تكون الحرب
وجودية عندما يكون مصير أحد طرفيها على المحك، بمعنى أنها معركة حياة أو موت..
قديماً، كانت أغلب الحروب وجودية؛ تنتهي بنصر ساحق أو بهزيمة منكرة، وعلى ضوء
نتائجها يتقرر مصير ومستقبل الطرف الخاسر.. اليوم، الصورة مختلفة، فليس شرطا أن
تنتهي الحرب بسرعة خاطفة، ولا حتى بمدى زمني طويل، الحرب بصورتها الحديثة قد لا
تنتهي أبدا، قد تتوقف لفترات متقطعة، ثم تُستأنف من جديد بصور وأشكال مختلفة
ومتعددة لا تقتصر على المواجهات العسكرية.. وبالتأكيد لن تنتهي بصورة نصر مؤزر ولا
بهزيمة نهائية، فيكون كل طرف فيها خاسر ورابح في الوقت ذاته..
الحرب
الإسرائيلية الأميركية على إيران من هذا النوع، بالنسبة لإيران؛ قد تكون حربا
وجودية للنظام، لكنها ليست كذلك بالنسبة للدولة والشعب.. فحتى لو سقط النظام، أو
تغير من تلقاء نفسه تحت الضغط والتهديد، أو تغير بفعل خارجي.. في كل الأحوال تبقى
إيران أرضا وشعبا حاضرا ومستقبلا.. سواء واجهت حقبة صعبة من الإضطرابات والقلاقل
الأمنية والاقتتال الداخلي، أو جاء التغيير إيجابيا وسلميا..
وهنا، يجب ألا
ننظر للشعب الإيراني على أنه جموع المتظاهرين المؤيدين للنظام، أو بوصفهم
"طائفة شيعية"، وعمائم وملالي.. الإيرانيون شعب عريق وراقي ومتعلم، ومحب
للحياة، ويتوق للحرية، وهو متنوع طائفيا وإثنيا، وسبق له أن أطاح بنظام الشاه.. وهو
إن كان حاليا في قبضة نظام شمولي ثيوقراطي مستبد فهذا لا يعني بالضرورة أنه سيقبل بأميركا
وإسرائيل أن تمليا عليه وأن تقررا مستقبله.. وأي شعب حر سيرفض ذلك.
أما بالنسبة
لإسرائيل، فالوضع مختلف.. على المستوى الإستراتيجي تنظر القيادة الإسرائيلية لأي
حرب أو صراع مع أي طرف على أنه تهديد وجودي.. حتى لو كان مجرد خطاب دعائي لأغراض
سياسية وإعلامية في العقل الباطني تشعر إسرائيل أنها مهددة وجوديا؛ والسبب ببساطة
لأنها دولة مصطنعة قامت على كذبة، هي مجرد مشروع سياسي استعماري، خلقتها الدول
الإمبريالية وحملتها دورا وظيفيا محددا.. وهذا الدور يتعارض مع الطبيعة الإنسانية،
دور متوحش قائم على الحروب والتوسع والعنصرية.. فتأسست الدولة ونشأ المجتمع بشكل
لا يشبه النمو الطبيعي للمجتمعات الإنسانية وتطورها نحو الدولة الوطنية.
ومع هذه الهشاشة،
لا يعني أن هذه الحرب ستحسم مصير إسرائيل على المدى المنظور، فتلك مسألة لم تتوفر
كامل عناصرها حتى الآن، وبحاجة لوقت غير معلوم..
لكن من شبه
المؤكد أن هذه الحرب ستحدد مصير كلٍ من: النظام الإيراني الحالي، ومصير نتنياهو
وحكومته، بل ومستقبل اليمين الصهيوني برمته.. وستؤثر على ترامب شخصيا، وعلى
إدارته، وبالتالي على التوجهات الترامبية التي تريد أن تأخذ أميركا إلى مكان آخر..
