أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

يوليو 11، 2026

سمات جمهور المقاومة


لم تُحدث سيطرة حماس على غزة 2007 انقساما جغرافيا وسياسيا وحسب؛ بل أوجدت انقساما مجتمعيا وثقافيا آخذ يتوسع مع مرور الوقت، وتعمق أكثر بعد حرب الإبادة، حتى صار عندنا جمهوران: أحدهما مؤيد بشدة لحماس ولكل ما قامت وتقوم به، والثاني معارض لسياسات حماس ونهجها..

لو اقتصر هذا الخلاف على النقاشات والحوارات لكان ظاهرة جيدة ومحمودة، المشكلة أنه تحول إلى شقاق عميق وساحة لتبادل الشتائم والاتهامات.. لدرجة يمكننا القول بكل أسف لم نعد شعباً واحداً..

وبما أني في الصف المعارض لسياسات حماس ونهجها، وكتبت الكثير في هذا المجال، لن أتحدث عن حماس نفسها، سأحاول فهم دوافع ومبررات الجمهور المؤيد لحماس، بالقدر الممكن من الموضوعية وبكل أمانة..

بداية يتوجب فهم البيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تجمع هذا الجمهور، وهنا لا يجد أي باحث أي عناء في التوصل إلى أن الكتلة البشرية لهذا الجمهور تتركز بالدرجة الأولى في الأردن، وبدرجة أقل في الجزائر وموريتانيا، وبعض الدول الأوروبية، وإذا استثنينا مؤيدي حماس في الضفة الغربية، فهذا يعني أن مؤيدي حماس يقيمون في المناطق الآمنة البعيدة عن ساحة الصراع، ولا يتعرضون لأية مخاطر، ولا يعانون من شيء، ولا يترتب على مواقفهم دفع أثمان أو تضحيات، وبالتالي يسهل عليهم رفع سقف الشعارات وكأنها فقرة من بيان حزبي، أو دعاية انتخابية، أو قصيدة لشاعر، أو كلمة لتلميذ في إذاعة المدرسة الصباحية.. هذا أولاً، وثانياً: بحكم مناطق إقامتهم فهم غير مطلعين على حقيقة الأوضاع في فلسطين، مهما ادعى أي شخص أنه متابع للأخبار ولديه مصادر معلومات.. فالأخبار (خاصة من الجزيرة) وقصص الناس وانطباعات الأشخاص، ومنشورات الفيسبوك، وغروبات العائلة على الواتس ليست مصادر موثوقة، وغالبها هري وهراء وشعارات وتمنيات، أو أخبار موجهة لأغراض سياسية محددة، تعرض جزءاً من الحقيقة بشكل انتقائي.

هؤلاء أيدوا حماس وناصروها بناء على ما يرونه من مواجهات عسكرية ضد الاحتلال، واستبسال عناصر حماس في المعارك، والتأييد هنا لفعل المقاومة، وليس لمبدأ الحركة ونهجها وسياساتها. وهنا يتوجب الإشارة لمغالطة مهمة يقع فيها الكثير، وآخرون وظفوها بشكل متعمد ودغمائي، وهي الخلط بين حماس وبين المقاومة.. جميعنا بلا استثناء نؤيد المقاومة، ونريدها أن تستمر وتتصاعد، ونؤمن أنها حق وواجب، ولا خلاف على ذلك، لكن حماس شيء مختلف..

وثمة مغالطة أخرى لا تقل خطورة، وهي حصر المقاومة بالسلاح، هذه المغالطة أضرت أولا بالمقاومة نفسها، وحرمتها من ميزة المشاركة الشعبية، وأضرت بالقضية الفلسطينية إعلاميا، ومكنت إسرائيل من مواصلة عدوانها مستفيدة من الذرائع التي تقدمها المغامرات العسكرية غير المحسوبة، وغير المجدية.. وجعلت من الجمهور (خاصة في الخارج) يصفق لأي فعل عسكري، مهما كانت نتائجه، حتى لو كانت جرح جندي، أو كسر لوح زجاج.. تقوم إسرائيل في المقابل بتهجير مخيم، أو تدمير مربع سكني أو قتل المئات.. المهم أن فلسطينيا قام بطعن جندي، أو أطلق من رشاشه صلية رصاص.

المهم عند هذا الجمهور الشعور بالنشوة، وتفريغ مشاعر الغضب والكبت، ونزعة الانتقام، ونشوة الانتصار حتى لو كان وهميا.. صورة المواجهات تولد عندهم مشاعر الفخر، وهي التعويض الزائف عن واقع ذلك الجمهور، الذي يعاني القهر والقمع السلطوي، ويعيش واقعا مزريا وظروف اقتصادية صعبة، وفي بلادهم مظاهر الفساد والفوضى والتراجع، مع إحساس عميق بالهزيمة.. هنا تأتي صور المواجهات في غزة وتمنحهم إحساسا بالكرامة، وترفع معنوياتهم، وتعيد إلى مخيلاتهم مشاعر الفخر والمجد الغابر.. وليس مهما عندهم ماذا حصل لأهل غزة بعد ذلك.

