أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

سبتمبر 27، 2023

رحلات مريخية، قصة قصيرة


(1)

على مدى الأشهر الثلاثة الأخيرة ظل الملياردير الأمريكي "فايلون ديسك" مواظبا على زيارة مختبر الطاقة الهيدروجينية التابع لمركز الأبحاث والصناعات الفضائية (FDC)، وهذا المركز تعود ملكيته له، ويشرف على أبحاثه وتجاربه بشكل شخصي ومباشر.. في تلك الفترة عاش فايلون في قلق مشوب بالتفاؤل، إذ شارفت المهلة الممنوحة لعلماء ومهندسي المركز على الانتهاء (وكانت مدتها خمس سنوات) للتوصل إلى ابتداع طاقة تنتج عن الاندماج الهيدروجيني بحيث تكون آمنة ومستدامة، ولا تحتاج إلى طاقة ذرية هائلة لإطلاقها وتحريرها، ليتم استخدامها في المركبات الفضائية، وتكون قادرة على تسريعها بشكل ثوري وغير مسبوق.

كان فايلون يطمح للوصول إلى المريخ بفترة لا تتجاوز السنة ضمن الجيل الثاني من المركبات، وعلى أمل تقليص الفترة في الأجيال التالية من المركبات لتصل إلى ستة أشهر، وفي أحلامه بعيدة المدى أن تصير المدة خلال أيام معدودات..

(2)

-      يابا أنا سجلت في رحلة رايحة عالمريخ

-      هههههههه

-      عنجد بحكي

-      شو عنجد؟ ببتخوث إنت؟

-      والله بحكي جد

-      بعدين مع هالليلة؟!

-      يابا في إعلان منتشر على جميع المواقع للتسجيل في رحلة إلى المريخ، والشروط بتنطبق عليّ

-      ولك إنت ما معك أجرة تكسي للبلد.. بدك تروح عالمريخ مرة واحدة؟!

-      الرحلة مجانية..

-      شو مجانية با مجنون؟ إذا كانت رحلة ساعتين في مركبة حول فضاء الأرض فقط تكلف ملايين؟ فما بالك برحلة إلى المريخ؟!

-      يما يا أدهم، الله يرضة عليك، بلا هبل ومريخ وبطيخ، بدك تروح وتتخلى عنا؟ وبعدين إحنا مقصرين معك شي؟

-      لا والله يماّ، أنتو الخير والبركة، بس شو بطلع بئيدكم؟ إنتو مقصرين بحق أنفسكم أصلا.. وبعدين هاي عيشة اللي عايشينها؟ بتفكروا حالكم عايشين عنجد؟

(3)

حمل أدهم فنجان قهوته وأخذ رشفة سريعة، ثم جر نفسا عميقا من سيجارته مصوّبا ناظريه إلى الأفق البعيد، ثم تناول هاتفه المحمول ليجد خبرا أثار انتباهه بشكل خاص: نجحت شركة فايلون في تجربة إطلاق مركبة فضائية تحملها صواريخ عملاقة فائقة السرعة، باستخدام مصادر طاقة غير معهودة، وبوسعها الوصول إلى المريخ في غضون أسبوع.. بعد أن صارت تصل القمر في ست ساعات، وقد بنت على سطحه خمس محطات انطلاق ضخمة للاستفادة من جاذبية القمر الضعيفة.

يعرف فايلون، كما يعرف أدهم، وحتى طلاب الابتدائي يعرفون أنَّ الوصول إلى المريخ ليس المشكلة الأهم في الموضوع، الإشكالية الكبرى تكمن في طبيعة جوه المعادية، حيث لا أوكسجين، ولا مياه، ولا نباتات، ودرجات الحرارة هناك متطرفة جدا، ولا يتحملها البشر.. وهذا الموضوع أخذ الكثير من وقت وجهود العلماء لإيجاد حلول عملية له، حتى توصلوا لفكرة بناء محطات استقبال على شكل خلايا مغلقة مكونة من ألياف الكربون بعض أجزائها زجاجي، وبعضها معتم، بحيث تحافظ على درجة حرارة ورطوبة ملائمة، مع مضخات هواء تزود المقيمين فيها بحاجتهم الطبيعية، إضافة إلى توفير كميات كبيرة من المواد الغذائية والتموينية، وما يحتاجونه من معدات للإقامة الطويلة وتنفيذ ما يُطلب منهم من مهمات علمية وبحثية، وإنشاء محطات جديدة تستوعب أعداد أكبر للقادمين من الأرض.

المشكلة الأخرى هي العثور على علماء ومهندسين ومختصين يوافقون على فكرة الرحيل إلى المريخ، حيث العودة إلى الأرض لن تكون سهلة، والإقامة هناك محفوفة بكل أنواع المخاطر، والأهم أنها لن تكون إقامة سعيدة.. إضافة إلى أن الفكرة التي كانت تراود فايلون هي بناء مستوطنات بشرية تمهيدا لنقل سكان الأرض إلى المريخ بعد أن تحل بالأرض الكارثة المحتمة التي ستقتل معظم الكائنات الحية، وستجعل الحياة مستحيلة لمن نجا منها..

ولحل إشكالية الحياة على المريخ اقترح العلماء فكرة نثر ملايين الخلايا والبذور على سطح الكوكب الأحمر لنوع معين من النباتات تستطيع إنتاج الأوكسجين بكميات كبيرة مكتفية بضوء الشمس، ونوع آخر من النباتات بوسعها تحويل الغازات المتوفرة إلى مياه سائلة.. وهذه النباتات تم تجريبها في مختبرات الشركة بظروف بالغة السرية، وقد احتاجت عشرات السنين للوصول إلى نتائج مرضية.

(4)

مـرّر أدهم هاتفه المحمول إلى أصدقائه وطلب منهم قراءة الإعلان الذي انتشر على معظم المواقع الإخبارية والعديد من وسائل التواصل الاجتماعي: "تمكن العلماء في مرصد فايلون ديسك الفلكي من رصد كويكب صغير بحجم قمة إفرست على بعد 200 مليون ميل خارج المجموعة الشمسية، وهو في طريقه مباشرة إلى الأرض، ومن المرجح وصوله خلال سنتين، وفي حال ارتطامه سيحدث زلزالا بقوة 12 درجة على مقياس رختر، وسيطلق كل براكين الأرض، وسيكون مصير البشر كمصير الديناصورات، على حد تعبير بيان المرصد، لكن علماء "ناسا" قللوا من شأن الموضوع، ونفوا إمكانية وصول النيزك إلى الأرض".

- أظنها مؤامرة أخرى على الجنس البشري، يريدون الوصول للمليار الذهبي، وسيختلقون زلازل في كل مكان..

- لا ، مستحيل، أنت مهووس بنظرية المؤامرة.