السؤال
المطروح: هل كانت إيران تشكل تهديدا وجوديا حقيقيا لإسرائيل؟ الجواب باعتقادي أن
هذه مجرد خدعة مارسها نتنياهو واعتمد عليها لخلق عدو خارجي "متوهَّم"،
في سياق فكرة صناعة الرعب، وتعظيم الخطر الخارجي من أجل تذويب التناقضات الإسرائيلية
الداخلية، ومن أجل صرف الانتباه عن استحقاقات القضية الفلسطينية، وفي سياق مشروع
اليمين الصاعد نحو بناء دولة الاستيطان..
أما بالنسبة لأميركا؛ فالإجابة قطعا
"لا"، وفي مقال سابق توصلنا إلى استنتاج مفاده أن الصراع الأميركي
الإيراني ليس مسرحية، بقدر ما هو صراع بين مشاريع هيمنة وتقاسم أدوار ومناطق نفوذ،
وأنّ هذه الحرب لا تخدم الإستراتيجية الأميركية، وهي أساسا ليست حرب أميركا؛ بل هي
حرب نتنياهو، الذي ورط ترامب بها.
وعندما قرر
هذا الثنائي إعلان الحرب على إيران تم تحديد أهدافا واضحة للحرب: إسقاط النظام،
والقضاء على المشروع النووي والقدرات الصاروخية.. وكانا يتوقعان أن الضربة الأولى
كفيلة بحسم الحرب وتحقيق تلك الأهداف.. وتبين أن هذا مجرد أوهام وتمنيات.
امتصت إيران
الضربة الأولى، وتكيفت مع تداعياتها الكارثية، وها هو الأسبوع الرابع من الحرب وما
زال النظام صامدا، بل ويزيد من حدة قصفه لإسرائيل وللقواعد الأميركية، ومعها منشآت
حيوية ومدنية لدول المنطقة.
نتائج هذه
الحرب لا تعتمد على من يضرب بقوة أكثر، بل على من يتحمل ضربات الآخر.. وهنا لإيران
ميزات إستراتيجية تفتقدها إسرائيل: مساحة شاسعة جدا، تنوع طبوغرافي، تعداد سكاني
كبير، نظام مرن مبني على تراتبية أمنية قادر على تجديد نفسه بسرعة.. والأهم أن
خسائرة البشرية لا تعنيه كثيرا.. فالجماهير هنا، كما هي في سائر النظم الشمولية
والثيوقراطية، مجرد وقود للحرب وأضحيات مشروعة..
بعد آلاف الغارات العنيفة واغتيال معظم القادة لم يسقط النظام، والرهان على
تحرك الشعب ضد الباسيج والحرس الثوري لم يعد ممكنا في أجواء الحرب، وفوق ذلك تزداد
قوة الرد الإيراني.. لم يتبقى أمام أميركا وإسرائيل أهدافا عسكرية لقصفها.. ومع تصاعد
خطابات التهديد المتبادل إذا أرادت أميركا استمرار هذه الحرب ليس أمامها سوى الاجتياح
البري أو استخدام سلاح نووى، وهي خيارات صعبة وكارثية وغير مضمونة النتائح، وكحل
وسط مؤقت ستلجأ لضرب البنى التحتية المدنية لإيران، ستُقابل بضربات إيرانية ضد أهداف
مدنية في إسرائيل ودول الخليج، بما يدخل المنطقة منزلقا خطيرا سيمتد تأثيره المدمر
لسنوات، على شكل أزمة طاقة عالمية وتعطل طرق التجارة الدولية، سينجم عنها أزمات اقتصادية
مرعبة، فضلا عن الأخطار المباشرة إذا ضُربت منشآت المياه والكهرباء.
هذه الحرب عبثية
ومدمرة ومجنونة، بدأها مجنونان كل منهما يسعى لمجد شخصي زائف، سيقودان العالم نحو كارثة
كبرى.. وإذا كان هناك ثمة تهديد وجودي، فهو تهديد شامل لمستقبل شعوب المنطقة، ما لم
تستفق وتتخلص من كل هؤلاء الطغاة.