لذلك، كانت عيون وقلوب المشاهدين متركزة فقط على أخبار المواجهات، والمثلثات الحمراء، وخطابات أبو عبيدة، لم يروا واقع غزة الاجتماعي، ماذا حل بالناس، لم يروا طوابير المراحيض، والمياه الملوثة، والتكيات، والجوع، والخيام، والقوارض، والحر، والطين، والمستنقعات الآسنة، وأكوام النفايات، وحطام البيوت، وخوف الأطفال، وبؤس الناس، وقلقهم وصراعاتهم مع أبسط تفاصيل الحياة اليومية.. لم تكن كل هذه المشاهد جزءا من تفكيرهم، ولا مرتكزا لتكوين آرائهم، ولم تشكل محددات تُبنى عليها مواقفهم.. لذلك، أقل ما يُقال أن أي موقف يتأسس بمعزل عن الواقع الحقيقي البائس لقطاع غزة ويهمل حياة الناس وقيمة الإنسان وقلقه المشروع وأحلامه وذكرياته.. ويجعل من الغزي مجرد قربان، أو رقم إحصائي، أو ماكينة إنتاج، أو مجرد تضحيات مستحقة.. موقف غير إنساني، وبلا أخلاق، ومنزوع الوطنية..

أغلب جمهور المؤيدين انساقوا وراء فكرة أن أهل غزة استثنائيون، جبابرة، يضحون بسعادة ودون تردد، أعصابهم من فولاذ، مستعدون لدفع كل الأثمان اللازمة، ومعتادون على الموت وتقبل الخسائر، ومستعدون لمواصلة المشوار حتى آخر غزي.. لهذا، عندما خرجت مبادرات فردية وجماعية تطالب حماس بالانسحاب من المشهد، ومظاهرات تندد بتجبّر عناصر حماس، وجباياتها، وترويعها للأهالي، وإعداماتها الميدانية، وتطالب بالحياة "وبدنا نعيش".. على الفور تم اتهامهم بالعمالة، وشق الصف الوطني، والتماهي مع الاحتلال.. استكثروا عليهم حتى الصراخ، أو التعبير عن آلامهم والتذكير بمعاناتهم..

كل من انتقد حماس، حتى لو ناصحا ومحبا، وكل من انتقد نهجها وتصريحات قادتها (المستفزة)، أو انتقد أي شخصية مقربة من الحركة، يتم فورا اتهامه بالخيانة وأنه طابور خامس، ومن المرجفين، أو جزء من حملة مشبوهة.. حتى صار النقد محرما، والمراجعات ممنوعة، وصار هؤلاء فوق النقد ولا يخطئون.. ربما حماس في داخلها تخشى النقد والمراجعة والتقييم حتى لا تتم محاسبتها، لكن جمهورها يحـرّم النقد ويعتبره عارا لأنهم فرحين بتلك الصورة المثالية التي شكلوها عن المقاومة، وتلك المشاعر المزيفة التي عاشوها، ويخافون أن تنهار، وتنهار معها أمانيهم وصورهم أمام ذواتهم، ويعودون محبطين، إلى واقعهم البائس.. الحقيقة صادمة ومؤلمة.. هذا التحليل لا ينطبق على الجميع، فالتعميم لغة الحمقى، وبالتأكيد نوايا الأغلبية ومشاعرهم صادقة.. لكن الناس عادة تفضل العيش في أماكن الراحة حتى لو على حساب الحقيقة، وعلى حساب آلام الآخرين..

والآخرين هنا وللمصادفة التعيسة هم أهل غزة..


يوليو 10، 2026

الفيفا، وشعوب العالم المقهورة

 

منذ أقدم الأزمان والشعوب تعاني من الظلم والاضطهاد، عانت من حروب التوسع وغزوات الإمبراطوريات، وعانت من العبودية، ومن الاستعمار الكولونيالي، ومن التمييز العنصري، ومن الاحتلال، ومن الحروب والصراعات، من الحرب الباردة والحروب بالوكالة، والحروب الأهلية، من عنف الميليشيات، ومن سعار الطائفية والصراعات الإثنية..

كانت شعوب العالم الفقيرة هي التي تدفع أثمان كل ذلك، النساء والأطفال في مقدمة الضحايا، المدنيين الذين لا دخل لهم بكل هذه الصراعات، والذين يكافحون من أجل حياة عادية بسيطة استخدمتهم القوى المتنفذة حطبا لحروبها، لم يكونوا في نظر القوى المتصارعة أكثر من قرابين وأرقام..

حتى بدون حروب ظلت تعاني؛ من الفقر والعوز، من الفساد والمحسوبيات، من القمع والسجون والتنكيل، من التهميش، ومن حرمانها حقوقها المدنية والإنسانية.. شعوب الدول الغنية أيضا عانت؛ من البطالة، ومن أزمات الحداثة والعولمة، ومن الفساد المستتر خلف يافطات خادعة، ومن المافيات التي تسيطر على مختلف القطاعات..

تفاقمت أشكال المعاناة وتعددت أوجهها، حتى ضاقت الأرض بسكانها.. لقد سُحقت الشعوب دون رحمة، دون أن تحظى باستراحة.. ربما الاستراحات القصيرة التي حظيت بها تمثلت في مجالات الترفيه، وأهمها وأكثرها انتشارا البطولات الرياضية، وأشهرها بطولة كأس العالم..

تنتظرها الشعوب بترقب وشغف كل أربع سنوات، لتجد فيها تعويضاً عن كربها وآلامها، متنفساً لمشاعر القهر المكبوتة، لعلها تداوي بعض جراحها، وتنسيها واقعها الأليم ولو لبعض الوقت، وبشكل مؤقت وعارض.. ولكن حتى هذه اللعبة لم تخلُ من أشكال القهر والفساد والعنصرية..