(5)

هذه المرة كان أدهم بمفرده، يتناول إفطاره على عجل، وكعادته أثناء تناوله الطعام يتصفح هاتفه الخلوي، باحثا عن نكتة، أو خبر صاعق، أو بشرى سارة غير متوقعة، حتى قرأ إعلانا مثيراً، وعلى الفور اتصل بصديقه معتصم، وطلب منه الاطلاع على الإعلان.

-  يا إلهي سنصبح مشهورين، وسأثبت لك أخيرا أن الأرض كروية..

-  شو القصة؟ أثرت فضولي!

- إذا وافقت على الرحلة، ستخرج من عزلتك وكآبتك، وستؤكد لنفسك أنّ لك قيمة..

 "تعلن شركة فايلون ديسك عن فتح باب القبول لطلبات الاشتراك في أول رحلة فضائية إلى كوكب المريخ، شريطة أن يكون المتقدم بصحة جيدة، ولديه الاستعداد لتعلم تقنيات السفر والإقامة هناك، وألا يتجاوز عمره الثلاثون عاما، وستكون الرحلة مجانية لمن تنطبق عليه الشروط ويجتاز امتحانات القبول، علما أن الرحلة باتجاه واحد، ولن يحظى المشترك بفرصة الرجوع إلى الأرض".

رد معتصم على الفور: أريد أن أغادر الكوكب بأي طريقة، حتى لو في رحلة إلى الثقب الأسود.

(6)

خلافا لمعظم التوقعات، فقد كان الإقبال على المشاركة في الرحلة المريخية كبيرا جدا، وفاق توقعات أكثر المتفائلين، فقد ورد إلى بريد الشركة عشرات الآلاف من طلبات الالتحاق في الرحلة، ومن شتى بقاع العالم، وعليه شكّلت الشركة لجنة فنية للنظر في الطلبات، واختيار أول دفعة مكونة من عشرين مسافرا فقط..

وبالطبع كانت أغلبية المتقدمين تنطبق عليهم الشروط الأساسية، لذا صار الفرز بينهم بناء على الرسالة المرفقة والتي يكتب فيها المتقدم أهدافه من المشاركة، ويشرح أسباب قبوله للمخاطرة، ولماذا هو مستعد لترك الأرض..إلخ

على مدى أشهر واظبت اللجنة على فرز الطلبات، وقراءة الرسائل، والاتصال بالمتقدمين وطرح عليهم بعض الأسئلة الإضافية..

"أنا زهقان من هذه الحياة، ومستعد لفعل أي شيء مجنون".. "ليس لدي ما أخسره".. "أشعر من الآن بتدفق الأدرينالين في عروقي، لا أستطيع الانتظار أكثر".. "لدي فضول قاتل لاكتشاف ما هو غريب وغير متوقع".. "بعد سبع محاولات فاشلة للانتحار، قلت لأجرب طريقة جديدة ومضمونة".. "الحياة على هذا الكوكب لم تعد تُطاق".. "أريد أن أنفع البشرية بعد أن فشلت في تقديم أي شء نافع، سوى إطعام قطتنا السمينة".. "لم اختبر الطيران من قبل، ستكون تجربة مدهشة".. "فرصة للإفلات من الدائنين، وأولهم صاحب الشقة، سأرسل له رسالة تشفّي من الفضاء، سأقول له تباً لك ولكوكب الأرض كله".. "وسيلتي الوحيدة للتهرب من قروض البنك".. "أنا لا شيء، لا أحد يزورني، وإذا مت لن يتذكرني أحد".. "سيكون رائعا حين يتردد اسمي في نشرات المساء الإخبارية".. "يهمني جدا أن أكلّف شركتكم السخيفة تكاليف مسافر بلا فائدة، المهم أن أخسّركم.. ههههه".. "بدلا من انتظار النيزك، والموت خوفا، علينا مواجهته.. سنحرقه قبل أن يحرقنا".. "أظن أن سكان المريخ سيكونون أرحم من البشر".. "هناك لن يعثر عليّ عزرائيل، وحين تقوم القيامة، ويخسف الله الأرض بمن عليها سأكون في مأمن".. "من هناك، سأراقب الأرض، وسأتسلى بمنظر البشر وهو يتحاربون ويعذبون بعضهم بعضا"..

(7)

وصلت أول مجموعة بسلام إلى المريخ، كان الهبوط صعبا ومخيفا، وكان عددهم عشرون مسافرا، عشرة منهم علماء ومهندسين من تخصصات مختلفة، والبقية من المترشحين الذين فازوا في التصفيات واجتازوا امتحانات القبول.. وما أن أكملوا إجرءات الهبوط والخروج من المركبة حتى استقلوا حافلات خاصة وتوجهوا إلى موقع محدد، عبارة عن سهل رملي ممتد، وبدؤوا على الفور بتفريغ الحقائب، وإخراج المعدات ونصب القوائم، والجدران التي ستأويهم مؤقتا إلى حين بناء الخلايا الدائمة التي سيعيشون في داخلها لأمد غير معروف.. وخلال أسبوع كانوا قد أكملوا تجهيزات الإقامة، ونصب أبراج الاتصال مع الأرض..

وبحسب الخطة سيعود خمسة علماء إلى الأرض على نفس المركبة، على أن يعود الخمسة الباقين بعد وصول الرحلة التالية من الأرض، والتي ستضم نفس التركيبة، بحيث يتبقى دوما خمسة علماء ومختصين، ويعود خمسة وهكذا.. أما الآخرين فلا فرصة لهم بالرجوع.. كان هذا واضحا في العقود المبرمة معهم قبل سفرهم..

(8)

تذكّر أدهم تلك الغصة المريرة التي ما زال طعمها في حلقه، حين أخبر صديقه معتصم أن اللجنة رفضت طلبه، بل إنها أساسا لم تنظر فيه.. تذكر ليلته الأخيرة على الأرض، وشعر بندم شديد أنه أخفى موعد السفر عن أهله، ليتني حظيت بوداع لائق، يا ترى كيف استقبلت أمي الخبر؟ ماذا يفعل أبي الآن؟ كان بوسعي إقناعهم، على الأقل ليتدبروا أمرهم، أنا الآن عاجز حتى عن الاتصال بهم..

كانت مفاجأته صاعقة حين هبط سطح المريخ، شعر بثقل شديد وهو يتعثر بخطواته الأولى فوق الرمل الناعم.. كان الصمت المخيف يلف المكان، أحس بالاختناق وأن رأسه يغلي داخل تلك الخوذة الزجاجية اللعينة، ومع تعمق إحساسه بالخوف والكآبة ذرف دموعه بصمت، أراد أن يبكي، وأن يصرخ بأعلى صوته: أعيدوني للأرض.. أنا حمار، ما هذا الذي ورطت نفسي فيه؟!

