أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

سبتمبر 15، 2026

في الحالة الفلسطينية، من يحاسب من؟

 

في تصريح لعضو اللجنة المركزية لحركة فتح ماجد فرج قال فيه: "حتى تدخل حماس في النظام السياسي الفلسطيني، عليها أن تعتذر للشعب الفلسطيني عمّا تسببت به من كوارث أضرت بالقضية الفلسطينية، قبل الانقلاب وبعده، وبعد هجمات 7 أكتوبر..".. رد عليه القيادي في حماس باسم نعیم: "إذا كان على حماس أن تعتذر عن 7 أكتوبر، فعلى السيد ماجد فرج أن يطالب حركة فتح أولا والرئيس الراحل أبو عمار رحمه الله في قبره بالإعتذار عن كل "الكوارث" التي تسببوا بها لشعبنا على مدار عقود في فلسطين وخارجها، وكان آخرها إنتفاضة الأقصى، والتي تسببت بإعادة احتلال الضفة في عملية السور الواقي وقبلها في الأردن ولبنان وحرب الخليج الأولى وغيرها"..

قوبل التصريحان بحملة اتهامات متبادلة، وكل طرف يريد من الآخر الاعتذار.. المزعج في الموضوع أن كل طرف يفهم الاعتذار وكأنه مسبة وإهانة، أو حبل مشنقة.. أي وصف سيء حتى يتجنب الاعتذار..

في تصريحات باسم نعيم جانب من الصواب؛ أي مطالبته القيادة الفلسطينية بالاعتذار عن كل "الكوارث" التي تسببوا بها لشعبنا على مدار عقود في فلسطين وخارجها، وأضم صوتي له ولكن مع استبدال كلمة اعتذار بالمراجعة والنقد الذاتي ومحاسبة كل من أخطأ.. هذا من واجب القيادة ومن حق الشعب الفلسطيني.. ليس لأن الاعتذار بحد ذاته شيء سيء، بل لأن المطلوب ما هو أهم وأقوى من الاعتذار: المراجعة والنقد والمحاسبة، ولأن حركة فتح الفصيل التاريخي وباعثة الحركة الوطنية المعاصرة، وصاحبة الحضور الأكبر في الثورة الفلسطينية، ولأنها هي من صنعت تاريخنا الحاضر (بسلبياته وإيجابياته)، ولأنها تقود المنظمة والسلطة، ولاعتبارات أخرى كثيرة.. عليها قبل أي طرف آخر أن تبادر وعلى الفور بعمليات مراجعة شاملة تتضمن نقدا ذاتيا جريئا وموضوعيا لكافة المحطات والمراحل السابقة، هذا استحقاق تأخر كثيرا، وبدون مراجعات فكرية لكل الشعارات والبرامج المطروحة، وبدون محاسبة كل من قصّر ومن أساء ومن أخطأ.. سنظل في دوامة الفشل، ولن نتقدم خطوة..

الأمر الآخر الأكثر إزعاجا اعتقاد البعض (وخاصة حماس) أنهم فوق النقد.. والترويج على وصف حماس ب"الحركة الربانية"، و"المباركة"، وأنها "تمثل المقاومة"، و"مضحية".. وحتى لو كان هذا صحيحا (وهو غير صحيح من وجهة نظري)، فهذا لا يعفيها من النقد، ولا يعفيها من تحمل مسؤوليات قراراتها وسلوكها، ولا يمنع الشعب من مساءلتها ومحاسبتها.. فلا أحد فوق النقد، ولا وجود لحركة مقدسة، المقدس الوحيد هو دماء الناس التي سُفكت بلا مبرر، وحيواتهم التي أهدرت بالمجان.. ومن تسبب بذلك عليه مواجهة عقبات فعلته، وتحمل المسؤولية كاملة.. سواء حماس أو غيرها..

وإذا كان البعض يعتقد أنها حركة ربانية، فأود تذكيرهم بأن الله سبحانه وفي كتابه العزيز لام النبي الكريم شخصيا، ولام الصحابة، في العديد من الآيات القرآنية الواضحة، في سورة "عبس"، وفي الآيات التي تناولت معركة أحد، ومعركة الخندق، ومعركة حُنين، وغزوة تبوك، والتي تحدثت عن المرجفين والمنافقين والمتخلفين عن الزحف، ومن خافوا وارتعبوا، ومن يئسوا وظنوا بالله الظنونا، وأيضا في قصص الأنبياء السابقين نجد لوماً ونقداً. بوسع أي شخص مراجعة تلك الآيات، والتي تُفهم كممارسة قرآنية للنقد الذاتي والتوجيه والوعد بالمحاسبة.. ولا أظن أن حماس أهم من الأنبياء والصحابة..

