أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

سبتمبر 30، 2026

في وداع الأشياء


من وُلدوا في ستينيات القرن الماضي، قبل أو بعد ذلك بقليل، يعيشون اليوم حالة نفسية مربكة، أشبه ما تكون بحفل وداع معذبٍ ومضنٍ، أبناء هذا الجيل شهدوا أعمق التحولات وأكثرها غرابة ربما في تاريخ البشرية كلها، ففي هذه الحقبة الزمنية الممتدة نحو ستة عقود طرأت على حياتنا، وعلى عموم الكوكب جملة من المتغيرات الشمولية بتداعيات شديدة وممتدة، وبإيقاع متسارع لدرجة منهكة تجعلنا عاجزين حتى عن استيعابها ومواكبتها والتأقلم معها، سواء على الصعيد الشخصي والعاطفي، أم فيما يتعلق بأنماط الحياة والمظاهر الاجتماعية.. فضلا عن التغيرات السياسية التي سأتجنب الحديث عنها هنا. كان المشهد الطاغي في هذا المسرح مشهد الوداع..

منذ أن تفتح وعينا على هذه الدنيا، كنا في كل سنة نودع مشهدا لن يتكرر، ولن يعود.. بشخوصه وظروفه وملابساته.. كل مشهد سأذكره لم يختبره من عاشوا قبلنا، ولن يدركه من جاؤوا بعدنا، إلا من باب التخيل، كمن يتخيل أكلة شهية لكن دون رائحة ولا مذاق..

ودّعنا الحرب الباردة، وتهديدات ريغان بحرب النجوم، ومنظمة كانت مهمة تدعى دول عدم الانحياز، وشاهدنا انفراط الاتحاد السوفيتي، وحلف وارسو، ويوغوسلافيا، وتوحد ألمانيا، وانتصار إنسانية مانديلا..

عشنا في زمن كاسترو، وتيتو، وماوتسيتونغ، وأنديرا غاندي، وبنازير بوتو، وجاك شيراك، وأولوف بالمة، وميركل، والأميرة ديانا.. 

اختبرنا مشاعر العزة في خطابات عبد الناصر، والخوف في ظل نظام الأسد وأجهزته القمعية وسجونه الفظيعة، وتابعنا بأسى أخبار حروب اليمن الداخلية غير المفهومة، واحترقنا في أتون حرب لبنان الأهلية، سحرتنا شجاعة ياسر عرفات، وكاريزمة هواري بو مدين، وتقدمية الحبيب بورقيبة، وحكمة الحسين بن طلال، وسخرنا من مشاكسات القذافي، وارتعبنا من قسوة صدام ومن حروبه التي لا تنتهي، وحيرتنا حيادية قابوس وروقان العمانيين..

عشنا بطولات الفدائيين لحظة بلحظة.. أبو إياد، وجورج حبش، وخليل الوزير، ودلال المغربي..

ودعنا هؤلاء جميعاً.. وانتظرنا طويلا أن يملأ أحد الفراغ الذي تركوه.. دون طائل.. ويبدو أننا ودعنا مرحلة سياسية كاملة بلا رجعة.

الجيل الذي سبقنا كان يراقب موجات المهاجرين اليهود القادمين من أطراف الدنيا، ويرى كيف يستولون على البلاد شبرا شبرا، حتى خسرناها كلها، وودعناها بالنكبة.. اليوم نرى قطعان المستوطنين وهم يقضمون ما تبقى من البلاد قرية قرية.. وصرنا نقول بحسرة: زمان كنا نطلع من رام الله إلى جنين أو نابلس في نص الليل، ونروح على الخليل في أي وقت.. ونسافر على الجسر بعد المغرب، ونطلع رحلات صباحية إلى البراري القريبة، ونصل لحد بحر يافا.. وإذا لم نستفق سنصحو على كابوس..