استكثرت قوى الشر والطغيان على شعوب العالم المقهورة هذه الاستراحة، استكثرت عليهم الفرح، بل وحرمتهم منه.. لقد حاولت شعوب كثيرة من دول العالم الثالث استخدام الرياضة وكرة القدم لتجد لها من خلالها مكانا في هذا العصر، وبين الدول المتقدمة والغنية.. كافحت واشتغلت بجد لبناء منتخب رياضي قادر على حمل أحلامها وصنع انتصار أو تحقيق منجز لعله يدخل الفرح إلى قلوب الناس..

مصر، مثال حي على هذه المحاولة؛ شكلت منتخبا قويا، وهذا المنتخب خاض مباريات عديدة بعزيمة وروح قتالية، وحقق انتصارات مهمة ومبهرة، وكان على مقربة من إنجاز كبير وتاريخي.. لكن تحيز الحكام حرمهم وبشكل سافر ومفضوح من هذا الإنجاز، سرق منهم فرحتهم، وصادر أحلام شعب كامل، ومعه أحلام الأمة العربية بأكملها، وكل الشعوب المقهورة..

لم يكن تحيز الحكم حالة منفردة وعابرة، أو مجرد خطأ بشري، كان واضحا أنه نتاج منظومة كاملة من الفساد.. لم تكن مباراة مصر والأرجنتين المثال الوحيد على هذا الفساد.. جميع المباريات التي خاضتها الأرجنتين شهدت تحيز الحكام، وصار واضحا لكل العالم أن الفيفا قررت منذ البداية أن الأرجنتين هي من ستفوز بالبطولة، ومن أجل ذلك وظفت كل إمكانياتها لتذليل العقبات، وتمهيد الطريق أمامها للوصول إلى النهاية..

في المقابل تغاضت وتواطأت مع كل ما فعلته أميركا تجاه المنتخب الإيراني للحيلولة دون تسجيله أية انتصارات، من ضغوطات وتمييز في المعاملة، وفرض إقامة المنتخب في المكسيك بينما مبارياته داخل أميركا، حتى في انحياز الحكام، كان الظلم واضحا..

لماذا الأرجنتين؟ لأنها الدولة الوحيدة في أميركا الجنوبية التي تدعم إسرائيل، وقد زار رئيسها إسرائيل ثلاث مرات خلال حربها العدوانية على غزة، وأعلن دعمه الكامل لها، ولأنها الدولة التي تتماهى مع إسرائيل في عنصريتها ونزوعها المتزايد نحو اليمين الفاشي.. ولا غرابة أن الجمهور الإسرائيلي من أشد المتحمسين للمنتخب الأرجنتيني.

لماذا ميسي؟ لأنه اللاعب الوحيد الذي زار إسرائيل، وأعلن تضامنه معها.. ولأنه اللاعب الأشهر الذي لم يتبن أي موقف سياسي أو إنساني تجاه أي قضية عادلة.. لذلك، صار فتى الفيفا المدلل.. ولاعب بهذه المواصفات يُعد كنزاً ثميناً بالنسة للفيفا: تستخدمه لتسويق سياساتها، وتبريرها، وتجميلها في أعين العالم، وللتغطية على فسادها، تستخدمه للدعاية والإعلان والمراهنات..

تزعم الدول الغربية أن الرياضة غير مسيسة، ولكنها هي نفسها استخدمتها سلاحا ضد روسيا بسبب حربها على أوكرانيا، حيث حرمتها من المشاركة في كافة الفعاليات الرياضية الدولية، بما فيها الشطرنج ورقص الباليه! وسط تواطؤ الفيفا. الأمر نفسه يتكرر مع أي رياضي يعلن تضامنه مع الشعب الفلسطيني، بما في ذلك رفع العلم أو الكوفية الفلسطينية! هنا فقط تصبح الرياضة غير مسيسة! ومع ذلك، ظل العلم الفلسطيني حاضرا في أغلب المباريات، وكأنّ فلسطين المنتخب الخفي الحاضر في كل مواجهة.. وحين رفع المدرب المصري البطل حسام حسن العلم الفلسطيني في قلب أميركا عوقب بشدة.. وكان القرار استبعاد المنتخب المصري ووضع حد لصعوده في المونديال!

عموماً هذا ليس بجديد على الفيفا، وأقصد الفساد من جهة، وتوظيفها المونديال في السياسة من جهة أخرى، ولخدمة الفاشيات والدكتاتوريات ومنظومة الفساد العالمية من كبريات الشركات العملاقة، ورؤوس الأموال، والقوى المتنفذة والمافيات الدولية.. أنظر كيف سوّق هتلر النازية في مونديال برلين 1936، وكيف استخدمها دكتاتور الأرجنتين السابق "فيديلا" في مونديال 1978، ليطوي بها صفحة مظلمة من تاريح الأرجنتين.