النقطة الثالثة في هذا السياق: صحيح أن كل طرف مطالب بالنقد وتحمّل المسؤولية، والاعتذار عن أخطائه، الصغيرة والكبيرة منها.. لكن يجب التنويه إلى أن حجم الأخطاء وتداعياتها يتفاوت وبشكل كبير جدا.. لنأخذ مثلا قرار الذهاب إلى أوسلو، بوصفه حدثا مفصليا، أثار الكثير من الجدل وما زال، حتى أضيع وقت القارئ بقراءة السياقات التاريخية والجيوسياسية التي أفضت إلى أوسلو لنذهب مباشرة إلى النتائج: أوسلو أعاد مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى وطنهم فاستقروا فيه، وتكاثروا وهم الآن بحدود المليون شخص.. فعادت فلسطين نقطة جذب بعد أن كانت عامل طرد لو استمرت في ذلك المسار لخلت من سكانها.. وبرأيي هذا منجز بالغ الأهمية.. كما أن أوسلو فتح آفاقا سياسية غير مسبوقة لو قيض لهذا المسار النجاح لكنا الآن في وضع أفضل مائة مرة مما هو الآن (عوامل النجاح كانت متوفرة، لكن تحالف اليمين المتشدد من الطرفين أجهضها). وفي النتيجة ومع فشل مسار أوسلو إلا أنه أسس لنواة دولة، وبنى مؤسساتها، من نظام صحي وتعليمي وبنية تحتية وأمن وقضاء.. مع علاقات ممتازة مع العالم، ومكّن الفلسطينيين من البقاء ومن ممارسة حياتهم بشكل ما، رغم كل المنغصات والمعيقات وأشكال السيادة المنقوصة والمستلبة.. إلا أنها أفضل بما لا يُقارن مع النتائج الكارثية لقرار 7 أكتوبر.

بالنسبة لانتفاضة الأقصى التي يطالب باسم نعيم بالاعتذار عنها؛ فهي أولا حافظت على طابعها الشعبي، وتبنت الوسائل المناسبة لقدرات شعبنا، والمتلائمة مع نهجه المقاوم، وحازت على تعاطف العالم. وكانت تضحياتها في حدود المتحمّل؛والأهم أن من أفشلها ونزع عنها طابعها الشعبي، وحولها إلى هزيمة هو نهج العمليات الانتحارية التي نفذتها حماس.

المحطات الأخرى التي تستوجب المحاسبة: الانقلاب وإحداث الانقسام، وجر القطاع إلى حروب عبثية لم نجنِ منها سوى الدمار والخراب، وآخرها هجمات 7 أكتوبر، التي تقمصت شخصية الجيش النظامي، وبالتالي جلبت إدانات الدول والأمم المتحدة التي وصفتها بالجرائم. أما نتائجها فكانت كارثية بالكامل، ودون أي منجز، بل بالعكس أعادت احتلال غزة، وأعادت القضية إلى زمن الوصاية. بل إنها قوضت مفهوم المقاومة نفسه، وجعلته أبعد منالا..

في الخلاصة، في تاريخ النضال الفلسطيني الكثير جدا من الأخطاء، من قِبل الجميع: قرارات، مواقف، اصطفافات، ارتجال، فساد، فوضى، تعصب، ارتهان للأجندات الخارجية، حرف البوصلة، خلق الذرائع وتقديمها هدايا للعدو، استدعاء الوصاية.. وهذه كلها تحتاج مراجعات ونقد ذاتي ومحاسبة ومساءلة.. وهذه في الأصل (أي المحاسبة والمراجعة) جزء أساسي من العمل السياسي والتنظيمي والنضالي، بل هي الجزء الأهم.. لكن أصحاب العقول الأيديولوجية المغلقة ومن يحيطون أنفسهم بهالات مزيفة من القداسة يخشون المراجعات والنقد والمحاسبة، لأنهها ستعريهم، وتكشف زيف شعاراتهم، وتقوض بنيانهم الفكري والسياسي المتهافت..

