أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

يناير 31، 2026

الثوب الفلسطيني الكنعاني

 

في العام 2022 نشرت مقالا بعنوان "الثوب الفلسطيني الكنعاني" وقد حظي بتسعة لايكات ومشاركة واحدة، ودون أي تعليق، أي أن المقال لم يثر غضب أحد.. قبل أيام أعدتُ نشر فقرتين من نفس المقال فتلقيت أكثر من مائة تعليق والعديد من الرسائل كلها تشتم وتسب بكلمات بذيئة، ويبدو أن محتوى المنشور أثار غضبهم!

بالنسبة لي عندما أكتب مقالا فإنَّ آخر همّـي هو عدد اللايكات، ولا يهمني إن غضب أو فرِح القراء، ولم أكتب يوما لاستثارة عاطفة أحد، أو لجلب معجبين، أو للفت الانتباه.. أكتب فقط ما يمليه عليّ ضميري، وما اقتنع به، ولا أسعَ لإقناع أحد، أو لتغيير وجهة نظره؛ فهذه من أصعب المسائل.

أحاول أن أكتب بموضوعية، وأن أتجنب إصدار الأحكام، ولا أشتم ولا أتهم.. احتراما لنفسي أولاً، واحتراما للقراء على اختلاف توجهاتهم.. ومع أن تلقيت سيلا من الشتائم لم أرد، لأنك عندما تصف شخصا بأنه حمار، لن يتوجه إلى المرآة ويسأل نفسه بصدق: هل فعلا أنا حمار، ويتوجب مراجعة أفكاري وتصرفاتي؟ ما سيحدث أنه سيشعر بالاستفزاز وسيبدأ بالرد بغريزة دفاعية دون تفكير، وبالتالي عوضا عن تقديم نقاش عقلاني يستفيد منه الناس سنكون أمام جولة ردح وشتائم.

لنتجاوز تعليقات الذباب الإلكتروني؛ فلم يسبق لإنسان عاقل أن تحاور مع حشرة، ولنلقي نظرة على التعليقات المعترضة التي أقدرها، ولكن قبل الرد عليها سيكون مهماً مقارنة تفاعل الجمهور مع المقال نفسه بين نشره قبل ثلاث سنوات، ونشره اليوم، لعلنا نفهم بعض التغيرات الاجتماعية والفكرية التي حدثت خلال هذه المدة. ونعرف لماذا الهجوم على منشور يدافع عن التراث الشعبي الفلسطيني وعن الثوب الكنعاني!

من الواضح أن موضوع المرأة وكل ما يتصل بتصرفاتها وسلوكها اليومي من المواضيع التي تظل تثير جدلا، حيث تظهر ردات الفعل البدائية المحكومة بعقلية دوغمائية مغلقة، وبموروث اجتماعي متشدد، يستمد مقولاته من فهم ذكوري متعصب للدين، مع أن المنشور لم يتطرق لموضوع الحجاب إلا أن البعض يجد دائما في كل مناسبة فرصة لعرض ذكوريته المتورمة وعصابيته المتوهمة. ولا يجد ساحة ينتصر فيها سوى جسد المرأة.

عموما، الثوب الفلسطيني التراثي عمره أكثر من خمسة آلاف عام، أي أن المرأة الفلسطينية كانت ترتديه قبل كل الديانات السماوية، وظلت ترتديه باعتزاز حتى عصرنا الراهن، فهو لا يتعارض مع محددات الفقه الإسلامي لزي المرأة، بل يكاد يتطابق معها..

الثوب الفلسطيني، شأنه شأن كافة عناصر التراث الشعبي أحد أهم أدوات المواجهة والمقاومة ضد الاحتلال، فصراعنا مع العدو صراع حضاري ممتد وشمولي، والتراث بكل مكوناته في قلب المعركة ومن أقوى أسلحتنا. ومن واجبنا الوطني التمسك به وإحيائه والتصدي لمحاولات الاحتلال سرقته.. العدو الذي أدرك أهمية التراث الشعبي لترسيخ روايته المزعومة فبدأ بنحله ونسبه إليه..

