أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

أغسطس 28، 2026

لغز الأديرة المنعزلة وعلاقتها بمكة المكرمة

في رحلة عائلية إلى وادي القلط على مقربة من أريحا، سلكنا طريقاً متعرجاً بانحناءات حادة، تحيط بها التلال من كل الاتجاهات. بعد نصف ساعة شعرنا كما لو أننا دخلنا الوادي المفقود، ازدادت وعورة الطريق، وازدادت معها عزلة المكان، إلى أن وصلنا مدخل الدير؛ ثلاثة أقواس حجرية باسقة، تقف على رأس منحدر حاد، شعرنا أننا انتقلنا إلى عالم آخر دفعة واحدة؛ منظر من النوع الذي لا يُنسى: إلى الشمال والغرب ثمة وادٍ سحيق ينحدر إلى الأسفل بقوة، في الجهة المقابلة تماما، ينتصب جدار صخري مهيب، بارتفاع يزيد عن المئة متر، في هذا الفضاء السابح بين الجبلين، وعلى كتفي الوادي لا تجد سوى الصمت مؤكداً على عذرية المكان، وعلى تواصله مع الزمن السحيق.. في وسط هذا الجدار الصخري، ينتصب دير "القديس جورج"، في منظر بديع يحبس الأنفاس، ويضفي على المشهد سحر الغموض.. أول ما تراه تتساءل بعفوية: كيف بُني هذا الدير؟! وأي فنان قدّه من الصخر!؟ ولماذا هذا المكان الذي تعزله عن العالم ممرات وعرة لا تسلكها إلا الضواري والطيور الجارحة!؟ من يسكن هذا الدير؟! وكيف وصلوا هنا أصلاً !؟

أثار الموضوع اهتمامي فشرعت بالبحث لأجد أنه ليس الوحيد من نوعه، على الأقل هنا في فلسطين وحسب القائمة المعدة لليونسكو يوجد 73 موقعاً شبيهاً. أشهرها "دير القرنطل" غربي أريحا (تأسس سنة 480 م)، و"دير القديس مار سابا" بالقرب من العبيدية (تأسس سنة 483 م)، وأقدمهم "دير القديس خارِيتون" (تأسس سنة  330 م).

قبل بناء تلك الأديرة، مع نهايات القرن الثالث الميلادي، أخذ النساك المسيحيون يتجهون إلى برية القدس وأريحا؛ فوجدوا في وادي القلط ما يبحثون عنه: العزلة، الصخور والكهوف، ومصادر المياه، فأنشأوا شبكة من الأديرة في الصحراء بين القدس وأريحا والبحر الميت تحولت مع مرور الوقت إلى مجتمع موازي يضم الكهوف، والكنائس، وخزانات المياه، ومخابز، وحدائق صغير يزرعون فيها بعض الخضروات، وحجرات للنسخ والكتابة، ومكتبات، وطرقاً تربط الأديرة ببعضها. ولم يكن اختيار تلك المواقع مصادفة معمارية أو جغرافية، بل هي ظاهرة تاريخية بدأت من مصر وانتقلت إلى فلسطين وسورية وآسيا الصغرى وإيطاليا، وحتى إثيوبيا، تعود جذورها إلى القرنين الثالث والرابع الميلاديين، ثم بلغت ازدهارها في القرنين الخامس والسادس.

ولكن لماذا بنيت تلك الأديرة على قمم الجبال، وفي أكثر الأماكن وعورة وعزلة؟

الأسباب متعددة ومتداخلة؛ العزلة تعني الهروب من العالم، أو الانسحاب من المجتمع.. والعزلة تعني أيضا الزهد، حيث كان الناسك يبتعد عن المدينة والسلطة والمغريات اليومية، ليكرس حياته للصلاة والتأمل، بهذا المعنى لم تكن الصحراء أو الجبل مجرد منظر جميل؛ كانت أداة روحية. إضافة لوجود رابط بين جغرافيا المكان والنصوص الدينية. فمثلا في المخيال المسيحي المبكر، الصحراء هي المكان الذي ذهب إليه موسى، وعاش فيها الأنبياء.. دير القرنطل ارتبط بتجربة المسيح الأربعينية.. عموماً أراد الرهبان أن يكونوا قريبين من الأماكن المقدسة، أي أن اختيار البرية حمل معنى دينياً بحد ذاته.

أما اختيار الأماكن الوعرة؛ ربما لأن الراهب لا يريد فقط أن يكون بعيداً عن الناس؛ بل أراد أن يكون الوصول إليه صعباً وشاقا وخطرا، سواء من قبل اللصوص، أو من قبل السلطات الحاكمة خاصة في فترات الاضطهاد الديني، أو من قبل الجيوش الغازية، لذا اختيرت مواقع الأديرة بحيث لا يمكن الوصول إليها إلا بممرات صغيرة ومنزلقات خطرة، أو باجتياز وادي سحيق وضيق، لكن بعد أن صارت المسيحية الدين الرسمي للإمبراطورية الرومانية لم يعد اضطهاد المسيحيين هو التفسير الوحيد؛ أصبحت العزلة نفسها قيمة دينية؛ فالصمت صلاة، وصعوبة الوصول اختبار للإرادة.