الدماء التي سُكبت، وعذابات الأطفال، ومعاناة الغزيين وقهرهم وذلهم وجوعهم والأرواح التي قبضت قبل أوانها، وزجت في حرب دون إذنهم، ورحلوا عنا قبل أن تتاح لهم فرصة الاحتجاج على قتلهم.. لهؤلاء جميعا حق ودين علينا أن نحاسب من جرنا إلى هذه النكبة.

سبتمبر 14، 2026

السفر عبر الأزمنة

 

التنقل عبر الأزمنة حلمٌ راود معظم علماء الفيزياء، وشكّل مادة خصبة لمئات المسلسلات والأفلام السينمائية، سواء من وحي الخيال العلمي، أم بإسقاطات سياسية واجتماعية.. وفي الحقيقة هو موضوع شيق ومثيرـ وربما تمنى الكثير منا لو ركب آلة الزمان وسافر بها إلى زمن آخر، إما للهروب من واقعنا البائس، أو لعيش تجربة جديدة ومثيرة.. لكننا سنحتار إلى أية جهة سنسير؟ للمستقبل، حيث لا يعرفنا أحد، فنعيش غرباء عن الناس وعن التقنيات التي سنعجز عن فهمها وكيفية التعاطي معها! أم إلى الماضي، وبالتالي سنُحرم من كل وسائل الراحة والترفيه التي تعودنا عليها! وفي الحالتين، لنفترض أن أحدنا نجح فعلا في الانتقال إلى زمن آخر، هل سيألف البيئة الجديدة، وينسى أهله وأحباءه؟ أم سيشتعل قلبه حنينا ويعود أدراجه على الفور؟

مبدئياً، التنقل عبر الأزمنة من وجهة نظر علمية أمرٌ مستحيل، هو ممكن افتراضياً بحسب "النظرية النسبية" التي تتنبأ بتباطؤ الزمن مع زيادة السرعة، ليصبح صفرا عند مساواته مع سرعة الضوء، ومن بعدها يتحول إلى السالب.. أي يعود للماضي، أو ينتقل للمستقبل كما في المثال الشائع عن شاب سافر على مركبة فضائية بسرعة تقترب من سرعة الضوء وعاد بعد ساعات ليجد أقرانه صاروا شيوخا أو متوفين..

لكن المسألة من ناحية فيزيائية مستحيلة، ومن ناحية منطقية أيضا مستحيلة ومربكة للعقل، حيث سنواجه معضلة الحفيد والجد؛ فلو عاد شخص ما سبعين سنة للوراء مثلا والتقى بجده، وقتله أو أقنعه بعدم الزواج.. فكيف سيأتي للوجود هو شخصياً، طالما أن أبويه لم يلتقيا أصلاً!

لطالما أثارني هذا الموضوع؛ وقد تناولته في العديد من القصص القصيرة التي كتبتها، وفي مقالات عديدة، أحيانا لرغبة مني في محاولة فهم كيفية العيش في الأزمنة المختلفة، وأيضاً في البيئات الجغرافية المختلفة، أي فهم سيسيولوجيا المجتمعات وسيكولوجيا الإنسان في الأمكنة والأزمنة المختلفة، ومحاولة تصور شكل الحياة الاجتماعية في كل بيئة، وإجراء المقارنات فيما بينها.. مع محاولات تطبيق نظرية "أثر الفراشة"، لأرى كيف سيحفز حدثٌ ما جرى في الماضي سلسلة أحداث لا متناهية من بعده وصولا إلى تغيير الحاضر..

كما تأملتُ في هذه المسألة بعناية في الكثير من الروايات التي قرأتها والأفلام التي شاهدتها، إلى جانب التجارب الشخصية لي ولمن سافر إلى بلدان أخرى وعاد بقصص ومشاهدات عنها.. وحتى في القصص المروية عن أيام زمان، بكل ما فيها من تفاصيل صغيرة، والتفاتات قد لا ينتبه إليها الكثير من الناس.

عند قراءة تاريخ وحضارات الشعوب، لا يكفي معرفة من انتصر، ومن هُزم، ومن حكم ومن تآمر على الحكم.. هنالك ما هو أعمق وأهم من التاريخ السياسي؛ التاريخ الاجتماعي بكل تفاصيله: حكايات الناس البسطاء، المهن والحرف، الأسواق ونوعية البضائع المتوفرة، تاريخ الجوع والأوبئة، متى وصلت المراحيض لتلك المجتمعات، الأمثال الشعبية، الأزياء، الأكلات البيتية، الفنون والآداب، أسماء المثقفين المغمورين..

