مع إعلان ترامب قبول النقاط العشر التي قدمتها إيران كأساس معقول للتفاوض، يمكن القول أن الحرب إما أنها انتهت فعليا، أو في طريقها لذلك.. مع بقاء احتمال تجددها واردا، وإن بنسبة ضئيلة.. المهم أن المواطن، كعادته في الاستسهال، يريد إجابة واحدة مختصرة: من المنتصر؟ ومن المهزوم؟ إجابة وحيدة قاطعة تختزل كل شيء.. طبعا سيتقدم الكثيرون بتقديم مثل هكذا إجابة، كلٌ بحسب انحيازه المعرفي ومواقفه المسبقة.. لكنها من وجهة نظري ستكون إجابات مبتسرة، وسطحية، على شكل معلبات فكرية وشعارات وعبارات جاهزة.. لأن المسألة أعقد مما تبدو بكثير.. وتحتاج تفكيرا موضوعيا وتحليلا يعتمد النسبية والواقعية.
عملياً، وبلغة
الأرقام وبحسب الوقائع إيران خسرت الكثير: معظم قياداتها التاريخية، إن لم يكن
كلهم، خسرت الكثير من قدراتها العسكرية، ومن بنيتها التحتية، وتفاقمت أزماتها
الاقتصادية، وخسرت جيرانها العرب، حتى جمهورها المؤيد لها انقسم إلى نصفين، والأهم
خسرت آلاف الأرواح..
كما أنها
أُجبرت على التفريط بأحد أهم عناصر قوتها "مضيق هرمز" ووافقت على فتحه،
وتراجعت عن شروط سابقة مثل رفضها وقف إطلاق النار دون ضمانات تنهي الحرب كلياً،
ومن شبه المؤكد أن نقاطها العشر لن يتم الموافقة عليها بحسب ما تريد، وستخضع
منشآتها النووية للرقابة، وقد تتخلى عن حلفائها وأذرعها..
ولأن سماءها
استبيحت، وقُصفت في عقر دارها، صارت كرامتها وصورتها الرمزية في أعين مواطنيها
موضع تساؤل وشك.. المعارضة الداخلية التي انتفضت ضد النظام مرات عديدة وقُمعت بشدة
وقسوة صارت أقوى، على الأقل صار سؤالها الأهم الموجه للنظام: ما جدوى كل ذلك؟ صار
أكثر إلحاحاً.. وصار بوسعها استقطاب المزيد، حتى من الكتلة البشرية المحسوبة دوما
على النظام.. صحيح أن المعارضة والجماهير تجندتا إلى جانب النظام أثناء العدوان،
وهذا سلوك وطني، لكنها بعد انقشاع غبار المعارك ربما تنهض من جديد، وبقوة، وربما
يشتد الصراع بين التيار الإصلاحي والحرس الثوري.. المهم أن إيران بعد الحرب لن
تعود كما كانت قبلها، ولن تظل علاقاتها بأذرعها كما كانت.. وهذا التغيير سيكون
إيذانا بسلسة تغيرات جوهرية ستطال سائر الإقليم.
لكن إيران في
المقابل صمدت، وتماسكت، وبقي نظامها قائما (البعض يقول تجدد، وآخرون يقولون تصدع)،
وستحقق مطالب ومكتسبات جديدة، مثل التعويضات، ورفع العقوبات وغيرها مما ورد في
نقاطها العشر.. وهذا بالنسبة للنظام كافيا للاحتفال بالنصر..
في حال وافقت أميركا على شروط إيران ستعود قوة إقليمية جديدة في المنطقة وربما
بقيود أقل، وهذه ضربة قوية للهيمنة الأميركية (أو هزيمة بحسب التعبير الشائع
والمستحب)، تُضاف إلى إخفاقاتها في فيتنام وأفغانستان والصومال..