وهذا يفتح سؤال جديداً: ألا يتعارض اختيار المواقع الصعبة والنائية للأديرة مع مهمة التبشير، التي تقتضي تسهيل وصول المؤمنين للدير؟

قد يكون الجواب أن للدير مهمات تختلف عن الكنيسة، فالدير للعزلة والتأمل، حتى أن بعض الأديرة تجمد فيها الزمن، كانت في البداية فردية أي "ناسك منفرد" يعيش وحده في كهف أو صومعة، إلى أن وضع "باخوميوس" في مصر نموذجاً للرهبنة الجماعية في القرن الرابع، بحيث يعيش الرهبان معاً وفق نظام وقواعد مشتركة. وأصبحت تجمعات النساك والصوامع أساسا لما يسمى اللافرا، حيث يعيش الرهبان منفردين معظم الوقت لكنهم يجتمعون للصلاة والمناسبات الدينية.

لكن ظاهرة الأديرة النائية والمنعزلة لم تقتصر على فلسطين، سنجدها بكثرة في مصر، وسورية، وتركيا، وفي أثيوبيا حيث توجد كنيسة تعد الأخطر من نوعها في العالم، من حيث إمكانية الوصول إليها، إذ تحتاج مهارات خاصة في التسلق، وأي خطأ بسيط يكلف المؤمن حياته.

إذاً، بدأت الرهبنة كحركة منعزلة عن العالم، لكنها انتهت إلى صناعة عالم جديد؛ فبعض الكنائس بدأت بوصفها كهوفا للنساك ثم توسعت وتحولت إلى منشآت دينية أكبر.. وهنا يجب أن نتذكر أنّ الرهبان لم يكونوا يعيشون في فضاء مثالي؛ بل كانوا يتعاملون مع السلطات الحاكمة، والإمبراطوريات، والضرائب، والقبائل، والحروب، والحجاج، والسلطات الدينية، وأحيانًا كانوا يملكون نفوذاً سياسياً.. والأهم لديهم أسرارهم الخاصة.

قبل هذه الظاهرة بقرون، كان "الأسينيون" قد لجأوا للأماكن المعزولة هروبا من اضطهاد السلطات الدينية الرسمية، والأسينيون جماعة يهودية، ذات نظام ديني صارم انفصلوا عن التيار الديني السائد بسبب خلافات عميقة حول الشريعة، والكهنوت، واختبئوا في موقع خربة قمران في القرن الثاني قبل الميلاد (هناك عُثر على مخطوطات البحر الميت، التي تعد أهم وثيقة مكتوبة في التاريخ). ويُقال أنَّ بعض أفراد جماعة قمران فروا إلى قلعة متسادا غرب البحر الميت عندما اقتربت جيوش الرومان في القرن الأول الميلادي.

إذا اتفقنا أن العامل المشترك بين تلك الأديرة هو انعزالها، وبعدها عن الطرق التقليدية، وصعوبة الوصول إليها.. فهل هذا ينطبق على مكة المكرمة؟ من حيث أنها تقع في منطقة نائية، بعيدة عن طرق التجارة الدولية، يصعب الوصول إليها، ولا تتمتع بعوامل الجذب التاريخية، فليس فيها زرع ولا أشجار، ولا نهر ولا بحيرة، وبعيدة عن البحر، وأمطارها شحيحة، ومناخها قاسي وحار.. فلماذا وكيف صارت منشأ الإسلام؟

في البحث في هذا الموضوع الشائك سنواجه أسئلة محيرة تربك العقل.. قد نناقشها في مقال قادم.


أغسطس 23، 2026

ناخبين ومرشّـحين

 

اعتاد الناخب الفلسطيني (والعربي عموماً) على منح صوته في صندوق الاقتراع وفق معيارين: ينتخب قريبه أو ابن عشيرته بغض النظر عن مؤهلاته وصفاته.. أو ينتخب كتلة الحزب الذي ينتمي إليه أو يؤيده، وأيضا بغض النظر عن الأسماء والبرامج.. لنفترض أن هذه الشريحة لا تمثل الأغلبية، لنأخذ الشريحة الأوسع التي تحسم خيارها في اللحظة الأخيرة، هؤلاء ينتخب معظمهم بمنطق المناكفة، بمعنى أن الناخب لا يقرأ برنامج الحزب أو القائمة التي يعوّل عليها، أو التي يحمل تجاهها مشاعر السخط والإحباط ويذهب مباشرة للجهة الأخرى، أي أنه يُنزل عقوبة بحق الجهة التي يعاديها أو التي خيبت أمله وينتخب منافسها.. هذا حدث فعليا في انتخابات التشريعي 2006..

هذه العقلية تنسحب أيضا على المرشحين أنفسهم، فنجد بعض الكتل الانتخابية تتموضع على الجانب الذي يداعب عواطف الجمهور، وهنا لا تقدم الكتلة نفسها بوصفها صاحبة برنامج مستقل وواضح بقدر ما تطرح نفسها في مواجهة الخصم (الذي تعتقد أن الجمهور ساخط عليه) وكأنها تعرف عن نفسها من خلال هوية النقيض. بعبارة أخرى ستختار الكتل خصمها قبل أن تبلور برنامجها المستقل وتقدم وعودها للناخبين، وقبل أن تختار الحليف.

