أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

سبتمبر 11، 2026

ذكرى 11 سبتمبر

 

مع الذكرى ال25 لهجمات مانهاتن الإرهابية، وتدمير برجي التجارة، أعود بكم إلى نظريات عديدة ظهرت خلال هذه الفترة لتفسير ما حدث.

في الفترى الأولى ساد اعتقاد بأن هذا النوع من الهجمات يتطلب تخطيطا معقدا وطويلا ودقيقا، وعقولا عبقرية، وجهات تمتلك إمكانيات هائلة.. مع العلم بأن عملية الهجوم لم تكن تتطلب سوى اختطاف طائرتين في الوقت نفسه (تكفي مسدسات)، وأن يمتلك أحد الخاطفين مهارات طفيفة في قيادة الطائرة (يعني شوفير تيس)، ويقوم بالاصطدام بجدار العمارة التي لا تبعد سوى أميال عن المطار.. وما ساعد في نجاح العملية أن إجراءات الأمن في المطارات الأميركية (خاصة للرحلات الداخلية) كانت آنذاك بسيطة ويمكن تفاديها..

بالتأكيد تطلبت العملية تفاصيل كثيرة وتخطيط دقيق، لكن ليس بحجم التهويل الذي ساد حينها، وما زال.. المهم أن العملية تمت، وتم تحميل المسؤولية لحركة طالبان التي كانت تحكم أفغانستان حينها..

العملية كانت مأساة حقيقية، فقد قتل فيها آلاف المدنيين، وأثارت الرعب في قلوب الشعب الأميركي، وفي عموم الكوكب، وكانت بداية صعود "الإسلامفوبيا"، وصعود اليمين المتطرف في أميركا وأوروبا، وقد شكلت صدمة للعالم، بما في ذلك العالم الإسلامي، وكانت حجة قوية لتشويه صورة الإسلام، وربطه بالإرهاب، والأهم أنها منحت الإدارة الأميركية أقوى ذريعة كانت تحتاجها لخلق توازن قوى دولي جديد قائم على مفهوم مكافحة الإرهاب، تقوده الولايات المتحدة، تستطيع من خلاله بسط هيمنتها أكثر فأكثر على ربوع الكوكب، خاصة بعد الفراغ الذي خلفه سقوط الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة. وحاجة أميركا لعدو جديد يعوض هذا النقص، وقد وجدته في الإرهاب، وتحديدا "الإرهاب الإسلامي".

بالفعل، لم تتأخر أميركا كثيرا، فقبل انتهاء العام كانت قد احتلت أفغانستان، وأطاحت بحركة طالبان، وافتتحت بذلك عصرا جديدا للهيمنة الأميركية.

إزاء هجمات البرجين تفاوتت ردود العالم الإسلامي بين مصدق ومكذب.. علما أن بن لادن نفسه سرب تسجيلا بثته الجزيرة اعترف بمسؤوليته عن الهجوم، وعدّد الفوائد والمكاسب التي سيجنيها في حربه على الطاغوت، و"العدو البعيد"، بحسب وصفه. ومع ذلك، إذا استثنينا حماقة البيان المنسوب للجبهة الديمقراطية التي تبنت الهجوم في يومه الأول، وإذا استثنينا بعض الأصوات الانفعالية والمرتجلة (وهي قليلة جدا بالمناسبة) التي أيدت الهجمات، انطلاقا من ثارات قديمة ومتجددة تجاه تاريخ طويل من الإرهاب الأميركي وجرائم جيشها ضد شعوب العالم.. فإن جميع الحكومات في العالم الإسلامي أدانت الهجمات ووصفتها بالجريمة الإرهابية، وكذلك فعلت أغلب الأحزاب والقوى والتيارات وعدد لا يحصى من الكتاب والمثقفين من إسلاميين وعلمانيين..