للمونديال سجل حافل في الفساد، أشهرها مونديال 2002 في كوريا، التي اشترت الحكام ووصلت إلى النهائيات بطرق غير مشروعة.. كل دولة تريد تحقيق منجزات سياسية أو تبييض صفحتها أو للتغطية على فسادها تعمل كل ما بوسعها لاستضافة المونديال.. بالمناسبة الدولة المستضيفة لا تستفيد شيئا، عليها عبء بناء الملاعب ومرفقاتها، وتكلفة المصاريف اللوجستية والأمنية وتجهيز البنية التحتية وتأمين الطرق.. وهذه مبالغ طائلة تقدر عادة بالمليارات، في المقابل عائدات البطولة من تذاكر وحقوق البث وأرباح الدعايات وبيع الماركات والقمصان والمراهنات وغير ذلك كلها تذهب إلى الفيفا مباشرة كأرباح صافية لا تدفع منها سنتا واحدا كضرائب.. وهذه الأرباح تقدر بالمليارات، ولا أحد يعرف أين تروح، فالفيفا لا توجد عليها أية رقابة مالية من أية جهة..

صدّقت شعوب العالم أن الرياضة يجب أن تخلو من السياسة، وأن كرة القدم توحد الشعوب.. وأن الفيفا مؤسسة محايدة وأهدافها نبيلة.. لكن مباراة مصر والأرجنتين كشفت عن هذه الأوهام والتمنيات البريئة، كانت مثالا صارخا لفساد الفيفا، وقد أثارت حالة غير مسبوقة من السخط والغضب في صفوف الملايين حول العالم.. هذه المباراة شكلت فرصة لفضح هذه المنظومة الفاسدة.. وهي فرصة لشعوب العالم المقهورة لتواصل صراخها وحراكها ضد الظلم والفساد والعنصرية.

يوليو 08، 2026

انقسام وضجة إعلامية مفتعلة

 

لو أني تحدثتُ عن قوانين نيوتن في الجاذبية ثم تبين لي أن هذا الحديث أسيئ فهمه من قبل أهلنا في غزة، أو أنه جرح مشاعرهم سأخرج فورا دون تردد وأعتذر لهم، وسأقول إنها قوانين خاطئة.. ولن أشعر بأني خدعت أحدا أو أسأت للحقيقة العلمية، ذلك لأن الأهم من كل شيء هو مشاعر أهلنا في غزة.. بالذات في هذه اللحظة التاريخية. وليس من البطولة الانتصار عليهم، بل هذا منزلق خطير وقع فيه قادة ومثقفون..

في هذه اللحظة التاريخية الأشد مأساوية في تاريخنا فلسطين المعاصر يعيش أهلنا في غزة ظروفا بالغة الصعوبة، لدرجة يستحيل على العقل البشري استيعاب كيف يتحملونها.. بين الحزن على من فقدوهم، وبين معاناة الواقع الأليم، والقلق المرعب من المستقبل.. بين الركام والردم وأطلال المنازل المهدمة، وبين أكوام النفايات، ومستنقعات المجاري، والبعوض والبراغيث والقوارض، في الحر، ومع انقطاع الكهرباء، والغلاء وجشع التجار والسماسرة، وإرهاب المسلحين وجبروتهم وقسوتهم وجباياتهم، فوق كل هذا القهر والهوان خطر التهجير، وقصف الاحتلال وقناصيه وحصاره وإرهابه واستهدافه المدنيين دون رادع.. في هذا الواقع البشع كل حديث أو تحليل لا يأخذ هذه الظروف بعين الاعتبار سيكون مجرد هراء.. حديث منزوع الإنسانية، ومنزوع الوطنية، وبلا ضمير.. مجرد استعراض فارغ لا قيمة له..

كيف لشخصية عامة تقول إنها تدعم "المقاومة" وتناصر غزة.. كيف له ألا يخرج معتذراً منحنياً أمام آلام وعذابات الغزيين، تاركا الناس منشغلين في الدفاع عنه أو مهاجمته، وكأنه فرح بهذا الانقسام وبهذه الضجة، وهذا الضخ الإعلامي.. بغض النظر عن مدى دقة ما قاله بشأن إعادة إنتاج الأطفال.. طالما أسيء فهم تصريحاته لماذا لا يخرج ويوضح ويعتذر!! بالمناسبة، هنالك تصريح في مؤتمر عالمي قال فيه أنقذنا 82 ألف جنين (لدي فضول أن أعرف من الذي أنقذهم؟ وكيف؟).. وهنالك بودكاست آخر استخدم فيه عبارة "إنتاج produce"، هذا لمن يدافع عنه، وحتى تتوضح الأمور..

المشكلة ليست مع الدكتور البرغوثي، وهي لم تبدأ بتصريحاته الأخيرة المثيرة للجدل.. المشكلة الحقيقية مع جوقة الجزيرة المرتزقة التي انشغلت على مدار عامين بالتضليل والحديث عن انتصارات المقاومة والمثلثات الحمراء وتدمير 20 ألف دبابة، وأن حكومة نتنياهو ستسقط الأسبوع القادم، وأن محور المقاومة سيغير المعادلات، وأن أهل غزة أسطورة بأجساد وأعصاب فولاذية، وانهم معتادون على الموت ويتقبلونه بفرح وفخر، وأنهم يسجلون الانتصارات..

