التنقل عبر الأزمنة
حلمٌ راود معظم علماء الفيزياء، وشكّل مادة خصبة لمئات المسلسلات والأفلام السينمائية،
سواء من وحي الخيال العلمي، أم بإسقاطات سياسية واجتماعية.. وفي الحقيقة هو موضوع
شيق ومثيرـ وربما تمنى الكثير منا لو ركب آلة الزمان وسافر بها إلى زمن آخر، إما
للهروب من واقعنا البائس، أو لعيش تجربة جديدة ومثيرة.. لكننا سنحتار إلى أية جهة
سنسير؟ للمستقبل، حيث لا يعرفنا أحد، فنعيش غرباء عن الناس وعن التقنيات التي سنعجز
عن فهمها وكيفية التعاطي معها! أم إلى الماضي، وبالتالي سنُحرم من كل وسائل الراحة
والترفيه التي تعودنا عليها! وفي الحالتين، لنفترض أن أحدنا نجح فعلا في الانتقال إلى
زمن آخر، هل سيألف البيئة الجديدة، وينسى أهله وأحباءه؟ أم سيشتعل قلبه حنينا
ويعود أدراجه على الفور؟
مبدئياً،
التنقل عبر الأزمنة من وجهة نظر علمية أمرٌ مستحيل، هو ممكن افتراضياً بحسب "النظرية
النسبية" التي تتنبأ بتباطؤ الزمن مع زيادة السرعة، ليصبح صفرا عند مساواته مع
سرعة الضوء، ومن بعدها يتحول إلى السالب.. أي يعود للماضي، أو ينتقل للمستقبل كما
في المثال الشائع عن شاب سافر على مركبة فضائية بسرعة تقترب من سرعة الضوء وعاد
بعد ساعات ليجد أقرانه صاروا شيوخا أو متوفين..
لكن المسألة
من ناحية فيزيائية مستحيلة، ومن ناحية منطقية أيضا مستحيلة ومربكة للعقل، حيث سنواجه
معضلة الحفيد والجد؛ فلو عاد شخص ما سبعين سنة للوراء مثلا والتقى بجده، وقتله أو أقنعه
بعدم الزواج.. فكيف سيأتي للوجود هو شخصياً، طالما أن أبويه لم يلتقيا أصلاً!
لطالما أثارني
هذا الموضوع؛ وقد تناولته في العديد من القصص القصيرة التي كتبتها، وفي مقالات
عديدة، أحيانا لرغبة مني في محاولة فهم كيفية العيش في الأزمنة المختلفة، وأيضاً في
البيئات الجغرافية المختلفة، أي فهم سيسيولوجيا المجتمعات وسيكولوجيا الإنسان في الأمكنة
والأزمنة المختلفة، ومحاولة تصور شكل الحياة الاجتماعية في كل بيئة، وإجراء
المقارنات فيما بينها.. مع محاولات تطبيق نظرية "أثر الفراشة"، لأرى كيف
سيحفز حدثٌ ما جرى في الماضي سلسلة أحداث لا متناهية من بعده وصولا إلى تغيير الحاضر..
كما تأملتُ في
هذه المسألة بعناية في الكثير من الروايات التي قرأتها والأفلام التي شاهدتها، إلى
جانب التجارب الشخصية لي ولمن سافر إلى بلدان أخرى وعاد بقصص ومشاهدات عنها.. وحتى
في القصص المروية عن أيام زمان، بكل ما فيها من تفاصيل صغيرة، والتفاتات قد لا
ينتبه إليها الكثير من الناس.
عند قراءة تاريخ
وحضارات الشعوب، لا يكفي معرفة من انتصر، ومن هُزم، ومن حكم ومن تآمر على الحكم.. هنالك
ما هو أعمق وأهم من التاريخ السياسي؛ التاريخ الاجتماعي بكل تفاصيله: حكايات الناس
البسطاء، المهن والحرف، الأسواق ونوعية البضائع المتوفرة، تاريخ الجوع والأوبئة، متى
وصلت المراحيض لتلك المجتمعات، الأمثال الشعبية، الأزياء، الأكلات البيتية، الفنون
والآداب، أسماء المثقفين المغمورين..