بإسقاط هذه الفرضية على الحالة الفلسطينية الراهنة سنجد أن ما يغري الكتل السياسية للترشح هو إحساسها بحالة السخط ومشاعر إحباط الجمهور من السلطة ومن فتح، معتقدة ومراهنة على أن غضبها من السلطة سينصب مباشرة لصالحها، بوصفها البديل. لذا، سنلاحظ قريبا جدا أن برامج ووعود المرشحين ستركز بصورة أساسية على نقد وتشخيص أخطاء السلطة (مع المبالغة والتضخيم إذا لزم الأمر، وغالبا سيلزم)  والتركيز على إخفاق مشروعها السياسي وعلى الأرجح لن يقدموا تصورات عملية للحل، سيكتفون بعبارات غامضة ومطاطية وشعارات فضفاضة تداعب العواطف.

مشكلة هذا النهج أنه لا يقوم على مبدأ "ماذا نريد؟"، وما هو برنامجنا المفصل، بل يراهن على توجهات الشارع المثقلة بذهنية "ماذا لا نريد".. هذا النهج في حال نجاحه يؤدي فقط إلى إسقاط الخصم، دون ضمانات وتفكير وتصور لما هو بعد إسقاطه. لأن إسقاطه في الحقيقة هو الهدف.

طبعا، التخوفات من إسقاط السلطة تدل على ذهنية سطحية، ربما تعوزها الذكاء؛ فهل يُعقل أن الكتل السياسية (المعارضة للسلطة) ستشارك في الانتخابات، وتتحمل أعباءها، ثم تنجح، وتسيطر على البرلمان، وحينها ستقول: هذه سلطة فاشلة، ونعلن انسحابنا واستقالتنا!! إذا الهدف هو السيطرة على السلطة، وهذا هدف مشروع، إذا كان القصد منه الإصلاح ومعالجة العيوب، وإجتراح سياسة جديدة تقود إلى مخرج وانفراج..

وهنا، بصفتي ناخب، قبل أن أقرر لمن سأمنح صوتي، سأفكر ملياً، وسأدرس برامج ومقترحات الكتل المتنافسة، وسأطرح عليها سؤالا مركزيا: إذا كان سخط الشارع على السلطة بسبب انغلاق الأفق السياسي وعدم التوصل إلى دولة بعد 30 سنة من أوسلو، وبسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية، وأزمة الرواتب والبطالة، وبسبب عجزها عن التصدي للاعتداءات المستوطنين، وعجزها عن تقديم ما يلزم لغزة، أثناء العدوان وبعده.. وبسبب ما يُقال عن الفساد والمحسوبيات.. أمام النقاط السابقة، ماذا ستقدم؟ ما هو برنامجك التفصيلي وآليات العمل؟ بماذا بالضبط ستختلف عن السلطة؟ وما هو الشيء الذي ستقدمه وعجزت عنه السلطة، أو تلكأت عن تنفيذه؟

وإذا أضفنا أسئلة تتعلق بالموقف من حماس، ومن تسليم السلاح، الإصلاحات المطلوبة من السلطة، شكل العلاقة مع  إسرائيل، وأميركا، ودول الإقليم.. هل لدى الكتل المتنافسة إجابات واقعية ومنطقية تختلف عن وتتقدم على موقف السلطة الحالي؟

باعتقادي أن الإجابة الوحيدة التي قد تحمل قدرا من الواقعية والصدق ما يتعلق بموضوع مكافحة الفساد، عدا ذلك سندخل في دوامة الشعارات، والمزايدات، والوعود المثالية.. التي ستصطدم بصخرة الواقع عند أول اختبار.

علماً، أن معظم الشعارات التي نطلقها بخفة ونصدقها بسذاجة تحتاج لتنفيذها مقدرات الجيش الأحمر.. وتذكّر دائما أم منطق المعارضة يختلف كليا عن منطق الحكم، وفي تجربتنا العربية حين تصل المعارضة للحكم تكون أسوأ من سابقتها..

بالمناسبة، ندرك تماما أن المجلس التشريعي مقيد بصلاحيات معينة، وله دور وظيفي محدد، عدا عن المحددات التي تقيد السلطة نفسها، ونعرف حدود الإمكانيات الفلسطينية، والضغوطات المسلطة على السلطة والشعب.. لذا لا أطالب الكتل الانتخابية بوعود لإيجاد حلول لتلك المعضلات.. وكل كتلة تقدم وعودا من هذا النوع سأعرف أنها تكذب وتزاود، أو أنها غير مدركة لطبيعة دورها.. لكن من حقي أن أعرف تصورات وموقف ورؤية كل مرشح من هذه النقاط..

الوعود التي سأطالب بها تنحصر في: العمل على استصدار قوانين وسن تشريعات معينة (سأتحدث عنها لاحقاً)، ومراقبة أداء الحكومة، ومحاسبتها، وتكثيف العمل في مكافحة الفساد واجتثاثه، وحث الحكومة على تحسين أدائها في التعليم والصحة والبنية التحتية ومشاريع التنمية والاهتمام بالشباب وإنصاف المرأة، وانتظام الرواتب، وصرف مستحقات الموظفين.. ويخلف عليكم..

أغسطس 21، 2026

تحالف مريب

 شاع في الأوساط الإعلامية نبأ قيام تحالف انتخابي سيضم حماس، والجهاد الإسلامي، والتيار الإصلاحي في فتح (دحلان)، والجبهة الشعبية، والمبادرة الوطنية.. لم يتأكد الخبر حتى الآن، ومع ذلك قيام مثل هكذا تحالف يستدعي العديد من الأسئلة والاستنتاجات:

مبدئيا، تحالف طرفين أو أكثر لأغراض انتخابية أو سياسية أمر طبيعي ومشروع، وحتى لو كان بينها تاريخ من العداوات، ففي عالم السياسية الكثير من المحرمات تغدو مباحة، ولا توجد عداوات دائمة ولا صداقات دائمة، بل مصالح متغيرة.. ولكن، هذا النوع من التحالف إن صمد لفترة من الزمن، فإنه سرعان ما سيتفكك وينهار، نظرا لحجم الهوة ونوعية التناقضات بين أطرافه، ولو صمد إلى ما بعد الانتخابات (وأشك في ذلك) فمن شبه المؤكد أنه سيتلاشى بعدها، وستعود الأطراف إلى صراعاتها واصطفافاتها السابقة..

