أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

يوليو 27، 2026

أدب، بالذكاء الإصطناعي


حين سألت الذكاء الاصطناعي قبل سنتين عن خالد بن الوليد، أجاب بأنه "أمير سعودي، قاد معركة أُحد وانتصر فيها على المسلمين، مهتم بالمسرح ويُعد من رواد الفن التكعيبي، ويشغل حاليا منصب الرئيس التنفيذي لشركة الاستثمار القابضة..".

هذا كان طبيعيا ومتوقعا، إذ كان الاستخدام العربي للذكاء الاصطناعي في بداياته، خاصة وأن هذه التقنية تعتمد أساسا على ما هو متوفر من محتوى منشور على المواقع الإلكترونية مجال البحث. ولأنها تطور نفسها بنفسها من خلال التفاعل مع الأسئلة والتغذية الراجعة ومراكمتها.. ما حصل لاحقاً أن إجابات الذكاء الاصطناعي صارت أفضل بكثير، بل بدرجة مذهلة.. وستكون أكثر إدهاشا مع مرور الوقت..

للتأكد سألت الذكاء الاصطناعي: ما رأيك باستخدام الذكاء الاصطناعي في مجال الأدب والرواية؟ وهل يمكن تمييزه؟ فأجاب: "الأمور أصبحت أكثر تعقيدًا مما كانت عليه قبل عامين. ففي بدايات النماذج اللغوية كان من السهل تمييز النصوص التي يكتبها الذكاء الاصطناعي، أما اليوم فأصبح الأمر أصعب بكثير، لكنه ليس مستحيلًا. يستطيع الذكاء الاصطناعي كتابة أدب جيد من الناحية اللغوية، وأن يقلد أساليب كبار الكتّاب، وأن يبني حبكات وشخصيات وحوارات مقنعة، وأن ينتج رواية كاملة متماسكة إذا وُجِّه بصورة احترافية. لكن هناك فرقًا بين النص الجيد والأدب الكبير.. وإذا كانت الرواية مولدة بالكامل، فإن القارئ الخبير يلاحظ أمورًا مثل: لغة متقنة أكثر من اللازم، تخلو من العثرات البشرية. تشبيهات جميلة لكنها متوقعة ومتكررة. شخصيات تتحدث جميعها بصوت واحد. غياب التفاصيل الصغيرة التي لا يعرفها إلا من عاشها. حبكة منطقية جدًا لكنها تفتقر إلى المفاجآت العميقة. تفسير كل شيء للقارئ، بدل ترك مناطق غامضة. أما إذا استخدم الكاتب الذكاء الاصطناعي كمساعد، ثم أعاد كتابة النص مرات عديدة وأضاف خبرته وتجربته، فتصبح عملية التمييز شبه مستحيلة".

الأدب العظيم لا يقوم على البلاغة وحدها، بل على الرؤية. والرؤية وليدة تجربة إنسانية معاشة، واحتكاك طويل بالحياة، وذاكرة شخصية، وتناقضات نفسية، وخسارات وانتصارات. الذكاء الاصطناعي لا يمتلك ذاكرة ذاتية ولا تجربة وجودية، بل يعيد تركيب ملايين الأنماط اللغوية التي تعلمها. لهذا قد يكتب رواية ممتعة، لكن القارئ لن يعيشها.

حالياً: تمت برمجة الذكاء الاصطناعي بحيث يمتنع عن الخوض في القضايا الإشكالية والحساسة والمثيرة للجدل خاصة السياسية والأيديولوجية والدينية، ويمتنع عن استخدام "الإيروتيك" في الأدب، أو استخدام الألفاظ "الخادشة للحياء"، أو التحريض على التمرد، وهذه العناصر باعتقادي جوهر الأدب الجيد والراقي وميزته، فإذا فُقدت في أي عمل إبداعي سيفقد روحه، سيكون مثل وردة بلاستيكية. سيكون أدبا متحفظا، يميل إلى الوعظ ويدعو للفضيلة..

حالياً، لا توجد أداة موثوقة تستطيع الجزم بأن رواية ما كتبها الذكاء الاصطناعي. ولكن من يدري كيف سيكون المستقبل؟

قد يكون من غير الأخلاقي إستخدام الذكاء الاصطناعي في توليد نص إبداعي ثم إدعاء الكاتب أنها من نتاجه الخالص.. هذا كذب وتزييف.. ولكن ما المانع في الاستعانة بهذه التقنية؟ كأن يعمل  الذكاء الاصطناعي كمدقق ومحرر أدبي أو ناقد أول: يساعد في اختبار الحبكة، واكتشاف الثغرات، واقتراح صيغ لغوية، وبدائل، أو مساعدة الكاتب في العصف الذهني وتجاوز ما يُعرف ب"قفلة الكاتب"، أو للتأكد من دقة معلومة.. بينما تبقى الرؤية والصوت والتجربة والخيال على عاتقه وملكاً له.Top of Form

لماذا أجاز العالم استخدام الذكاء الاصطناعي في كافة المجالات، بل وتفاخر بها: الطب، التحاليل المخبرية، الهندسة، التصاميم، تحليل البيانات، الإحصاءات، البرمجة، الاتصالات، الأرصاد الجوية، التصوير، السينما، محركات البحث، الابتكار والتطوير الصناعي.. بينما وقف متسائلا ومحذرا عند الأدب؟

هذا مجرد تساؤل.. والإجابة المتوقعة أن الأدب شأن إنساني خالص، وقيمته الحقيقية لا تكمن في الصياغة وحدها؛ هو تجربة وجدانية، هو رحلة نحو الخلاص الروحي أو العيش في القلق، هو عصف ذهني، وطرح أسئلة وجودية، ونبش تناقضات النفس البشرية وصراعاتها الداخلية، والغوص عميقا في أعماق النفس، وملامسة خلجات الروح.. لذا الأدب مختلف عن سائر التجارب البشرية.. ويصعب على الذكاء الاصطناعي أن يبتكر هذه العناصر من تلقاء نفسه.

