أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

أغسطس 02، 2026

الأشياء كما تبدو في الظاهر

 

أحد الأصدقاء سألني لمَ لم تكتب في الشأن السوري، عن الشرع، والسلفية والمذابح بحق الأقليات وعودة القمع السلطوي.. الأمور صارت واضحة، وما بختلفوا عليها اثنين.. أجبته: رغم أهمية الموضوع، ومحبتي العميقة للسوريين، وموقفي المعارض للسلفية.. لم أكتب، لأن الأمور الظاهرة ليست كما هي في الحقيقة، وأفضّل التروي قليلاً..

لم تعجبه إجابتي، فانتقل إلى طلبه الثاني: لازم تكتب عن اعتداءات المستوطنين، وعربدتهم، وكيف السلطة عندها 70 ألف مقاتل مسلح واقفة تتفرج ولا تدافع عن شعبها! كمان الأمور الأمور هون واضحة والصورة ما بدها شرح..

ولأن الشرح يطول، قصصتُ عليه قصة حدثت مع صديقي الدكتور عامر بدران، وتصلح مثالا للتوضيح:

أثناء زيارته لمنزل أقاربه في "طبربور" طلبت منه خالته توصيلها إلى منزل شقيقتها الجديد في "القويسمة"، ولأنه لا يعرف العنوان استعان بتقنية GPS. أثناء الطريق كان المجيب الآلي بصوت أنثوي ناعم يقول بين فينة وأخرى: بعد 50 متر توجه نحو اليمين، خذ المسرب الأيسر، بعد الإشارة الضوئية أدخل أول طريق فرعي، أمامك مطب.. كانت خالته صامته وتراقب، فسألته باستنكار: مين هاي اللي بدلك عالطريق؟ فأجابها: هاي موظفة مهمتها إرشاد السائق إلى العنوان المطلوب.. فسألت باستنكار مضاعف: ومين هاي الموظفة؟ ومن وين بتعرفها؟ فأجاب ما بعرفها، هي على الأغلب مقيمة في الهند.. فقالت: شكلك بتتخوث عليّ، فأقسم أغلظ الأيمان أنه جاد.. فسألت بتعجب واستنكار: يعني موظفة في الهند بتعرف وين بيت خالتك، وانت ما بتعرف!! يا عيب الشوم..

المهم، في الظاهر: إمرأة مجهولة ساعدت الدكتور عامر على توصيل خالته الأولى من طبربور إلى بيت خالته الثانية في القويسمة، وفي الآخر وصلوا بسلام.. بالنسبة للخالة: الدكتور عامر ما بعرف يوصل بيت خالته، والموظفة بتعرف أكثر منه، وهذا عيب، وهذه الموظفة ممكن تكون صاحبته وهو مخبي الموضوع..

بالنسبة للدكتور: من الصعب عليه الشرح، والقول أن تلك الموظفة مقيمة في مكان ما على هذا الكوكب، ربما تكون مجرد صوت بتقنية الذكاء الاصطناعي، والفكرة برمتها مجرد تقنية تكنولوجية حديثة، تقوم على نظام الملاحة بالاعتماد على الأقمار الصناعية لتحديد المواقع الجغرافية بدقة.. فقرر مسايرة خالته على أمل أنه تتعود على هذه التقنية مع الوقت، وفي الحقيقة حتى الدكتور عامر (وأنا، وأغلب القراء) لا نعرف بدقة التفاصيل الفنية والهندسية لهذه التقنية، نعرف ما يكفينا للاستفادة من هذه الخدمة المهمة.

من الصعب على شخص غير متعلم، وغير مواكب لتقنيات العصر فهم موضوع ال GPS، سيكون بحاجة لمعرفة تقنيات الذكاء الاصطناعي، وقبل ذلك معرفة ما هو الإنترنت، وما هي الأقمار الصناعية، وفهم نظام الطرق، وأنظمة السير.. إلخ، وعليه قبل ذلك فهم كيف بدأ هذا المسار وكيف تطور بدءأ من اكتشاف الكهرباء والموجات الكهرومغناطيسية قبل 150 سنة، مرورا باختراع التلغراف والهاتف وصولا إلى اختراع الكمبيوتر والهواتف الذكية وعشرات التفاصيل المهمة..

إذن، سواء في موضوع ال GPS أو غيره، للوصول إلى حكم صائب، وتشخيص دقيق، وتقديم إجابة صحيحة وأمينة يتوجب البحث والتعمق في الموضوع ومعرفة أدق التفاصيل التي رافقت مسيرة تطور متراكمة امتدت على مدى عشرات السنين.. عدا ذلك، ستكون أية إجابة أو تعقيب مجرد فتي متسرع وهراء، وانعكاس لما يبدو في الصورة الظاهرة، أي ما بدا في المشهد الأخير، بعد عزله عن سياقاته التاريخية..  

ولكن، من قال إننا نسعى لمعرفة حقيقة الأمور، وأننا نتوسل الوصول للحقيقة المجردة، أو نحاول الفهم؟ هذا لا يحصل عادة، في 99% من الحالات نكتفي بالمشهد الأخير، أو بسماع جملة معينة، أو نتأثر بنبرة الصوت، ومظهر المتحدث، وقربه منا، وبحسب طبيعة علاقتنا به.. ثم نطلق أحكامنا بخفة، تماما على طريقة سؤال الخالة الاستنكاري: "موظفة في الهند بتعرف وين بيت خالتك، وانت ما بتعرف!! يا عيب الشوم..".