للجبهة الشعبية تاريخ حافل من التمنع السياسي بدءأ من تمنعها الانخراط في معركة الكرامة، مرورا بمقاطعتها لعديد من دورات المجلس الوطني، واستنكافها الدخول في السلطة والحكومة على مدار العقود الماضية، وحتى مقاطعتها الانتخابات أحيانا.. فلماذا وما هو دافعها الانخراط في هذا التحالف؟

تاريخياً، للجهاد الإسلامي موقف ثابت ومعروف يمتنع فيه عن المشاركة في أية انتخابات، أو الدخول في النظام السياسي، حتى أنه لا يعترف بمنظمة التحرير.. فلماذا الآن قبِل المشاركة في الانتخابات؟ هل يعني ذلك أنه سيعترف بمنظمة التحرير، وبالتزاماتها السياسية! وسيوافق على اشتراطات المجتمع الدولي..

المبادرة الوطنية تنظيم يساري منبثق عن حزب الشعب (الحزب الشيوعي سابقا)، يتبنى المقاومة السلمية والمفاوضات، وسبق لقائده المشاركة في اجتماعات مع أطراف إسرائيلية، ما يعني أنه يؤمن بفكرة التعايش والحل السلمي والحوار مع الطرف الآخر.. كيف ولماذا تحول فجأة إلى حزب ثوري يدعو للكفاح المسلح ويمجّد الصواريخ والقذائف؟ ويتنبى خطاب حماس دون تحفظ!

أما التناقض الأبرز، والذي يستدعي ألف سؤال؛ تحالف تيار دحلان مع حماس! فعندما قامت حماس بالانقلاب 2007، قال قادتها عبر تسجيلات موثقة أنها لا تعادي فتح، ولا السلطة.. مشكلتها فقط مع دحلان، الذي وصفته بالخائن والفاسد وقائد كتائب الموت... اليوم سيتحالف الطرفان! هل يعني ذلك تلقائيا أن حماس تتحالف مع "الخائن" و"الفاسد"؟ أم أن دحلان أعلن توبته وصار وطنياً؟ أو أن حماس كانت تكذب حينها؟ حتى لو تجاوزنا عن ذلك، لماذا سيتحالف الطرفان الآن، وكلنا يعرف مرجعية كل طرف!

أبناء التيار الإصلاحي، خاصة من سكان غزة، والذين يحمّلون حماس مسؤولية الكارثة الكبرى التي حلت بالقطاع، وطالما توعدوها بالمحاسبة ودفع الثمن، أو على الأقل دعوا لإقصاء الحركة.. وبالمثل أبناء حماس الذين تربوا لسنوات على أن دحلان خائن وفاسد.. السؤال: كيف سينتخب كل طرف الطرف الآخر؟ كيف سيواجه نفسه أمام المرآة؟

لو نظرنا لخلفية ومرجعية كل طرف، والجهة الداعمة له، والتي يمثلها وينفذ أجنداتها.. سنجد كلٌ من: إيران، تركيا، قطر، الإمارات.. وهذه الدول بينها ما صنع الحدّاد؛ تنافس على الإقليم، وصراع سياسي قديم، ولدى كل دولة توجهاتها ومصالحها وأهدافها.. وبالطبع من يمثلها في الساحة الفلسطينية.. لماذا التقت هذه الدول هذه المرة؟ ولأي غرض؟ وهل فعلا ستلتقي سياسيا وإستراتيجياً؟ وإلى أي مدى؟ وماذا بشأن علاقاتها مع الولايات المتحدة؟ والدور الإسرائيلي، واشتراطاته؟

إجابات العديد من تلك الأسئلة واضحة، ولكن السؤال الأخير فعلا محير.. وإذا أضفنا سؤالا عن دور مصر واستضافتها لقاءات أطراف التحالف، سنزداد حيرة.. وربما نعيد النظر في الاستنتاجات السابقة؛ فتقريبا ينظر الجميع إلى أن هذا التحالف هدفه الإطاحة بالرئيس عباس، أو بدرجة أعمق الإطاحة بفتح، فتحت ذريعة إنهاء التفرد في النظام السياسي الذي يقوده أبو مازن، هل المقصود إنهاء تفرد فتح، وإنهاء قيادتها للسلطة؟ خاصة وأن هؤلاء جميعا تجمعهم خصومة فتح منذ زمن بعيد.

قد يكون الهدف من الإعلان عن هذا التحالف ممارسة ضغط إعلامي على الرئيس لإخافته من نتائج الانتخابات، مما يدفعه إلى إلغائها، أو تأجيلها ريثما تتوفر ظروف أحسن لحماس. أو ممارسة ضغوطات سياسية على السلطة وفتح لدفعها تقديم تنازلات لهذه الفصائل المتحالفة. سواء تنازلات جماعية تخص الكل. أو تنازلات تخص كل فصيل على حدة بما يناسب احتياجاته. أو أنه تحالف مصلحي مبني على فرضية أن دحلان بوسعه أن يكون جسر القبول الدولي لمشاركة حماس بالنظام السياسي الفلسطيني، خاصة بعد تعهدها بتسليم سلاحها، ونيتها التحول إلى حزب سياسي..