في المستقبل ربما يطور الذكاء الاصطناعي نفسه لدرجة يستطيع فيها تقمص المشاعر والتجارب الإنسانية، وأن يطور ذاكرة شخصية، وأن يصبح قادرا على استدعاء المكان، والتقاط التفاصيل الصغيرة، بنبرة تأملية تمزج السرد بالفكرة، وبرؤية واعية، وبلغة إبداعية، مستفيدا من أعمال الأدباء الكبار أنفسهم!

حينها، ماذا سيفعل الأدباء؟ هل ستتولى دور النشر المهمة؟ وكل ما عليها تقديم طلب للذكاء الاصطناعي: أريد رواية إنسانية درامية مشوقة بالمواصفات التالية.. وخلال سويعات تكون الرواية قد صدرت، وصارت الأكثر مبيعا!

سيواجه الشعراء نفس مصير الروائيين المجهول.. ستطلب دار النشر من الذكاء الاصطناعي ديوانا من مائة صفحة يضم قصائد على بحر الكامل، وأخرى على بحر البسيط، مع خاتمة نثرية درويشية.. وقد تطلب شركة توزيع أغنية بصوت كلثومي على مقام الصبا، وأخرى شبابية على إيقاع البوب، والهيب هوب.. ماذا سيفعل الملحنون؟ وكتاب السيناريو؟ والمسرحيون؟ والنحاتون؟ ورواد الفن التكعيبي "المنسوب لخالد بن الوليد"؟

سؤال أخير، وخطير: ماذا لو كان المؤلف عبارة عن ذكاء اصطناعي؟ السؤال الأخرى والأخطر: ماذا لو كانت دار النشر عبارة عن منصة إلكترونية يملكها ويديرها الذكاء الاصطناعي؟ السؤال الكابوس: ماذا لو كان جمهور القراء عبارة عن روبوتات آلية؟  بما فيهم النقاد والمعجبون والرافضون؟

أهلا بكم في ديستوبيا المستقبل..

يوليو 26، 2026

دردشة، عن الإعلام بين زمنين

 

أثناء طفولتي اشتغلت في بيع الجرائد، أذهب في الصباح الباكر إلى مكتبة صلاح لأستلم 30 نسخة من الجرائد المحلية، أبيع منها 20 نسخة لأصحاب البقالات في سوق صويلح، وما تبقى يشتريها بعض المارة، أكثرهم دعماً لي أو شفقة عليّ.. ذات يوم فكرتُ بطريقة لزيادة حجم المبيعات، فقررت التوجه إلى الجامعة الأردنية متوقعا نفاذ الكمية بسرعة.. وقفتُ عند بوابة الجامعة ساعات تحت الشمس دون أن أبيع نسخة واحدة، كان الطلبة يمرون عليّ كما لو إني شفّاف غير مرئي.. فكرتُ أن أتحرك وأتجه للطلبة عارضاً عليهم بضاعتي فعزّت عليَّ نفسي، وقلت لو أنهم يريدون الشراء سيأتون بأنفسهم..

تساءلت حينها بحيرة: لمَ لا يشترون الجريدة، مع أنّ ثمنها لا يتجاوز الأربعة قروش! ألا يهتمون بأخبار السياسة والمقالات الثقافية؟ كانت تلك أول صدمة لي، من يومها قلتُ إن مقولة "طلبة الجامعة المثقفون".. عبارة عن كذبة، وعرفت لاحقاً أن هذه المقولة روجتها الحركات اليسارية لتستفيد من حماس الطلبة واندفاعاتهم وزجهم في التظاهرات الحزبية المعارضة.. بغض النظر عن مدى دقة تلك المقولة، هذا لا يعني بالضرورة أن جميع أصحاب البقالات مثقفون وحريصون على قراءة الجريدة، كنتُ أعرف أنهم يشترونها للاطلاع على أسعار الخضار والفواكه بحسب التسعيرة اليومية لوزارة التموين التي تعلنها في الجريدة.. أو لمشاهدة الإعلانات والدعايات وأخبار النعي والتهنئات المختلفة للمناسبات الاجتماعية.. أو لاستخدام الجريدة في تنظيف الشبابيك.. على فكرة، ورق الجريدة أفضل شيء لتجفيف وتلميع الزجاج.

بالتأكيد ليس هذا دور الجريدة التاريخي، ولم تكن تلك مكانتها عند الجميع.. كان هنالك دوماً (كما في كل مجتمع) فئات مثقفة ونخب متنورة وجمهور واسع يهتم بمتابعة الأخبار والتحليلات السياسية، وفئات عديدة تقرأ الكتب والمقالات بعناية واهتمام.. وهنالك فئة مدمنة على الجريدة الورقية، تحب مسكتها، ورائحتها وتقليب صفحاتها.. وللأسف هذه الفئة مهددة بالانقراض، كما أن المطبوعات الورقية نفسها مهددة بمواجهة المصير نفسه.