هذا ما تدركه جيداً وسائل الإعلام الموجهة، وتشتغل عليه.. تعرف أن المستمع لا يهمه الحقيقة، حتى لو أوهم نفسه بذلك.. تعرف أن الأغلبية لا تبحث ولا تدقق ولا تتعب نفسها بالتفكير وإجراء المقاربات.. وتعرف مدى سهولة إيقاع المستمع في فخ المغالطات المنطقية. تعرف أن المشاهد سيتأثر بما يُعرض عليه من صور، وتحديدا ما تضعها له داخل الإطار المقصود، بمعزل عن السياقات الأخرى.. تعرف أن الخطاب الشعبوي بجمع زباين أكثر، ولايكات أكثر، ومشاهدين أكثر.. تراهن وسائل الإعلام الموجهة على قِصر ذاكرة الجمهور، وتأثره باللحظة الراهنة، وأنها تستطيع توجيهه بحسب أجنداتها وسياساتها..

الأسهل على كل شخص (مستمع، أو مشاهد، أو قارئ) التوصل للنتيجة بسرعة دون المرور بخطوات التفكير العلمي، لأن التفكير يتطلب مجهودا مضنيا ويستنزف طاقة كبيرة، لذا يقوم دماغه بربط المعلومة الجديدة (الخبر، التعليق، الصورة..) بما هو مخزن في ذاكرته (الأحكام المسبقة) فإذا تطابقت سره ذلك وأراحه وبالتالي صدّقها وانحاز لها بتلقائية.. وإذا تعارضت رفضها على الفور.. وهذا ما يسمى الانحياز المعرفي.

من السهل على كل شخص اتهام الآخرين وإطلاق الأحكام بحقهم ، وتحميلهم المسؤولية، وتصنيفهم.. هذا لا يتطلب تفكيرا، وأريح للدماغ، وللضمير، إذ أنه يعفي صاحبه من تحمل أي مسؤولية، ومن تبعاتها، ويوهمه بأنه تطهري، وثورجي، وأنجز ما عليه..

ومن الصعب علينا تشغيل أدمغتنا على نحو أمين وصائب، والتخلص من التفكير العاطفي والرغائبي، وتجنب الوقوع في شراك المغالطات المنطقية.. لذا المشكلة ليست في مدى صحة الخبر أو دقة المعلومة.. المشكلة في طرق تفكيرنا، وكيفية التعاطي مع الخبر.

صحيح أن الإعلام وثورة المعلوماتية ساعدت كثيرا في نشر الوعي، وتعميم المعرفة وو إلخ، ولكن في الوقت نفسه قامت الكثير من وسائل الإعلام الموجهة بأقذر عملية تضليل وغسيل دماغ للجمهور العربي بالذات منذ زمن الحمام الزاجل، وحتى عصر الخوارزميات الرقمية..  

يوليو 29، 2026

ما هو المشروع الوطني الفلسطيني؟

 لو سألت عددا من المواطنين عن ماهية المشروع الوطني الفلسطيني، وما هي الجهة التي تجسده؟ ستحصل على إجابات متعددة ومتباينة، بكلمات عمومية ذات طابع شعاراتي، تدل على فهم ضبابي.. وللأسف لا يوجد كتيب معتمد يشرح بالتفصيل ماهية المشروع الوطني، فضلا عن تباين فهمه عند السياسيين والمثقفين، ولدى الفصائل الوطنية..  

بدايةً؛ من حق كل شعب (وواجبه) أن يمتلك مشروعا وطنيا يحدد من خلاله مرجعياته وأهدافه وطموحاته وآليات تحقيقها، وثوابته الوطنية، وكيفية مواجهه التحديات الخارجية. وأن يتفق على القواسم المشتركة التي تتجاوز النزعات والهويات ما قبل الوطنية. من هنا، لا بد أن يكون للفلسطينيين مشروعا وطنيا، كشرط أساسي لتحقيق أهدافهم الوطنية، وبدونه ستكون كل نضالاتهم وتضحياتهم حرثاً في البحر..

في تجارب الشعوب التي لا تخضع لاحتلال المشروع الوطني تجسده الدولة المستقلة، ويتم التعبير عنه من خلال الهوية الوطنية والدستور، ومؤسسات الدولة ورموزها المعنوية، ومن خلال برامج الأحزاب والقوى الوطنية (الحاكمة والمعارضة).. ولكن عندما تغيب الدولة – كما هو حال فلسطين - ويصبح الوطن كهوية وثقافة مهدد وجوديا؛ يصبح المشروع الوطني ضرورة وجودية، وينتفي مبرر وجود إيديولوجيات عابرة للوطنية، وفي حالة وجود أحزاب وحركات في إطار حركة التحرر فعليها توطين أيديولوجياتها وإستراتيجياتها ضمن ثوابت المشروع الوطني.

وعند صياغة المشروع الوطني يجدر التمييز بين ما هو وطني، وما هو سياسي؛ بالرغم من تداخل المفهومين؛ الوطني أكثر عمقا وأبعد مدى، بينما السياسيى محكوم بمعطيات اللحظة التاريخية والمعطيات الراهنة والقدرة على المناورات السياسية..

