نعيش معظم
حياتنا في حالة خوف وقلق.. نخاف من أشياء كثيرة: من العوَز والجوع، من المستقبل،
من المجهول، من هاتف منتصف الليل، من نشرة الأخبار، من الأفاعي والعقارب، ومن
المرتفعات والأماكن المهجورة، ومن كوارث الطبيعة.. نخاف من العتمة، ومن تقدم العمر،
ومن غدر الأصدقاء، أو من فيروس مختبئ في مكان ما، أو من ورم كامن في إحدى خلايانا..
نخاف من غضب الرب، ومن كلام الناس، ومن التغيير، ومن مغادرة مساحاتنا الآمنة..
نخاف من كل
شيء تقريبا، والخوف الأكبر والمزمن من الموت.. ومن ما هو بعد الموت..
الخوف سمة طبيعية
لازمت الإنسان منذ أن وُجد.. ولن نتخلص من الخوف مهما ادعينا الشجاعة.. الخوف يشل
التفكير ويدفعنا نحو اتجاهات خاطئة.. ولكنه يحمينا من الأخطار، ومن تهورنا.. وفي
الوقت ذاته يحرمنا من خوض تجارب ومسارات، ويفقدنا فرصا كان ممكنا أن تغير حياتنا..
ولكن، ماذا لو
تحررنا من الخوف؟ أو من معظمه على الأقل؟ مع صعوبة وتعذر ذلك، ولكن لنتخيل حالات
افتراضية معينة نعيشها دون خوف.. وهذا التخيل لا يندرج في بند نصائح التنمية
البشرية لتجاوز الخوف.. فهذا ليس موضوعنا، إنما في هي محاولة لتبسيط الفكرة، أو بعبارة
أدق لتبسيط فهمها.
ماذا لو اطمئن
قلبك أن الرب لا يغضب منك، بل إنه ينظر إليك بعين الرضا، ويريد لك السعادة.. وأن
كل ما قاله لك رجال الدين بأنه يُغضب الرب هو في الحقيقة لا يعنيه بشيء؟ وأنهم أرادوا
تخويفك، لأن خوفك هو القوت الذين يعتاشون منه، ولأنه وسيلتهم للسيطرة عليك، وأداتهم
لهندسة المجتمع والهيمنة عليه.. ولأنه جدارهم الذين يستندون إليه في تثبيت سلطاتهم
وامتيازاتهم..
لو بحثنا عن قاسم مشترك بين جميع أنواع الخوف وأسبابه سنجد الخوف من الموت..
في أعماقنا رجفة منه، وجزع وقلق مبهم من زيارته الثقيلة.. نخاف من الميكروبات والحشرات والضواري المفترسة والطيور
الجارحة لأنها أسباب محتملة للموت.. ونخاف من العواصف والزلازل والبراكين لأنها
محمّلة بالموت، ونخاف من انحباس المطر لأنه يؤدي إلى الجفاف وهلاك المحاصيل
وبالتالي المجاعة، ثم الموت.. وللسبب ذاته نخاف من الفقر ومن تأخر الرواتب ومن
غلاء الأسعار لأنها تؤدي في النهاية إلى المصير نفسه.. نخاف من الحروب لأنها
مقترنة بالموت، نخاف الوحدة والعزلة لأنها تعني صعوبة وصول المساعدة حين وقوع
الخطر، ونخاف من التجاعيد وارتفاع الكوليسترول لأنها علامات اقتراب الموت..
نخاف من
القبيلة المنافسة، أو من الطائفة المختلفة، أو من الدولة المجاورة لأنها قد تتفوق
علينا عددا وعتادا، وقد تهاجمنا وتقضي علينا.. وهذا الخوف متأصل في جيناتنا منذ
زمن الإنسان الأول؛ حين كان يخاف الكهوف المعتمة، ومن المفترسات، ومن الظواهر الطبيعية
التي لم يفهمها، ومن كل إنسان آخر سينافسه حتماً على الكلأ والماء.. في صراع صفري..