أوجدت الهجمات مأزقا أخلاقيا وقيميا لكل من سيؤيدها، سواء كان بسبب الخوف من التبعات الأمنية والقانونية لتأييدها، أو لقناعة راسخة بأنها فعلا هجمات إرهابية يتوجب إدانتها.. في الحالتين يتوجب الإجابة على السؤال الكبير: ما هو الموقف الديني (سواء الفقهي أو الأيديولوجي) من الهجمات؟ وكيف نحافظ على صورة الإسلام الحضارية في ظل هذه الهجمة الشرسة من اليمين (واليسار) في كل مكان من العالم؟   

الـمَخرج الأبرز والأكثر رواجا تمثّل في القول: هؤلاء لا يمثلون الإسلام.. وزيادة في التأكيد انتشرت مقولة أن المخابرات الدولية (وخاصة الأميركية) هي التي أوجدت هذه التنظيمات، وهي التي مولتها ودعمتها، وزرعتها في المنطقة، وسهلت لها مهامها في التواصل والتنقل وتجاوز الحدود.. وما زالت هذه المقولة تتردد ولكن دون الإجابة على سؤال أكثر تعقيدا وخطورة: كيف نوفق بين إدانة هذه الجماعات وبين النصوص الدينية التي تستند إليها في تنفيذ عملياتها، والتي يراها البعض تؤيد القتال والعنف والتعصب، خاصة مع تاريخ طويل وممتد للعنف الديني والأصولي؟

المهم، خرجت نظرية جريئة مفادها أن المخابرات الأميركية هي التي نفذت هجمات 11 سبتمبر، بواسطة وكلائها، بدليل تمكن المهاجمين بسهولة من تحقيق هدفهم، وبدليل أن المستفيد الأكبر من كل ما جرى بعد  ذلك هي الإدارة الأميركية، التي استخدمت الهجمات ذريعة للبدء بمسار جيوسياسي جديد بالكامل، ما زال قائما حتى اللحظة.

بغض النظر عن مدى دقة وصوابية هذه النظرية، هذا ليس موضوع المقال، المهم أن أصحابها يقرون بأمرين، الأول: المخابرات الأميركية هي التي سهلت العملية.. الثاني: أن أميركا كانت تحتاج الذريعة.. وهذه نقطة مهمة سنحتاجها بعد قليل.

المشهد نفسه تكرر مرات عديدة في السنوات العشرين الأخيرة، بل هو استمرار لمشهد سابق تشكل في الحرب الأهلية الأفغانية، فقد تبين بما لا يترك مجالا للشك أن المجاهدين الأفغان كانوا مدعومين بكل قوة من المخابرات الأميركية، ومن حلفاء أميركا في المنطقة (أبرزهم حينها باكستان التي أوجدت تنظيم طالبان، والسعودية التي أوجدت العرب الأفغان). وبعد احتلال العراق، والأزمة السورية ظهرت عشرات التنظيمات الأصولية برعاية مخابرات المنطقة (تنضم تركيا في هذه المرحلة).

وإزاء حجم العنف وقسوة المشاهد والممارسات الفظيعة لتلك الجماعات تظهرا مجددا مقولة "هؤلاء لا يمثلون الإسلام"، ومعها مقولة "هؤلاء صنيعة الغرب"، خاصة مع جرائم داعش التي أثارت صدمة للعالم، والتأكيد على أنها صنيعة المخابرات الأميركية، لاتخاذها نموذجا للإرهاب الإسلامي، وبالتالي ذريعة لتشويه الإسلام، وللدخول للمنطقة واحتلالها.. وهذه المقولات كانت ترد من إسلاميين معروفين..