في تلك الأزمنة كانت الجريدة تتمتع بمصداقية عالية، وأخبارها موثوقة، وتحليلاتها صائبة (من وجهة نظر الناس)، كان إذا أراد أحد إثبات صحة خبر ما، أو برهنة مقولة معينة كان يكفيه القول "والله مكتوبة في الجريدة".. وإذا ظهر اسم أحدهم في الجريدة كان يتفاخر أمام الحارة، حتى لو جاء في سياق خبر عن حادث سير، أو ضمن أسماء الناجحين في "المترك".. أما من يكتب في الجريدة من مقالات وتحليلات فهؤلاء من علية القوم.. وكان كتّاب المقالات يحيطون أنفسهم بهالة من الغموض وكأنهم فئة خاصة، والناس تحترمهم.. لدرجة أنه في أول انتخابات برلمانية في الأردن (بعد عودة الحياة الديمقراطية) ترشح عدد كبير من كتّاب المقالات لمجلس النواب ومعظمهم فازوا..

بالمثل؛ كان للراديو والتلفزيون أيام مجـدٍ وعِـز، أبناء جيلي ومن هم أصغر قليلا يتذكرون تلك الأيام، ومدى صعوبة ضبط أكثر من قناتين تلفزيونيتين للسهرة، إما قناتي الأردن والشام، أو الأردن وإسرائيل.. وكان التلفزيون يغلق أبوابه بعد أخبار الحادية عشرة بقليل.. البرامج الحوارية قليلة جدا، وضيوفها محددين، لا أخبار عاجلة، ولا محلل إستراتيجي، ولا مراسلين.. ولم يكن يسيراً على أي مواطن الظهور على الشاشة، إلا إذا حالفه الحظ أثناء مروره في الشارع وتصادف حينها وجود مصور للأخبار.. فإذا كان من يظهر اسمه في الجريدة يتفاخر أمام الحي، فإن من يظهر على شاشة التلفزيون سيكون حديث المساء لسنة على الأقل.. لا أقصد المذيعين والممثلين ومعدي البرامج..

الحديث هنا ليس استدعاء حنين نوستالجي بقدر ما هو مقاربة بين زمنين، وتحديدا فيما يتعلق بالإعلام الموجه والإعلام المجتمعي، وكيفية تفاعل الناس مع تغيرات وسائل وأدوات الإعلام في كل مرحلة..

أتاحت الثورة المعلوماتية وظهور وسائل التواصل الاجتماعي الفرصة للناس للتعبير عن آرائهم، وهذا يحدث لأول مرة في التاريخ، بمعنى توفر الإمكانية لكل شخص أن يقول ما يريد، وأن يعلّق على أي مقال، أو يفنّد كتاب، أو ينتقد فيلم، أو يشتم السلطة.. قبل ذلك كانت أماكن وأدوات التعبير محصورة في البيانات الحزبية التي توزع بالسر بعيدا عن أعين المخابرات، أو الكتابة على الحيطان، وأبواب المراحيض العامّة..

هذه الفرصة التاريخية مهمة جدا وخطيرة جداً أيضاً، ومثل كل ظاهرة لها سلبياتها ومحاسنها.. الخطورة أنها جديدة على العالم، ولم تتأسس بعد خبرات تراكمية بحيث تصقلها وتهذبها وتخلصها من سلبياتها.. اليوم بوسع أي شخص مهما علت أو دنت مكانته أو تحصيله المعرفي يستطيع بكل سهولة وخفة أن ينشر بوست ويقول كل ما يريد، ليس هذا وحسب، فقد أتاحت التطورات التكنولوجية الإمكانية لكل شخص أن يتحدث للعامة بالصوت والصورة وعلى الهواء مباشرة، وأن تكون له قناة تلفزيونية خاصة بها، وقد يحظى بملايين المتابعين والمعجبين.. وهذه الفرصة لم تتوفر لكبريات المحطات التلفزيونية التي تكلف ملايين الدولارات.. وفوق ذلك تدر عليه أرباحا طائلة، وتحقق له الشهرة والانتشار..

قد يستغل الفرد هذه التقنية للتعبير عن رأيه، أو لنشر أفكاره، أو ليطرح نفسه شاعرا أو روائيا أو محللا إستراتيجيا.. هذا كله مشروع أو على الأقل موضع نقاش.. الخطورة هي استغلالها للتحريض على الخصوم.. ولأن عقليتنا وطريقة تفكيرنا قائمة على الثنائيات الحادة والمتقابلة، ومن عاداتنا الأصيلة التكفير والتخوين وتوزيع الاتهامات، وتبرئة الذات، وتحميل المسؤولية على الآخرين، والوقوع في المغالطات المنطقية... حصل ما كان متوقعاً؛ إذ انتقلت هذه الأمراض والتشوهات إلى التقنيات التكنولوجية وإلى العوالم الرقمية والمنصات الإعلامية.. وكما قيل: "زمان ما حدا بعرف الأهبل إلا أمه وعيلته، اليوم صار مكشوف للعالم"..