لن نسأل ماذا حققت إيران من هذه الحرب، لأنها ليست من بدأ الحرب.. هذا
السؤال يوجه إلى من بدأها: أميركا وإسرائيل.. أميركا التي دخلت الحرب بهدف إسقاط
النظام بناء على توهمات الضربة الأولى، فشلت في ذلك، ثم صار هدفها تدمير المشروع
النووي، ثم مصادرة اليورانيوم المخصب، ثم تدمير القدرات الصاروخية.. وفشلت في كل
ذلك أيضاً، ليصبح هدفها المركزي فتح مضيق هرمز (الذي كان مفتوحا قبل الحرب)، وهذا
سلوك مألوف في الحروب، حيث تتغير أهداف الأطراف تبعاً لتغيرات معطيات الميدان، ما
يعني أن إيران أجبرت أميركا على تغيير أهدافها وأولوياتها، حيث عمدت إلى أمرين:
إغلاق المضيق مما رفع أسعار النفط في العالم وعطّل شريان التجارة الدولية، والثاني
استهداف دول الخليج، وبالتالي عوضت ضعف قوتها العسكرية بتعظيم ورفع كلفة الحرب على
خصومها، وعلى العالم أجمع..
فشلَ ترامب في تحقيق "صورة النصر الخاطف والكاسح"، رغم شدة
القصف، وتدمير آلاف الأهداف في إيران، صحيح أن ترامب ظل يتوعد ويهدد بسحق إيران،
وبإنهاء حضارتها، وإعادتها للعصر الحجري.. ثم تراجع عن تهديده أربع مرات.. لكن،
لنتذكر أن أميركا لم توقف قصفها يوما واحدا، رغم ما قيل عن مهلة وفرص لإنجاح
المفاوضات.. في الواقع استخدم كل طرف في الحرب أقصى ما لديه من قوة.. ولم يعد لديه
المزيد، ولم يلح في الأفق ملامح تغيير جذري، أو إمكانية سحق طرف لآخر.. نعم، بوسع
أميركا استخدام المزيد من القوة المفرطة، بما فيها سلاح نووي تكتيكي، أو ضرب كل
البنية التحتية المدنية من طرق وجسور وجامعات ومستشفيات ومحطات مياه وطاقة وكهرباء
وصولا إلى تدمير الدولة وقتل الملايين.. لكنَّ لهذا أثمان باهظة وتداعيات سياسية
وقانونية وانتخابية ليس بوسع ترامب ولا الحزب الجمهوري دفع أثمانها.. ما دفع
بترامب بالتقاط السلم والنزول عن الشجرة.. ما يؤكد أن أهداف أميركا ليست متطابقة
مع أهداف إسرائيل..
اتضح أن أميركا غير قادرة على إنهاء الدور الإيراني، فاستبدلته بالضغط على
إيران لتتكيف مع المشاريع الأميركية، وهذا سيتضح في جولات المفاوضات.. وبما أن
ترامب دخل الحرب مساعدة مجانية لنتنياهو؛ كان من السهل عليه الانسحاب منها عندما
افترقت الأهداف. خاصة مع تصاعد حراكات شعبية في المدن الأميركية وداخل الكونغروس تنتقد
ترامب وسياساته المجنونة.
أما خسارة اسرائيل فهي فادحة، إذ انتهى حلم نتنياهو القديم بإسقاط النظام
الإيراني، ولن يجد رئيسا أميركيا يوافقه على مشاريعه وطموحه الشخصي.. ولن يكون
بوسعه التبجح بخطابات انتصارات ومنجزات إقليمية.. وستأتي الانتخابات المقبلة وبالا
عليه، وعلى مشروع اليمين المتطرف برمته.. حتى مشروع السلام الإبراهيمي سيتأثر سلباً
وقد أدرك العرب والعالم أن نتنياهو جر الجميع إلى حرب خاسرة دفع الجميع ثمنها
باهظا .
سيعوض نتنياهو هزيمته بتصعيد الاعتداءات على لبنان، إلى أن يُجبر على وقفها
والانسحاب صاغرا.. وحينها سيدّفع الفلسطينيين ثمن هزائمه..
أما دول الخليج، رغم الاعتداءات عليها، وما أصابها من ضرر، لم تدخل الحرب، ما
مكّن إيران من الصمود والمواجهة، الأمر الذي أظهر قوتها الكامنة وغير المستغلة، وبأنه
لا يمكن تحقيق الشرق الأوسط الجديد وفق المخطط الأميركي دون رضاها وموافقتها، خاصة
السعودية، وأظهر أيضا عناصر قوتها الجيوسياسية الكبيرة والكامنة، وأن بوسعها شلّ الاقتصاد
العالمي، وبلورة مصالح قومية قد تتحول إلى مشروع سياسي كبير.
موضوع لبنان وحزب الله مهم وذو صلة، لكنه يحتاج معالجة
منفصلة..