هذه السردية التي بنتها الجزيرة لم تكن بريئة ولا عفوية.. فهي أولا خاطئة، لأن جميع توقعاتهم خابت بل وأتت النتائج معاكسة تماما؛ فجيش الاحتلال دخل بريا إلى كل حارة وزقاق في القطاع، واحتله بالكامل، وهو يسيطر فعليا ومباشرة على 70% من القطاع.. وتبين أن الحديث عن محاور القتال والقطاعات العسكرية وغابات الزيتون وقذائف الياسين والأنفاق والصواريخ.. لم يكن أكثر من تهويمات وتمنيات طوباوية ساذجة.. ثانياً، وهذا الأهم: هذه السردية حرفت الأنظار عن الحقيقة، وضللت شعوب العالم.. فقد قدمت العدوان في صورة مواجهة عسكرية بين جيشين، وبين قويتين صاروخيتين، وأن هناك مقاومة قوية تتصدى بل وتسجل انتصارات، وبالتالي فإن ما يحصل ليس إبادة جماعية، بل إسرائيل تحارب جيشا مقداما لديه ترسانة صواريخ.. ماذا كانت النتيجة؟

بدايةً تأثرت شعوب العالم وصدقت، ما جعلها تدرك في قرارة نفسها أن النصر حتمي، وما علينا سوى صبر ساعة، ولا حاجة للتحرك وللفعل، وبالتالي البقاء في موقع المتفرج المشجع، ولم يكن غريبا أن حراك الجماهير (خاصة في الأردن) كان موجها فقط لنصرة "المقاومة"، مع تغييب كامل لأوجه المأساة الإنسانية الكارثية.. وغياب فاضح للمبادرات السياسية والإعلامية والجماهيرية التي من شأنها الضغط على إسرائيل لوقف العدوان..

ثم إن هذه السردية أراحت إسرائيل وخففت عنها عبء الضغوطات الدولية، لتوضيح ذلك، لنتخيل  لو أن الرأي العام العربي والإسلامي والعالمي تشكل على أساس أن إسرائيل تنفذ إبادة جماعية وحملة تطهير عرقي وترتكب جرائم حرب وهدفها الحقيقي الناس المدنيين العزل، وتفريغ غزة من سكانها، وجعلها بيئة طاردة، وتغيير معطيات الواقع بحيث يتكرس الانقسام، ويتم عزل الضفة (تمهيدا للضم) والتخلص من استحقاقات الحل السياسي وتصفية القضية الفلسطينية نهائيا.. وأن كل حديثها عن الدفاع عن نفسها، وعن محاربة إرهاب حماس مجرد تضليل وخداع لتتمكن تحت هذا الغطاء من مواصلة تنفيذ مخططها الإستراتيجي.. لو أن هذه السردية هي التي سادت بدلا من أكاذيب الدويري والجزيرة.. هل كان بوسع إسرائيل فعل كل مافعلته في غزة؟ أعتقد جازما أن الإجابة لا وبشكل قاطع.

هذه السردية صورت المقاومة على إنها فقط بالسلاح، وليس أي سلاح (الصواريخ والقذائف..)، وأنها محصورة فقط في غزة، وأن حماس هي فقط من يجسدها.. وبهذا الطرح تم إلغاء وتغييب وتقزيم كافة أشكال المقاومة الأخرى، ولهذا لم نشهد أي حراك جماهيري في الضفة ولا في القدس ولا في الداخل المحتل، لأن أي فعل مسلح سيكون ثمنه باهظاً وفوق التحمل، سيحول المنطقة إلى كومة خراب وإلى رفح أخرى، وهذا ثمن لا يرغب أحد بدفعه، ليس جبناً ولا تخاذلاً ولا تقصيراً.. بل هو انحياز طبيعي لخيار الحياة ولقوانين الطبيعة والإنسانية، هو خيار عقلاني في عالم مجنون.. خاصة مع توحش الاحتلال وتواطؤ العالم معه.. والغريب أن هناك من كان يحرض ويدفع باتجاه تفجير المنطقة، وبالتالي تقديم الذريعة لإسرائيل أن تواصل مخططها في كل فلسطين وصولا إلى تصفية القضية وسط سكوت العالم وموافقته، وكل ما سنحصل عليه قصائد الرثاء، وبوستات النشطاء المتحمسة والساخطة، وحملات التبرع التي ستُسرق..

هذه السردية مثّلت أكبر حملة تضليل وكذب في التاريخ الحديث.. والغريب أنه بعد كل هذه النتائج وبعد أن تبين أن تحليلاتهم هراء وأوهام وتدليس.. لم يعتذر منهم أحد، ويقول كنت مخطئا..

معركتنا الحقيقية ليس مع هؤلاء كأشخاص، وأنهم جنوا ثروات على حساب أطفال غزة، هذا موضوع آخر.. معركتنا الأساسية مع الاحتلال وضد منظومة الظلم والعنصرية والاضطهاد.. ومهمة كل وطني شريف تفنيد هذه السردية، وفضح أكاذيبها، وبناء سردية وطنية واعية وصادقة تضع الإنسان في المقام الأول، ليس بوصفه قربانا، ولا ماكنة إنتاج، بل باعتباره هو القضية وهو الهدف الأسمى والأهم..

نريد سردية قائمة على التخطيط العقلاني، بلا شعارات وشعبوية وتكسُّب وغيبيات وحديث عن انتصارات تاريخية..

يوليو 07، 2026

المغرب، البلد الساحر

 في أولمبياد قطر 2022 حقق المنتخب المغربي نتائج أذهلت العالم، وحل في المركز الرابع متجاوزا أهم المنتخبات الأوروبية، اليوم صعد المنتخب المغربي إلى المركز الخامس في التصنيف العالمي المباشر للاتحاد الدولي لكرة القدم، مستفيداً من مواصلة مشواره في مونديال 2026، وإذا ما فاز على فرنسا سيكون على بعد خطوة واحدة من كأس العالم.