بتلك التأملات، وتتبع ورصد حركة المجتمعات البطيئة في مسارات تطورها، أو تراجعها، أو تبدل معاييرها وتنوع قيمها، وتفاوت مستوياتها، سنلحظ الكثير من التغيرات: في اللهجة المحكية، في المفردات التي تسود ثم تختفي، في الأزياء والمظاهر وأنماط العمران، وتبدل الأذواق في كل شيء تقريبا، بدءا من الموسيقى والأغاني المفضلة إلى تغير أنماط الاستهلاك وشكل وألوان أثاث المنزل، حتى تغيير أنواع الطعام.. وما يسمى "الموضة"، أو "الترند" المنتشر..  

وهذه التغييرات تنتج عن تغير أدوات ووسائل الإنتاج، وعن تغيير المستويات الاقتصادية لطبقات المجتمع، وتغيير النظم السياسية الحاكمة، وعن تدافع الأجيال، وتغيير مستويات الوعي والثقافة، وبسبب الانتشار المكثف لوسائل الإعلام، خاصة الإعلام المجتمعي، وبشكل غير مباشر نتيجة تغيير المعادلات السياسية والاقتصادية على مستوى العالم، وما يتخللها من حروب وصراعات ومعاهدات..

ليس كل تغيير يعني تطور، وليست كل التغييرات إيجابية، ولا سلبية بالضرورة.. المسألة أعقد بكثير من وصفها وتصنيفها بحسب التسلسل الزمني.. والقول: أيام زمان كانت أحسن، فكل جيل يردد نفس المقولة، حتى لو عدت فجأة ألفي سنة للوراء ستسمع المقولة نفسها.

التغيير سمة إنسانية أصيلة، وهي سبب تطور المجتمعات، بل سبب بقاء جنس البشر.. ولولا هذا التنوع لاستحالت الحياة، أو لكانت جحيما لا يُطاق..

الخلاصة التي انتهيت إليها أن كل شيء في المجتمع يتغير ويتبدل ويتطور ويتراجع، ولا يوجد مجتمع نسخة مطابقة عن مجتمع آخر، لا في الوقت الراهن، ولا في أي مرحلة تاريخية سابقة أو ستأتي لاحقاً.. لكل مجتمع سماته الخاصة والمنفردة، كما أن لكل إنسان شخصيته المنفردة والمختلفة.. هذه سنن الكون وقوانين الطبيعة.. من الأزل وإلى الأبد.. لكن يمكن القول أن سمتين أساسيتين تتوفران في كل المجتمعات وفي كل البشر: على المستوى الشخصي: لغة الجسد.. وعلى المستوى الجمعي: الصراعات..

بالنسبة للغة الجسد، لو أخذت عينة من أي مجتمع في أي مرحلة ومن أي مكان ستجد دوما حركات وإيماءات لا تحتاج مترجما: الابتسامة، والدمعة، والضحكة، والخجل، والغضب، والحزن، والفرح، والتعجب، والاستنكار، والقبول، والحب، والغيرة، والحسد، وقلق الانتظار، ولهفة الشوق، والخوف من المجهول، والانبهار أمام الجمال، ونشوة الانتصار، وغل الانتقام، ولحظة الانكسار.. ستجد الجسد يستجيب تلقائيا لكل انفعال.. ستجد سمات الضعف الإنساني..

أما عن الصراعات، ستجد في كل مجتمع تناقضات داخلية على كافة المستويات: دينية، قبلية، طائفية، بين الطبقات، بين الأخيار والأشرار، ستجد مستضعفين ومستبدين، فقراء ومستغلين، ستجد الظلم ومن يتصدى له.. وستجد صراعات مع المجتمعات الأخرى: سياسية، اقتصادية، أطماع توسعية، دوافع أيديولوجية..

هذه طبيعة البشر في كل زمان ومكان، الأمر الذي يقوض أسس أية تصنيفات جاهزة وينسف كل حكم مسبق، ويجعل من التعميم فعلا لغة الحمقى.. بل يجعل منه سلوكا عنصريا..