خسائرنا ليست فقط في الأوطان.. والأسماء التي ودعناها ليست كلها سياسية؛ ودعنا أم كلثوم، وعبد الحليم، وفريد الأطرش، وفايزة أحمد، ووديع الصافي، ونور الشريف، وأحمد زكي، ونادية لطفي، وفاتن حمامة..

كما ودعنا محمود درويش، ونزار قباني، والبياتي، ونجيب محفوظ، وغسان كنفاني، وعبد الرحمن منيف.. وهؤلاء أيضا لم يعوض غيابهم أحد..

في الحياة الاجتماعية ودعنا صوبة الفوجيكا، وأجهزة الفيديو، وشرائط الكاسيت، والجريدة الورقية، والرسائل المعطرة التي كانت تنتهي دوما بعبارة "والذكرى ناقوس يدق في عالم النسيان"، والحمد لله إنه ما حدا عاد يكتبها.. ودعنا فيلم السهرة كل خميس، والمسلسل العربي بعد أخبار الثامنة..

بعد كل هذه الوداعات، نكون قد ودعنا أيام النشاط والحماسة والركض، وجولات الجدالات الساخنة والتقاتل على تعريف المصطلحات وتصنيف الآخرين.. وبدأنا نشعر بأثر الوداعات الشخصية..

مع كل عزيز غادر عالمنا إلى الأبدية كان يأخذ معه قطعة من قلوبنا (كما عبّر جبران) حتى كادت تذوي.. ويترك مكانها ذكرى بعيدة، في هذه المرحلة تكثر الغيابات، فتتزاحم الذكريات، ثم لا يعود لها متسع لكثرتها، أو تدعكها وطأة الحياة.. وهكذا تتحول حياتنا السابقة ومعها أحبائنا وأصدقائنا إلى كومة ذكريات تثور بين فينة وأخرى، وأحيانا تحرمنا النوم.. وبذلك تغدو حياتنا الراهنة بما تبقى فيها من سنين مجرد هواجس وحنين وأطلال..

ثم نصحو على أنفسنا، فنكتشف ما ودّعناه من أجسادنا، وما تركته السنون من علامات على وجوهنا وظهورنا وصحتنا..

مع كل هذه الوداعات، ورغم كل تلك الخسائر، والمشاهد التي لن تتكرر، ومع الأحزان على كل من فقدناهم.. في كل صباح أحاول أن أفرح، أفتّش عن الفرح وإذا لم أجده، أفرح لفرح غيري..

أتذكّر أن الله يمنحنا في كل يوم حياة جديدة: طلعة بهية للشمس، وطاقة متجددة، ونهاراً آخر، وخيارات لا حصر لها في كل الاتجاهات، وأملاً بتغيير نحو الأفضل، وحلماً سأشتغل عليه، وأناساً نبتسم لهم ويبتسمون لنا، ومدنًا جديدة لنكتشفها، وروايات لنقرأها، وموسيقى لنسمعها، وأسئلة تبحث عن إجابات، وهدفاً نسعى لتحقيقه، وأحباء نعيش من أجلهم كما نعيش لأنفسنا قبل أيّ شيء، وذكريات جميلة، وأطيافاً نورانية تحلّق من حولنا لمن غادرونا مبكرين.


سبتمبر 23، 2026

أشياء محيرة


من الأشياء التي طالما حيرتني في الكتب والأفلام التاريخية مسألة اختيار مواقع الحروب والمعارك.. إذا استثنينا المعارك والغزوات التي كانت تغير فيها قبيلة على أخرى في عقر دارها، والحروب التي كانت تتجه فيها الجيوش الغازية إلى المدن والقلاع فتدك أسوارها أو تحتلها.. سنجد حروبا ومعارك كثيرة كانت بعيدة جغرافيا عن التجمعات السكانية، وخارج المدن..

خذ مثلا في التاريخ الإسلامي غزوة بدر وأُحد وحنين.. أو معارك الجمل وصفين.. أو معركة حطين وعين جالوت..