السؤال الأهم، هل هدف التحالف الحالي الاكتفاء بالمشاركة لخوض الانتخابات؟ أم الذهاب باتجاه تولي قيادة السلطة؟

إذا كانت الإجابة نعم، سنفتح مجموعة أسئلة جديدة:

قبل الأسئلة، سأتجاوز عن كل مقولات "مصلحة الشعب"، و"مصلحة القضية"، و"الوحدة الوطنية"، و"ضرورة التغيير"، و"استعادة الديمقراطية"، و"الإصلاح والتغيير".. كلها مقولات جميلة، ولا خلاف عليها من حيث المبدأ.. لكنني متشكك جدا، ربما إلى درجة اليقين، أن أطراف التحالف والدول الداعمة له تؤمن حقيقة بهذه الشعارات، وأنها صادقة في نيتها تجاه مصلحة الشعب والقضية والوطن.. هذه لعبة باتت مكشوفة.. وأخشى أن تكون تمهيدا لتقاسم المصالح بين دول الإقليم خاصة في غزة، في إطار خطة ترامب لإعادة الإعمار.

لنفترض جدلا أن التحالف فاز بأغلبية وشكّلَ حكومة، ماذا سيكون برنامجها السياسي والنضالي؟ هل ستتبنى نهج المقاومة بصيغتها المعروفة؟ على أي أساس ستقدم أوراق اعتمادها لأميركا وللمجتمع الدولي حتى تنال اعترافهم وقبولهم؟ لأنه في حال عدم قبولهم ستكون تهمة الإرهاب جاهزة، وستتعرض لحصار خانق.. وفي هذه الحالة إما أن تفشل، أو ستواجه مصير السلطة الحالي بحيث تكون عاجزة عن توفير حتى أنصاف الرواتب.. هل ستقول لا لصفقة القرن، وتواجه ترامب؟ وهل ستتحايل على قضية مخصصات ذوي الأسرى والشهداء، وعلى قضية تغيير المناهج، وغيرها من مطالب المجتمع الدولي تحت مسمى الإصلاح.. بماذا ستختلف عن السلطة الوطنية الحالية؟ هل تدرك أطراف التحالف أن منهج وعقلية المعارضة لا تصلح لإدارة السلطة وحماية مصالح الشعب ومستقبلهم؟

المفارقة أن إعلان التحالف سيعمل ضده؛ أبناء التيار الإصلاحي سيرفضون انتخاب حماس، لأنهم غاضبون مما تسببت به في غزة.. وأبناء حماس سيرفضون التصويت لتيار دحلان لاعتبارات قديمة، وبسبب علاقات الإمارات مع إسرائيل. أما بقية الأطراف فلا تتمتع بقاعدة جماهيرية.. من جهة ثانية قد يستثير هذا التحالف حمية أبناء فتح، حين يرون حركتهم تتعرض لخطر وجودي، فيتحدون ويستنهضون قواهم الكامنة..

لمن أقرأ؟

 

تمرّ البلاد في محنة قاسية، في غزة يعيش الناس بين القصف والحصار والغلاء، يبيتون في خيم بائسة، يزيد بؤسها موجات الحر المتلاحقة، وأسراب البعوض، وقطعان الجرذان.. في الضفة عربدات المستوطنين، وأزمة البنزين، وأزمة الشيكل، وأنصاف الرواتب.. وفي الأفق تلوح تباشير تغييرات لا نعرف في أي اتجاه ستكون..

نشرات الأخبار تدعو للإحباط، الإذاعات المحلية تنتقي أغاني مملة، تدفعني لتغيير المحطة فوراً، أشعر بالزهق، أبحثُ، مثل كل مواطن، عن أي شيء يخرجني من دائرة الهموم والأحزان، أي شيء ينسيني الواقع، أترقب رسالة تأتي من عالم الغيب تحمل أنباء سارة.. أنظر إلى هاتفي النقال على أمل أن يأتيني بمكالمة تعيد لي توازني، أو خبر مفرح، أو مفاجأة غير متوقعة.. يرن الهاتف إشعارا بتلقي رسالة، يخفق قلبي متفائلا بأنها رسالة من البنك: تم إيداع راتبك كاملا، ياله من حلم جميل، طيب على الأقل نصف راتب.. فإذا بها رسالة من وكالة وفا: الاحتلال يقصف تجمعاً في خانيونس، ورسالة أخرى: المستوطنون يعتدون على مزارع في طوباس.. بقية الرسائل: إشعارات من الاتصالات، ومن مصلحة المياه، ومن شركة الكهرباء بضرورة دفع الفواتير المستحقة..  

افتح "الواتس اب": "غروبات" من كل نوع، عشرات الرسائل جميعها منسوخة عن بعضها، مقاطع فيديو لمؤثرين يتلاعبون بأعصابنا ويستخفون بعقولنا، أخبار مفبركة، صور بالذكاء الاصطناعي، ونظريات مؤامرة.. أغادر الصفحة وفي كل مرة أعاهد نفسي ألا أعود إليها.. ولكني أعود من باب التياسة..