في البعد الوطني، يقوم المشروع الوطني الفلسطيني على ثلاث مرتكزات، هي: وحدة الشعب الفلسطيني، الانتماء لفلسطين أولاً، وضرورة إبراز الهوية الوطنية الفلسطينية كنقيض مركزي للمشروع الصهيوني.. وهذه المرتكزات الثلاثة (الوطن، الشعب، الهوية) تمثل المنظومة الوطنية الجامعة لكل أبناء الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، وتقوم على ثلاثة مرتكزات: وحدانية تمثيل منظمة التحرير لكل الشعب الفلسطيني كإطار وطني جامع. الثاني: ضرورة النظر إلى المصالح والتصورات السياسية المتباينة للمجموعات الفلسطينية في أماكن تواجدها على أساس التكامل لا التناقض. والثالث تخليص القضية الفلسطينية من التجاذبات الإقليمية، ومن لعبة المحاور، ورفض أية أجندات أجنبية، حتى لو كانت بحجة دعم فلسطين.

وجوهر المشروع الوطني الفلسطيني هو الكفاح من أجل حق تقرير المصير، والتحرر من الاحتلال، وتحقيق الاستقلال الوطني، وإقامة الدولة الفلسطينية، وضمان حق العودة أو حل قضية اللاجئين، وبناء المجتمع الفلسطيني المدني التقدمي، وفقا لما نصت عليه وثيقة الاستقلال، واستنادا للثوابت الوطنية التي حظيت بالإجماع الوطني.

هذا المشروع يتضمن دعم صمود وكفاح الفلسطينيين داخل الخط الأخضر أمام السياسات العنصرية الإسرائيلية. وتعزيز ثبات الفلسطينيين في الضفة الغربية (بما فيها القدس) والقطاع، وعدم السماح بتكرار النكبة ومأساة التهجير، وتعزيز كفاح فلسطينيي الشتات وحقهم في العودة، ومشاركتهم السياسية وانحراطهم في النضال السياسي على قاعدة شعب واحد، وممثل شرعي وحيد، أي منظمة التحرير.

تقوم فلسفة هذا المشروع على اعتبار المرحلة التي يمر بها الفلسطينيون منذ تفجر الصراع هي مرحلة تحرر وطني، وذلك بسبب الخصوصية الوطنية للقضية الفلسطينية، وعلى ضوء فهم الدور الوظيفي للكيان الإسرائيلي، وبسبب طبيعة الصراع وركائزه الحقيقية، بالتالي أدوات الكفاح يجب أن تكون وطنية، من خلال حركة تحرر بمحتوى وأسلوب وطني، تلتقي من خلالها كافة القوى والشرائح الفلسطينية على برنامج واحد وهدف مركزي، هو التحرير والعودة؛ لذا، لا يجوز وجود أكثر من مشروع وطني، حتى لا تتصارع هذه المشاريع مع بعضها.

يعتمد المشروع الوطني على المقاومة لتحقيق أهدافه، والمقاومة هنا أسلوب وأداة وليست هدفا بحد ذاته، ولا تقتصر على المواجهة العسكرية والكفاح المسلح، بل المقاومة الشاملة بكافة أساليبها وأنماطها، شريطة أن تتناسب مع قدرات الشعب ومع معطيات اللحظة الراهنة وموازين القوى.

والمشروع الوطني في جوهره يعني بقاء الفلسطيني في حالة مقاومة دائمة وصدام وتشابك يومي مع الاحتلال، لكنه يمتد لما هو أبعد من ذلك، يجب أن يتضمن برنامجا وطنيا شاملا (سياسي اقتصادي اجتماعي ثقافي)، يتوافق مع طبيعة الكيان الفلسطيني الذي نناضل من أجل تحقيقه، بحيث يكون برؤية تقدمية تحررية، على أسس ديمقراطية، يسمح بتداول السلطة سلميا، ويسعى لبناء دولة مدنية مؤسّساتية تلتزم بالقانون والدستور، وتعامل جميع مواطنيها بعدالة دون تمييز (دولة المواطَنة)، وليس فيها أي شكل من أشكال الحكم الثيوقراطي أو الاستبدادي أو الوراثي، وتضمن هذه الدولة حقوق الأقليات، وحرية العبادة، وحرية الفرد وحقوقه المدنية والشخصية، وتحترم المرأة، وتلتزم بالشرعية الدولية، وتقيم علاقاتها مع العالم على أساس حُسن الجوار ووفق المواثيق والمعاهدات الدولية.

ولا بد أن يُبنى المشروع الوطني على أسس إنسانية، بحيث يكون الإنسان ركنه الأساسي وجوهره وغايته وهدفه الأسمى، ورفض استرخاص دمه، والتعاطي معه بوصفه قرباناً، أو وقودا للمعارك. وأي جهة أو سلطة ستحمل المشروع الوطني يجب أن تكون بوصلتها المستقبل، وأن تسعى لبناء نظام قضائي عادل، وحوكمة شفافة ونزيهة، وصحافة حرة، ومنظومة صحية متطورة، ونظام تعليمي حداثي، وبنية تحتية عصرية.. وهذه ليست مجرد خدمات بلدية، بل هي في صلب المشروع الوطني، والاستخفاف بها يعني الاستخفاف بقيمة الحياة والناس والمجتمع والمستقبل.