في غزوة الأحزاب هاجمت قوات قريش المسلمين في المدينة المتحصنين خلف الخندق.. في غزوات بني النضير وبني المصطلق وغيرها هاجم المسلمون أعداءهم في عقر دارهم.. هنا الوضع طبيعي وليس فيه ما يستدعي السؤال بخصوص موقع الاشتباك، أما في غيرها من المعارك لا بد أن نتساءل: كيف ولماذا تم اختيار موقع المعركة؟

هل كانت مراسلات بين الأطراف المتحاربة، وتم الاتفاق على اختيار الموقع؟ مثلاً شو رأيك عند جبل أحد موقع مشرف وإطلالة جميلة؟ أو عند بئر بدر حتى نتمكن من سقي الإبل والخيل؟ أو دعنا نختار موقعا وسطاً حتى نختصر الطريق على الجنود، ونوفر الكثير من أعلاف الخيل؟

طيب، لنفترض أن الجيشين اتفقا على موقع معين، ووصل الجيش الأول إلى الموقع وأخذ ينتظر وصول العدو، ما الذي يجعل الجيش الثاني يلتزم بموقع المعركة؟ ماذا لو غدر بالجيش الأول وتوجه مباشرة إلى مساكن وتجمعات العدو المدنية، وأخذ الأطفال عبيدا والنساء سبابا؟ وبذلك يحسم المعركة دون خسائر.. قد يجيب البعض أن النخوة والشهامة العربية وأخلاق الفروسية تمنعه من الغدر، وتلزمه بالمواجهة برجولة وشجاعة.. طيب أين كانت تلك القيم النبيلة حين يغير الجيش على مرابض العدو دون سابق إنذار؟ أليست الحرب خدعة؟ كما أن هذه الإسئلة مطروحة إزاء كل ما يتعلق بحروب وغزوات الأقوام الأخرى من روم وفُرس ويونان وعجم وغيرهم.. هل هي النخوة البيزنطية والشهامة الزرادشتية والشجاعة الإغريقية؟

اعتدنا في الأفلام التاريخية على مشهد منازلة قائد الجيش لنظيره قبل بدء المعركة، أو فارس مغوار من الطرف الأول مقابل فارس آخر في مبارزة بالسيوف بانتظار من سيقتل الآخر.. قبل المبارزة تجري مفاوضات سريعة بين القائدين قد تنهي المعركة قبل بدئها، ويعود كل طرف من حيث أتى.. أو تفشل المفاوضات وفي هذه الحالتين يظل الجيش منتظرا (في وضعية الطيران) يتفرج على قائده وبانتظار مقتله ليصيح غاضباً متوعداً ثم يبدأ بالقتال؟ فروسية أيضاً؟!

مع ذلك، يا ريت يرجع هذا النظام، فيقف أبو مازن قبالة نتنياهو، أو مجتبى خامنئي مقابل ترامب.. ويتفاوضان، أو يتبارزان بالمسدسات، وبذلك ينتهي الصراع..

في غزوة تبوك زحف جيش المسلمين من المدينة شمالاً مسيرة شهر.. وكان عددهم بضعة آلاف.. لماذا بقي جيش الروم في انتظارهم وهم الأكثر عددا ولم يقطعوا عليهم الطريق؟

سؤال آخر: لماذا في عهد الإمام علي انتقل الصراع فجأة من نطاق الحجاز والجزيرة العربية إلى العراق والشام؟ وكيف تضاعفت أعداد الجيوش مرة واحدة من بضعة آلاف إلى عشرات ومئات الآلاف؟ ولماذا تم اختيار موقع أذرح جنوب الأردن لعقد المفاوضات الشهيرة بين أبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص لإنهاء معركة صفين التي جرت على ضفاف الفرات شرق سورية؟