المشكلة ليست مع الناس العاديين البسطاء، هؤلاء سينضجون يوما ما، وعلى الأقل يمكن تفهّم نواياهم الطيبة.. المشكلة مع من يدعون أنهم مثقفون، ومؤثرون، وقادة حزبيون، ونواب.. خاصة من يسبقون أسماءهم بحرف د. مع احترامي لهذه الدرجة العلمية الرفيعة ولكل من استحقها بجدارة.. لكن الصدمة الكبرى كانت معهم.. ومع خطابهم الشعبوي التحريضي الفارغ من كل مضمون.. هؤلاء مصيبتنا وخيبتنا الكبرى..

يوليو 24، 2026

إرهاب المستوطنين، إلى متى؟


قبل أيام، قتل الجيش الإسرائيلي أربعة مواطنين من قرية تل، أثناء تصديهم لاعتداء مجموعة مستوطنين هاجموا منازلهم، وفي خضم الحدث قُتل مستوطنان وجُرح آخرون.. الإعلام العبري تناول الحدث بطريقة مستفزة تثير الغثيان: "الإرهاب الفلسطيني يتصاعد في يهودا والسامرة ويقتل متنزهين إسرائيليين أثناء تجوالهم في المنطقة.." انظروا إلى أي حد وصل الإرهاب؟ وإلى أي حد يستخف الإعلام العبري بعقول الناس؟ المستوطنون الذين ينفذون اعتداءاتهم كل يوم صاروا مجرد متنزهين! والتنزه والسياحة بحسب أعراف المستوطنين تشمل حرق أي سيارة يتصادف أنها متوقفة في طريق تنزههم! وحرق الحقول التي يتنزهون بها! واقتلاع أشجار الزيتون حتى لا تعيق تنزههم! أماكن التنزه المقصودة والمفضلة هي بيوت الفلسطينيين، ومزارعهم، وممتلكاتهم، وأراضيهم الزراعية.. وفي الطريق لا بأس من سرقة أية أغنام ومواشي يعثرون عليها بالصدفة حتى لو كانت داخل حظائرها! ومصادرة الأراضي التي تروق لهم وتحويلها إلى بؤر استيطانية! وإذا تجرأ أي فلسطيني على إعاقة تنزههم يتم التنكيل به بكل وحشية، واتهامه بالإرهاب! وعادي جدا أن يتم قتله، فلا أحد يحاسبهم! ويصدف أحيانا أن يتم التنزه داخل بيوت الفلسطينيين، ثم حرق البيت بمن فيه (عائلة الدوابشة)، أو حرق طفل مقدسي أثناء لعبه في الشارع (محمد أبو خضير)..

المستفز أيضا أن تقوم الصحافة الأميركية والأجنبية بتبني المصطلحات نفسها، بكل وقاحة وانحياز.. أو الاكتفاء بالإشارة إلى مواجهات بين فلسطينيين ومستوطنين.. حتى عبارات التنديد والإدانة لا تكفي.. أو توجيه عقوبات (شكلانية) لبعض المستوطنين.. المشكلة ليست في أشخاص (رغم إجرامهم).. الجريمة الأولى هي الاستيطان.. وهذه الحكومة ليست يمينية متطرفة فقط، هي حكومة إستيطان..

خطورة الموقف ستزداد مع قرب موعد الانتخابات الإسرائيلية، خاصة في ظل تراجع كبير لليمين وبدء تفكك تكتل نتنياهو وفشل مشروعه التوسعي "الإمبراطوري".. وقد اعتادت القوى الإسرائيلية اليمينية خاصة على استخدام الدم الفلسطيني مادة دعائية في حملاتهم الانتخابية..

ردا على ما حدث في قرية تل، قررت حكومة نتنياهو اتخاذ عدة عقوبات جماعية بحق الفلسطينيين، سموها تدابير لحماية أمن إسرائيل، وأي مراقب يعرف أنها عقوبات جماعية، وتنكيل بالأهالي الضحايا الذين دافعوا عن أنفسهم. من القرارات التي اتخذوها:  هدم منزل منفذ عملية إطلاق النار، وتنفيذ عمليات عسكرية مكثفة في القرى التي تعتبرها إسرائيل بؤراً للمواجهة، بما في ذلك جمع الأسلحة (ما يعني مداهمات للبيوت وتفتيش)، وسحب تصاريح العمل، وتعزيز تواجد الجيش في أنحاء الضفة الغربية، وتعزيز عمليات الفصل بين محاور الحركة وإقامة حواجز وقطع الطرق وتضييق حركة المرور للفلسطينيين. وتسريع إجراءات تسوية البؤر الاستيطانية الزراعية (المزارع الاستيطانية) وإنشاء بؤر جديدة.

هذا ما تقوم به حكومة الاستيطان منذ سنوات.. كل ما في الأمر أنها تصعّد وتكثّف وتنفذ بوتيرة متسارعة.. تريد مسابقة الزمن قبل انهيار إئتلاف اليمين، وقبل أن يستيقظ المجتمع الدولي ويتنبه إلى حجم وخطورة السياسات الاستيطانية ومدى إرهاب المستوطنين..

 إسرائيل تستغل الصمت العالمي على جرائمها في غزة، وتبث دعاية مضللة تزعم أنها تدافع عن نفسها ضد الإرهاب، وضد إيران (النووية).. تستغل أجواء الحرب المشتعلة، وبتواطئ أميركي لمواصلة تنفيذ مخططاتها في الضفة الغربية، وسائر فلسطين: مخططات التهجير وإقامة إسرائيل "اليهودية" بين البحر والنهر.