صحيح أنَّ لاعبي المنتخب المغربي استفادوا من تجاربهم في دوريات وأندية أوروبا، لكن هذا النجاح المبهر لم يكن ليتحقق لولا دعم الشعب المغربي له، ولولا دعم الدولة، أو بعبارة أصح لولا الوضع الجديد والمبهر الذي وصلت إلى المغرب خلال العقدين الماضيين.. كيف حصل ذلك؟ لنتابع:

ما بين القرن الثامن عشر وحتى منتصف القرن العشرين ضربت المغرب عدة مجاعات قاسية جدا، أودت بحياة مئات الألوف من السكان، بسبب الجفاف والجراد والطاعون والصراعات السياسية وفساد السلطة، آخرها مجاعة البون سنة 1944.

ودّع المغرب تلك المرحلة البائسة، اليوم أصبح مركزًا لصناعة أجزاء الطائرات، وأكبر منتج للسيارات في أفريقيا، بمنظومة صناعية متطورة مرتبطة بكبريات الشركات الأوروبية. لم يعد يعتمد على الأمطار لري المزروعات، ولم يعد ينتظرا غزوا للجراد أو مجاعة كل بضعة سنين..

قبل عشرين سنة كانت نسبة الأمية 48%، اليوم انخفضت حتى 23%.. كانت نسبة الفقر المدقع نحو 15%، وفي الأرياف أكثر بكثير.. اليوم انخفضت النسبة حتى أخذت تتراوح بين 6 - 7%..

خلال العقدين الأخيرين شهد الاقتصاد المغربي تحولات هيكلية مهمة، جعلته من أكثر الاقتصادات تنوعاً في أفريقيا، فقد ارتفع الناتج المحلي الإجمالي من نحو 60 مليار دولار إلى أكثر من 160 مليار دولار، بمعدل نمو يتراوح بين 6-8%، وبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي نحو 4,100 دولار. وبحسب مؤشر جيني (يُستخدم لقياس العدالة أو عدم المساواة في توزيع الدخل داخل المجتمع، يتراوح بين صفر، ويعني مساواة كاملة وجميع أفراد المجتمع يمتلكون الدخل نفسه، و 100، وتعني انعدام تام للمساواة، وكلما اقترب المؤشر من الصفر كان ذلك أفضل ويعني عدالة أكثر)، وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن مؤشر جيني في المغرب انخفض من 40.6 سنة 2000 حتى 39.4 سنة 2013، ما يعني أنه انخفض بصورة طفيفة، وبقي بين المتوسط والمرتفعً نسبيًا، وهو ما يعكس استمرار فجوات في الدخل والثروة وفرص العمل بين سكان المدن والأرياف.

المنهجية المهمة والذكية التي اتبعها المغرب خلال العقدين الماضيين هي تنويع الاقتصاد إلى قطاعات رئيسية، أبرزها صناعة السيارات (صدر المغرب سنة 2025 نحو 700 ألف سيارة معظمها للسوق الأوربية، محققا إيرادات تجاوزت 12 مليار دولار). وكذلك قطاع صناعة الطائرات وأجزائها، وقطاع الفوسفات والأسمدة الزراعية، والسياحة والخدمات والموانئ واللوجستيات، والطاقة المتجددة التي صار من أبرز روادها على مستوى المنطقة.

كما اعتمد المغرب نموذجاً يقوم على الاستثمار الكبير في البنية التحتية والمشاريع الكبرى مثل الموانئ (ميناء طنجة)، والمطارات الحديثة، وبناء شبكة طرق سريعة تربط أجزاء المملكة، والقطار فائق السرعة، ومشاريع الطاقة الشمسية والرياح.. ما أسهم في جذب استثمارات أجنبية كبيرة، مكّنه من تحقيق كل ذلك موقعه الجغرافي المميز، وحالة الاستقرار السياسي التي تنعم بها البلاد، وامتلاكه بنية تحتية متطورة.

رغم تحسن المؤشرات الرسمية، ما زالت شريحة واسعة تشعر بضغط اقتصادي، بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة، وزيادة أسعار الغذاء والطاقة، وأسعار السكن في المدن الكبرى، إضافة إلى ذلك، ما زال المغرب يواجه تحديات جسيمة، منها ارتفاع معدلات البطالة، خاصة عند الشباب، وخريجي الجامعات، واتساع الفوارق بين المدن والمناطق الريفية، وبين الفئات ذات الدخل المرتفع والمنخفض.

إذا قورن المغرب بما كان عليه قبل عشرين عاماً سنجد دولة تستثمر بكثافة في المستقبل عبر البنية التحتية، والصناعات المتطورة، والطاقة المتجددة، واقتصاد صاعد يمتلك مقومات واعدة يزداد انفتاحاً وتنافسية، ويجذب استثمارات أجنبية، قادر على استضافة فعاليات دولية كبرى مثل  بطولة أمم أفريقيا 2026، وبطولة كأس العالم 2030 (بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال). في المقابل سنجد مجتمعا يطالب بثمار تلك التنمية بصورة أكثر عدالة، ويطالب بتحسين جودة التعليم والصحة، وخفض البطالة، وتقليص الفوارق بين المناطق والفئات الاجتماعية.