من المشاهد المحيرة أيضا، قائد الجيش وهو يمتطي صهوة جواده ويخطب في صفوف المقاتلين، ويحرضهم على الهجوم والتضحية، ويردد أبياتا من الشعر، أو مقولة مقدسة، أو يعلن عن خطة المعركة وكيفية انتشار الفِرق وتوزيع الفرسان والرماة.. السؤال: كيف يصل صوته إلى الجنود في الصفوف الخلفية والبعيدة؟ يعني مثلا في وقتنا الراهن نكون في ندوة ثقافية في صالة صغيرة مغلقة ويبدأ الضيف بالحديث وبمجرد أن يتعطل الميكروفون نبدأ بالصراخ: صوت صوت.. مش سامعين.. كيف كان القادة زمان يخاطبون التجمعات العامة دون ميكروفونات وسماعات؟ ما تقللي صدى الصوت، وهندسة البناء، والمسافة المحسوبة بين الجدران.. نتحدث عن لقاءات كبيرة وحاشدة في ساحات مفتوحة..

مسألة أخرى: قديماً لم تكن تقنية التصوير معروفة، ولأن السلطان مقيم في قصره ولا يختلط بالعامة، سيعيش الآلاف من شعبه ويموتون دون رؤيته ومعرفة شكله ومعالم وجهه.. ماذا لو قام شخص ما بارتداء زي فخم وأحاط نفسه بموكب من الخيالة والفرسان وذهب إلى بلدة نائية وقال لهم أنا السلطان؟ أو أرسل مندوبا إلى دولة مجاوره وأعلن عليها الحرب؟؟ أليس ذلك ممكنا على الأقل نظريا، طالما أن البشرية عرفت كل أشكال النصب والاحتيال.

سؤال آخر محير: عندما كانت جيوش المسلمين تصل إلى البلاد المفتوحة، كانوا يرسلون وفداً إلى ملكها ويخبرونه أنه أمام ثلاث خيارات: اعتناق الإسلام، أو دفع الجزية، أو القتال.. وأمام الدولة ثلاثة أيام فقط لتقرر وتختار.. كيف يغير شعب بأكمله دينه خلال ثلاثة أيام؟ أو على الأقل يعلن قبوله المبدئي بدخول الدين الجديد، على أن يفهمه ويتعلمه لاحقاً.. وكيف سيعمم الملك الخبر على عموم الشعب؟ وهل سيأخذ برأيهم؟ مع تذكر أنه في تلك الأزمنة لم تكن وسائل التواصل السريع قد ظهرت بعد، وأي خبر أو مسألة تحتاج أسابيع وأشهر حتى تعمم على الجميع.. في وقتنا الراهن مثلا لو نشبت مشكلة بين سكان عمارة على تنظيف بيت الدرج ستحتاج أسابيع وربما سنوات لحلها..

هذه مجرد أسئلة للتفكر، وليست للتشكيك برواية معينة، بل للبحث عن إجابات علمية غير تلك التي نشاهدها في الأفلام.. وغير الإجابات السريعة والجاهزة.. مع قناعتي بأن معظم من كتبوا التاريخ تلاعبوا به وفق أهوائهم ومصالحهم.. لذلك، نحن بحاجة للتفكر والتمحيص في أصغر التفاصيل، لأنها هي التي تكشف هشاشة الرواية، أو تثبتها..


سبتمبر 21، 2026

خطأ إستراتيجي

خطأ إستراتيجي

ذكرت في مقالات سابقة أن الخطأ الأهم الذي وقعت فيه الثورة الفلسطينية، وكان أحد أسباب تراجعها وإخفاقها هو أنها كانت تسير بلا إستراتيجية واضحة ومتفق عليها.. ومع ذلك يمكن القول أن الفلسطينيين بشكل عام ساروا ضمن إستراتيجية ما، غير مكتوبة، أو غير مفصلة بشكل واضح، وهي إستراتيجية إدارة الصراع وإدامته..