الرد الفلسطيني والمطلوب: رغم خطورة الموقف، ورغم حماوة الدم، والاستفزازات المتكررة وضرورة التصدي لها ينبغي التيقظ والانتباه لما تريده إسرائيل على المدى البعيد.. هجمات المستوطنين ليست مبادرات ذاتية، ولا هي مجرد أطماع لتحقيق خرافات توراتية؛ هي سياسة منظمة وموجهة تديرها حكومة الاحتلال، بحماية الجيش.. لذا يجب أن يكون الرد الفلسطيني واعيا ومنظما وجماعيا.. الموضوع ليس فزعات، ولا هي طوشة باب الحارة..

 شجاعة أهالي تل قدمت مثالا على ما يمكن ويتوجب فعله.. طبعا كل القرى شجاعة والموضوع ليس مزاودة، على الكل الفلسطيني تشكيل لجان حماية شعبية، في كل مكان مهدد بالإستيطان، يجب أن يدرك المستوطنين أن إرهابهم واعتداءاتهم ليست نزهة، وأن يدفعوا ثمن كل اعتداء.. الدفاع عن النفس حق مشروع وواجب مستحق، وكل إنسان يعرف كيف يدافع عن بيته حين يتعرض لاعتداء.. ولا يحتاج الفلسطينيين لدروس في المقاومة والشجاعة..

الكثير من دعوات إشعال الضفة وتصعيد المقاومة ليست أكثر من حملات دوغمائية، أو على الأقل هي هبات عاطفية وموسمية، وليس هذا ما نريده.. يجب التنبه للجهات التي تقف وراء هذه الدعوات، يجب سحب كل ذريعة ممكن أن تخدم نتنياهو وحكومته. خاصة دعوات تصعيد العمل المسلح والمواجهات المسلحة.. سواء من قبل أفراد وفصائل، أو من قبل أجهزة السلطة.. هذا بالضبط ما يريده نتنياهو.. تحويل الضفة الغربية إلى كومة دمار كما فعل في غزة، لكن هذه المرة مع تنفيذ متسارع للتهجير.. في هذه الحالة لن تأتي أية مساعدة للفلسطينيين من الخارج، لا من جيوش، ولا من شعوب، ولا من مجتمع دولي، ولا من مجلس أمن.. لن نحصل إلا على صورة مشابهة لدمار غزة وجنوب لبنان.. سنكسب فقط دعاء الطيبين، وبوستات النشطاء على فيسبوك، وقصائد منتظرة ترثي فلسطين..

هذا لا يعني السكوت والسلبية.. لجان الحراسة الشعبية ممارسة ثورية فعّالة اختبرها الفلسطينيون في الانتفاضة الأولى.. وهذا لا يعني وضع العبء كله على القرى الحدودية، المدن والمخيمات يجب أن تنخرط في المواجهة، صفا واحدا، بجهود متناسقة ومدروسة، وشعبنا يعي جيدا معنى المقاومة الشعبية وأساليبها.. وكيف يجعل من المواجهة أسلوب حياة.

بموازاة ذلك، يجب توثيق كل الإعتداءات، وتصديرها بكثافة للعالم، وتكثيف الحضور الإعلامي في كل المنابر الدولية، وبكل اللغات، وتنشيط الجهد الدبلوماسي والقانوني، والتنسيق مع الأشقاء العرب، ومع الأصدقاء في العالم، ومع الشعوب المحبة لفلسطين، والمناصرة للحق والعدالة، مع الأحزاب والبرلمانات والشخصيات المؤثرة.. ثمة دور كبير ومهم يمكن ويجب على السلطة القيام به، وعلى حركة فتح بالذات..

لقد جاوز المستوطنون المدى، ولم يعد بالإمكان تحمل اعتداءاتهم، أو السكوت عنها، لقد وصل إرهاب المستوطنين بيوتنا، وشوارعنا.. وهي في تصاعد مستمر وخطير بما ينذر بتفجر الأوضاع على نحو لا يمكن السيطرة عليه.. الضفة الغربية محتقنة جدا.. وعلى الجميع تحمل مسؤولياته.. سلطة، فصائل، إعلام، نشطاء، مجتمع مدني، مواطنين..

القادم خطير، ويحتاج وقفة وطنية مسؤولة..

مواقع فلسطينية في قائمة التراث الإنساني - اليونسكو

 

في خضم الأخبار المثقلة بالهموم والأحزان يأتي خبر مفرح: تم إدراج بلدة سبسطية في قائمة التراث العالمي، خلال اجتماع لجنة التراث العالمي في مدينة بوسان الكورية الجنوبية، وسط ترحيب فلسطيني واعتراض إسرائيلي على القرار ومبرراته التاريخية. وأهمية القرار أنه يأتي بعد سلسلة تدابير إسرائيلية إستيطانية للسيطرة على سبسطية وتحويلها إلى معلم إسرائيلي، وبعد منع الفلسطينيين من تنفيذ أية أعمال ترميم أو تجميل للمنطقة.. ونأمل أن نوظف القرار بشكل فعّال.

