مع الذكرى
ال25 لهجمات مانهاتن الإرهابية، وتدمير برجي التجارة، أعود بكم إلى نظريات عديدة
ظهرت خلال هذه الفترة لتفسير ما حدث.
في الفترى الأولى
ساد اعتقاد بأن هذا النوع من الهجمات يتطلب تخطيطا معقدا وطويلا ودقيقا، وعقولا
عبقرية، وجهات تمتلك إمكانيات هائلة.. مع العلم بأن عملية الهجوم لم تكن تتطلب سوى
اختطاف طائرتين في الوقت نفسه (تكفي مسدسات)، وأن يمتلك أحد الخاطفين مهارات طفيفة
في قيادة الطائرة (يعني شوفير تيس)، ويقوم بالاصطدام بجدار العمارة التي لا تبعد
سوى أميال عن المطار.. وما ساعد في نجاح العملية أن إجراءات الأمن في المطارات الأميركية
(خاصة للرحلات الداخلية) كانت آنذاك بسيطة ويمكن تفاديها..
بالتأكيد تطلبت
العملية تفاصيل كثيرة وتخطيط دقيق، لكن ليس بحجم التهويل الذي ساد حينها، وما زال..
المهم أن العملية تمت، وتم تحميل المسؤولية لحركة طالبان التي كانت تحكم أفغانستان
حينها..
العملية كانت
مأساة حقيقية، فقد قتل فيها آلاف المدنيين، وأثارت الرعب في قلوب الشعب الأميركي،
وفي عموم الكوكب، وكانت بداية صعود "الإسلامفوبيا"، وصعود اليمين المتطرف
في أميركا وأوروبا، وقد شكلت صدمة للعالم، بما في ذلك العالم الإسلامي، وكانت حجة
قوية لتشويه صورة الإسلام، وربطه بالإرهاب، والأهم أنها منحت الإدارة الأميركية أقوى
ذريعة كانت تحتاجها لخلق توازن قوى دولي جديد قائم على مفهوم مكافحة الإرهاب،
تقوده الولايات المتحدة، تستطيع من خلاله بسط هيمنتها أكثر فأكثر على ربوع الكوكب،
خاصة بعد الفراغ الذي خلفه سقوط الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة. وحاجة أميركا
لعدو جديد يعوض هذا النقص، وقد وجدته في الإرهاب، وتحديدا "الإرهاب الإسلامي".
بالفعل، لم تتأخر
أميركا كثيرا، فقبل انتهاء العام كانت قد احتلت أفغانستان، وأطاحت بحركة طالبان،
وافتتحت بذلك عصرا جديدا للهيمنة الأميركية.
إزاء هجمات
البرجين تفاوتت ردود العالم الإسلامي بين مصدق ومكذب.. علما أن بن لادن نفسه سرب
تسجيلا بثته الجزيرة اعترف بمسؤوليته عن الهجوم، وعدّد الفوائد والمكاسب التي
سيجنيها في حربه على الطاغوت، و"العدو البعيد"، بحسب وصفه. ومع ذلك، إذا
استثنينا حماقة البيان المنسوب للجبهة الديمقراطية التي تبنت الهجوم في يومه الأول،
وإذا استثنينا بعض الأصوات الانفعالية والمرتجلة (وهي قليلة جدا بالمناسبة) التي أيدت
الهجمات، انطلاقا من ثارات قديمة ومتجددة تجاه تاريخ طويل من الإرهاب الأميركي
وجرائم جيشها ضد شعوب العالم.. فإن جميع الحكومات في العالم الإسلامي أدانت
الهجمات ووصفتها بالجريمة الإرهابية، وكذلك فعلت أغلب الأحزاب والقوى والتيارات
وعدد لا يحصى من الكتاب والمثقفين من إسلاميين وعلمانيين..