وعادةً في الصراعات الكبرى يتبنى كل طرف إما إستراتيجية الهجوم، أو الدفاع.. وفي الحالتين يتوجب على كل طرف ممارسة "إدارة الصراع" إلى أن يتمكن من الحسم، أو يقترب منه..

فمثلاً؛ مع إن إسرائيل تواصل إستراتيجية الهجوم المتصاعد والمتراكم منذ قيامها وحتى اللحظة، لكنها في الوقت نفسه تمارس "إدارة الصراع"، لأنها لم تتمكن من حسمه، ورغم كل ممارساتها الإجرامية وما وصلت إليه من حالة قوة غير عادية لم تقترب من الحسم.. بيد أنها أنهكت الفلسطينيين إلى حد كبير.. في المقابل رغم كل النضالات والتضحيات إلا أن الفلسطينيين لم يحسموا الصراع، وهم الآن في طور التراجع، بيد أنهم ما زالوا قادرين على الصمود والبقاء وإفشال المشروع الصهيوني.

منذ انطلاقة الثورة في ال1965، وحتى بدء حرب الإبادة في 2023.. تمحور النضال الفلسطيني حول إستراتيجية الدفاع، أي البقاء.. رغم الشكل الظاهري للهجوم؛ فالعمليات الفدائية والانتفاضات وأشكال المقاومة الشعبية وكل المبادرات السياسية والهجمات الدبلوماسية والقانونية والإعلامية.. كلها كانت تسير وفق المنهج ذاته.. أي منهجية الصمود والبقاء.. فالضربات العسكرية كانت كلها محدودة من حيث عدد القتلى في صفوف العدو، ومن حيث الأثر السياسي والإعلامي والمعنوي.. هذا لا يقلل من شأن الكفاح الفلسطيني؛ بل هذا هو الشكل المطلوب المتناسب مع موازين القوى والمعادلات السياسية الإقليمية والدولية، والمتناسب مع قدرات الشعب ومدى تحمله.. أي إنه خيار حتمي..  

لكنَّ زخم الثورة وعنفوانها، وصدى العمليات الفدائية، والأثر المعنوي لكل انتفاضة، وعمليات التحريض، وحماسة الخطاب، والشعارات المعلنة، إلى جانب الخطابات الشعبوية.. كلها خلقت انطباعات عامة لدى قطاعات واسعة من الجماهير بأننا لسنا في حالة دفاع، بل في قلب الهجوم.. وعلى هذا الهجوم أن يتواصل ويتصاعد، مع قناعة راسخة بقرب ساعة الحسم، وإمكانية تحقيقه.. كل ما يلزم مزيدا من العمليات الفدائية، وتصعيد الاشتباك اليومي مع العدو، وإعلاء نبرة الخطاب، وبناء تحالفات مع قوى دولية، أو بالاعتماد على الشارع العربي والإسلامي.. حينها ستكون ثمار النصر قد نضجت، وكل ما نحتاجه زعيم مخلص يقطف الثمرة..

للأسف هذه مجرد تمنيات وأهداف طموحة، تصلح لقصيدة أو لخطبة ثورية أو لكلمات الصباح في الإذاعات المدرسية.. لكنها في سوق السياسة وعلى أرض الواقع لا شيء، ونتائجها كارثية.. ليس لأنها خطأ، بل لأنها تأتي ضمن الإستراتيجية الخطأ.. أي إستراتيجية الهجوم المبنية على فرضية إمكانية حسم الصراع بالضربة القاضية.. 