ومن المفيد التذكير بأن إدراج أي موقع على قائمة التراث الإنساني يأتي ضمن اتفاقية "التراث العالمي"، وهي أهم الاتفاقيات الدولية وأكثرها رواجا والتزاما، صادقت عليها 190 دولة، وتم اعتمادها منذ العام 1972 في التشريعات والقوانين الدولية  والوطنية في مختلف أنحاء العالم، من أجل حفظ وصون عناصر التراث العالمي على نحو فعّال. وتهدف الاتفاقية إلى حماية التراث المسجل كتراث عالمي وإظهار أهميته وتسليط الأنظار نحوه، ومعالجة ما يحيط به من أخطار. وتحدد هذه الاتفاقية واجبات الدول التي وقّعت عليها ودورها في حماية هذه المواقع والحفاظ عليها.

بعد انضمام فلسطين إلى اليونسكو، واعتراف الأخيرة بعضوية دولة فلسطين  الكاملة رسميا عام 2011، استطاعت  دولة فلسطين تحقيق العديد من الانجازات داخل أروقة اليونسكو، وسجلت العديد من المواقع على قائمة التراث العالمي وهي: مكان ولادة السيد المسيح: كنيسة المهد ومسار الحجاج - بيت لحم (2012)،  وفلسطين أرض العنب والزيتون: المشهد الثقافي لقرية بتير  (2014)، والبلدة القديمة والحرم الإبراهيمي في الخليل كتراث ثقافي فلسطيني معرض للخطر بسبب سياسات الاحتلال التهويدية  في البلدة القديمة في الخليل (2017). وأريحا القديمة/ تل السلطان، ودير القديسة هيلاريون في تل أمّر (2024). وكانت الأردن قد سجلت البلدة القديمة وأسوارها في القدس على لائحة التراث العالمي عام 1981.

. علما أن القائمة التمهيدية (المؤقتة) لفلسطين تضم 14 موقعا ثقافيا وطبيعيا سوف يتم تسجيلها لاحقا.

كما اعتمدت اليونسكو إدراج "فن التطريز الفلسطيني" في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، وجاء الاعتماد بعد محاولات إسرائيلية لتوظيف الثوب والتطريز الفلسطيني كتراث "إسرائيلي" في مسابقة "ملكة جمال الكون 2021".

وحسب وزارة السياحة والآثار الفلسطينية بلع عدد المواقع الأثرية الرئيسية في الضفة الغربية وقطاع غزة، 944 موقعًا؛ وعدد المعالم الأثرية 10 آلاف معلم أثري؛ وهناك ما يزيد عن 350 نواة لمدينة وقرية تاريخية تضم ما يزيد عن 60 ألف مبنى تاريخيًا.

في هذا السياق، رفضت اليونسكو طلبات تقدمت بها إسرائيل لتسجيل أماكن فلسطينية بوصفها تراثا يهوديا، مثل "تل القاضي"، التي حاولت إسرائيل تسجيلها باسمها وفشلت، حين نجح الفلسطينيون في الدفاع عن حقهم فيها، ولكن إسرائيل نجحت في قضية تسجيل "كهوف بيت جبرين". وسبب ذلك إلى أن الطرف العربي أحيانا لا يقدم دلائل كافية تقنع اليونسكو.   

وقد اتبعت سلطات الاحتلال أساليبَ عدة في استهدافها المواقع والآثار التاريخية، مثل التقسيم (الحرم الإبراهيمي)، والسيطرة (متحف روكفلر، وقلعة القدس، وقلعة الفريديس شرق بيت لحم)، والتدمير والتجريف (حي المغاربة في القدس، وخربة أم الجمال في العيزرية)، أو منع إجراء عمليات الترميم (سبسطية)، وأيضا في الأحياء العربية في المدن الواقعة داخل الخط الأخضر، خاصة يافا، حيث تتبع سياسة صارمة وعنصرية، هدفها دفع المواطنين الفلسطينيين للهجرة، أو لإعادة هيكلة المدن والتجمعات السكنية المختلطة وفق معايير الفصل العنصري الإسرائيلي.

يُضاف إلى ما سبق، محاولات إسرائيل تدمير كل ما له علاقة بالتراث والثقافة الفلسطينية، بشكل ممنهج، وباستخدام القوة العسكرية، مثلا خلال انتفاضة الأقصى منذ عام 2000 هدمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي العديد من المباني التاريخية، باستخدام القنابل والصواريخ والجرافات، وظهر ذلك في اجتياحات البلدات القديمة لمدن نابلس والخليل، وحصار كنيسة المهد في بيت لحم، عندما دمرت مئات المواقع والمنازل والقصور التاريخية وبيوت العبادة الإسلامية والمسيحية التي تحمل بين طياتها ملامح العمارة الفلسطينية وأصالتها. كما قامت بتدمير وتفجير مبنى الإذاعة والتلفزيون في رام الله وفي غزة أكثر من مرة.

في اجتياحها بيروت 1982، دمرت مركز الأبحاث الفلسطيني، ونهبت محتوياته، وأرشيفه (ثم أعادته بعد سنوات ضمن صفقة تبادل أسرى مع منظمة التحرير). وفي العام 2018، قامت طائرات الاحتلال بقصف مبنى مؤسسة المسحال للثقافة والفنون بغزة، سبقه استهداف مبنى دار الكتب الوطنية بغزة.

في حربها العدوانية على غزة لم تستهدف إسرائيل البشر وحسب، بل عملت أيضاً على تدمير وتخريب كل ما يتصل بحياة الفلسطينيين، بما في ذلك التراث الثقافي والحضاري الفلسطيني، حيث استهدفت تدمير المواقع الأثرية، والمباني التاريخية والدينية من جوامع وكنائس، ومتاحف ومسارح ومكتبات، ومؤسسات ثقافية وأكاديمية بما فيها الجامعات، وتخريب المشهد الثقافي. فدمرت نحو 200 موقع أثري في القطاع. رغم حصولها على إحداثيات هذه المواقع الأثرية من اليونسكو التي طالبت إسرائيل بعدم استهدافها..