لم أتشرف بزيارة المغرب، لكن أصدقاء لي كُثر زاروا المغرب للدراسة أو للسياحة أو للأعمال، أو للمشاركة في فعالية ما، منهم سفيرنا في المغرب حسن عبد الرحمن (2005-2010)، جميعهم عادوا بانطباعات إيجابية، مأخوذين بسحر المغرب وجمال طبيعته، ومدنه الحديثة، وبطيبة وكرم المغاربة، وحبهم لفلسطين..

تربط المغاربة علاقة وجدانية عميقة بفلسطين، ولا يوجد قضية أخرى تحظى بإجماع الجميع، من الملك محمد السادس إلى الموظف والعامل وسائق التاكسي، مثل القضية الفلسطينية، باستثناء قضية وحدة التراب الوطني المغربي بالصحراء الجنوبية لبلادهم، وليس مستغرباً أن البلد العربي والإسلامي الوحيد الذي تأسّست فيه منذ سنة 1968 جمعيات مدنية مختصة في دعم نضال الشعب الفلسطيني، مثل الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني. كما أن المغرب يحتضن لجنة القدس التي يترأسها العاهل المغربي، وأيضا وكالة بيت مال القدس التي تقدّم سنويًا دعمًا ماليًا لدعم صمود المقدسيين.

المغرب غني بتاريخه وحضارته، والقصر الملكي يكتسب شرعية تاريخية ودينية (إمارة المؤمنين)، تمنحه سند الالتفاف الجماهيري حوله، بما تمثّله الأسرة الحاكمة من ضمانة للوحدة الوطنية، هذه الأسرة أقدم ملكية حاكمة في العالم منذ سنة 1666، ما يعطي المغرب خصوصية منفردة واستقراراً سياسيا راسخاً.

للمغرب تاريخ طويل في الحضارة والتراث على المستويات كافة، بدءًا من علوم الدين والفلسفة والأدب والثقافة والفنون، ذلك التاريخ الحافل الذي شكّل هوية المغرب العربية، والإسلامية، والأمازيغية، والأفريقية، والمتوسطية، والأندلسية.

يُعرف المغرب بأنّه موطن أُسود الأطلس، أو الأُسود الأمازيغية المستخدمة كرمز تعبيري عن هوية الدولة،  وتُعدّ هذه الأُسود أكبر سلالات الأُسود حجماً على مرّ التاريخ، وقد انقرضت قبل نحو مائة عام. لكن منتخب أسود الأطلسي سيعيد لها مجدها، وسيفرّحنا جميعا بانتصاراته.

عبد الغني سلامه

يوليو 04، 2026

"صولة الفجر" ضد الفساد


في نيسان الماضي، كلف الرئيس العراقي "نزار أميدي" الخبير القانوني والمالي "علي الزيدي" بتشكيل الحكومة.. بعد توافق "الإطار التنسيقي"، وهي الكتلة النيابية الأكبر في البرلمان، تشكّلت عقب انتخابات 2021، وتمثل مظلة سياسية جامعة للقوى الشيعية في العراق (باستثناء التيار الصدري).

هذا التكليف أتى نتيجة تغير البيئة السياسية في المنطقة، وتغيير السياسات الأميركية تجاه العراق، ووضع حد لنفوذ إيران في المنطقة، ونفوذ الفصائل المسلحة المرتبطة بها، ومكافحة تهريب النفط والأموال التي قد تفيد إيران، لذا رفضت الإدارة الأميركية ترشح المالكي أو أي شخصية مرتبطة بإيران لرئاسة الوزراء.  

بعد شهرين من تشكيلها أعلنت حكومة الزيدي عن حملة ضد الفساد، أطلقت عليها "صولة الفجر"، بدأتها بحملة اعتقالات واسعة النطاق طالت أعضاء في مجلس النواب رفعت عنهم الحصانة البرلمانية ومسؤولين آخرين، بتهم فساد مالي وإداري يقدر بمئات الملايين من الدولارات. أتت الحملة بعد اعترافات أدلى بها وكيل وزارة النفط عدنان الجميلي، كشفت عن تورط مسؤولين متنفذين في مستنقع الفساد. وهي حملة غير منفصلة عن البيئة الإقليمية الجديدة، أي بعد تراجع النفوذ الإيراني حيث أدت الحرب إلى إضعاف إيران وأذرعها الإقليمية الأمر الذي خفف من قدرتها على حماية شبكات الفساد، ما خلق هامش حركة أكبر لحكومة الزيدي.

بعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 دخلت البلاد في مرحلة من الفوضى، والاقتتال، والصراعات الطائفية، وانتشار الميليشيات المسلحة، وبروز طبقة سياسية وصفت بأنها الأكثر فسادا على مدار التاريخ. وتشير تقديرات وتقارير رسمية ودولية أن العراق خسر نحو ترليون دولار خلال العقدين الماضيين بسبب الفساد. وصُنف العراق ضمن الدول الأكثر فسادا وفق المعايير الدولية.

وقد مارس بعض المتنفذين في الدولة كل ما يخطر ببالك من فساد: تلقي رشاوي، عقود حكومية وهمية، اختلاسات، تهريب النفط، موظفون أو عناصر أمنية يتقاضون رواتب دون عمل، شبكات المحاصصة الحزبية التي سيطرت على الوزارات والمؤسسات وعلى القطاع الخاص، التهرب الضريبي والجمركي.. وفي السنوات الأربع الأخيرة تصاعدت مستويات الفساد لدرجة غير معقولة، لم يشهدها العراق ولا أي بلد في العالم، وفق تعبير مسؤولين حكوميين.