لم يسمعه أحد، كان الآخرون مثله تماما مشغولون بأنفسهم، وبمخاوفهم، ويواجهون رعبهم باستسلام.. كان ألبرت قائد الفريق وحده القادر على التقاط أنفاسه والتحكم في أعصابه، فأخذ يطمئن فريقه بأن الأمور ستسير على ما يرام، وأنهم سيعتادون على الجو الخانق والحرارة الشديدة مع مرور الوقت.

بعد مرور شهر بدأت ترد إلى المحطة الأرضية التقارير الفنية القادمة من المريخ، مع صور مبهرة للرواد الأوائل..

أما أدهم فقد هدأت أعصابه بعض الشيء، وبعد أن أيقن أنه لا مفر من مواجهة الواقع الجديد، وأنّ عليه التكيف بقدر ما يستطيع، أخذ يعزي نفسه، محاولا التركيز على بعض الجوانب الإيجابية لهذه المغامرة المجنونة، وما ساعده على ذلك أن جميع زملائه كانوا متعاونين، وداعمين لبعضهم، كانوا طيبين ومسالمين، وكان العلماء يبذلون جهودا مضاعفة للتخفيف عن غيرهم، والإجابة على أسئلتهم، فشعر أنهم أصدقاء أو عائلة صغيرة، وأن الحياة هنا عموما هادئة، ولا توجد مفترسات ولا حشرات ولا شرطة، ولا حروب، ولا حتى حوادث سير.. وإذا سارت الأمور على هذا النحو، والتزم الجميع بالقواعد والتعليمات فبوسعهم خلق حياة جديدة ومختلفة، وربما تكون سعيدة..

(9)

عادت أول دفعة من علماء المريخ، حاملة معها الأخبار المفرحة إلى سكان الأرض، ورسائل شوق ممن تركوهم خلفهم، وصورا ملونة شديدة الوضوح للكوكب الأحمر وسكانه الجدد، والأهم، ما كان ينتظره فايلون وشركته بقلق بالغ، ومعهم كبريات الشركات المنافسة؛ تلك التقارير التي تشير لنجاحات مبهرة لتزايد نسبة الأوكسجين في غلاف المريخ، وإلى تخزين كميات معقولة من المياه، وأن الحياة هناك ليست مستحيلة كما كان شائعا ومسلّما به في الأوساط العلمية..

لم تتأخر الرحلة الثانية، وقد حملت هذه المرة مائة مسافر. ومع انتشار أخبار المريخيين، وتداول قصصا عنهم بعضها مثل الأساطير، تزايدت طلبات اللجوء للمريخ وصارت بالملايين، حينها بدأت الشركة تضع شروطا أصعب للقبول، ومن ضمنها دفع تكاليف السفر، والتي كانت في البداية بحدود العشرة آلاف دولار للمسافر، حتى وصلت إلى مليون دولار في الرحلة الخامسة، ومن المؤكد أن الرقم سيرتفع أكثر مع مرور الوقت..

لم يعد موضوع المريخ واحتكاره من قبل شركة فايلون مقبولا لدى الشركات الأخرى، فقد تمكنت مراكز بحثية عديدة من التوصل إلى تكنولوجيا الطاقة الهيدروجينية، وصار بوسعها تنظيم رحلات مشابهة للمريخ، وبأسعار منافسة، وصارت أعداد المسافرين بالآلاف، ونشأت على هامش الرحلات المريخية صناعات عديدة: صناعات أدوية خاصة بسكان المريخ، وأطعمة ومأكولات مريخية، وملابس فضائية، وشركات متخصصة لمعدات السفر ولوازمه، وأخرى لصيانة المركبات، ودخلت على الخط شركات التنقيب الطامعة بالعثور على معادن نفيسة على سطح المريخ، وشركات التأمين، والبنوك المستعدة لمنح القروض للمسافرين وللمشاريع البحثية المريخية.. وصار المريخ حديث الناس، وشغلهم الشاغل، حتى نسوا الأرض وبلاويها ومصائبها..

(10)

كان العلماء الذين يرجعون إلى الأرض، يعودون بعقلية ونفسية مختلفة، فقد لوحظ أنهم لا يعودون كما كانوا في حيواتهم السابقة، يعودون بأفكار وسلوكيات مغايرة، يطيلون جلسات التأمل، ويفضلون الانعزال عن الناس، ومنهم من ينخرط في جمعيات خيرية، أو في فعاليات مؤيدة لحقوق الإنسان، ومناهضة للعنصرية، يتبرعون بأموالهم للفقراء، صاروا أكثر رقة ولطفا، وأكثر حكمة، وقد امتلأت قلوبهم بالسكينة..

وبحسب متخصصين، مرد ذلك لأنهم رأوا كوكب الأرض من علو، في تلك اللحظة الفريدة أدركوا الحقيقة المغيبة، أدركوها بوضوح شديد، أدركوا أن سكان الأرض جميعهم يتشاركون في غرفة واحدة لكنها تكفيهم جميعا، غرفة أكبر بكثير من ذواتهم الضيقة.

(11)

كان أدهم في طليعة مستقبلي الزائرين الجدد، يتفهم مخاوفهم وقلقهم، في داخل المستعمرة المغلقة كان أدهم وبقية السكان ينزعون خوذهم ويتخففون من ملابسهم الفضائية الثقيلة، فيبدو بلحيته الكثة الطويلة بمظهر الناسك الحكيم، كان يشعر أنه والدهم، ويحاول مساعدتهم مدعيا أنه زعيم الكوكب وحلاّل المشاكل.. ومع تنامي المستعمرات وتزايد أعداد الوافدين أخذ أدهم يدعو لتشكيل لجان قيادية تتولى مسؤولية مختلف القضايا: الأمن، الطعام، الأوكسجين، النباتات، بناء الخلايا الكربونية، التنسيق بين المستعمرات، الاتصالات مع الأرض..

بدأ حماس أدهم يخبو شيئا فشيئا، وأخذ اليأس يأكل قلبه، مع حنينه لأهله وأصدقائه وللحياة الأرضية، ومع ظهور مشاكل جديدة في كل مرة بين الوافدين، سيما أنهم من بيئات وثقافات مختلفة، ولكلٍ أسبابه في القدوم، وهمومه التي تركها خلف ظهره، ومطامعه وتوقعاته في الحياة الجديدة.. أكثر ما كان يثير استغرابه أولئك الأثرياء الذين دفعوا ملايين الدولارات لقاء رحلة انتحارية..

لم يمضِ وقت طويل حتى بدأت حالات الوفاة بين سكان المستعمرات تتزايد بشكل مخيف، وما كان يعوض عددهم، بل ويزيدهم، فقط تلك الرحلات القادمة من الأرض.. فقد تزايدت المستعمرات البشرية هناك من اثنتين في السنة الأولى حتى صارت عشرين مستعمرة في غضون ثلاث سنوات.. وقد أيقن أدهم أن هؤلاء جميعا مجرد فئران تجارب، ومجرد أرقام في حسابات أرباح الشركات المريخية، وأولها شركته الناقلة FDC.