يرن الهاتف بإشعار جديد، هذه المرة رسائل الماسنجر، وكالعادة: "جمعة مباركة"، وأدعية معدة بالفوتوشوب، والأغرب منشورات سبق أن منحتُها إشارة إعجاب حتى يعرف أصحابها أنني قرأتها فلا يرسلوها على الخاص..

أفتح صفحتي على فيسبوك لمتابعة أية ردود فعل على مقالي، فإذا بجميع الإشعارات: فلان وفلان وفلان ذكروك مع المتابعين، أي دعوة منهم لقراءة منشوراتهم.. حسناً.. أقرأها بسرعة وأوزع عليهم "لايكاتي" بسخاء، وقلوب حب أحيانا..

لنأتي إلى الجَد؛ أظلُّ أقلّب صفحات الفيس على عجل، قافزاً عن الدعايات، ومتجاوزا مقاطع الريلز، وممتعضا من أغلب المنشورات، وممتعضا أكثر من التعليقات.. أتحمل هذا العذاب بانتظار ما سينشره بعض الأصدقاء والكتّاب والإعلاميين، الذين أقرأ كل ما ينشروه باهتمام بالغ، حتى عندما يغيبون لفترة، أفتش عنهم.. سأذكر بعضا منهم، وبترتيب عشوائي، لا يعني تفوق أحدهم على الآخر، فكلهم مبدعون..

البداية طبعاً مع زوجتي الغالية خلود، ولأن شهادتي بها مجروحة سأكتفي بالاعتراف بأن الكثير من مقالاتي مستوحاة من أفكارها الإبداعية..

الصديق عماد الأصفر؛ أقرأ كل ما ينشره بنهم، يكتب بأسلوب السهل الممتنع، بنظرة ثاقبة، وبوصلة وطنية إنسانية لا تخطئ..

عامر بدران؛ لا أفوّت شيئا مما يكتبه، يمزج ببراعة بين السخرية والتحليل العميق، والثقافة الواسعة بأسلوب ساحر يستحضر أمثلة من التاريخ ويضعها في قلب الحاضر.

الإعلامي محمد دراغمة: من وجهة نظري الشخصية أعده أحد أكفأ الإعلاميين في الساحة الفلسطينية، يوجز تقريره بأقل الكلمات وأكثرها وضوحا، دون ثرثرة، بمهنية عالية دون أن يتخلى عن وطنيته وفلسطينيته.

عصمت منصور: أنتظر ما يبثه وما يكتبه لأعرف بالضبط أين ستتجه الأمور، هو لا يكتف بالشرح العميق والتحليل الصائب، بل يحرضنا جميعا على التحرك والمبادرة، بالمعايير الوطنية والأخلاقية، ولأنه صادق يتحمّل كل الأذى من الذباب الإلكتروني، ومن الصفحات الصفراء.

زملائي كتّاب "الأيام"، أقرأ لهم جميعاً، ولكن باهتمام خاص أتابع مهند عبد الحميد، أصدق وأوضح صوت فلسطيني متنور وإنساني، وأكرم عطا الله، بتحليلاته الواعية وبروحه الوطنية المنحازة لفلسطين.. بعيداً عن السياسة، في مجال النقد أقرأ خربشات عادل الأسطة، وتحليلات أحمد زكارنة.. وجميع القطع الأدبية الرائعة للمبدع زياد خداش بمفارقاتها المثيرة ودلالاتها المدهشة..

أترقب مقالات الرفيق عبد المجيد حمدان، لما تحملها من عمق تاريخي وفلسفي يضعها في قلب الحالة الفلسطينية، وأمير داوود، وخالد سليم لقلمهما الرشيق والمحبب..

من غزة: د. تيسير عبد الله: بمفرده، وبإمكانيات بسيطة، وفي ظروف في منتهى القسوة استطاع أن يخلق حالة غير عادية، يعمل بكفاءة وكالة أنباء، يحلل بعمق ورؤية ثاقبة، ويكتب بنبض صادق، يحمل آلام ومعاناة الغزيين..

د. فضل عاشور: بذهنية تقدمية، وبكل وضوح وسلاسة يجمع بين العلم والتحليل النفسي (بحكم تخصصه) وقضايا التحرر والنضال الوطني.

د. رياض عواد: من وعيه العميق وحسه الإنساني، ومن تجربته الشخصية المؤلمة يشخّص حال غزة وواقعها.

أكرم الصوراني: بقلمه الساخر، وبنبضٍ يفيض بمعاناة التجربة، يدعونا أن نسخر من مأساتنا وأن نتعظ منها..

أمين عابد: يكتب لفلسطين ولغزة ولفتح بقلبٍ مضرج بالمعاناة، وبجسدٍ مثخن بالجراح، وبأصابع كسّرتها طغمة حاقدة، يكتب بحب وإخلاص..

من غزة أيضا أتابع بشغف واحترام كل ما يكتبه إبراهيم إبراش، وجميل عبد النبي، وهالة حسين، وأمجد أبو كوش، ومحمد التلباني، وماجد هديب، ومحمود جودة، وشجاع الصفدي، وسامية الغصين، وفداء زياد، ونعمة حسن.. وفي الحقيقة ما زلت متعجبا كيف يكتبون هذه الإبداعات وهم في قلب جحيم الحرب يكتوون بتداعياتها!

من الأردن الشقيق: أتابع باحترام منشورات الناشط هاشم العامر، والشاعر مروان البطوش.. وأحييهم على شجاعتهم في التصدي للغوغاء، وتفنيدهم للإعلام المضلل..