وفي هذا رد على من ينتقدون بحجة أن الموضوع تافه، وهناك ما هو أهم، مثل معاناة النازحين في غزة، وهجمات المستوطنين في الضفة، ومجلس السلام.. وغير ذلك.. إذا كنت ترى هذه المواضيع مهمة (وهي بالتأكيد مهمة) فلماذا لا تكتب عنها حضرتك؟ من الذي منعك؟ ومن أعطاك الحق أن تحدد للكاتب ماذا يكتب؟ ومتى؟

صحيح أن الثوب التراثي بدأ يختفي لدى الجيل الجديد، حيث ترتدي النساء إما الحجاب، أو الملابس العصرية، وهذه مسألة حريات شخصية، ولا اعتراض عليها، ولكن ما يبهج القلب، رؤية السيدات والصبايا وهنّ يرتدين الثوب الفلسطيني في الأعراس، وفي الاحتفالات والمناسبات الوطنية.. وهناك فرق جوهري بين الجهود الفلسطينية المبذولة والمبادرات الأهلية التي تشجع على ارتداء الثوب المطرز، وبين الحملات الممنهجة التي تستهدف الثوب وتريد إلغائه واستبداله بما تسميه الزي الإسلامي.

من الردود الغريبة القول بأن تكلفة الثوب التراثي باهظة، وهذا سبب للتحول إلى الزي الشرعي! يا أخي من طالبَ كل النساء أن ترتدي الثوب التراثي؟! هذه حريات شخصية على مستوى الأفراد.. الحديث عن جهات منظمة تموّل حملات دعائية تستهدف الفئات الفقيرة وتستغل حاجاتهم لدفعهم نحو مشهد ما من أجل التقاط صورة ترسل للممول الكبير..

استهداف الزي التراثي ليست حديثا، وليس بريئا أيضاً، ودفع النساء لارتداء "الزي الشرعي" لم يكن إجبارا مباشرا، بدأ بإلقاء المياه الحارقة والبيض على وجوه النساء غير المحجبات، حدث هذا في أواخر الانتفاضة الأولى في عدة مدن فلسطينية، صحيح أنها كانت حالات فردية محدودة، لكن أثرها كان مرعبا على سائر المجتمع، ثم تواصلت مع حملات إعلامية استخدمت الترغيب والترهيب، حتى تم تعميم "الجلباب التركي" وأحيانا النقاب، خاصة في المخيمات وفي الأحياء الشعبية وفي قطاع غزة تحديدا.

وعندما سيطرت حماس منفردة على قطاع غزة، فعلت ما تفعله كل الحركات الأصولية؛ بدأت بمحاولات أسلمة المجتمع، وعندما نقول "أسلمة المجتمع" لا نقصد إدخاله للإسلام، أو إقناعه بمفاهيمه وقيمه، فالمجتمع الغزي مسلم ومتدين قبل حماس بألف سنة، وليست حماس من أدخل الإسلام إلى القطاع كما صرح أحد قيادييها سابقا.. المقصود بالأسلمة فرض أيديولوجية الحزب الحاكم على المجتمع، من خلال فرض أنماط سلوكية معينة ومفاهيم اجتماعية واقتصادية بحسب فهمها للفقه الإسلامي.. حدث هذا سابقا وما زال يتكرر في المجتمعات الإسلامية التي ابتليت بحكم جماعات متشددة وأيديولوجية، وكانت النتيجة تمزيق العالم الإسلامي إلى شِيع وأحزاب وجماعات متحاربة ومتضادة، والإساءة للإسلام نفسه، فصارت كل جماعة تزعم أنها تمثل الدين الصحيح لدرجة أنه لم نعد نعرف حقيقة أيها التي تمثل صحيح الدين.

سعت حماس وبخطوات حثيثة للسيطرة على البنية التحتية الإسلامية، بدءا من السيطرة على المساجد، والإمساك بلجان الزكاة، ثم فرض الحجاب والجلباب على طالبات المدارس والمحاميات والمدرّسات.. فيما قامت الحركات السلفية بفرض الأسلمة بالقوة ودفعة واحدة، فلجأت إلى تفجير الأماكن السياحية، وحرق المخيمات الصيفية، وتفجير صالونات التجميل، ومحلات الإنترنت، والمقاهي، ومحلات بيع أسطوانات الأغاني والأفلام، وتفريق حفلات الأعراس الغنائية بالقوة.

وكان المجلس التشريعي في غزة قد وافق على مشروع قانون العقوبات، الذي وُصف بأنه "أكثر تزمتا ورجعية من قانون طالبان"، كما أقر مجلس الوزراء المشكل من حماس بتاريخ 9/6/2009  "لائحة الآداب العامة"، بحجة المحافظة على النظام والآداب، ونشر الفضيلة؛ فشرعت حماس بتطبيق حملة 'الفضيلة' في القطاع، باستصدار قرارات عديدة، استهدفت الحريات الشخصية.