عندما كان المشروع الوطني واحدا موحدا في إطار منظمة التحرير، حققت الثورة أهم إنجازاتها؛ حيث حولت الفلسطينيين من جموع لاجئين إلى شعب يناضل لنيل حريته واستقلاله، وأحيت القضية وطرحتها بقوة في الساحة الدولية، وانتزعت اعتراف العالم بالمنظمة ممثلا شرعيا للشعب الفلسطيني. وعندما تشظّى المشروع الوطني، حصل الانقسام، وتراجعت القضية الفلسطينية إلى أدنى مستوياتها.

اليوم، يعاني المشروع الوطني الفلسطيني من أزمة الانقسام، وتآكل الشرعيات، وعدم تجديد الهيئات القيادية، ومن انسداد الآفاق أمام خياراته المعتمدة.. وبعد أكثر من ستين عاما على انطلاقتها لم تنجز الثورة غايتها، ولم تحقق التحرير الذي وعدت به؛ بل وأصابها الوهن والترهل، وتراجعت عن بعض أهدافها، وغيرت كثيرا في إستراتيجياتها... ربما لأنها تعمل في ظل ظروف بالغة التعقيد والصعوبة، وتخوض أصعب وأطول صراع في التاريخ، ضمن موازين قوى مختلة بالكامل لصالح العدو.. لكن لا بد من الاعتراف بوجود أخطاء ذاتية قاتلة، وغياب نهج المراجعات والنقد الذاتي والمساءلة والمحاسبة.

الحديث يطول، وبحاجة لمزيد من التوسع..

يوليو 27، 2026

أدب، بالذكاء الإصطناعي


حين سألت الذكاء الاصطناعي قبل سنتين عن خالد بن الوليد، أجاب بأنه "أمير سعودي، قاد معركة أُحد وانتصر فيها على المسلمين، مهتم بالمسرح ويُعد من رواد الفن التكعيبي، ويشغل حاليا منصب الرئيس التنفيذي لشركة الاستثمار القابضة..".

هذا كان طبيعيا ومتوقعا، إذ كان الاستخدام العربي للذكاء الاصطناعي في بداياته، خاصة وأن هذه التقنية تعتمد أساسا على ما هو متوفر من محتوى منشور على المواقع الإلكترونية مجال البحث. ولأنها تطور نفسها بنفسها من خلال التفاعل مع الأسئلة والتغذية الراجعة ومراكمتها.. ما حصل لاحقاً أن إجابات الذكاء الاصطناعي صارت أفضل بكثير، بل بدرجة مذهلة.. وستكون أكثر إدهاشا مع مرور الوقت..

للتأكد سألت الذكاء الاصطناعي: ما رأيك باستخدام الذكاء الاصطناعي في مجال الأدب والرواية؟ وهل يمكن تمييزه؟ فأجاب: "الأمور أصبحت أكثر تعقيدًا مما كانت عليه قبل عامين. ففي بدايات النماذج اللغوية كان من السهل تمييز النصوص التي يكتبها الذكاء الاصطناعي، أما اليوم فأصبح الأمر أصعب بكثير، لكنه ليس مستحيلًا. يستطيع الذكاء الاصطناعي كتابة أدب جيد من الناحية اللغوية، وأن يقلد أساليب كبار الكتّاب، وأن يبني حبكات وشخصيات وحوارات مقنعة، وأن ينتج رواية كاملة متماسكة إذا وُجِّه بصورة احترافية. لكن هناك فرقًا بين النص الجيد والأدب الكبير.. وإذا كانت الرواية مولدة بالكامل، فإن القارئ الخبير يلاحظ أمورًا مثل: لغة متقنة أكثر من اللازم، تخلو من العثرات البشرية. تشبيهات جميلة لكنها متوقعة ومتكررة. شخصيات تتحدث جميعها بصوت واحد. غياب التفاصيل الصغيرة التي لا يعرفها إلا من عاشها. حبكة منطقية جدًا لكنها تفتقر إلى المفاجآت العميقة. تفسير كل شيء للقارئ، بدل ترك مناطق غامضة. أما إذا استخدم الكاتب الذكاء الاصطناعي كمساعد، ثم أعاد كتابة النص مرات عديدة وأضاف خبرته وتجربته، فتصبح عملية التمييز شبه مستحيلة".

الأدب العظيم لا يقوم على البلاغة وحدها، بل على الرؤية. والرؤية وليدة تجربة إنسانية معاشة، واحتكاك طويل بالحياة، وذاكرة شخصية، وتناقضات نفسية، وخسارات وانتصارات. الذكاء الاصطناعي لا يمتلك ذاكرة ذاتية ولا تجربة وجودية، بل يعيد تركيب ملايين الأنماط اللغوية التي تعلمها. لهذا قد يكتب رواية ممتعة، لكن القارئ لن يعيشها.

حالياً: تمت برمجة الذكاء الاصطناعي بحيث يمتنع عن الخوض في القضايا الإشكالية والحساسة والمثيرة للجدل خاصة السياسية والأيديولوجية والدينية، ويمتنع عن استخدام "الإيروتيك" في الأدب، أو استخدام الألفاظ "الخادشة للحياء"، أو التحريض على التمرد، وهذه العناصر باعتقادي جوهر الأدب الجيد والراقي وميزته، فإذا فُقدت في أي عمل إبداعي سيفقد روحه، سيكون مثل وردة بلاستيكية. سيكون أدبا متحفظا، يميل إلى الوعظ ويدعو للفضيلة..