سبتمبر 11، 2026

ذكرى 11 سبتمبر

 

مع الذكرى ال25 لهجمات مانهاتن الإرهابية، وتدمير برجي التجارة، أعود بكم إلى نظريات عديدة ظهرت خلال هذه الفترة لتفسير ما حدث.

في الفترى الأولى ساد اعتقاد بأن هذا النوع من الهجمات يتطلب تخطيطا معقدا وطويلا ودقيقا، وعقولا عبقرية، وجهات تمتلك إمكانيات هائلة.. مع العلم بأن عملية الهجوم لم تكن تتطلب سوى اختطاف طائرتين في الوقت نفسه (تكفي مسدسات)، وأن يمتلك أحد الخاطفين مهارات طفيفة في قيادة الطائرة (يعني شوفير تيس)، ويقوم بالاصطدام بجدار العمارة التي لا تبعد سوى أميال عن المطار.. وما ساعد في نجاح العملية أن إجراءات الأمن في المطارات الأميركية (خاصة للرحلات الداخلية) كانت آنذاك بسيطة ويمكن تفاديها..

بالتأكيد تطلبت العملية تفاصيل كثيرة وتخطيط دقيق، لكن ليس بحجم التهويل الذي ساد حينها، وما زال.. المهم أن العملية تمت، وتم تحميل المسؤولية لحركة طالبان التي كانت تحكم أفغانستان حينها..

العملية كانت مأساة حقيقية، فقد قتل فيها آلاف المدنيين، وأثارت الرعب في قلوب الشعب الأميركي، وفي عموم الكوكب، وكانت بداية صعود "الإسلامفوبيا"، وصعود اليمين المتطرف في أميركا وأوروبا، وقد شكلت صدمة للعالم، بما في ذلك العالم الإسلامي، وكانت حجة قوية لتشويه صورة الإسلام، وربطه بالإرهاب، والأهم أنها منحت الإدارة الأميركية أقوى ذريعة كانت تحتاجها لخلق توازن قوى دولي جديد قائم على مفهوم مكافحة الإرهاب، تقوده الولايات المتحدة، تستطيع من خلاله بسط هيمنتها أكثر فأكثر على ربوع الكوكب، خاصة بعد الفراغ الذي خلفه سقوط الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة. وحاجة أميركا لعدو جديد يعوض هذا النقص، وقد وجدته في الإرهاب، وتحديدا "الإرهاب الإسلامي".

بالفعل، لم تتأخر أميركا كثيرا، فقبل انتهاء العام كانت قد احتلت أفغانستان، وأطاحت بحركة طالبان، وافتتحت بذلك عصرا جديدا للهيمنة الأميركية.

إزاء هجمات البرجين تفاوتت ردود العالم الإسلامي بين مصدق ومكذب.. علما أن بن لادن نفسه سرب تسجيلا بثته الجزيرة اعترف بمسؤوليته عن الهجوم، وعدّد الفوائد والمكاسب التي سيجنيها في حربه على الطاغوت، و"العدو البعيد"، بحسب وصفه. ومع ذلك، إذا استثنينا حماقة البيان المنسوب للجبهة الديمقراطية التي تبنت الهجوم في يومه الأول، وإذا استثنينا بعض الأصوات الانفعالية والمرتجلة (وهي قليلة جدا بالمناسبة) التي أيدت الهجمات، انطلاقا من ثارات قديمة ومتجددة تجاه تاريخ طويل من الإرهاب الأميركي وجرائم جيشها ضد شعوب العالم.. فإن جميع الحكومات في العالم الإسلامي أدانت الهجمات ووصفتها بالجريمة الإرهابية، وكذلك فعلت أغلب الأحزاب والقوى والتيارات وعدد لا يحصى من الكتاب والمثقفين من إسلاميين وعلمانيين..

أوجدت الهجمات مأزقا أخلاقيا وقيميا لكل من سيؤيدها، سواء كان بسبب الخوف من التبعات الأمنية والقانونية لتأييدها، أو لقناعة راسخة بأنها فعلا هجمات إرهابية يتوجب إدانتها.. في الحالتين يتوجب الإجابة على السؤال الكبير: ما هو الموقف الديني (سواء الفقهي أو الأيديولوجي) من الهجمات؟ وكيف نحافظ على صورة الإسلام الحضارية في ظل هذه الهجمة الشرسة من اليمين (واليسار) في كل مكان من العالم؟   