هذا التدمير جزء أصيل من أهداف الحرب؛ فهذه المؤسسات والصروح الحضارية والمواقع الأثرية الفلسطينية هي النقيض الأساس للرواية الصهيونية المزعومة للصراع؛ والتي أثبت الحفريات الأثرية تهافتها. فحرب الراوية هي جوهر الصراع الأساس.. والباقي مجرد تفاصيل وعوامل مساعدة.

الهدف من وراء كل ذلك التخريب هو القضاء على الذاكرة الفلسطينية، فهي تستهدف المكان بحد ذاته، وعلاقته بالناس، وبالماضي، والمستقبل.. تستهدف كل مكوناته وعناصره لتشويه معالمه أو إلغائها كلياً..

أراد العدو كل ذلك، فعله عن سبق الإصرار والترصد.. أراد محو المكان، وطمس معالمه، والقضاء على كل ما يتصل به من علاقات وتفاعلات وذاكرة وتاريخ.. حتى لا تعود غزة التي نعرفها.. وحتى لا يعود مجتمعها، وناسها.. إنها حرب عدوانية ممنهجة استهدفت الإنسان أولا.. وكل ما حوله..

وفي سياق محاربتها للفكر والثقافة والإبداع الفلسطيني نفذت إسرائيل سلسلة اغتيالات بحق كتّاب وأدباء ومفكرين فلسطينيين أبرزهم غسان كنفاني، وائل زعيتر، عبد الوهاب الكيالي، محمود الهمشري، عز الدين القلق، كمال ناصر، يوسف مبارك، نعيم خضر، حنا مقبل، ناجي العلي، ماجد أبو شرار، وغيرهم.. علما بأن هؤلاء لم يكونوا مسلحين، كان سلاحهم الفكر والكلمة والإبداع.. وكان شعارهم: بالدم نكتب لفلسطين.

يوليو 11، 2026

سمات جمهور المقاومة


لم تُحدث سيطرة حماس على غزة 2007 انقساما جغرافيا وسياسيا وحسب؛ بل أوجدت انقساما مجتمعيا وثقافيا آخذ يتوسع مع مرور الوقت، وتعمق أكثر بعد حرب الإبادة، حتى صار عندنا جمهوران: أحدهما مؤيد بشدة لحماس ولكل ما قامت وتقوم به، والثاني معارض لسياسات حماس ونهجها..

لو اقتصر هذا الخلاف على النقاشات والحوارات لكان ظاهرة جيدة ومحمودة، المشكلة أنه تحول إلى شقاق عميق وساحة لتبادل الشتائم والاتهامات.. لدرجة يمكننا القول بكل أسف لم نعد شعباً واحداً..

وبما أني في الصف المعارض لسياسات حماس ونهجها، وكتبت الكثير في هذا المجال، لن أتحدث عن حماس نفسها، سأحاول فهم دوافع ومبررات الجمهور المؤيد لحماس، بالقدر الممكن من الموضوعية وبكل أمانة..

بداية يتوجب فهم البيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تجمع هذا الجمهور، وهنا لا يجد أي باحث أي عناء في التوصل إلى أن الكتلة البشرية لهذا الجمهور تتركز بالدرجة الأولى في الأردن، وبدرجة أقل في الجزائر وموريتانيا، وبعض الدول الأوروبية، وإذا استثنينا مؤيدي حماس في الضفة الغربية، فهذا يعني أن مؤيدي حماس يقيمون في المناطق الآمنة البعيدة عن ساحة الصراع، ولا يتعرضون لأية مخاطر، ولا يعانون من شيء، ولا يترتب على مواقفهم دفع أثمان أو تضحيات، وبالتالي يسهل عليهم رفع سقف الشعارات وكأنها فقرة من بيان حزبي، أو دعاية انتخابية، أو قصيدة لشاعر، أو كلمة لتلميذ في إذاعة المدرسة الصباحية.. هذا أولاً، وثانياً: بحكم مناطق إقامتهم فهم غير مطلعين على حقيقة الأوضاع في فلسطين، مهما ادعى أي شخص أنه متابع للأخبار ولديه مصادر معلومات.. فالأخبار (خاصة من الجزيرة) وقصص الناس وانطباعات الأشخاص، ومنشورات الفيسبوك، وغروبات العائلة على الواتس ليست مصادر موثوقة، وغالبها هري وهراء وشعارات وتمنيات، أو أخبار موجهة لأغراض سياسية محددة، تعرض جزءاً من الحقيقة بشكل انتقائي.

هؤلاء أيدوا حماس وناصروها بناء على ما يرونه من مواجهات عسكرية ضد الاحتلال، واستبسال عناصر حماس في المعارك، والتأييد هنا لفعل المقاومة، وليس لمبدأ الحركة ونهجها وسياساتها. وهنا يتوجب الإشارة لمغالطة مهمة يقع فيها الكثير، وآخرون وظفوها بشكل متعمد ودغمائي، وهي الخلط بين حماس وبين المقاومة.. جميعنا بلا استثناء نؤيد المقاومة، ونريدها أن تستمر وتتصاعد، ونؤمن أنها حق وواجب، ولا خلاف على ذلك، لكن حماس شيء مختلف..