المشكلة أن أمراض الأرضيين وصراعاتهم وأطماعهم بدأت تنتقل للمريخيين، وبدأت تظهر بوادر نزاعات وصراعات على المناطق الأفضل والأصلح لزراعة نباتات الأوكسجين، وعلى المناطق التي تضم موارد ومعادن محتملة، وسباق محموم فيما بينها للتواصل مع مشغليهم الأرضيين بتقارير كاذبة، بغية الحصول على إمدادات إضافية من الأوكسجين والأطعمة والمشروبات..

لم يدم شهر العسل المريخي طويلا، فمع اشتداد التنافس بين المستعمرات المريخية وأصحابها على كوكب الأرض، بدأت ولأول مرة ظاهرة السلاح، بعد ثبوت حالات تهريب لأسلحة وذخائر مع مسافرين جدد.. وقد سجلت أول جريمة قتل على المريخ بعد سنة واحدة فقط.. قيدت حينها ضد مجهول بعد أن فشلت اللجنة الأمنية المشتركة في العثور على القاتل، تبعتها جرائم أخرى، حتى صارت ظاهرة شبه يومية. 

لم تعد حالات القتل فردية، فقد نشبت أول حرب بين مستعمرتين في السنة الثانية، نجم عنها تدمير مستعمرة "فايلون 2" بالكامل، ومقتل سكانها المائة اختناقا، بسبب اختراق قذيفة لسطحها ونفاذ الأوكسجين منها..

ثم أخذت ظاهرة الهروب من مستعمرة لأخرى، وظاهرة الانشقاقات عن المستعمرة، والنزاعات بداخلها، وتقلب التحالفات بين المستعمرات، حتى تورطت جميع المستعمرات في صراع دموي، أدى إلى نشوب الحرب المريخية الأولى.. والأخيرة.

بعد تسرب أخبار هلاكهم جميعهم، انقطعت أخبار المريخيين.. وتوقفت جميع الرحلات إلى هناك، وفي أقل من سنة توقفت كل الصناعات المريخية، وعاد الأرضيون إلى سيرتهم الأولى..


سبتمبر 25، 2023

وهم الاستمرار


 في اليابان مثلا، ودول أوروبية أخرى ينخفض عدد السكان من سنة إلى أخرى، نتيجة انخفاض معدلات الخصوبة، وتراجع عدد المواليد، وقلة الإقبال على الزواج، ولأن بعض العائلات تكتفي بمولود واحد، بحيث ينجب كل زوجين طفلا واحدا، في هذه الحالة سيتناقص عدد السكان، ومع استمرار معدلات الوفاة ستبدأ الأعداد بالتقلص بشكل أكبر، ولو افترضنا استمرارية هذه الحالة، وهي غالبا لا تستمر بسبب تنبه الدولة لخطورة الوضع واتخاذها إجراءات وقائية عديدة، ولكن لو افترضنا مثلا استمراريتها، مع حدوث جائحة كبيرة، أو تعرض البلد لكارثة طبيعية خطيرة، أو دخولها في حرب مدمرة فإن هذا قد يؤدي إلى تقلص الأعداد وصولا إلى حافة الانقراض.

ولكن حتى لو افترضنا اختفاء شعب معين من خارطة العالم السكانية، فإن هذا لن يؤدي إلى احتمالية انقراض الجنس البشري، ذلك لأن التعداد العالمي للسكان أكبر بكثير من تعرضه لخطر الانقراض.. كان هذا ممكنا في العصور السحيقة، حيث تعرض البشر مرتين لخطر الانقراض، كما انقرضت فعليا أجناس بشرية كانت تنافس جنس الهومو، مثل النياندرتيال، أما اليوم، حتى لو افترضنا نجاح مؤامرة "المليار الذهبي" فسيبقى العدد كبيرا.. وطبعا تلك النظرية في منتهى الغباء والسخف ولا وجود لها إلا في عقول البلهاء..

الجنس البشري ممكن أن ينقرض في حالة وصول النيزك، أو نشوب حرب نووية.. وغير ذلك فإن البشر باقون على الأرض ما شاء الله لهم البقاء.. بمعنى أن انقراض البشر هو مجرد وهم، ولكنه قد يتحول إلى هاجس واحتمال له أسبابه في حالات محددة جدا..

وفي تاريخ الكرة الأرضية توجد حالات كثيرة جدا تحول فيها الوهم إلى حقيقة.. لعل أشهرها حادثة انقراض الديناصورات، فبعد أن عاشت تلك المخلوقات الضخمة لمدة تزيد عن ال160 مليون عام (عمر الجنس البشري 200 ألف سنة فقط)، وتفردت خلالها بسيادة الأرض وظلت متوهمة أن بقاءها سيدوم للأبد، فكل الخيرات متوفرة بكثرة، والأيام منذ ملايين السنين تشابه بعضها، حتى لمع جسم متوهج في الفضاء، وأخذ يكبر ويكبر، ويقترب من الأرض بسرعة شديدة.. حتى الثواني الأخيرة قبل ارتطامه بالأرض كانت الديناصورات متمسكة بوهم الاستمرار، ثم وقعت الكارثة وانقرضت الديناصورات بلمح البصر، واختفت معها ثلاثة أرباع الكائنات الحية والتي كانت أيضا تعيش الوهم ذاته.. حدث هذا قبل 65 مليون سنة.

وفي تاريخ البشرية توجد ما لا حصر لها من حالات توهم الاستمرار إلتى تحولت إلى حقيقة، فلدينا العديد من الحضارات القديمة، التي سادت ثم بادت، وتحولت إلى مجرد ذكرى، ولدينا شعوب أبيدت عن بكرة أبيها، وممالك قوية كانت ذات حصون منيعة وجيوش جرارة واليوم بالكاد يذكرها بعض المؤرخين، ولغات تقادمت ثم ماتت، ودول قوية ظهرت ثم اختفت، ومدن كبيرة كانت مزدهرة، هجرها سكانها وصارت مجرد أطلال خربة..

في مصر القديمة تعاقبت ثلاثون أسرة على الحكم، كان كل ملك منهم يظن أن حكم أسرته سيدوم أبد الدهر، إلى أن انتهت تلك الحضارة الممتدة وصارت مزارات سياحية..

في بلاد فارس، ظن كسرى أن حكم سلالته خالدا، حتى فر خائبا بعد هزيمته التاريخية بما استطاع حمله من حلي وجواهر، ثم أتى الشاه وأقام حفلا أسطوريا في ذكرى 2500 سنة من حكم الإمبراطورية الإيرانية، وبعد سنوات قليلة لم يجد أرضا تقله، فمات كمدا.. ولم يداني ذلك الحفل سوى الاحتفال الأسطوري لملك إفريقيا الوسطى "بوكاسا" الذي كلف ميزانية الدولة، وأراد منه تكريس نفسه كملك مدى الحياة، وانتهى به الأمر بعد ثلاث سنوات بالنفي ثم السجن..

