بعد سنوات من الحرب الأهلية، في نيسان 1975 اجتاحت قوات "الخمير الحُمر" العاصمة الكمبودية "بنوم بنه"، ثم واصلت تمددها حتى أحكمت سيطرتها على البلاد، لتشهد كمبوديا أربع سنوات من الحكم العسكري، تُعد من أسوأ الفترات في تاريخ البشرية، فقد مارست الحركة إبادة جماعية فظيعة سقط ضحيتها ربع السكان، أما البقية فقد أجبرتهم على العيش في معسكرات اعتقال ضمن ظروف بالغة القسوة والفظاعة.
كلمة "الخُمير"
تعني الفلاحين، وبما أن أغلبية الكمبوديين من سكان الأرياف فقد وصفوا أنفسهم
بالخمير ، أما "الحُمر" فهو لون الشيوعية. نظام الخُمير الحمر من أكثر
الأنظمة دموية في القرن العشرين، وهي حركة شيوعية متطرفة حكمت كمبوديا بين عامي
1975 و1979، تسببت سياساتهم القمعية في مقتل ما بين 1.5 إلى 3 ملايين شخص من أصل 7
ملايين نسمة هم سكان البلاد، نتيجة الإعدامات، والعمل القسري، والمجاعة، والأمراض. وهي أعلى
نسبة وفيات في التاريح الحديث.
بمجردهم استيلائهم
على السلطة قسموا سكان البلاد إلى ثلاث مجموعات؛ الأولى تضم أتباعهم ومن يمتثلون
لسياساتهم. الثانية: معظم السكان الذين رأت الحركة أنهم بحاجة إلى إعادة تأهيل،
لذا حشرتهم جميعا في معسكرات اعتقال لتلقينهم أفكارهم "الثورية"،
وتعويدهم على نمط الحياة "الاشتراكية". أما الثالثة فتضم الطلبة، والأساتذة،
والأطباء، والمهندسين، والمحامين، والضباط العسكريين ورجال الأمن وموظفو الدولة في
النظام السابق، والرهبان البوذيين.. وهؤلاء جميعا مصيرهم الإعدام دون استثناء، وقد
شمل هذا التصنيف من يرتدي نظارات طبية، أو من يستعمل فرشاة أسنان، أو يرتدي ساعة
يد.. باعتبار تلك من أدوات الإمبريالية والرأسمالية. حتى معرفة لغة أجنبية كانت سبباً
كافياً للاشتباه بالشخص واعتباره "مثقفاً" معادياً للثورة. كما قتلت
الحركة جميع الأقليات العرقية، بما فيهم 40 ألف مسلم، نجا منهم شخص واحد فقط.
ولتطبيق هذه
السياسة قامت قوات الخمير الحمر بإخلاء العاصمة وكافة المدن من سكانها، أي طردتهم
من بيوتهم وصادرتهم ممتلكاتهم الشخصية، وأجبرتهم على التوجه إلى الأرياف للعمل في
الزراعة، وأجبرت الجميع رجالا ونساء وأطفالا على ارتداء زي موحد لونه كحلي غامق. وفرضت
عليهم العمل لساعات طويلة في الحقول (لحد 20 ساعة في اليوم) دون رعاية صحية أو
غذاء، حتى أنَّ من كان يلتقط ثمرة تالفة أو بضع حبات من بقايا الأرز يُساق إلى الإعدام.
قامت أيديولوجية
الخمير الحمر على فكرة إنشاء مجتمع زراعي خالص بلا مدن ولا طبقات اجتماعية، وتطبيق
اشتراكية متشددة تشمل وقف التعامل بالأموال النقدية وإلغاء التجارة والأسواق ومنع أية
مُلكية خاصة، والقضاء على التعليم التقليدي والنخب المثقفة، وفرض الطاعة المطلقة
للحزب، وقد اعتمدت على مفهوم محو الماضي والبدء من جديد، أي من الصفر، فقررت أن التقويم
الجديد للبلاد "السنة صفر". ثم قامت بإلغاء كافة مؤسسات الدولة، فأغلقت
المدارس والمستشفيات والوزارات والمعابد.