رغم أن العراق يمتلك موارد طبيعية وبشرية تؤهله ليكون من أقوى اقتصادات المنطقة، وقد تجاوزت إيرادات النفط لوحدها تريليونات الدولارات خلال العقدين الماضيين، إلا أن المواطن ما زال يعاني من انقطاع الكهرباء، وضعف شبكات المياه والصرف الصحي، وتردي الخدمات العامة، واكتظاظ المدارس، وانهيار التعليم، وسوء البنية التحتية، وانتشار الفقر والبطالة، وضعف مؤسسات الدولة، وفقدان الأمن في الكثير من المناطق، وتآكل الثقة بالدولة، بل أن العراق صار ساحة مستباحة للقوى الأجنبية، خاصة إيران، التي ظلت تشرف وتهيمن على مفاصل الدولة وحتى على المجتمع، من خلال أتباعها والميليشات التي تمولها وتدعمها.

العديد من الأسماء التي ظهرت في الإعلام ومتهمة في الفساد معروفة بتبعيتها وولائها لإيران، ومن تيارات الإسلام السياسي، بعضهم كان الأكثر تشددا في مزاعم وإدعاءات مكافحة الفساد (خطابيا وإعلاميا)، ثم تبين أنهم رؤوس الفساد الحقيقيين، وأنهم نهبوا الملايين من أموال الشعب.

وبعض المسؤولين الذين اعتُقلوا في الحملة كان مسؤولين في الحكومة في فترة الاحتلال الأميركي. ليس هذا وحسب، بل إن الفساد تضخم بصورة انفجارية غير معهودة في فترة الاحتلال الأميركي، وما تلاها، وظلت الإدارة الأميركية تلتزم الصمت، ولم تقم بأي خطوات جدية للحد من هذا الفساد، لكنها تنبهت له فقط بعد أن صار يمس مصالحها في المنطقة. ما يؤكد أن كل حديث أميركا غن الفساد ومزاعم مكافحته، وحديثها عن الديمقراطية ونشرهاof Form، وعن حقوق الإنسان.. ما هي إلا دعاية مضللة تتوارى من خلفها لخدمة أهدافها الإمبريالية. يل إنها طالما كانت الراعي الرسمي للفساد والدكتاتورية وانتهاك حقوق الإنسان في العديد من دول العالم.

أكد الزيدي أن الحملة ستستمر وأنه لا توجد حصانة لأحد، وجميع المتهمين سيخضعون للقضاء بغض النظر عن انتماءاتهم، أما منتقدو الحملة فيرون أن بعض الشخصيات المستهدفة تنتمي إلى تيارات سياسية بعينها، وثمة شخصيات نافذة أخرى لم تُمس حتى الآن، كما أثار إعلان الزيدي تخيير بعض المتورطين بين إعادة الأموال المنهوبة أو الملاحقة القضائية جدلا وتشكيكا بجدوى هذا الخيار الذي قد ينعكس سلباً على مصداقية الحملة.

في الوقت الحالي لا يمكن إصدار حكم نهائي على الحملة، لكن إذا استمرت لتشمل جميع المتهمين مع صدور أحكام قضائية واسترداد الأموال المنهوبة، فستُعد تحولاً تاريخياً في مكافحة الفساد، أما إذا توقفت بعد مجموعة محدودة من القضايا، أو اقتصرت على خصوم سياسيين، فستكون مجرد حملة ذات أهداف سياسية حزبية أكثر من كونها إصلاحاً مؤسسياً، وإذا أدت إلى إصلاحات مؤسسية مثل تعزيز استقلال القضاء، وإصلاح نظام العقود الحكومية، والحد من المحاصصة، فسيكون أثرها أعمق من مجرد اعتقالات, حتى الآن، تمثل "صولة الفجر" تطوراً مهما من حيث حجم الشخصيات المستهدفة والرسائل السياسية والقضائية التي صاحبتها. ومن المبكر الحكم عليها، ومصداقيتها ستُقاس خلال الأشهر والسنوات المقبلة، وبقدرتها على الوصول إلى جميع المتورطين، واسترداد الأموال العامة، وإحداث تغيير دائم في مؤسسات الدولة.

تُظهر مقاطع الفيديو المنتشرة في العراق حاليا مشاهد أغرب من الخيال، وما يفوق الوصف، فمثلا في منزل النائبة عالية ناصيف عثر على 15 مليون دولار كانت تكدسها على شكل أكوام، عدا عن الذهب والمجوهرات وغيرها من النفائس.. وبتقدير الخبراء هذه مجرد نقطة في بحر، حيث ستظهر الكنوز الخرافية بعد أن تطال الحملة حيتان الفساد..

هذه الأموال لو أُديرت بطريقة عادلة ونزيهة تكفي لبناء أحدث دولة في المنطقة، بحيث يعيش كل العراقيين في رخاء.. صحيح أنها نُهبت لجيوب الفاسدين مباشرة.. لكن الموضوعية تقتضي منا أن نشير إلى أن مثل هذه المبالغ كانت تُصرف على بناء الدولة في عهد صدام، لكن الجزء الأكبر منها كانت تُنفق في الحروب وعلى التسليح.. إي أنه في الحالتين تمت إهدار فرصة أن يكون العراق يابان الشرق الأوسط، فلديه كل ما يمكنه من ذلك.. لكنه ابتلي بحكم الفاسدين..