أوجدت الهجمات
مأزقا أخلاقيا وقيميا لكل من سيؤيدها، سواء كان بسبب الخوف من التبعات الأمنية
والقانونية لتأييدها، أو لقناعة راسخة بأنها فعلا هجمات إرهابية يتوجب إدانتها.. في
الحالتين يتوجب الإجابة على السؤال الكبير: ما هو الموقف الديني (سواء الفقهي أو الأيديولوجي)
من الهجمات؟ وكيف نحافظ على صورة الإسلام الحضارية في ظل هذه الهجمة الشرسة من
اليمين (واليسار) في كل مكان من العالم؟
الـمَخرج الأبرز
والأكثر رواجا تمثّل في القول: هؤلاء لا يمثلون الإسلام.. وزيادة في التأكيد
انتشرت مقولة أن المخابرات الدولية (وخاصة الأميركية) هي التي أوجدت هذه التنظيمات،
وهي التي مولتها ودعمتها، وزرعتها في المنطقة، وسهلت لها مهامها في التواصل والتنقل
وتجاوز الحدود.. وما زالت هذه المقولة تتردد ولكن دون الإجابة على سؤال أكثر
تعقيدا وخطورة: كيف نوفق بين إدانة هذه الجماعات وبين النصوص الدينية التي تستند إليها
في تنفيذ عملياتها، والتي يراها البعض تؤيد القتال والعنف والتعصب، خاصة مع تاريخ
طويل وممتد للعنف الديني والأصولي؟
المهم، خرجت
نظرية جريئة مفادها أن المخابرات الأميركية هي التي نفذت هجمات 11 سبتمبر، بواسطة
وكلائها، بدليل تمكن المهاجمين بسهولة من تحقيق هدفهم، وبدليل أن المستفيد الأكبر
من كل ما جرى بعد ذلك هي الإدارة الأميركية،
التي استخدمت الهجمات ذريعة للبدء بمسار جيوسياسي جديد بالكامل، ما زال قائما حتى
اللحظة.
بغض النظر عن
مدى دقة وصوابية هذه النظرية، هذا ليس موضوع المقال، المهم أن أصحابها يقرون بأمرين،
الأول: المخابرات الأميركية هي التي سهلت العملية.. الثاني: أن أميركا كانت تحتاج
الذريعة.. وهذه نقطة مهمة سنحتاجها بعد قليل.
المشهد نفسه
تكرر مرات عديدة في السنوات العشرين الأخيرة، بل هو استمرار لمشهد سابق تشكل في
الحرب الأهلية الأفغانية، فقد تبين بما لا يترك مجالا للشك أن المجاهدين الأفغان
كانوا مدعومين بكل قوة من المخابرات الأميركية، ومن حلفاء أميركا في المنطقة (أبرزهم
حينها باكستان التي أوجدت تنظيم طالبان، والسعودية التي أوجدت العرب الأفغان). وبعد
احتلال العراق، والأزمة السورية ظهرت عشرات التنظيمات الأصولية برعاية مخابرات
المنطقة (تنضم تركيا في هذه المرحلة).
وإزاء حجم العنف
وقسوة المشاهد والممارسات الفظيعة لتلك الجماعات تظهرا مجددا مقولة "هؤلاء لا
يمثلون الإسلام"، ومعها مقولة "هؤلاء صنيعة الغرب"، خاصة مع جرائم
داعش التي أثارت صدمة للعالم، والتأكيد على أنها صنيعة المخابرات الأميركية،
لاتخاذها نموذجا للإرهاب الإسلامي، وبالتالي ذريعة لتشويه الإسلام، وللدخول
للمنطقة واحتلالها.. وهذه المقولات كانت ترد من إسلاميين معروفين..
في الخلاصة،
تم تبني مقولات "صنيعة الغرب"، و"الذريعة".. من قبل قادة
ومثقفين إسلاميين، برأيي الشخصي اتفق مع المقولتين، سواء كانت تلك الجماعات صنيعة
بالكامل، أم تم اختراقها وإعادة توجيهها، أو زرع عملاء في داخلها ودعمهم ليصبحوا
قادة ومؤثرين، أو تم تمويلها مقابل تحقيق أهداف محددة.. أو تم استدراجها لمناطق
معينة، أو نصب الأفخاخ لها لسوقها إلى فعل معين.. كل هذا وارد وواقعي بل حدث فعلا،
ليس مع تلك الجماعات حسب، بل حتى مع دول وحكومات.. لأن الاختراق أو الاستدراج يعطي
الجهة الداعمة والممولة ما تحتاجه بشدة: الذريعة.
مع التسريبات
والاعترافات والاتهامات المتبادلة داخل إسرائيل بشأن ما حدث صبيحة 7 أكتوبر.. هل
توقفت مخابرات الغرب (بما فيها الموساد طبعا) عن نهجها التقليدي في الاستدراج
والاختراق ونصب الكمائن، وحاجتها للذريعة؟ أم أن تفسيرنا للأحداث وفهم سياقاتها الجيوسياسية
والاستخباراتية يتم وفق مغالطة "انتقاء الكرز"؟ والاكتفاء بالقول "سبحان
الله".