لم يكن الأمر
مجرد تمجيد للفلاحين، أو انتصارا لمظلمتهم التاريخية، أو تعبيرا عن صراع طبقي؛ فقد
تطرف "الثوار" في أفكارهم لدرجة ممارسة التطهير السياسي والعرقي، والقضاء
على كل من يختلف معهم، باعتبارهم "طبقات
معادية". وقد استخدموا الأطفال في حربهم، فانتزوعهم من عائلاتهم، وشرّبوهم أفكارهم
المتطرفة، وجعلوهم جنودا مطيعين يقتلون حتى أهاليهم.
انبثق تنظيم
الخمير الحمر عن الحزب الشيوعي الكمبودي، الذي تأثر بالفكر الماركسي اللينيني
والماوي. مستلهما تجربة السوفييت في قمع المعارضين، بل إنهم رأوا في ممارسات
ستالين بعض التراخي والميوعة.. كما استلهموا تجربة الزعيم "ماوتسي تونغ"
في الثورة الثقافية، ودفع السكان إلى الأرياف لزيادة الإنتاج الزراعي.. تلك
التجارب التي أودت بحياة ملايين الصينيين وتسببت في مجاعات فظيعة. وقد تلقت حركة
الخمير الحمر دعمًا مباشرًا من الصين خلال عهد ماوتسي تونغ الذي استقبل بول بوت
عدة مرات، وأبدى إعجابه بتجربتهم الثورية ذات الطابع الزراعي المتطرف. ويُعد هذا
الدعم أحد أهم العوامل التي ساعدت الحركة على الوصول إلى السلطة والاستمرار في
الحكم. وسبب هذا
الدعم التقارب الأيديولوجي بين الماوية وأفكار بول بوت، واعتبار انتصار الخمير
الحمر نجاحاً رمزياً للماوية، ومن أجل مواجهة نفوذ فيتنام في المنطقة (المدعومة من
الاتحاد السوفييتي)، وتعزيز مكانة الصين في العالم الشيوعي خلال فترة الانقسام
الصيني السوفيتي.
رغم الخلفية
الشيوعية المشتركة، اعتبر الخمير الحمر أن فيتنام هي العدو المركزي، ونشبت نزاعات
حدودية بين البلدين، انتهت باجتياح الجيش الفيتنامي كمبوديا وإسقاطه حكم الخمير
الحمر.. وبعد سقوطهم استمر الخمير الحمر في حرب عصابات لسنوات من المناطق الحدودية
مع تايلاند، بدعم من الصين، حتى تفككت الحركة في أواخر التسعينيات.
لم يكونوا
مجرد غوغاء دمويين، بل كانوا جماعة منظمة، وقد تلقّى عدد من قادتهم تعليمهم في فرنسا،
بما فيهم زعيمهم بول بوت.. الخطير في الموضوع أنهم يحملون أيديولوجيا متشددة
متطرفة، والأخطر أنهم مؤمنون بتعصب أنهم يمثلون الحق، ويجسدون القيم الثورية
الصحيحة.
في كوخ مهجور على حدود تايلاند، تم العثور على زعيم
الخمير الحمر "بول بوت" مسموماً في نيسان عام 1998.. مات عن عمر 72 عاما، مخلفاً وراءه مئات القبور
الجماعية، وجبال من الجماجم دون أن يُقدم لأية محاكم دولية..
كل من سبقه أو
لحقه من الطغاة، من نيرون إلى هتلر، وستالين، وموسوليني، وتشاوسيسكو، وعيدي أمين
وبوكاسا، حتى من ترأسوا بلدانا "ديمقراطية"، من ترومان وتشرشل إلى ترامب
وشارون ونتنياهو وغيرهم.. جميعهم تلطخت أياديهم بدماء الملايين من الأبرياء..
تجربة الخمير
الحمر مثالًا على كيف يمكن للأيديولوجيا المتطرفة والسلطة المطلقة أن تقود إلى
كارثة إنسانية فظيعة عندما تُستخدم لإعادة تشكيل المجتمع بالقوة.