وكان مروان الثاني آخر خليفة أموي، وقد لقب بالحمار لأنه لم يدرك حجم الثورة العباسية، التي طاردته من بلد إلى آخر حتى قتلته في مصر، وكذلك فعل عبد الله الصغير، حين بكى كالنساء حكما لم يحافظ عليه كالرجال، وبهزيمته أفل الوجود العربي في الأندلس..

قبل ذلك، وأثناءه، وبعده تعاقب عشرات الخلفاء والسلاطين، ومئات الملوك والرؤساء والزعماء.. كان كل واحد منهم يعيش وهم الاستمرار، وإنه إن مات سيرثه أبناؤه.. وهؤلاء جميعا انتهوا بمصائر مختلفة.. وأغلبها كارثية..

من عاش قبل ثمانينات القرن الماضي كان يعتقد جازما أن الاتحاد السوفييتي سيعمّر طويلا، ولم يكن أحدا يتصور نهايته.. لكنه تفكك في أسابيع قليلة.. في القرن الماضي تبدلت خارطة الدول الأوروبية وتغيرت حدودها ونظمها وأسماءها عشرات المرات، اختفت دول، وظهرت مكانها دول أخرى، حدث هذا لمعظم دول العالم، ربما مصر من الدول القلائل في التاريخ القديم والحديث التي حافظت على حدودها السياسية كدولة مركزية.. لكنها كانت تذوب ضمن إمبراطوريات أكبر، ثم تنبثق من جديد.. ومع ذلك غيرت لغتها وديانتها ثلاث أو أربع مرات على الأقل..

في عصرنا الراهن، يعيش معظمنا "وهم الاستمرار" معتقدا أن دولا كبرى ستظل قائمة للأبد، أو لأمد طويل، والمتفائلون يعتقدون أن تلك الدول العظمى ستنتهي عاجلا أم آجلا، وستنهار، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، والتي بانتهائها ستنتهي إسرائيل تلقائيا.. أي بعد أن يتغير النظام السياسي الدولي.. لكن علينا ألا نفرط في التفاؤل، ونظن أن التغيير سيكون للأحسن، وأن الحق سينتصر حتما.. هذا أيضا مجرد وهم، لأن البقاء للأصلح والأقوى، وليس بالضرورة أن يكون على الجانب الخيّر..

تنقرض الدول والحضارات حين لا ترى الأخطار المحدق بها، ولا ترى عوامل الانهيار الداخلية، أو تراها ولا تفهمها، أو تفهمها ولا تفعل شيئا..

مشكلتنا كعرب أننا لا نرى الخطر الحقيقي، ومن يراه لا يفهمه، ومن يفهمه لا يفعل شيئا..

وأخشى أن يكون مصيرنا كالديناصورات..   


سبتمبر 24، 2023

سامحنا يا رب على أخطائنا الصغيرة


في كتابه "وعاظ السلاطين"، يقول عالم الاجتماع العراقي "علي الوردي": "مشكلة الواعظين أنهم لم يدركوا طبيعة البشر على حقيقتها، وعزوا لهم صفات ملائكية هم منها براء، وطالبوهم بما لا طاقة لهم به، ونصحوهم بما يتناقض مع فطرتهم، وأمروهم أن ينـزعوا عنهم ثوبهم الآدمي ويتقمصوا ثوباً آخر لا وجود له إلا في عالم الأحلام والمطلق والمثاليات". ويضيف: "حين نعِظُ أي إنسان لا نؤثر إلا في عقله الظاهر فقط، لأنَّ عقله الباطن مشغول بما يوحي إليه العرف الاجتماعي من قيم واعتبارات؛ أما عقله الظاهر فقد امتلأ بهذه المواعظ منذ صغره، ولكنه لا يتأثر بها ما دامت معاكسة لقيم العرف الاجتماعي التي نشأ عليها، ومعاكسة لطبيعته الآدمية، وهنا ستنشأ الازدواجية وتنشق الشخصية إلى شقين: أحدهما يخصص لسماع المواعظ وترديدها، فيما يبقى الشق الآخر حراً للجري وراء أهداف الحياة".

أي أنّ "الكبار" ملئوا رؤوسنا بمواعظهم الكثيرة، وحددوا لنا معايير أخلاقية لا قِبل لنا بها، ولا تتناسب مع طبيعتنا الإنسانية؛ فالإنسان يحب الدنيا من أعماق قلبه ويود الاغتراف منها بكلتا يديه، ويتشبث بالحياة إلى أبعد الحدود، وهذه صفة طبيعية ونزعة بشرية لا جدال فيها، بينما يأتي الواعظون فيحضونه على ترك الدنيا والزهد فيها والترفع عن ملذاتها.

والإنسان بطبيعته خطّاء؛ قلبه هش، اشتياقاته وهواجسه كثيرة، ومخاوفه أكثر وأكبر، قد يضعف، أو يخاف، أو ينحّي عقله جانباً مستجيبا لنوازعه المادية ومتطلباته الجسدية، أو لأنَّ إحدى جيناته البدائية نهضت فجأة، وقد يصغر أمام نداءات معدته، وتحفز هرموناته الجنسية، وقد يضطر للإنحناء في وجه عاصفة عاتية، وقد تنهار روحه تحت وطأة الضغوط.

والإنسان عبارة عن تشابك معقد من الدارات الكهربية، ونتاج سلسلة من التفاعلات الكيماوية، وانعكاسا لتوفر أو انخفاض منسوب بعض الهرمونات والأنزيمات والعناصر التي تحدد طبيعة مزاجه، ومدى نشاطه، ومقدار تحمله، وإلى أي مدى يتحمس ويذهب في انفعالاته.. وهذه كلها تجري دون علمه غالبا، ودون إرادته أحيانا، وقد لا يستطيع التحكم بها في معظم الأحيان.

وهو أيضا نتاج بيئة وُجد فيها دون إذنه، ومحصلة عملية تربية وتعليم ممنهجين كان خلالهما مجرد متلقي، وهو ابن ثقافة أنتجها له الآخرون، وواقع اقتصادي اجتماعي فُرض عليه..

ومع كل ذلك، يمتلك الإنسان وعيا  وذكاء كافيين لرسم معالم حياته وشق مساراتها، وتحديد هدفه، وكيفية تعامله مع نفسه ومع الناس وكيفية تفاعله في محيطه الاجتماعي.. أحيانا تكون مساهمته في بناء شخصيته وصناعة حاضره ومستقبله كبيرة جدا، وأحيانا بقدر بالغ الضآلة..