حالياً، لا توجد أداة موثوقة تستطيع الجزم بأن رواية ما كتبها الذكاء الاصطناعي. ولكن من يدري كيف سيكون المستقبل؟

قد يكون من غير الأخلاقي إستخدام الذكاء الاصطناعي في توليد نص إبداعي ثم إدعاء الكاتب أنها من نتاجه الخالص.. هذا كذب وتزييف.. ولكن ما المانع في الاستعانة بهذه التقنية؟ كأن يعمل  الذكاء الاصطناعي كمدقق ومحرر أدبي أو ناقد أول: يساعد في اختبار الحبكة، واكتشاف الثغرات، واقتراح صيغ لغوية، وبدائل، أو مساعدة الكاتب في العصف الذهني وتجاوز ما يُعرف ب"قفلة الكاتب"، أو للتأكد من دقة معلومة.. بينما تبقى الرؤية والصوت والتجربة والخيال على عاتقه وملكاً له.Top of Form

لماذا أجاز العالم استخدام الذكاء الاصطناعي في كافة المجالات، بل وتفاخر بها: الطب، التحاليل المخبرية، الهندسة، التصاميم، تحليل البيانات، الإحصاءات، البرمجة، الاتصالات، الأرصاد الجوية، التصوير، السينما، محركات البحث، الابتكار والتطوير الصناعي.. بينما وقف متسائلا ومحذرا عند الأدب؟

هذا مجرد تساؤل.. والإجابة المتوقعة أن الأدب شأن إنساني خالص، وقيمته الحقيقية لا تكمن في الصياغة وحدها؛ هو تجربة وجدانية، هو رحلة نحو الخلاص الروحي أو العيش في القلق، هو عصف ذهني، وطرح أسئلة وجودية، ونبش تناقضات النفس البشرية وصراعاتها الداخلية، والغوص عميقا في أعماق النفس، وملامسة خلجات الروح.. لذا الأدب مختلف عن سائر التجارب البشرية.. ويصعب على الذكاء الاصطناعي أن يبتكر هذه العناصر من تلقاء نفسه.

في المستقبل ربما يطور الذكاء الاصطناعي نفسه لدرجة يستطيع فيها تقمص المشاعر والتجارب الإنسانية، وأن يطور ذاكرة شخصية، وأن يصبح قادرا على استدعاء المكان، والتقاط التفاصيل الصغيرة، بنبرة تأملية تمزج السرد بالفكرة، وبرؤية واعية، وبلغة إبداعية، مستفيدا من أعمال الأدباء الكبار أنفسهم!

حينها، ماذا سيفعل الأدباء؟ هل ستتولى دور النشر المهمة؟ وكل ما عليها تقديم طلب للذكاء الاصطناعي: أريد رواية إنسانية درامية مشوقة بالمواصفات التالية.. وخلال سويعات تكون الرواية قد صدرت، وصارت الأكثر مبيعا!

سيواجه الشعراء نفس مصير الروائيين المجهول.. ستطلب دار النشر من الذكاء الاصطناعي ديوانا من مائة صفحة يضم قصائد على بحر الكامل، وأخرى على بحر البسيط، مع خاتمة نثرية درويشية.. وقد تطلب شركة توزيع أغنية بصوت كلثومي على مقام الصبا، وأخرى شبابية على إيقاع البوب، والهيب هوب.. ماذا سيفعل الملحنون؟ وكتاب السيناريو؟ والمسرحيون؟ والنحاتون؟ ورواد الفن التكعيبي "المنسوب لخالد بن الوليد"؟

سؤال أخير، وخطير: ماذا لو كان المؤلف عبارة عن ذكاء اصطناعي؟ السؤال الأخرى والأخطر: ماذا لو كانت دار النشر عبارة عن منصة إلكترونية يملكها ويديرها الذكاء الاصطناعي؟ السؤال الكابوس: ماذا لو كان جمهور القراء عبارة عن روبوتات آلية؟  بما فيهم النقاد والمعجبون والرافضون؟

أهلا بكم في ديستوبيا المستقبل..

يوليو 26، 2026

دردشة، عن الإعلام بين زمنين

 

أثناء طفولتي اشتغلت في بيع الجرائد، أذهب في الصباح الباكر إلى مكتبة صلاح لأستلم 30 نسخة من الجرائد المحلية، أبيع منها 20 نسخة لأصحاب البقالات في سوق صويلح، وما تبقى يشتريها بعض المارة، أكثرهم دعماً لي أو شفقة عليّ.. ذات يوم فكرتُ بطريقة لزيادة حجم المبيعات، فقررت التوجه إلى الجامعة الأردنية متوقعا نفاذ الكمية بسرعة.. وقفتُ عند بوابة الجامعة ساعات تحت الشمس دون أن أبيع نسخة واحدة، كان الطلبة يمرون عليّ كما لو إني شفّاف غير مرئي.. فكرتُ أن أتحرك وأتجه للطلبة عارضاً عليهم بضاعتي فعزّت عليَّ نفسي، وقلت لو أنهم يريدون الشراء سيأتون بأنفسهم..