بتلك التأملات،
وتتبع ورصد حركة المجتمعات البطيئة في مسارات تطورها، أو تراجعها، أو تبدل
معاييرها وتنوع قيمها، وتفاوت مستوياتها، سنلحظ الكثير من التغيرات: في اللهجة
المحكية، في المفردات التي تسود ثم تختفي، في الأزياء والمظاهر وأنماط العمران،
وتبدل الأذواق في كل شيء تقريبا، بدءا من الموسيقى والأغاني المفضلة إلى تغير أنماط
الاستهلاك وشكل وألوان أثاث المنزل، حتى تغيير أنواع الطعام.. وما يسمى "الموضة"،
أو "الترند" المنتشر..
وهذه التغييرات
تنتج عن تغير أدوات ووسائل الإنتاج، وعن تغيير المستويات الاقتصادية لطبقات
المجتمع، وتغيير النظم السياسية الحاكمة، وعن تدافع الأجيال، وتغيير مستويات الوعي
والثقافة، وبسبب الانتشار المكثف لوسائل الإعلام، خاصة الإعلام المجتمعي، وبشكل
غير مباشر نتيجة تغيير المعادلات السياسية والاقتصادية على مستوى العالم، وما يتخللها
من حروب وصراعات ومعاهدات..
ليس كل تغيير
يعني تطور، وليست كل التغييرات إيجابية، ولا سلبية بالضرورة.. المسألة أعقد بكثير
من وصفها وتصنيفها بحسب التسلسل الزمني.. والقول: أيام زمان كانت أحسن، فكل جيل
يردد نفس المقولة، حتى لو عدت فجأة ألفي سنة للوراء ستسمع المقولة نفسها.
التغيير سمة إنسانية
أصيلة، وهي سبب تطور المجتمعات، بل سبب بقاء جنس البشر.. ولولا هذا التنوع
لاستحالت الحياة، أو لكانت جحيما لا يُطاق..
الخلاصة التي
انتهيت إليها أن كل شيء في المجتمع يتغير ويتبدل ويتطور ويتراجع، ولا يوجد مجتمع
نسخة مطابقة عن مجتمع آخر، لا في الوقت الراهن، ولا في أي مرحلة تاريخية سابقة أو
ستأتي لاحقاً.. لكل مجتمع سماته الخاصة والمنفردة، كما أن لكل إنسان شخصيته
المنفردة والمختلفة.. هذه سنن الكون وقوانين الطبيعة.. من الأزل وإلى الأبد.. لكن
يمكن القول أن سمتين أساسيتين تتوفران في كل المجتمعات وفي كل البشر: على المستوى
الشخصي: لغة الجسد.. وعلى المستوى الجمعي: الصراعات..
بالنسبة للغة
الجسد، لو أخذت عينة من أي مجتمع في أي مرحلة ومن أي مكان ستجد دوما حركات وإيماءات
لا تحتاج مترجما: الابتسامة، والدمعة، والضحكة، والخجل، والغضب، والحزن، والفرح،
والتعجب، والاستنكار، والقبول، والحب، والغيرة، والحسد، وقلق الانتظار، ولهفة
الشوق، والخوف من المجهول، والانبهار أمام الجمال، ونشوة الانتصار، وغل الانتقام، ولحظة
الانكسار.. ستجد الجسد يستجيب تلقائيا لكل انفعال.. ستجد سمات الضعف الإنساني..
أما عن الصراعات،
ستجد في كل مجتمع تناقضات داخلية على كافة المستويات: دينية، قبلية، طائفية، بين
الطبقات، بين الأخيار والأشرار، ستجد مستضعفين ومستبدين، فقراء ومستغلين، ستجد
الظلم ومن يتصدى له.. وستجد صراعات مع المجتمعات الأخرى: سياسية، اقتصادية، أطماع
توسعية، دوافع أيديولوجية..
هذه طبيعة
البشر في كل زمان ومكان، الأمر الذي يقوض أسس أية تصنيفات جاهزة وينسف كل حكم مسبق،
ويجعل من التعميم فعلا لغة الحمقى.. بل يجعل منه سلوكا عنصريا..