والحياة التي نعيشها صعبة ومعقدة بشكل مرهق، وفيها مايكفي من التحديات والمشاكل والهموم والأوجاع والأحزان.. ولكلٍ منا همّه، ومخاوفه، وأسباب قلقه، ونقاط ضعفه.. لكلٍ منا سره الخاص، وذكرياته العزيزة، أو التي تعذبه، ومواقف محرجة يحاول نسيانها.. ومع ذلك نكابر، ونتحايل على أنفسنا، ونحاول دائما الظهور بأفضل صورة، وندّعي أننا أقوياء، وأننا لم نقترف خطأ واحدا.. أو نبرر لأنفسنا تلك الأخطاء..

نخجل أن نظهر ضعفنا، وكثيرا ما نقمع انفعالاتنا، ونكبت عواطفنا، ونحبس دموعنا خاصة أمام الغير..

صحيح أن الإنسان مطلوب منه ضبط غرائزه، والتحكم في انفعالاته، وتنظيم احتياجاته الجسدية والنفسية.. لكن للكبت تداعيات صحية سلبية وخطيرة.. وصحيح أن الأخلاق مهمة، وهي أهم سمات الإنسان، وما يميزه عن الحيوان، وأنَّ القيم الاجتماعية ضرورية لتنظيم الحياة والارتقاء بها.. لكن المعايير الصارمة التي نضعها على أنفسنا، أو تلك التي حددتها الأيديولوجيات، والقيود التي يفرضها المجتمع خلقت شيئا اسمه النفاق.. وازدواج الشخصية.. وأوجدت الكثير من الأمراض النفسية..

كل واحد منا اقترف أخطاء فادحة، وراهن على حسابات خاطئة، أو جَبُن في لحظة ما، أو خذل نفسه وخذل الآخرين، أو وجد نفسه منقادا للقطيع بلا إرادة.. ولكننا ندعي غير ذلك.. بعضنا يعيش بضمير مؤنب معذب، ولا يسامح نفسه على خطأ ارتكبه قبل سنين بعيدة، وبعضنا بلا ضمير..

ستتعب كثيرا إذا واصلت بحثك عن الكمال، وأبشّرك بأنك لن تصل.. وستكذب كثيرا حتى تظهر بالصورة المثالية التي يريدها لك المجتمع.. وستفشل حتما إذا كان هدفك إرضاء كل الناس.. وستضيّع وقتك وجهدك في كتب التنمية البشرية، والاستماع للمواعظ.. لأنك ستظل أسير طبيعتك البشرية الضعيفة والهشة..

سامح نفسك على أخطائك، وسامح غيرك على ما اقترفوه بحقك.. إذا جربت ذلك ستنال السكينة وستصل إلى الرضا، والتصالح مع الذات.. ستدرك حينها أن الحياة ممكن أن تكون أكثر بساطة، وأحلى..

ما تحتاجه أن تتخفف من أحمالك الثقيلة، وأن تتحرر من قيودك وأوهامك، وأن تتصرف على سجيتك، بلا تحفظات..

وفي هذا السياق، أحببتُ ما كتبه الصديق أسامة الأسمر: "أحيانا، أحب في الناس آثامهم النحيلة.. أحب كذباتهم الصغيرة للمرور من موقف محرج.. أحب غضبهم الذي ينفجر بلا سبب ولكنه ضروري للحفاظ على توازن منشود بعد هدوء طويل متواطأ عليه.. أحب تبرمهم وسخطهم من الحياة بعد إقامة طويلة في الرضا والسلامة والمشي الحيط الحيط.. أحب هروبهم من المسؤوليات تحايلا على "سيستم" طحن أيامهم بالاكتراث للآخرين من الأحباب والأوغاد.. أحب سرقاتهم الضئيلة فهم يستحقون أحيانا "رزقا" بلا تعب أو تعتير... أحب خيانتهم لمبادئهم التي توهموا طويلا أنها صليب الغفران عن آثام لم يقترفوها.. أحب حتى أولئك الذين يصلّون بلا وضوء عندما يحين وقت صلاة الجماعة أثناء دعوة غداء.. وأحب الذين يتحمسون لرواية قصصهم التي لم تحدث لهم.. أحب الراسبين في التوجيهي وأولئك الذين مزقوا كتبهم آخر يوم في الامتحانات وتوجهوا نحو سينما الخيام.. وأحب الذين يدّعون الصيام في رمضان ويحرصون على تناول السحور مع العائلة.. أحب الفاشلين الضاحكين بامتياز على أصحاب "من جد وجد"، و"من طلب العلا سهر الليالي"، وأحب المصابين فجأة بالكسل فلطالما قاموا "بكير" ولم يفعلوا شيئا.. فلم العجلة !ربنا نرجوك ألا تأخذنا على محمل الجد، فنحن جميعا قصتنا مع الحياة ومع الناس عويصة".

سبتمبر 21، 2023

في دلالات أعمار القادة والزعماء


في المقال السابق ألقينا نظرة سريعة على القادة والزعماء خلال القرن العشرين الذين أسهموا في تغيير العالم بصورة إيجابية، ووجدنا متوسط أعمارهم فوق الستين عاما، وأبرزهم: المهاتما غاندي، مانديلا، كاسترو، ياسر عرفات، جواهر نهرو..

ولكن لو أخذنا عينة من قادة ذلك الزمان والذين أحدثوا تغييرات مختلفة أغلبها سلبية ومدمرة، سنجد أن متوسط أعمارهم كان أقل من خمسين عاما، وإليكم بعض الأمثلة:

استلم "جوزيف ستالين" السلطة وهو في الثالثة والأربعين من عمره، وفي عهده حدثت مجاعات رهيبة راح ضحيتها الملايين، وارتكب مجازر دموية وحملات قمع طالت خيرة العلماء والأدباء والمفكرين، وقد أسس بيروقراطية ثقيلة وعقلية أمنية مغلقة كانت من بين أسباب انهيار الاتحاد السوفييت لاحقا.

أما الزعيم الصيني "ماوتسيونغ"، فقد تولى قيادة الحزب الشيوعي وهو في أواخر الثلاثينات من عمره، ودانت له السلطة في نهاية أربعينياته، وطوال عهده ارتكب سلسلة من الأخطاء التاريخية والقرارات المتهورة التي أدت لحرب أهلية، ومجاعات فظيعة أودت بحياة عشرات الملايين، وحين مات كانت الصين من بين أفقر دول العالم.

وكذلك، حين تولى "هتلر" قيادة الحزب النازي كان بعمر الثالثة والثلاثين، وحين استلم السلطة كلها كان بعمر الثالثة والأربعين، وقد ورط بلاده في حرب عالمية تسببت بمقتل خمسين مليون إنسان، وكان قد عيّن نائبه "هيملر" وعمره 28 سنة، وعيّن "رينهارديش" قائد الجستابو وعمره 30 سنة، ومعروف للعالم ماذا ارتكب هؤلاء من جرائم بحق البشرية.