ندرك جميعا
وبيقين لا يتسرب إليه الشك أن الموت هو المصير الحتمي لكل كائن حي، بما فيه الإنسان
الذي فشل فشلا ذريعا في الوصول إلى الخلود.. ومُـنيَ بهزيمة منكرة في كل معاركه ضد
الموت.. بدليل أن كل من سبقونا ماتوا، وأنه من المؤكد أن جميع الأحياء على وجه الأرض
الآن سيكونون موتى في غضون قرن من الزمان، ولا استثناء في ذلك..
الخوف من الموت ليس منقصة، ولا جُبن، بل
إن تحديه شجاعة حقيقية، والتمسك بالحياة فضيلة إنسانية واجبة ومشروعة.. ومهما
حاولنا التهرب من الموت، أو التحايل عليه، أو تأجيله قدر المستطاع... من المستحيل النجاة منه..
ماذا لو أدركنا عقلا وشعورا بأن الموت لا يعني شيئا
للميت.. هكذا بكل بساطة.. فالميت لا يشعر لا بالحزن، ولا بلوعة الفراق، ولا بالخوف،
ولا بالألم.. فلأنه ميت لا يدري ما حلَّ
به.. وكما أن الحياة لا تعني شيئا للميت.. فإنها لا تعني شيئا للحي قبل أن
يولد.. فلو كنتَ من مواليد القرن الحالي، فإن كل أحداث القرن العشرين بأفراحها ومآسيها
وكوارثها وشخوصها لا تعني لك شيئا حقيقا ومباشرا، إلا بقدر دراسة تجارب التاريخ.. وبعد
رحيلك مباشرة كل ما سيحدث على كوكب الأرض لن يعني لك شيئا، ولن تعرف عنه أساساً.
قبل أن يُولد الإنسان لم يكُ شيئا مذكورا، وبعد أن يموت سيصير نسيا
منسيا.. وفي كلتا الحالتين، فإن ما في الكون لا يعنيه بشيء، لأنه ببساطة ليس من
مكوناته. كما قال "درويش": الموت لا يعنينا، نكون فلا يكون، يكون فلا
نكون..
الأهل والأحبة وحدهم من سيتجرع كأس الحزن والأسى
وتكتوي قلوبهم بوحشة الوداع الأبدي، أما الميت فسوف يوغل في الغياب.. ولن يعود
أبدًا.. ورثَتـُه ربما يفكرون فقط بتركته، سواء كانت ثروة سينعمون بها، أم ديْنا
سيزيدهم فقراً، المشيعون ينتظرون انتهاء الجنازة بأسرع وقت ليستأنفوا أعمالهم..
الطبيعة تنتظر الميت لتقوم بفعلها في جسده وتكمل دورتها..
تعالوا نرى الموضوع من زاوية أخرى، لنفترض أنك وحدك في جزيرة معزولة وسط
المحيط، ومن المستحيل الخروج منها، وبعد سنوات تأقلمت مع العيش فيها، ونسيت حياتك
السابقة.. وفجأة سمعت خبرا بطريقة ما أن طائفتك تخوض صراعا مع طائفة أخرى.. على الأغلب
ستنسى الخبر بعد دقائق، وستنشغل بصيد السمك..
لو أن الكوكب تعرض لكارثة كبرى قضت على جميع سكانه، ونجوت بأعجوبة وبقيت
وحدك.. تمشي في شوارع مدينة مهجورة، جميع محلاتها مفتوحة: المولات، البنوك،
الوزارات.. لن تفكر بجمع الأموال والكنوز.. ستفكر فقط بتكديس معلبات التونة وعبوات
المياه.. وقد تنتحر..
ما الفرق بين شخص تناول
عشاءه الأخير ثم خَلد للنوم ولم يستيقظ بعدها، أي أنه توفي بهدوء وسلام، دون أن
يشعر بموته! وبين موتٍ عنيف يخطف حياة كل سكان الأرض في لحظة واحدة، نتيجة قصف
نووي، أو بسبب ارتطام نيزك.. بحيث لا تتاح الفرصة لأحد أن يشعر بالألم؟! الإجابة
فقط في بلاغة الإنشاء.
حتى لو مات كل ساكني الكوكب، من بشر وحيوانات
ونباتات، ستواصل الأرض دورتها التقليدية حول الشمس بكل برود أعصاب، وستواصل رحلتها
الأبدية في الفضاء الفسيح. ولكن هذه المرة بدون ركاب.