وثمة مغالطة أخرى لا تقل خطورة، وهي حصر المقاومة بالسلاح، هذه المغالطة أضرت أولا بالمقاومة نفسها، وحرمتها من ميزة المشاركة الشعبية، وأضرت بالقضية الفلسطينية إعلاميا، ومكنت إسرائيل من مواصلة عدوانها مستفيدة من الذرائع التي تقدمها المغامرات العسكرية غير المحسوبة، وغير المجدية.. وجعلت من الجمهور (خاصة في الخارج) يصفق لأي فعل عسكري، مهما كانت نتائجه، حتى لو كانت جرح جندي، أو كسر لوح زجاج.. تقوم إسرائيل في المقابل بتهجير مخيم، أو تدمير مربع سكني أو قتل المئات.. المهم أن فلسطينيا قام بطعن جندي، أو أطلق من رشاشه صلية رصاص.

المهم عند هذا الجمهور الشعور بالنشوة، وتفريغ مشاعر الغضب والكبت، ونزعة الانتقام، ونشوة الانتصار حتى لو كان وهميا.. صورة المواجهات تولد عندهم مشاعر الفخر، وهي التعويض الزائف عن واقع ذلك الجمهور، الذي يعاني القهر والقمع السلطوي، ويعيش واقعا مزريا وظروف اقتصادية صعبة، وفي بلادهم مظاهر الفساد والفوضى والتراجع، مع إحساس عميق بالهزيمة.. هنا تأتي صور المواجهات في غزة وتمنحهم إحساسا بالكرامة، وترفع معنوياتهم، وتعيد إلى مخيلاتهم مشاعر الفخر والمجد الغابر.. وليس مهما عندهم ماذا حصل لأهل غزة بعد ذلك.

لذلك، كانت عيون وقلوب المشاهدين متركزة فقط على أخبار المواجهات، والمثلثات الحمراء، وخطابات أبو عبيدة، لم يروا واقع غزة الاجتماعي، ماذا حل بالناس، لم يروا طوابير المراحيض، والمياه الملوثة، والتكيات، والجوع، والخيام، والقوارض، والحر، والطين، والمستنقعات الآسنة، وأكوام النفايات، وحطام البيوت، وخوف الأطفال، وبؤس الناس، وقلقهم وصراعاتهم مع أبسط تفاصيل الحياة اليومية.. لم تكن كل هذه المشاهد جزءا من تفكيرهم، ولا مرتكزا لتكوين آرائهم، ولم تشكل محددات تُبنى عليها مواقفهم.. لذلك، أقل ما يُقال أن أي موقف يتأسس بمعزل عن الواقع الحقيقي البائس لقطاع غزة ويهمل حياة الناس وقيمة الإنسان وقلقه المشروع وأحلامه وذكرياته.. ويجعل من الغزي مجرد قربان، أو رقم إحصائي، أو ماكينة إنتاج، أو مجرد تضحيات مستحقة.. موقف غير إنساني، وبلا أخلاق، ومنزوع الوطنية..

أغلب جمهور المؤيدين انساقوا وراء فكرة أن أهل غزة استثنائيون، جبابرة، يضحون بسعادة ودون تردد، أعصابهم من فولاذ، مستعدون لدفع كل الأثمان اللازمة، ومعتادون على الموت وتقبل الخسائر، ومستعدون لمواصلة المشوار حتى آخر غزي.. لهذا، عندما خرجت مبادرات فردية وجماعية تطالب حماس بالانسحاب من المشهد، ومظاهرات تندد بتجبّر عناصر حماس، وجباياتها، وترويعها للأهالي، وإعداماتها الميدانية، وتطالب بالحياة "وبدنا نعيش".. على الفور تم اتهامهم بالعمالة، وشق الصف الوطني، والتماهي مع الاحتلال.. استكثروا عليهم حتى الصراخ، أو التعبير عن آلامهم والتذكير بمعاناتهم..

كل من انتقد حماس، حتى لو ناصحا ومحبا، وكل من انتقد نهجها وتصريحات قادتها (المستفزة)، أو انتقد أي شخصية مقربة من الحركة، يتم فورا اتهامه بالخيانة وأنه طابور خامس، ومن المرجفين، أو جزء من حملة مشبوهة.. حتى صار النقد محرما، والمراجعات ممنوعة، وصار هؤلاء فوق النقد ولا يخطئون.. ربما حماس في داخلها تخشى النقد والمراجعة والتقييم حتى لا تتم محاسبتها، لكن جمهورها يحـرّم النقد ويعتبره عارا لأنهم فرحين بتلك الصورة المثالية التي شكلوها عن المقاومة، وتلك المشاعر المزيفة التي عاشوها، ويخافون أن تنهار، وتنهار معها أمانيهم وصورهم أمام ذواتهم، ويعودون محبطين، إلى واقعهم البائس.. الحقيقة صادمة ومؤلمة.. هذا التحليل لا ينطبق على الجميع، فالتعميم لغة الحمقى، وبالتأكيد نوايا الأغلبية ومشاعرهم صادقة.. لكن الناس عادة تفضل العيش في أماكن الراحة حتى لو على حساب الحقيقة، وعلى حساب آلام الآخرين..

والآخرين هنا وللمصادفة التعيسة هم أهل غزة..