في الخلاصة، تم تبني مقولات "صنيعة الغرب"، و"الذريعة".. من قبل قادة ومثقفين إسلاميين، برأيي الشخصي اتفق مع المقولتين، سواء كانت تلك الجماعات صنيعة بالكامل، أم تم اختراقها وإعادة توجيهها، أو زرع عملاء في داخلها ودعمهم ليصبحوا قادة ومؤثرين، أو تم تمويلها مقابل تحقيق أهداف محددة.. أو تم استدراجها لمناطق معينة، أو نصب الأفخاخ لها لسوقها إلى فعل معين.. كل هذا وارد وواقعي بل حدث فعلا، ليس مع تلك الجماعات حسب، بل حتى مع دول وحكومات.. لأن الاختراق أو الاستدراج يعطي الجهة الداعمة والممولة ما تحتاجه بشدة: الذريعة.

مع التسريبات والاعترافات والاتهامات المتبادلة داخل إسرائيل بشأن ما حدث صبيحة 7 أكتوبر.. هل توقفت مخابرات الغرب (بما فيها الموساد طبعا) عن نهجها التقليدي في الاستدراج والاختراق ونصب الكمائن، وحاجتها للذريعة؟ أم أن تفسيرنا للأحداث وفهم سياقاتها الجيوسياسية والاستخباراتية يتم وفق مغالطة "انتقاء الكرز"؟ والاكتفاء بالقول "سبحان الله".

سبتمبر 05، 2026

من يعتاشون على أزمات المجتمع

 

من يتذكر مسلسل "صح النوم" لغوار الطوشة وحسني البرزان؟ سأذكركم بمقطع جاء في الحلقات الأخيرة: قام قائد المخفر أبو كلبشة بحبس غوار، ولأن غوار كان الشخص الوحيد الذي يثير المشاكل ويشغّل المخفر، بعد حبسه هدأت "حارة كل من إيده إله"، ولم يعد المخفر يشتغل، فخاف أبو كلبشة من تنبه الحكومة للأمر فتقوم بإغلاق المخفر، لعدم الحاجة له، أو أن تتهمه بأنه لا يقوم بواجبه.. وهكذا قرر أن يفرج عن غوار، ولأنه لا يملك صلاحية ذلك، فكر بحيلة بأن يسهّل عليه إمكانية الهروب، وفعلا ترك له الباب مفتوحا، وانتظره ليهرب، فيلقي القبض عليه، ويخرج للإعلام بخبر مثير تعيد له مكانته وأمجاده.. المشكلة أن غوار كان قد قرر التوبة وأن يصبح مواطنا صالحا، الأمر الذي أزعج أبو كلبشة..

صديقي أنور، درس هندسة تصميم وتركيب المصاعد، ونال شهادات عليا في هذا التخصص، بعد تخرجه لم يكن في صويلح حينها سوى بنايتين أو ثلاثة بطبقات متعددة تحتاج مصعدا.. فسافر إلى إستراليا بحثا عن فرص أفضل، قادته الأقدار إلى مدينة كبيرة، فاكتشف أنّ جميع بناياتها من طابق واحد أو طابقين فقط.. وعليه أن ينتظر سنين طويلة قبل أن تبدأ العمارات العالية بالظهور، وتطلب خبراته في تركيب المصاعد.. لذلك اضطر لتغيير مهنته بالكامل والبدء بمسار مهني جديد..

طيب، لنفترض أن شخصا أمضى نصف حياته في دراسة الطب، ثم استقر في مدينة ما وافتتح فيها عيادته الخاصة.. وكان سكان تلك المدينة من النوع الذي لا يمرض؛ الهواء عليل، المياه نقية، الشوارع نظيفة، جميع السكان تلقوا التطعيمات الوقائية، ولديهم ثقافة صحية جيدة، وأكلهم صحي، ويمارسون الرياضة.. ماذا سيفعل الطبيب؟

ولنفترض أن شخصا ما حصل على وكالة بسعر مغري لجهاز فلترة المياه، فاستورد "كونتينر" فلاتر من الصين.. ولسوء حظه كانت البلدية توفر شبكة مياه نظيفة وصحية وعذبة المذاق.. ماذا سيفعل؟ هل سيغير منتجاته ويستورد أشياء يحتاجها الناس فعلا؟ أم سيقوم بترويج حملة دعائية بأن مياه البلدية تحتوي طفيليات خطيرة وفيروسات، ومن يشك في أقواله عليه فحصها في المختبر.. معتمدا على أن لا أحد سيقوم بالفحص..