تساءلت حينها بحيرة: لمَ لا يشترون الجريدة، مع أنّ ثمنها لا يتجاوز الأربعة قروش! ألا يهتمون بأخبار السياسة والمقالات الثقافية؟ كانت تلك أول صدمة لي، من يومها قلتُ إن مقولة "طلبة الجامعة المثقفون".. عبارة عن كذبة، وعرفت لاحقاً أن هذه المقولة روجتها الحركات اليسارية لتستفيد من حماس الطلبة واندفاعاتهم وزجهم في التظاهرات الحزبية المعارضة.. بغض النظر عن مدى دقة تلك المقولة، هذا لا يعني بالضرورة أن جميع أصحاب البقالات مثقفون وحريصون على قراءة الجريدة، كنتُ أعرف أنهم يشترونها للاطلاع على أسعار الخضار والفواكه بحسب التسعيرة اليومية لوزارة التموين التي تعلنها في الجريدة.. أو لمشاهدة الإعلانات والدعايات وأخبار النعي والتهنئات المختلفة للمناسبات الاجتماعية.. أو لاستخدام الجريدة في تنظيف الشبابيك.. على فكرة، ورق الجريدة أفضل شيء لتجفيف وتلميع الزجاج.

بالتأكيد ليس هذا دور الجريدة التاريخي، ولم تكن تلك مكانتها عند الجميع.. كان هنالك دوماً (كما في كل مجتمع) فئات مثقفة ونخب متنورة وجمهور واسع يهتم بمتابعة الأخبار والتحليلات السياسية، وفئات عديدة تقرأ الكتب والمقالات بعناية واهتمام.. وهنالك فئة مدمنة على الجريدة الورقية، تحب مسكتها، ورائحتها وتقليب صفحاتها.. وللأسف هذه الفئة مهددة بالانقراض، كما أن المطبوعات الورقية نفسها مهددة بمواجهة المصير نفسه.

في تلك الأزمنة كانت الجريدة تتمتع بمصداقية عالية، وأخبارها موثوقة، وتحليلاتها صائبة (من وجهة نظر الناس)، كان إذا أراد أحد إثبات صحة خبر ما، أو برهنة مقولة معينة كان يكفيه القول "والله مكتوبة في الجريدة".. وإذا ظهر اسم أحدهم في الجريدة كان يتفاخر أمام الحارة، حتى لو جاء في سياق خبر عن حادث سير، أو ضمن أسماء الناجحين في "المترك".. أما من يكتب في الجريدة من مقالات وتحليلات فهؤلاء من علية القوم.. وكان كتّاب المقالات يحيطون أنفسهم بهالة من الغموض وكأنهم فئة خاصة، والناس تحترمهم.. لدرجة أنه في أول انتخابات برلمانية في الأردن (بعد عودة الحياة الديمقراطية) ترشح عدد كبير من كتّاب المقالات لمجلس النواب ومعظمهم فازوا..

بالمثل؛ كان للراديو والتلفزيون أيام مجـدٍ وعِـز، أبناء جيلي ومن هم أصغر قليلا يتذكرون تلك الأيام، ومدى صعوبة ضبط أكثر من قناتين تلفزيونيتين للسهرة، إما قناتي الأردن والشام، أو الأردن وإسرائيل.. وكان التلفزيون يغلق أبوابه بعد أخبار الحادية عشرة بقليل.. البرامج الحوارية قليلة جدا، وضيوفها محددين، لا أخبار عاجلة، ولا محلل إستراتيجي، ولا مراسلين.. ولم يكن يسيراً على أي مواطن الظهور على الشاشة، إلا إذا حالفه الحظ أثناء مروره في الشارع وتصادف حينها وجود مصور للأخبار.. فإذا كان من يظهر اسمه في الجريدة يتفاخر أمام الحي، فإن من يظهر على شاشة التلفزيون سيكون حديث المساء لسنة على الأقل.. لا أقصد المذيعين والممثلين ومعدي البرامج..

الحديث هنا ليس استدعاء حنين نوستالجي بقدر ما هو مقاربة بين زمنين، وتحديدا فيما يتعلق بالإعلام الموجه والإعلام المجتمعي، وكيفية تفاعل الناس مع تغيرات وسائل وأدوات الإعلام في كل مرحلة..

أتاحت الثورة المعلوماتية وظهور وسائل التواصل الاجتماعي الفرصة للناس للتعبير عن آرائهم، وهذا يحدث لأول مرة في التاريخ، بمعنى توفر الإمكانية لكل شخص أن يقول ما يريد، وأن يعلّق على أي مقال، أو يفنّد كتاب، أو ينتقد فيلم، أو يشتم السلطة.. قبل ذلك كانت أماكن وأدوات التعبير محصورة في البيانات الحزبية التي توزع بالسر بعيدا عن أعين المخابرات، أو الكتابة على الحيطان، وأبواب المراحيض العامّة..

هذه الفرصة التاريخية مهمة جدا وخطيرة جداً أيضاً، ومثل كل ظاهرة لها سلبياتها ومحاسنها.. الخطورة أنها جديدة على العالم، ولم تتأسس بعد خبرات تراكمية بحيث تصقلها وتهذبها وتخلصها من سلبياتها.. اليوم بوسع أي شخص مهما علت أو دنت مكانته أو تحصيله المعرفي يستطيع بكل سهولة وخفة أن ينشر بوست ويقول كل ما يريد، ليس هذا وحسب، فقد أتاحت التطورات التكنولوجية الإمكانية لكل شخص أن يتحدث للعامة بالصوت والصورة وعلى الهواء مباشرة، وأن تكون له قناة تلفزيونية خاصة بها، وقد يحظى بملايين المتابعين والمعجبين.. وهذه الفرصة لم تتوفر لكبريات المحطات التلفزيونية التي تكلف ملايين الدولارات.. وفوق ذلك تدر عليه أرباحا طائلة، وتحقق له الشهرة والانتشار..

