالم، وتبرع بملايين الدولارات لمساعدة ضحايا الكوارث الطبيعية، وموّل عمليات جراحية منقذة للحياة، ولديه العديد من اللفتات الإنسانية تجاه أطفال، وتجاه أشخاص ذوي إعاقة..