الفكرة هنا، أن بعض فئات المجتمع، أو بعض المهن تبدو في ظاهرها متعارضة مع مصلحة المجتمع العليا، لأن شغلها يعتمد على وجود مشاكل وأزمات في المجتمع، فالطبيب يحتاج مرضى، وسيزدهر عمله في حالة انتشار وباء مثلا.. والمحامي والنائب العام والقاضي يعتمدون في أعمالهم على وجود مشاكل وقضايا وخلافات بين الناس، والتي كلما زادت ازدهرت أعمالهم.. وأجهزة الأمن تعتمد في مبرر وجودها على وجود مجرمين وخارجين عن القانون..

لكن هذا لا يحصل.. والحقيقة أن الطبيب لا يتمنى تفشي الأمراض والأوبئة، ولا المحامي ولا القاضي ولا أجهزة الأمن يتمنون انهيار الأمن وحصول الفوضى، ولا شركات التأمين ولا أصحاب الكراجات يدعون ربهم أن يُكثر من حوادث السير.. لأن الناس بطبيعتهم لن يتوقفوا عن إثارة المشاكل، ولن يتحولوا إلى ملائكة، وسيصابون بالأمراض مهما بلغتهم حيطتهم، وسيتعرضون لحوادث مهما كانوا حذرين.. ومهما بلغ المجتمع من تقدم وتطور ووعي صحي وساد فيه الأمن والطمأنينة وتفشت فيه مشاعر الوئام والمحبة.. في كل الأحوال سيجد الأطباء والمحامين والقضاة ورجال الأمن وأصحاب الكراجات وغيرهم سيجدون عملا وزبائن ولن يعانوا من الكساد..

ومع ذلك.. ستجد فئة جديدة (غير الفئات التي ذكرناها) تحاول بطرق شتى تضخيم الأحداث إن وقعت، أو اختلاق مشاكل وافتعال أزمات، وبث الإشاعات إن لزم الأمر.. هذه الفئة موجود منذ أقدم الأزمان، لكنها ازدهرت وصارت ظاهرة خطيرة مع انتشار "السوشال ميديا"..

الحكاء أو الراوي قديما كان يجمع الناس في المقهى ويسرد عليهم سيرة الهلالي وعنترة والزير سالم.. وكان يعتمد في جذب الزبائن والاستحواذ على انتباهمم على عنصر التشويق والمبالغة.. فلو كان أبطاله أناسا عاديين لما استمع إليه أحد..

اليوم، في زمن الإعلام الفضائي والإنترنت، ظهر الحكاؤون بصورة ومظهر عصري: محلل سياسي، خبير إستراتيجي، كاتب متخصص.. وهؤلاء تزدهر بضائعهم في ظل الأزمات، وفترات الخوف الجمعي، فيلجؤون إلى التضحيم والمبالغات وإثارة العواطف وركوب الموجة بخطاب شعبوي..

هل تذكرون سنة الكورونا؟ لم يكفِ الناس حينها خوفهم وقلقهم والتدابير الصحية الصارمة التي حبستهم في بيوتهم.. كان يخرج على الإعلام كل يوم طبيب أو عالم بيولوجي أو صحافي استقصائي يتحدثون عن مؤامرات كونية، وفضائح فساد حول منظمة الصحة العالمية، وتورط مختبرات أميركية وصينية.. منهم من يشكك في وجود الوباء أصلا، أو في التطعيمات، أو طبيعة الفيروس.. كانوا يثيرون الرعب في قلوب الناس، ويعمقون حيرتهم، والناس تتابعهم بقلق مصحوب بالرعب.. وهم يجنون الأرباح من منصات التواصل الاجتماعي.. إلى أن تبين لنا أنهم مدّعون، وعلومهم زائفة، ويكذبون..