وفي كمبوديا، تولى "بول بوت" قيادة الخمير الحمر وهو في الأربعينيات من عمره، وخلال سنوات قليلة ارتكب مذابح جماعية مات فيها نحو مليوني إنسان، وقام بتفريغ العاصمة والمدن من سكانها وإجبارهم على العيش في الأرياف والغابات.

وكذلك فعل "عيدي أمين"، رئيس أوغندا الأسبق، الذي تولى السلطة بعمر 35 عاما، وخلال فترة حكمه قتل نحو 10% من السكان.

ولو أخذنا أمثلة للزعامات العربية، سنجد مثلا الرئيس "جمال عبد الناصر" تولى السلطة وعمره 35 عاما، وأوكل قيادة الجيش لصديقه "عبد الحكيم عامر" ومنحه رتبة مشير وكان عمره 34 سنة، لذا لم يكن مستغربا أن الزعيم المحبوب كان صاحب المنجزات التاريخية والأخطاء التاريخية.

أما "صدام حسين"، فقد شغل منصب نائب الرئيس وهو بعمر 31 عاما، وكان الرئيس الفعلي للعراق، وطوال عهده ورط البلاد في سلسلة حروب مدمرة، وحكمها بقبضة حديدية بالغة القسوة، وبسياسات متهورة أفضت إلى الواقع المأساوي الذي يعيشه العراقيون اليوم.

وكذلك "القذافي"، فقد دانت له السلطة وهو بعمر 27 سنة، وحكم البلاد بسياسات فاسدة ومغامرات متهورة، وبسلطات دكتاتورية، قادت إلى النتائج الكارثية التي تعاني منها ليبيا اليوم.

وكان الرئيس اللبناني الأسبق "بشير الجميل" قد تولى قيادة حزب الكتائب وهو في العشرينيات من عمره، وصار رئيسا وهو في الخامسة والثلاثين، وطوال فترة قيادته للحزب كان من أمراء الحرب الأهلية، وعلى علاقات وثيقة بإسرائيل..

ويمكن استعراض أمثلة أخرى، لكن المجال لا يتسع، وهذه مجرد عينة إحصائية تم تناولها من زاوية محددة (العمر)، وحتما هناك العديد من الزوايا الأخرى التي يمكن من خلالها الوصول لفهم أوسع وأعمق للظاهرة (وأيضا المقال لا يتسع لذلك كله)، وبالطبع الربط بين الرئيس وعمره ليس بتلك السهولة، مع أن العمر عامل عامل مهم لكنه ليس حاسما، ويمكن الاستدلال بأمثلة لا حصر لها عن رؤساء وملوك تولوا السلطة وهم في سن مبكرة وحققوا نجاحات مهمة وقادوا بلادهم إلى الازدهار والأمان، فمثلا الملك حسين، تولى العرش وهو بعمر 18 سنة، وعاشت الأردن في عهده بدرجة معقولة من الأمن والازدهار، وتجنب خوض مغامرات عسكرية أو اتخاذ قرارات متهورة.

وسنجد في المقابل قادة وزعماء كانت أعمارهم فوق الستين عاما، ومع ذلك كانوا فاشلين ومستبدين، أو ارتكبوا جرائم حرب فظيعة مثل: تشرشل، ترومان، شارون، وأغلب رؤساء الولايات المتحدة.

مع أن الأمثلة التاريخية العديدة تسعفنا في التوصل لعلاقة عضوية ما بين عمر الرئيس وطبيعة حكمه، ومدى نجاحه أو فشله، إلا أن عوامل أخرى متداخلة ومعقدة لا ينبغي إهمالها.. عموما منصب الرئيس ليس كأي منصب، يعني تولي قيادة البلد والتحكم بمقدراته، واتخاذ القرارات المصيرية التي تمس حاضره ومستقبله، وحتى جيرانه، وهذه مسائل خطيرة ومعقدة وتحتاج ثقافة واسعة ودراية وخبرة طويلة وحكمة وسمات شخصية معينة وتدريبات مستمرة في شتى المجالات.. أي تحتاج قائدا بعمر الكهولة والحكمة، قائد أنضجته السنون على مهل، وعمقت إنسانيته وحسه بالمسؤولية.. ولذلك من النادر جدا أن ينجح رئيس وهو في مقتبل العمر، حتى لو كان النظام السياسي والإداري للدولة متينا وراسخا، حيث يظل هناك هوامش عديدة (لكنها خطيرة) تقيس مدى أهلية القائد للحكم، ومدى خبرته وحنكته..

وقد أوضحت لنا الأمثلة التي قدمناها أن هؤلاء القادة "الشباب"، كانوا يتصرفون بتهور واندفاع وبمغامرات غير محسوبة، وبميل للاستبداد والقمع وخوض الحروب، وقد قادوا بلدانهم للخراب، وفي السياق ذاته يمكن استعراض أمثلة لقادة "شبان" لبعض قادة دول الخليج الذين تورطوا في مشاريع اقتصادية غير مجدية، وانفتحوا بسياسات تطبيع مجاني ومذل مع إسرائيل، وتساوق كامل مع الهيمنة الأمريكية، ودون أدنى فائدة لبلدانهم.. وفي أمثلة المقال السابق لاحظنا كيف سلّمت "القيادات الشابة" في أوروبا بلدانهم بمقدراتها وقراراتها لصالح حلف الناتو، وضد مصالح شعوبهم.


سبتمبر 20، 2023

أعمار القادة والزعماء


لو ألقينا نظرة سريعة على القادة والزعماء خلال القرن العشرين الذين أسهموا في تغيير العالم (سواء أحببناهم، أم لا)، سنجد متوسط أعمارهم فوق الستين عاما، على سبيل المثال: المهاتما غاندي، مانديلا، كاسترو، ياسر عرفات، جواهر نهرو، جوزيف تيتو، سلفادور أليندي، أنديرا غاندي، شارل ديغول..

ولو ألقينا نظرة على متوسط أعمار رؤساء أهم الدول في الوقت الحالي سنجد متوسط أعمارهم أيضا بين 60 إلى 85 عاما.. الولايات المتحدة، روسيا، الصين، الهند، تركيا، اليابان، البرازيل، جنوب أفريقيا، المكسيك، إيران، الأرجنتين، كوريا الجنوبية..

طبعا لم أذكر رؤساء الدول العربية لأن هذا الموضوع خارج سياق المقال، ولكن بالتأكيد لاحظتم عدم ذكر أي دولة أوروبية، فبعد رحيل شيراك، ومغادرة ميريكيل السلطة ظهر جيل جديد من القيادات الأوروبية الشابة (رؤساء حكومات ووزراء) متوسط أعمارهم بين 30 إلى 45 عاما..