إستراتيجية الهجوم المبنية على فرضية إمكانية حسم الصراع بالضربة القاضية، تختلف كليا عن إستراتيجية الدفاع والبقاء والصمود.. ولكل منها أدواتها وآلياتها وأساليبها وخطابها السياسي والإعلامي المختلف.. والخلط بينهما يقود إلى الكوارث، وينم عن قُصر نظر وسوء تقدير.. لأن البند الأهم في أي إستراتيجية وحتى تتمكن من تحقيق غاياتها أن تكون مبنية على ما يسمى "تقدير الموقف".. وتقدير الموقف يُبنى على جملة واسعة من العوامل الذاتية والموضوعية، وعلى قراءة متبصرة للواقع المحيط، وتحليل علمي دقيق لموازين القوى وطبيعة المعادلات السياسية القائمة، وطبيعة النظام الدولي المهيمن، ونقاط قوة وضعف العدو.. وكل خلل في تقدير الموقف يتسبب في إخفاق أو تراجع أو هزيمة كبرى..

عندما أعدت حماس "تقدير موقف"، بنته على أساس أننا في مرحلة هجوم وحسم (وعد الآخرة)، ورأت موازين القوى من خلال شعار "أوهن من بيت العنكبوت"، وقرأت كافة المعطيات بعقلية غيبية، وبأدوات ومعايير طوباوية، وتعاملت مع السياسة بمنطق الأيديولوجيا، وذخيرتها الشعارات والخطابات.. ثم قررت هجمات 7 أكتوبر، فكانت الكارثة والنكبة.. لأن تقديرها للموقف كان خاطئا من البداية، وبالتالي كل الخطط المبنية عليه فاشلة..

إذا كان الواقع السياسي قبل حرب الإبادة يعطي الفلسطينيين هامشا للتحرك (يصغر ويكبر تبعا للظروف)، ويزودها بأدوات (ولو بسيطة) للاقتحام والمبادرة وخوض أشكال متعددة من النضال والاشتباك (سياسيا وشعبيا)، ويمنح القيادة مساحة معينة للمناورة ولقول لا أحيانا أو لعم أحيانا أخرى.. فإن نتائج حرب الإبادة قد قلصت كل تلك الهوامش إلى أصغر حد..

إضافة للخسائر البشرية الفادحة في الأرواح، والتي لا تعوض، فإن الخسارة الكبرى ستكون في مفهوم المقاومة نفسها، بما فيها المقاومة الشعبية.. غزة خرجت من المعادلة، وستحتاج عقودا طويلة قبل أن تستعيد جزءا من روحها وعافيتها.. في الضفة الوضع خطير ومخيف.. مواجهة بسيطة مع الاحتلال أو ضد قطعان المستوطنين تكلف أثمانا بشرية وسياسية ومادية باهظة جدا.. والأسوأ من ذلك أنها لن تكون مجدية سياسيا في المدى المنظور..

للخروج من هذا المأزق ولمواجهة كل هذه الأخطار التهديدات الوجودية، ينبغي أولاً أن نستأنف كفاحنا الوطني ضمن إستراتيجة البقاء والصمود.. وهذه لها أدواتها وأولوياتها وقادتها وخطابها الخاص..

باختصار، نتائج وتداعيات حرب الإبادة خلقت واقعا جيوسياسيا مختلفا كليا عما سبقها، وأوجدت معادلات جديدة كل من لم يستوعبها سيعرض نفسه لخطر الانقراض.. وأمام هذا الواقع الظالم، والهجمة الصهيونية الأميركية الشرسة، وفي ظل المعادلات الإقليمية القائمة فإن أفضل وأهم ما يمكننا إنجازه، هو البقاء.. البقاء فوق الأرض الفلسطينية، والحفاظ على وحدة الشعب، ووحدانية تمثيله السياسي، وعلى كيانه الوطني، وإبقاء جذوة النضال متقدة، وإبقاء القضية الفلسطينية حاضرة في الأجندات العالمية..

هذه ليست مجرد واقعية سياسية، هذه محاولة استنهاض وطني بتحديات كبيرة دونها خرط القتاد.. وأهم ما يتوجب إسقاطه بدايةً: خطاب الشعارات والعنتريات والشعبوية والمزاودات..