وبما أن أكثركم ناسيين، سأذكركم بأزمة أخرى سبقتها بسنوات.. بعد احتلال الكويت وحتى تحريرها عاش العالم ستة أشهر من الرعب والقلق والانتظار.. سأركز على الإعلام العربي الشعبوي في تلك الفترة؛ كانت أقوال المحللين والخبراء تُجمع بما لا يترك مجالا للشك أن صدام منتصر لا محالة، وأن الأمريكان وتحالفهم سيولون الأدبار مهزومين أذلاء.. لو خرج أحدهم حينها وقال إن هزيمة منكرة ستلحق بنا، وسندفع ثمنها لعقود طويلة قادم، بالتأكيد سيتم اتهامه بالتخابر مع الاحتلال، وأنه جاسوس، أو مرجف ويبث الإحباط واليأس في صفوف الجماهير.. وفي كل الأحوال لن يصدقه أحد.

وبما أن أكثركم ناسيين سأذكركم بأزمة أخرى بدأت قبل ثلاث سنوات وما زالت حاضرة ومؤثرة وشواهدها واضحة لا تحتاج سوى عين سليمة وقلب إنسان وعقل قابل للاستخدام.. إنها حرب الإبادة.. ارجعوا بذاكرتكم إلى أول سنتين وشاهدوا الدويري وبقية مرتزقة الجزيرة وجوقتها الذين طبلوا للحرب، وتجاهلوا معاناة الغزيين وآلامهم ودمائهم.. تذكروا "المثلثات الحمراء"، و"ما خفي أعظم"، و"الخاصرة الرخوة"، و"غابات الزيتون"، و"بدخلوش بري"، و"مقبرة الغزاة"، و"سيغرقون في رمال غزة".. بعد كل هذا الخراب والدم.. ألم يعد واضحا أنهم مدعون وكذبة ومزيفون؟ وأنهم ضللوا الناس، وأخفوا الحقيقة، وتكسبوا على حساب غزة..

متى سنُصدم؟ ومتى سنتعلم من دروس التاريخ؟

سبتمبر 01، 2026

الدين السياسي


يمكن النظر للدين في أحد معانيه الأولى والأكثر نقاءً، بوصفه علاقة وجدانية بين الإنسان والمطلق، وحتى مع تطور الأديان ظل معناه الخالص والبريء علاقة وجدانية بين الإنسان وخالقه.. هكذا نشأ؛ وهكذا ظل في مراحله الجنينية والمبكرة: ارتعاشات عاطفية، توسلات شعورية، رجاء وأدعية، مناجاة، تأملات، خلاص فردي، خوف من المجهول.. بشّر به نبي أو فيلسوف، صدّقه وتبعه البسطاء والباحثون عن النجاة والسلام الداخلي، ثم كبرت هذه الجماعة، ومع مرور الزمن نشأ منها وعلى هامشها جماعات وقوى لها أغراض أخرى، أقحمت أهدافها الدنيوية في صلب الدين، وشيئاً فشيئاً بدأت بالابتعاد التدريجي عن جوهر الدين ورسالته الخلاصية الروحية، ليتحول إلى أيديولوجيا وسياسة..

والدين السياسي الذي تشكل لاحقا لم يكن مجرد حضور الدين في المجال العام، ولا مشاركة المتدينين في السياسة، بل تشكل بعد تحويل الدين من تجربة إيمانية وأخلاقية إلى أيديولوجيا للسلطة، ومن الإنسان المؤمن إلى عضو في كتلة سياسية، ومن الإيمان المجرد إلى أداة للحشد والتمييز والصراع.

