أحد الأصدقاء
سألني لمَ لم تكتب في الشأن السوري، عن الشرع، والسلفية والمذابح بحق الأقليات
وعودة القمع السلطوي.. الأمور صارت واضحة، وما بختلفوا عليها اثنين.. أجبته: رغم أهمية
الموضوع، ومحبتي العميقة للسوريين، وموقفي المعارض للسلفية.. لم أكتب، لأن الأمور الظاهرة
ليست كما هي في الحقيقة، وأفضّل التروي قليلاً..
لم تعجبه إجابتي،
فانتقل إلى طلبه الثاني: لازم تكتب عن اعتداءات المستوطنين، وعربدتهم، وكيف السلطة
عندها 70 ألف مقاتل مسلح واقفة تتفرج ولا تدافع عن شعبها! كمان الأمور الأمور هون
واضحة والصورة ما بدها شرح..
ولأن الشرح
يطول، قصصتُ عليه قصة حدثت مع صديقي الدكتور عامر بدران، وتصلح مثالا للتوضيح:
أثناء زيارته
لمنزل أقاربه في "طبربور" طلبت منه خالته توصيلها إلى منزل شقيقتها
الجديد في "القويسمة"، ولأنه لا يعرف العنوان استعان بتقنية GPS. أثناء الطريق كان المجيب الآلي بصوت أنثوي ناعم يقول بين
فينة وأخرى: بعد 50 متر توجه نحو اليمين، خذ المسرب الأيسر، بعد الإشارة الضوئية أدخل
أول طريق فرعي، أمامك مطب.. كانت خالته صامته وتراقب، فسألته باستنكار: مين هاي
اللي بدلك عالطريق؟ فأجابها: هاي موظفة مهمتها إرشاد السائق إلى العنوان المطلوب..
فسألت باستنكار مضاعف: ومين هاي الموظفة؟ ومن وين بتعرفها؟ فأجاب ما بعرفها، هي على
الأغلب مقيمة في الهند.. فقالت: شكلك بتتخوث عليّ، فأقسم أغلظ الأيمان أنه جاد.. فسألت
بتعجب واستنكار: يعني موظفة في الهند بتعرف وين بيت خالتك، وانت ما بتعرف!! يا عيب
الشوم..
المهم، في الظاهر:
إمرأة مجهولة ساعدت الدكتور عامر على توصيل خالته الأولى من طبربور إلى بيت خالته
الثانية في القويسمة، وفي الآخر وصلوا بسلام.. بالنسبة للخالة: الدكتور عامر ما
بعرف يوصل بيت خالته، والموظفة بتعرف أكثر منه، وهذا عيب، وهذه الموظفة ممكن تكون
صاحبته وهو مخبي الموضوع..
بالنسبة للدكتور:
من الصعب عليه الشرح، والقول أن تلك الموظفة مقيمة في مكان ما على هذا الكوكب، ربما
تكون مجرد صوت بتقنية الذكاء الاصطناعي، والفكرة برمتها مجرد تقنية تكنولوجية حديثة،
تقوم على نظام الملاحة بالاعتماد على الأقمار الصناعية لتحديد المواقع الجغرافية
بدقة.. فقرر مسايرة خالته على أمل أنه تتعود على هذه التقنية مع الوقت، وفي
الحقيقة حتى الدكتور عامر (وأنا، وأغلب القراء) لا نعرف بدقة التفاصيل الفنية
والهندسية لهذه التقنية، نعرف ما يكفينا للاستفادة من هذه الخدمة المهمة.
من الصعب على
شخص غير متعلم، وغير مواكب لتقنيات العصر فهم موضوع ال GPS، سيكون بحاجة لمعرفة تقنيات
الذكاء الاصطناعي، وقبل ذلك معرفة ما هو الإنترنت، وما هي الأقمار الصناعية، وفهم
نظام الطرق، وأنظمة السير.. إلخ، وعليه قبل ذلك فهم كيف بدأ هذا المسار وكيف تطور بدءأ
من اكتشاف الكهرباء والموجات الكهرومغناطيسية قبل 150 سنة، مرورا باختراع التلغراف
والهاتف وصولا إلى اختراع الكمبيوتر والهواتف الذكية وعشرات التفاصيل المهمة..