فمثلا رؤساء كل من فرنسا، بريطانيا، إيرلندا، الدنمارك، فنلندا، أستونيا، ليتوانيا، سلوفاكيا، قبرص، مالطا، لوكسمبورغ، أوكرانيا.. جميعهم عندما تولوا السلطة كانوا أقل من 45 عاما، حتى رئيس المجر الحالي وهو في الستينات من عمره الآن، لكنه في السلطة للولاية الرابعة على التوالي، أي أنه كان في الأربعينيات حين استلمها.

السؤال المطروح: كيف نفهم ظاهرة القيادات الشابة في أوروبا بالتحديد (يُضاف إليها كندا ونيوزلندا)؟ ولماذا كان رؤساء دول أوروبا حتى أمد قريب جدا بمتوسط أعمار يتناسب مع المتوسط العالمي أي بحدود الستين؟ ثم فجأة بدأنا نلحظ وصول رؤساء حكومة ووزراء وقادة أحزاب ونواب في سن الثلاثين عاما! وما دلالات ذلك؟

سنجد الجواب في سياسات تلك الدول، وتمحورها في الفلك الأمريكي، وخضوعها للسياسات الأمريكية، وأبرز دليل على ذلك موقفها من الحرب الروسية الأوكرانية، وهي الحرب الأولى في التاريخ التي لم يجتمع من أجلها مجلس الأمن لإصدار قرار وقف إطلاق النار، ولم تبدِ أي دولة محاولة جدية ولا حتى شكلية لوقفها، ولم تظهر أي وساطة لحل النزاع والتوصل لحل سلمي! لأنّ أمريكا تريد لهذه الحرب أن تستمر، ولأن روسيا أيضا تريدها أن تستمر..

روسيا تريد إحداث تغيير جذري في بنية النظام العالمي وفي تحالفاته وتكتلاته الاقتصادية، وهذا الأمر يحتاج قوة تمتلك طول نفَس، وإنضاج على نار هادئة، بما في ذلك استنزاف قدرات أوروبا.. ولحد الآن يبدو أنها قادرة على ذلك.

أمريكا تريد استمرار الحرب لهزيمة روسيا والصين معاً، ولإبقاء هيمنتها على النظام الدولي.. وهذا يتطلب وقوف أوروبا إلى جانبها.

أي أن أمريكا تستنزف قدرات أوروبا، وتجبرها على اتخاذ مواقف سياسية ضد مصالحها القومية والاقتصادية.. وكذلك تفعل أوروبا بأوكرانيا.. الجميع يمدها بالسلاح والعتاد والمال بحجة حمايتها من الغزو الروسي، ولا أحد يفكر بمصلحة أوكرانيا الحقيقية. الجميع (وأولهم رئيس أوكرانيا) ضحى بأوكرانيا نفسها، وبحاضر ومستقبل الشعب الأوكراني، لمصلحة حلف الناتو..

والسبب أن رؤساء مثل "زيلينسكي"، و"ماكرون" وغيرهم من قادة الدول الأوروبية التي ذكرتها تم إعدادهم لهذا الغرض، أي ليكونوا مجرد بيادق يحركها حلف الناتو.. وقد تم ذلك على مهل، فقد جرى إعدادهم بعناية، وإرسالهم في رحلات دراسية إلى واشنطن، ودعمهم من قبل المخابرات الأمريكية، وبتوصيات من مراكز أبحاث متخصصة ومن منظمات دولية وأباطرة رأس المال، وجرى دعمهم إعلاميا وتسهيل مهمة وصولهم للسلطة، وهم في هذا السن المبكر. والغرض من ذلك كله إدامة احتلال حلف الأطلسي لأوروبا، وهذا المشروع بدأ بخطة "مارشال" في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وتتم إدامته عبر التخويف من الخطر السوفييتي، ثم من الخطر الروسي، أو الصيني.. والإبقاء على القواعد الأمريكية، وعلى علاقة التبعية والخضوع لأمريكا، وأخيرا عبر تنصيب رؤساء وقادة بمعرفة وتدبير وكالة المخابرات المركزية.

وتحت شعارات "القيادات الشابة"، و"التجديد"، و"تمكين المرأة"، و"المساواة"، يتم اختيار شبان متميزون وأذكياء وطموحون ممن دروسا في جامعات معينة، ويتم تدريبهم في مؤسسات خاصة، وفتح الطرق أمامهم لوصولهم أعلى المناصب.. ولتلميع هذه الظاهرة وجعلها جذابة وعصرية وذات مصداقية يتم الترويج إعلاميا لمسلكيات محببة تظهر تواضعهم ونزاهتهم، مثل ركوب البسكليت، أو مصافحة المواطنين، واستخدام المواصلات العامة، والوقوف في الطابور.. أو الترويج لسقطات بسيطة يقع فيها بعض أولئك القادة، مثل استقالة وزيرة بعد تعرضها لحملات إعلامية بسبب استخدامها بطاقة فيزا خاصة بعملها، أو حملة إعلامية ضد وزير لأنه يستخدم ماكينة قهوة باهظة الثمن في مكتبه على حساب دافعي الضرائب (علما أن ثمنها 500$)، أو حملة ضد رئيس حكومة لأنه ارتكب مخالفة مرورية.. وهكذا..

مع أننا نتمنى انتقال هذه العدوى الجميلة لبلداننا العربية، لنتعلم منها معنى الوظيفة الرسمية وحقوق المواطنة، وكيفية المعارضة، وأسس النزاهة والشفافية.. لكن بيت القصيد يكمن وراء تلك "النزاهة"، والمصائب كلها خلف مسمى "القيادات الشابة".. فبينما ننشغل بمخالفة المرور وبطاقة الفيزا وماكينة القهوة.. ننسى تسويق القيادات "الشابة" لسياسات الولايات المتحدة وتنفيذهم إملاءاتها حرفيا حتى لو كان ذلك على حساب بلدانهم، وعلى حساب حاضر أوروبا ومستقبلها، وضد مصلحتها كليا..

المسألة باختصار استمرارية هيمنة حلف الناتو على أوروبا، والحيلولة دون استقلالها سياسيا، واستخدامها في الحرب ضد روسيا، وفي الحرب الاقتصادية مع الصين، وبما يشمل أيضا مواقف أوروبا في كل ما يتعلق بالصراع العربي الصهيوني وبمكانة إسرائيل بالنسبة لأمريكا، وموقعها المصان في الإقليم، بما يضمن بقاؤها، واستمرار تفوقها، ودليل ذلك التحولات السلبية في الموقف الأوروربي مؤخرا، والمعايير المزدوجة التي تستخدمها أوروبا في النظر للقضية الفلسطينية، ونفاقها لأمريكا ولإسرائيل والذي وصل حدا مقززا.

في المقال التالي نستكمل دلالات أعمار القيادات في سياقات أخرى..