قد يستغل الفرد هذه التقنية للتعبير عن رأيه، أو لنشر أفكاره، أو ليطرح نفسه شاعرا أو روائيا أو محللا إستراتيجيا.. هذا كله مشروع أو على الأقل موضع نقاش.. الخطورة هي استغلالها للتحريض على الخصوم.. ولأن عقليتنا وطريقة تفكيرنا قائمة على الثنائيات الحادة والمتقابلة، ومن عاداتنا الأصيلة التكفير والتخوين وتوزيع الاتهامات، وتبرئة الذات، وتحميل المسؤولية على الآخرين، والوقوع في المغالطات المنطقية... حصل ما كان متوقعاً؛ إذ انتقلت هذه الأمراض والتشوهات إلى التقنيات التكنولوجية وإلى العوالم الرقمية والمنصات الإعلامية.. وكما قيل: "زمان ما حدا بعرف الأهبل إلا أمه وعيلته، اليوم صار مكشوف للعالم"..

المشكلة ليست مع الناس العاديين البسطاء، هؤلاء سينضجون يوما ما، وعلى الأقل يمكن تفهّم نواياهم الطيبة.. المشكلة مع من يدعون أنهم مثقفون، ومؤثرون، وقادة حزبيون، ونواب.. خاصة من يسبقون أسماءهم بحرف د. مع احترامي لهذه الدرجة العلمية الرفيعة ولكل من استحقها بجدارة.. لكن الصدمة الكبرى كانت معهم.. ومع خطابهم الشعبوي التحريضي الفارغ من كل مضمون.. هؤلاء مصيبتنا وخيبتنا الكبرى..

يوليو 24، 2026

إرهاب المستوطنين، إلى متى؟


قبل أيام، قتل الجيش الإسرائيلي أربعة مواطنين من قرية تل، أثناء تصديهم لاعتداء مجموعة مستوطنين هاجموا منازلهم، وفي خضم الحدث قُتل مستوطنان وجُرح آخرون.. الإعلام العبري تناول الحدث بطريقة مستفزة تثير الغثيان: "الإرهاب الفلسطيني يتصاعد في يهودا والسامرة ويقتل متنزهين إسرائيليين أثناء تجوالهم في المنطقة.." انظروا إلى أي حد وصل الإرهاب؟ وإلى أي حد يستخف الإعلام العبري بعقول الناس؟ المستوطنون الذين ينفذون اعتداءاتهم كل يوم صاروا مجرد متنزهين! والتنزه والسياحة بحسب أعراف المستوطنين تشمل حرق أي سيارة يتصادف أنها متوقفة في طريق تنزههم! وحرق الحقول التي يتنزهون بها! واقتلاع أشجار الزيتون حتى لا تعيق تنزههم! أماكن التنزه المقصودة والمفضلة هي بيوت الفلسطينيين، ومزارعهم، وممتلكاتهم، وأراضيهم الزراعية.. وفي الطريق لا بأس من سرقة أية أغنام ومواشي يعثرون عليها بالصدفة حتى لو كانت داخل حظائرها! ومصادرة الأراضي التي تروق لهم وتحويلها إلى بؤر استيطانية! وإذا تجرأ أي فلسطيني على إعاقة تنزههم يتم التنكيل به بكل وحشية، واتهامه بالإرهاب! وعادي جدا أن يتم قتله، فلا أحد يحاسبهم! ويصدف أحيانا أن يتم التنزه داخل بيوت الفلسطينيين، ثم حرق البيت بمن فيه (عائلة الدوابشة)، أو حرق طفل مقدسي أثناء لعبه في الشارع (محمد أبو خضير)..

المستفز أيضا أن تقوم الصحافة الأميركية والأجنبية بتبني المصطلحات نفسها، بكل وقاحة وانحياز.. أو الاكتفاء بالإشارة إلى مواجهات بين فلسطينيين ومستوطنين.. حتى عبارات التنديد والإدانة لا تكفي.. أو توجيه عقوبات (شكلانية) لبعض المستوطنين.. المشكلة ليست في أشخاص (رغم إجرامهم).. الجريمة الأولى هي الاستيطان.. وهذه الحكومة ليست يمينية متطرفة فقط، هي حكومة إستيطان..

خطورة الموقف ستزداد مع قرب موعد الانتخابات الإسرائيلية، خاصة في ظل تراجع كبير لليمين وبدء تفكك تكتل نتنياهو وفشل مشروعه التوسعي "الإمبراطوري".. وقد اعتادت القوى الإسرائيلية اليمينية خاصة على استخدام الدم الفلسطيني مادة دعائية في حملاتهم الانتخابية..

ردا على ما حدث في قرية تل، قررت حكومة نتنياهو اتخاذ عدة عقوبات جماعية بحق الفلسطينيين، سموها تدابير لحماية أمن إسرائيل، وأي مراقب يعرف أنها عقوبات جماعية، وتنكيل بالأهالي الضحايا الذين دافعوا عن أنفسهم. من القرارات التي اتخذوها:  هدم منزل منفذ عملية إطلاق النار، وتنفيذ عمليات عسكرية مكثفة في القرى التي تعتبرها إسرائيل بؤراً للمواجهة، بما في ذلك جمع الأسلحة (ما يعني مداهمات للبيوت وتفتيش)، وسحب تصاريح العمل، وتعزيز تواجد الجيش في أنحاء الضفة الغربية، وتعزيز عمليات الفصل بين محاور الحركة وإقامة حواجز وقطع الطرق وتضييق حركة المرور للفلسطينيين. وتسريع إجراءات تسوية البؤر الاستيطانية الزراعية (المزارع الاستيطانية) وإنشاء بؤر جديدة.