إذن، سواء في
موضوع ال GPS أو غيره، للوصول إلى
حكم صائب، وتشخيص دقيق، وتقديم إجابة صحيحة وأمينة يتوجب البحث والتعمق في الموضوع
ومعرفة أدق التفاصيل التي رافقت مسيرة تطور متراكمة امتدت على مدى عشرات السنين..
عدا ذلك، ستكون أية إجابة أو تعقيب مجرد فتي متسرع وهراء، وانعكاس لما يبدو في
الصورة الظاهرة، أي ما بدا في المشهد الأخير، بعد عزله عن سياقاته التاريخية..
ولكن، من قال إننا
نسعى لمعرفة حقيقة الأمور، وأننا نتوسل الوصول للحقيقة المجردة، أو نحاول الفهم؟
هذا لا يحصل عادة، في 99% من الحالات نكتفي بالمشهد الأخير، أو بسماع جملة معينة، أو
نتأثر بنبرة الصوت، ومظهر المتحدث، وقربه منا، وبحسب طبيعة علاقتنا به.. ثم نطلق أحكامنا
بخفة، تماما على طريقة سؤال الخالة الاستنكاري: "موظفة في الهند بتعرف وين
بيت خالتك، وانت ما بتعرف!! يا عيب الشوم..".
هذا ما تدركه جيداً
وسائل الإعلام الموجهة، وتشتغل عليه.. تعرف أن المستمع لا يهمه الحقيقة، حتى لو أوهم
نفسه بذلك.. تعرف أن الأغلبية لا تبحث ولا تدقق ولا تتعب نفسها بالتفكير وإجراء
المقاربات.. وتعرف مدى سهولة إيقاع المستمع في فخ المغالطات المنطقية. تعرف أن
المشاهد سيتأثر بما يُعرض عليه من صور، وتحديدا ما تضعها له داخل الإطار المقصود،
بمعزل عن السياقات الأخرى.. تعرف أن الخطاب الشعبوي بجمع زباين أكثر، ولايكات أكثر،
ومشاهدين أكثر.. تراهن وسائل الإعلام الموجهة على قِصر ذاكرة الجمهور، وتأثره
باللحظة الراهنة، وأنها تستطيع توجيهه بحسب أجنداتها وسياساتها..
الأسهل على كل
شخص (مستمع، أو مشاهد، أو قارئ) التوصل للنتيجة بسرعة دون المرور بخطوات التفكير
العلمي، لأن التفكير يتطلب مجهودا مضنيا ويستنزف طاقة كبيرة، لذا يقوم دماغه بربط
المعلومة الجديدة (الخبر، التعليق، الصورة..) بما هو مخزن في ذاكرته (الأحكام
المسبقة) فإذا تطابقت سره ذلك وأراحه وبالتالي صدّقها وانحاز لها بتلقائية.. وإذا تعارضت
رفضها على الفور.. وهذا ما يسمى الانحياز المعرفي.
من السهل على
كل شخص اتهام الآخرين وإطلاق الأحكام بحقهم ، وتحميلهم المسؤولية، وتصنيفهم.. هذا
لا يتطلب تفكيرا، وأريح للدماغ، وللضمير، إذ أنه يعفي صاحبه من تحمل أي مسؤولية،
ومن تبعاتها، ويوهمه بأنه تطهري، وثورجي، وأنجز ما عليه..
ومن الصعب
علينا تشغيل أدمغتنا على نحو أمين وصائب، والتخلص من التفكير العاطفي والرغائبي، وتجنب
الوقوع في شراك المغالطات المنطقية.. لذا المشكلة ليست في مدى صحة الخبر أو دقة
المعلومة.. المشكلة في طرق تفكيرنا، وكيفية التعاطي مع الخبر.
صحيح أن الإعلام
وثورة المعلوماتية ساعدت كثيرا في نشر الوعي، وتعميم المعرفة وو إلخ، ولكن في الوقت
نفسه قامت الكثير من وسائل الإعلام الموجهة بأقذر عملية تضليل وغسيل دماغ للجمهور
العربي بالذات منذ زمن الحمام الزاجل، وحتى عصر الخوارزميات الرقمية..