إذا أردت أن يكون وقتك على الفيس مفيداً وممتعاً، تابع أيٍ من هؤلاء.. ولن تندم.

طبعاً، هناك أسماء وازنة غفلتُ عنها دون قصد، أو لم يتسع المقال لذكرها، أعتذر لهم..

أغسطس 20، 2026

جينات وكتالوجات متوارثة

قبل نحو 300 ألف سنة انفصل عن «الرئيسيات العليا»، نوع جديد سيعرف لاحقًا باسم «الإنسان العاقل»، وعلى مدى أجيال متلاحقة توارث جينات الهروب من الخطر. فقد كانت الأخطار في تلك الحقبة السحيقة تحيط به من كل جانب؛ وكان تقريباً من أضعف الكائنات التي عاشت آنذاك. فلم يكن سريعاً كالفهد، ولا مفترساً كالأسود، ولا قوياً كالدببة، ولا رشيقاً كالسعادين. لم تكن لديه أنياب كالذئاب، ولا درع كالسلحفاة، ولا فراء كالخراف، ولا مخالب كالنسور. لا يمتلك سمًّا كالأفاعي، وليس بوسعه التخفي كالحرباء، ولا هو ضخم كالفيلة. لم يكن قادراً على مجاراة الحيوانات في كثير من خصائصها التي تساعدها على البقاء؛ لذلك عاش "رميا" و"جامعا للثمار" لفترة من الزمن، قبل أن يمتلك مهارات الصيد.

وبالرغم من كل نقاط الضعف تلك، فإنه امتلك ميزات انفرد بها، جعلته قادراً على النجاة من كل تلك الأخطار: الذكاء، والذاكرة، والقدرة على التكيف، والتعاون، والتواصل، والتخطيط، والمرونة الغذائية.

وفي رحلته الطويلة نحو التطور والانتشار في ربوع الكوكب، تعلم كيف يصنع الأدوات ويستخدمها، وكيف يروض النار، خلال تلك الأزمنة توارث جينات الخوف؛ الخوف من الوحوش، ومن المرتفعات، ومن العتمة، ومن الجوع والأوبئة الغامضة وموجات الصقيع والحر المتعاقبة.. كانت تلك المخاطر تعني شيئا واحداً: الموت..

وبعد أن عرف كيف يعيش في شكل مجموعات متعاونة فيما بينها، إُضيف خطر جديد على قائمة الخوف: الخوف من المجموعات البشرية الأخرى المنافسة.. فقد كانت الموارد شحيحة، والمواجهات بين تلك المجموعات تخضع لمعادلة صفرية، إما البقاء أو الفناء.. ونظرا لقسوة الظروف آنذاك كان ذلك الإنسان البدائي عنيفاً، عدوانياً، متأهبا على الدوام..

وحين اجترح أول ثورة معرفية، وطور أساليب التواصل، واجترح اللغة، وشكّل الأسرة، ومن ثم القرية وحتى نشوء الـمُلكية ظلت علاقته بنفسه وبالآخرين وبمحيطه الخارجي خاضعة لعوامل وظروف قاسية، وأُضيف للخوف صفات أخرى: الغضب، والحسد، والجشع، والأنانية، والشك، وظلت تلك الصفات تتأصل وتتعمق مع نشوء الحضارات ونظام الإقطاع، وصولا للرأسمالية.. وأضيفت إليها سمات الاستغلال والقسوة.

طوال تلك الأزمنة ظلت الصفات والجينات المتوارثة تخضع لعوامل البيئة، والقدرة على التكيف، وفي إطار الغرائز البدائية، أي في الأنظمة الانفعالية في الدماغ، ولكن بعد الثورة الزراعية ثم الصناعية بدأ يخضع لعوامل أخرى مهمة: العوامل الثقافية؛ بما فيها الدين والقيم والأعراف.. وصارت تلك جزءا من تكوينه النفسي ومن وعيه لذاته..

الطفل لا يرث «جينًا ثقافيًا» يحدد له معايير الصواب؛ الجينات تؤثر في بنية الدماغ، وفي الاستعدادات، وتكوين الهرمونات، والطباع، والاستجابات الانفعالية، لكن السلوك الإنساني نتاج تفاعل بالغ التعقيد بين الجينات والبيئة والتعلم والثقافة والتجربة الفردية.

بمعنى آخر، لدى الإنسان استعدادات تطورية وأنظمة عصبية وانفعالية تشكلت تحت ضغوط الانتخاب الطبيعي، يعبّر عنها بالتعلم والثقافة..

إذا تناولنا الموضوع من ناحية أخرى، بمسار مواز للمسار الغرائزي طوّر الإنسان منظومة أخلاقية مبكرة، كان هدفها بداية درء المخاطر وتجنب الخسائر وتنظيم حياة المجموعات البشرية الأولى، فكان مثلا تحريم القتل (أو عدم الإسراف به) لأنه سيؤدي إلى خسائر في مقدرات القبيلة البشرية وسيضعفها في مواجهة القبائل الأخرى. ثم تحريم العلاقات الجنسية داخل الأسرة الواحدة، ثم تحريم السرقة والتعدي على ممتلكات الغير.. كانت تلك لغرض تلبية حاجاته الأساسية.