هذا ما تقوم به حكومة الاستيطان منذ سنوات.. كل ما في الأمر أنها تصعّد وتكثّف وتنفذ بوتيرة متسارعة.. تريد مسابقة الزمن قبل انهيار إئتلاف اليمين، وقبل أن يستيقظ المجتمع الدولي ويتنبه إلى حجم وخطورة السياسات الاستيطانية ومدى إرهاب المستوطنين..

 إسرائيل تستغل الصمت العالمي على جرائمها في غزة، وتبث دعاية مضللة تزعم أنها تدافع عن نفسها ضد الإرهاب، وضد إيران (النووية).. تستغل أجواء الحرب المشتعلة، وبتواطئ أميركي لمواصلة تنفيذ مخططاتها في الضفة الغربية، وسائر فلسطين: مخططات التهجير وإقامة إسرائيل "اليهودية" بين البحر والنهر.

الرد الفلسطيني والمطلوب: رغم خطورة الموقف، ورغم حماوة الدم، والاستفزازات المتكررة وضرورة التصدي لها ينبغي التيقظ والانتباه لما تريده إسرائيل على المدى البعيد.. هجمات المستوطنين ليست مبادرات ذاتية، ولا هي مجرد أطماع لتحقيق خرافات توراتية؛ هي سياسة منظمة وموجهة تديرها حكومة الاحتلال، بحماية الجيش.. لذا يجب أن يكون الرد الفلسطيني واعيا ومنظما وجماعيا.. الموضوع ليس فزعات، ولا هي طوشة باب الحارة..

 شجاعة أهالي تل قدمت مثالا على ما يمكن ويتوجب فعله.. طبعا كل القرى شجاعة والموضوع ليس مزاودة، على الكل الفلسطيني تشكيل لجان حماية شعبية، في كل مكان مهدد بالإستيطان، يجب أن يدرك المستوطنين أن إرهابهم واعتداءاتهم ليست نزهة، وأن يدفعوا ثمن كل اعتداء.. الدفاع عن النفس حق مشروع وواجب مستحق، وكل إنسان يعرف كيف يدافع عن بيته حين يتعرض لاعتداء.. ولا يحتاج الفلسطينيين لدروس في المقاومة والشجاعة..

الكثير من دعوات إشعال الضفة وتصعيد المقاومة ليست أكثر من حملات دوغمائية، أو على الأقل هي هبات عاطفية وموسمية، وليس هذا ما نريده.. يجب التنبه للجهات التي تقف وراء هذه الدعوات، يجب سحب كل ذريعة ممكن أن تخدم نتنياهو وحكومته. خاصة دعوات تصعيد العمل المسلح والمواجهات المسلحة.. سواء من قبل أفراد وفصائل، أو من قبل أجهزة السلطة.. هذا بالضبط ما يريده نتنياهو.. تحويل الضفة الغربية إلى كومة دمار كما فعل في غزة، لكن هذه المرة مع تنفيذ متسارع للتهجير.. في هذه الحالة لن تأتي أية مساعدة للفلسطينيين من الخارج، لا من جيوش، ولا من شعوب، ولا من مجتمع دولي، ولا من مجلس أمن.. لن نحصل إلا على صورة مشابهة لدمار غزة وجنوب لبنان.. سنكسب فقط دعاء الطيبين، وبوستات النشطاء على فيسبوك، وقصائد منتظرة ترثي فلسطين..

هذا لا يعني السكوت والسلبية.. لجان الحراسة الشعبية ممارسة ثورية فعّالة اختبرها الفلسطينيون في الانتفاضة الأولى.. وهذا لا يعني وضع العبء كله على القرى الحدودية، المدن والمخيمات يجب أن تنخرط في المواجهة، صفا واحدا، بجهود متناسقة ومدروسة، وشعبنا يعي جيدا معنى المقاومة الشعبية وأساليبها.. وكيف يجعل من المواجهة أسلوب حياة.

بموازاة ذلك، يجب توثيق كل الإعتداءات، وتصديرها بكثافة للعالم، وتكثيف الحضور الإعلامي في كل المنابر الدولية، وبكل اللغات، وتنشيط الجهد الدبلوماسي والقانوني، والتنسيق مع الأشقاء العرب، ومع الأصدقاء في العالم، ومع الشعوب المحبة لفلسطين، والمناصرة للحق والعدالة، مع الأحزاب والبرلمانات والشخصيات المؤثرة.. ثمة دور كبير ومهم يمكن ويجب على السلطة القيام به، وعلى حركة فتح بالذات..

لقد جاوز المستوطنون المدى، ولم يعد بالإمكان تحمل اعتداءاتهم، أو السكوت عنها، لقد وصل إرهاب المستوطنين بيوتنا، وشوارعنا.. وهي في تصاعد مستمر وخطير بما ينذر بتفجر الأوضاع على نحو لا يمكن السيطرة عليه.. الضفة الغربية محتقنة جدا.. وعلى الجميع تحمل مسؤولياته.. سلطة، فصائل، إعلام، نشطاء، مجتمع مدني، مواطنين..

القادم خطير، ويحتاج وقفة وطنية مسؤولة..