أي أنه بمجرد أن تم الخلط بين الدين والسياسة تحول إلى دين جمعي، وصار هوية قومية للأديان المحلية، أو أيديولوجيا للأديان العابرة للحدود.. ثم صار أداة بيد السلطات لهندسة المجتمع والتحكم به، ولحماية مصالح الطبقات المهيمنة.. طبعا على حساب الفقراء والعامّة. وقبل الفقراء والعامّة كان الدين نفسه هو الضحية الأهم؛ فقد براءته وطهرانيته..

على مدار القرون الماضية استخدمت القوى الإمبريالية الدين لخدمة أهدافها التوسعية، في تجنيد شعوبها وتحريضهم وتبرير ممارساتهم الشريرة واللاإنسانية، وفي تبرير وتسهيل سيطرتها على الشعوب المحتلة، ولنهب خيراتها..

ومنذ مطلع القرن العشرين برزت نسخة مطورة من الدين السياسي، استخدمتها السلطات والقوى الإمبريالية التي تدعمها، وأنشأت الجماعات الدينية بأشكالها (أحزاب، ميليشيات مسلحة، قوى قبلية وطائفية) وراحت توظفها ضمن مخططات معدة بخبث وعناية.. وصارت تلك الجماعات أدوات تستخدمها السفارات الأجنبية، وأجهزة المخابرات الدولية والمحلية، ودخلت على الخط كل مكونات المجتمع: شيوخ القبائل، زعامات الطوائف، مراكز القوى، التكتلات الاقتصادية والقوى التجارية، الأحزاب السياسية، وكل فرد لديه طموح شخصي أو مآرب خاصة (سواء خيّرة أم شريرة).. كل هؤلاء استخدموا الدين وأسقطوا عليه تأويلاتهم الخاصة، ووظفوه بما يخدم توجهاتهم، واستثمروا فيه، واستغلوا أتباعه (سواء أصواتهم في صندوق الانتخابات، أم أرواحهم في الصراعات السياسية وفي العمليات الانتحارية).. وما يجمع تلك الفئات أيضا إصرارها على زج الدين بالسياسة ورفض إعادته إلى بيئته وحاضنته الأولى: الإنسان الفرد.. لماذا؟

حين يكون التدين فردياً وحراً وواعياً لا يعود بوسع القوى المتصارعة الاستفادة من الدين، أو بعبارة أخرى من جمهور المتدينين.. كيف؟

حين يكون الدين والتدين علاقة حصرية بين الإنسان وربه؛ علاقة روحية وجدانية قائمة على الحب الإلهي، عبارة عن صلوات وابتهالات، وأدعية للنجاة وطلب الرزق، ومناجاة في جوف الليل، علاقة يرى من خلالها الإنسانُ ربه رحيما محبا كريما متسامحا عطوفا.. في تلك الحالة يصلي ويشتغل، يصوم ويفطر، يصيب ويخطئ، يذنب ويستغفر، يتعامل برفق مع هشاشته وضعفه الإنساني، لا يدعي الملائكية، منسجم مع فطرته، ينعم بالسكينة والطمأنينة، لا يتدخل في شؤون غيره وحياتهم الخاصة، لا يعنيه إن كان جاره مسلما أم مسيحيا، المهم أن يلقوا بعضهم بوجه بشوش، لا يضيره إن كان أستاذه بوذيا طالما يقدم له العلوم النافعة، أو كان صديقه علمانياً، أو قريبه ملحداً.. المهم أن يتعامل الجميع مع بعضهم باحترام، وأن يلتزموا بالقانون، وألا يضروا بالبيئة..

حينها سيتحرر من عقدة الخوف (من عذاب القبر، ومن جحيم الآخرة)، ومن عقد الشعور بالذنب، وبهذا التحرر لن يستطيع أحد أن يستغله، لا حزب، ولا طائفة، ولا سلطة.. أنت سيد نفسك، وعقلك سيدك..