ومع تطور وسائل الإنتاج، واستبعاد خطر المجاعة بسبب وفرة الموارد، ومع الاستقرار في مجتمعات ثابتة، بدأت المجتمعات النووية بالتشكل وصار ضروريا لها الاتفاق على المزيد من النظم الأخلاقية لضبط شؤون المجتمع، وصار لكل قبيلة أو قرية زعيما، ومن حوله طبقة حاكمة، وصار ممكنا توثيق تلك النظم الأخلاقية والاتفاق عليها، ما مهد لنشوء الدول والحضارات والأديان والقوانين والدساتير.. وصار الإنسان أقل ميلا للعنف، وأكثر تهذيبا.. لكن هذا المسار التطوري لم يلغِ العنف؛ بل جعله أقل فردية وأكثر تنظيماً.

ومع نشوء المدنية ارتقى الإنسان بمسلكه وطرق تفكيره وبعلاقاته، وصارت العوامل الثقافية أكثر تأثيرا وتعكس نفسها على التكوين النفسي والعاطفي والاجتماعي وتحل شيئل فشيئا مكان الغرائز البدائية، وصولا إلى الإنسان الحديث منشئ الحضارات المتطورة والتكنولوجيا والقوانين العصرية وفي مقدمتها قوانين حقوق الإنسان..

إذاً؛ نمت الحضارة الإنسانية في خطين متوازيين، خط الغرائز البدائية، وخط العوامل الثقافية، كانا يتعارضان مرة، ويلتقيان مرة.. فإذا كان جميع البشر تقريبا ورثوا تلك الجينات البدائية (العنف، الغضب، الخوف، الشك، العدوانية، القسوة، الأنانية..)، كما توارثوا سمات (التعاطف والحب.. )؛ فإن كل تكتل بشري موجود حاليا ورث كتالوج ثقافي مشترك (الأخلاق بشكلها الأساسي)، وكتالوج ثقافي محدد ومميز يختلف بين تكتل وآخر، تبعا لمسار التطور الاجتماعي لذلك التكتل.. ولكن ليس كل تحديث ثقافي يعد تقدماً أخلاقياً بالضرورة.

بعبارة أخرى: ورث الإنسان قابلية التعاون وقابلية الصراع معاً، ليأتي دور الثقافة والمؤسسات والظروف لتحدد أيهما يُستثار ويصبح أكثر تأثيراً.

للتوضيح: إذا كنت بالغاً عاقلاً وتظن نفسك تمتلك أفضل الصفات الأخلاقية، وتتبع الدين الصحيح، وتنتمي للطائفة الناجية، سليل عرق أصيل، وخيارات وتوجهاتك صائبة.. هنا لا أناقشك إن كان ظنك بنفسك صحيحا أم لا، ولا أناقش صوابية خياراتك وتوجهاتك، وأخلاقية قيمك وتقاليدك.. أريد أن أقول لك أنك توصلت إلى أغلب تلك القناعات بدون أدنى جهد منك، ببساطة أنت ورثتها عن أسلافك الأولين.. تصرفاتك التلقائية وانفعالاتك الغرائزية تنفيذ آلي لكتالوج جيني كُتب في زمن سحيق على شريط الDNA، في كل سنة كان يُضاف سطرا جديدا، حتى تكوّن "الجينوم" البشري الحالي، وعلى مستوى أكثر تقدما؛ ما تفكر به، وما تتصرفه، وقراراتك اليومية تطبيق لكتالوج ثقافي كُتب قبل آلاف السنين، والطبعة التي تشتغل عليها حضرتك كتبها أجدادك قبل بضعة مئات من السنين ربما أكثر أو أقل تبعا لنوع القرار والحكم والتوجه الحالي..

فإذا كنا كبشر لا نختار نقطة انطلاقنا، لكننا نستطيع أن نختار ما إذا كنا سنستمر في السير منها أم سنراجعها. وإذا كنا لا نختار جيناتنا، ولا لغتنا، ولا العصر ولا البيئة التي نولد فيها، لكننا نستطيع أن نراجع ونقيّم وننقد كل ما ورثناه..

وهنا تكمن معاني الإنسانيته والتفرد والتميز وحرية الاخيتار..

هناك مجتمعات استحدثت كتالوجها الثقافي الخاص بما يتناسب مع مسارات العصر المتسارعة، وهناك مجتمعات بقيت أسيرة ومقيدة بكتالوجاتها الثقافية القديمة.. وهناك أشخاص منقادون وراء مجتمعاتهم وفق نظام القطيع، وأشخاص خرجوا عن قطعانهم.. هناك أشخاص وعووا طبيعة غرائزهم البدائية وهذبوها، وهناك أشخاص فشلوا في ذلك، وظلوا بدائيين في مسلكهم وتفكيرهم. وهنا ستنشأ معضلة أخرى: قد يظن الشخص أنه تحرر من الكتالوج الثقافي، لكنه قد يكون ببساطة انتقل إلى كتالوج آخر..

لو أخذنا مجتمعاتنا العربية الحالية مثالاً، لنفهم ونقيّم منظوماتها القيمية وأعرافها وتقاليدها ومسلكها وعلاقاتها الخارجية ونظرتها للعالم ولنفسها، وطرائق تفكيرها، ووعيها لذاتها.. سنجد أجزاء كبيرة منها تطبق كتالوج أُعد قبل نحو ألف سنة، كل جيل ينسخه حرفيا بأمانة ودقة، وكل من حاول الخروج عنه، أو التشكيك به، أو المطالبة بتطويره. كان يجري تكفيره ونبذه وقذفه بأبشع التهم..