الـمَخرج الأبرز والأكثر رواجا تمثّل في القول: هؤلاء لا يمثلون الإسلام.. وزيادة في التأكيد انتشرت مقولة أن المخابرات الدولية (وخاصة الأميركية) هي التي أوجدت هذه التنظيمات، وهي التي مولتها ودعمتها، وزرعتها في المنطقة، وسهلت لها مهامها في التواصل والتنقل وتجاوز الحدود.. وما زالت هذه المقولة تتردد ولكن دون الإجابة على سؤال أكثر تعقيدا وخطورة: كيف نوفق بين إدانة هذه الجماعات وبين النصوص الدينية التي تستند إليها في تنفيذ عملياتها، والتي يراها البعض تؤيد القتال والعنف والتعصب، خاصة مع تاريخ طويل وممتد للعنف الديني والأصولي؟

المهم، خرجت نظرية جريئة مفادها أن المخابرات الأميركية هي التي نفذت هجمات 11 سبتمبر، بواسطة وكلائها، بدليل تمكن المهاجمين بسهولة من تحقيق هدفهم، وبدليل أن المستفيد الأكبر من كل ما جرى بعد  ذلك هي الإدارة الأميركية، التي استخدمت الهجمات ذريعة للبدء بمسار جيوسياسي جديد بالكامل، ما زال قائما حتى اللحظة.

بغض النظر عن مدى دقة وصوابية هذه النظرية، هذا ليس موضوع المقال، المهم أن أصحابها يقرون بأمرين، الأول: المخابرات الأميركية هي التي سهلت العملية.. الثاني: أن أميركا كانت تحتاج الذريعة.. وهذه نقطة مهمة سنحتاجها بعد قليل.

المشهد نفسه تكرر مرات عديدة في السنوات العشرين الأخيرة، بل هو استمرار لمشهد سابق تشكل في الحرب الأهلية الأفغانية، فقد تبين بما لا يترك مجالا للشك أن المجاهدين الأفغان كانوا مدعومين بكل قوة من المخابرات الأميركية، ومن حلفاء أميركا في المنطقة (أبرزهم حينها باكستان التي أوجدت تنظيم طالبان، والسعودية التي أوجدت العرب الأفغان). وبعد احتلال العراق، والأزمة السورية ظهرت عشرات التنظيمات الأصولية برعاية مخابرات المنطقة (تنضم تركيا في هذه المرحلة).

وإزاء حجم العنف وقسوة المشاهد والممارسات الفظيعة لتلك الجماعات تظهرا مجددا مقولة "هؤلاء لا يمثلون الإسلام"، ومعها مقولة "هؤلاء صنيعة الغرب"، خاصة مع جرائم داعش التي أثارت صدمة للعالم، والتأكيد على أنها صنيعة المخابرات الأميركية، لاتخاذها نموذجا للإرهاب الإسلامي، وبالتالي ذريعة لتشويه الإسلام، وللدخول للمنطقة واحتلالها.. وهذه المقولات كانت ترد من إسلاميين معروفين..

في الخلاصة، تم تبني مقولات "صنيعة الغرب"، و"الذريعة".. من قبل قادة ومثقفين إسلاميين، برأيي الشخصي اتفق مع المقولتين، سواء كانت تلك الجماعات صنيعة بالكامل، أم تم اختراقها وإعادة توجيهها، أو زرع عملاء في داخلها ودعمهم ليصبحوا قادة ومؤثرين، أو تم تمويلها مقابل تحقيق أهداف محددة.. أو تم استدراجها لمناطق معينة، أو نصب الأفخاخ لها لسوقها إلى فعل معين.. كل هذا وارد وواقعي بل حدث فعلا، ليس مع تلك الجماعات حسب، بل حتى مع دول وحكومات.. لأن الاختراق أو الاستدراج يعطي الجهة الداعمة والممولة ما تحتاجه بشدة: الذريعة.

مع التسريبات والاعترافات والاتهامات المتبادلة داخل إسرائيل بشأن ما حدث صبيحة 7 أكتوبر.. هل توقفت مخابرات الغرب (بما فيها الموساد طبعا) عن نهجها التقليدي في الاستدراج والاختراق ونصب الكمائن، وحاجتها للذريعة؟ أم أن تفسيرنا للأحداث وفهم سياقاتها الجيوسياسية والاستخباراتية يتم وفق مغالطة "انتقاء الكرز"؟ والاكتفاء بالقول "سبحان الله".