حين يكون التدين جمعياً، يتحول إلى هوية جمعية مغلقة ومنظمة سياسياً، وينشأ غالباً مركز قوة يسعى إلى تنظيم المشهد والتحكم به وتسييره.. وهذا المركز أو تلك الجماعة تعتمد أساسا على الأتباع، كلما زاد عدد الأتباع زادت قوتها وحضورها.. ويمكن للأتباع، في ظروف الخوف والاستقطاب والتعبئة، أن يتحولوا إلى جموع تفقد تدريجياً استقلالها النقدي، وتستبدل حكم الفرد بعقل الجماعة، في هذه الحالة تتراجع فرداينة الشخص ويضمحل استقلاله، لدرجة أنه سيلغي عقله، ويدمجه مع عقل الجموع.. الجموع التي يحركها قائد أو زعيم أو سلطة.. وهكذا بدون وعيك تصبح أداة بيد الغير..

الأداة الثانية هي التخويف؛ التخويف من الرب المنتقم الجبار، ومن تهمة الخروج عن الجماعة، ومن تهمة شق الصف، وتهمة إثارة الفتنة، وتهمة التكفير والتخوين.. والخوف يعني الطاعة والخضوع والتسليم دون اعتراض..  

هذا الخوف الكامن يزدهر في النفوس الملتاعة والقلقة والمرتجفة، التي تئن تحت وطأة الفقر والعوز والظلم الاجتماعي، وتكتوي بلهيب القمع السلطوي، وفي النفوس المحتارة التي تتذبذب بين الأفكار المتناقضة والتيارات المتنافسة والقوى المتصارعة.. وهذا ما يمهد الطريق لتلك الجماعات لتكوين الجموع؛ حيث تمنحها اليقين (النفسي والفكري) والملاذ الآمن والحماية.. فيتمسك الفرد أكثر بالجماعة.. ويمكن للجموع، حين تُدار بالخوف والهوية المغلقة، أن تنتج التعصب، ويمكن للتعصب في ظروف معينة أن يتحول إلى تطرف وعنف، فيتحول العنف من أداة للتخويف إلى قيمة عليا بحد ذاتها.. لذلك تجد في مجتمعات القطيع تمجيدا لكل مظاهر القوة والعنف: السلاح، الذكورة، العصبية، إطلاق الرصاص في الهواء وعلى الخصوم..

المشكلة ليست في اجتماع المؤمنين، فالدين عرف منذ بداياته الطقس الجماعي والمجتمع، بل في اللحظة التي تزعم فيها الجماعة احتكارها الحقيقة، وتتحول إلى سلطة على ضمير الفرد، ويصبح الانتماء إليها شرطاً للإيمان، والطاعة لها شرطاً للنجاة.

وكما تستغل الجماعات الدينية أتباعها وصولا إلى العنف، فإن السلطات تقوم بالدور ذاته حرفيا: تستغل الدين وتحارب به خصومها بكل عنف، وبذلك يفتتح الطرفان دوائر العنف التي لا يمكن التحكم بها فيما بعد..

من ناحية أخرى يسهم التدين الجمعي (السياسي) بخلق ظاهرة جديدة في المجتمعات الدينية: ظاهرة التدين الشكلي (النفاق)، حيث يكون الدين مهيمنا على كافة مظاهر الحياة العامة والخاصة، ويكون التدين قيمة اجتماعية تعطي صاحبها الحظوة والحضور والفرص والاحترام والهيبة، وتجنبه اللوم والتقريع وخطر التهم الجاهزة.. فيصبح ضروريا إبراز مظاهر التدين (الشكلانية المتعلقة بالهيئة والملابس وترديد العبارات الدينية).. وهنا يصبح استغلال الدين على المستوى الفردي، وتعمم ظاهرة النفاق والتدين الشكلي على نطاق أوسع، وبتداعيات سلبية أشد خطورة، حتى نجد أنفسنا أمام دين جديد، لا علاقة له بالدين الأصلي إلا بالاسم والمظاهر.