هل تذكرون حفلات التوبة في 2016، حين دخلت مجموعة مشايخ بالزي الأفغاني، مدرسة ابتدائية بتواطؤ من مديريات التربية في القطاع، وبدأ أحدهم بإلقاء خطبة حماسية ملتهبة انتهت بسقوط عدد من الطلبة مغشيا عليهم، فيما ألقى آخرون بأجسادهم على صدر الشيخ والدموع تنهمر من عيونهم.. وسط صيحات التكبير يعلن هؤلاء الأطفال "توبتهم" و"رجوعهم" للحق، مع فرحة عارمة لأصحاب الحفل ب"هداية" مدرسة كاملة، وضمها إلى حظيرة الإسلام..

دوما المقدمات تقود إلى النتائج..

يناير 26، 2026

حسن الترابي

 

عشر سنوات على رحيل حسن الترابي (1932-2016)، واحد من أكثر شخصيات الإسلام السياسي التي حيرت المراقبين، مفكر وسياسي مثير للجدل، يحب الشِعر، وموسيقى بيتهوفن، والأفلام الأجنبية، ويجري عميات الصيانة لمنزله بنفسه، نال الماجستير من أكسفورد، والدكتوراه من السوربون.. أثناء دراسته في جامعة الخرطوم انضم للإخوان المسلمين، وصار من زعماء الجماعة في السودان.

بعد الإطاحة بالجنرال عبّود (1969) انتقل الترابي إلى عالم السياسة، وتولى مناصب رفيعة في الدولة.. وزيراً للعدل في عهد النميري (1981)، وبعد سقوط نظام النميري عام 1985، سلّم سوار الذهب الحكم للمدنيين، فعارض حكومة الصادق المهدي، ثم صار وزيراً للخارجية (1988)، ثم تحالف مع العسكر في انقلاب الإنقاذ عام 1989، وصار أمين عام المؤتمر الشعبي (1991)، ورئيس البرلمان في عهد البشير (1996)، وأمين عام الحزب الحاكم (1998)، ثم منشقا عن النظام بعد تجريده من مناصبه الرسمية والحزبية، (2001).

اعتقل مرات عديدة في عهد النميري، وأُفرج عنه عام 1977 بعد مصالحة بين الإسلاميين والنميري أفضت إلى إعلان تطبيق الشريعة 1983. واعتقل عام 2009 بعد تأييده محكمة الجنائية الدولية التي اتهمت البشير بارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية.

أصدر15  كتابا في العقيدة والفقه وتجديد الفكر الإسلامي. يراه البعض سياسيا محنكا، أو مفكرا تنويريا مجددا، فيما يراه خصومه براغماتيا مخادعا، شغوفا بالسلطة، أما خصومه الفقهاء فاتهموه بالزندقة، ومنهم من كفّره واعتبره مرتدا. خاصة بسبب فتاويه التي اعتبرها الفقهاء تخالف ثوابت الدين، ومن أبرزها:  

جواز إمامة المرأة في الصلاة حتى لو كان المصلّون رجالا، وإباحة زواج المسلمة من المسيحي أو اليهودي، وقوله إن شهادة المرأة تساوي شهادة الرجل تماما، وأنَّ الحجاب يعني الستار وهو الخمار لتغطية الصدر وجزء من محاسن المرأة، ورفضه فكرة عودة المسيح وظهور المسيخ الدجال.

 

يأخذ الإسلاميون على الترابي أنه سار على نهج المعتزلة بتقديم العقل على النص، وبسبب فتاويه خاصة إزاء المرأة أصبح عبئا ثقيلا على الدعوة في السودان، وبالتالي إما أن يتوب أو يُكفّر. وآخرون اعتبروا أنه يسوّق للديمقراطية والحريات الشخصية وهي من أفكار الغرب الكافر!

 أما أتباعه فاعتبروه مفكرا مبدعا متجاوزا لعصره، تجرأ على النص وانتقد السلفية بجرأته العقلية، وأسهم في تجديد الفكر والفقه الإسلامي. ورأوا في كتبه جمعٌ بين فلسفة "هيغل" ومنهج الشاطبي في مقاصد الشريعة.

انطلق الترابي من فلسفة في الدين تتمحور حول مفهوم خاص للتوحيد، ترى أنه ليس مفهوما كلاميا تجريديا وإنما هو فكرة حية يغذيها جهد عملي، تركز على وظيفة الإيمان، لا على قالبه الفلسفي. وحين كتب عن الصلاة كان تركيزه على المعاني العملية والتنظيمية للصلاة.. ودعا للتمييز بين "الدين والتدين"، وبين "الفكرة المثالية والواقع المعاش"، وبين الجانب الأزلي المطلق والجانب التاريخي في الدين والتراث؛ أي عدم الخلط بين الوحي والتاريخ نظرا لمخاطر هذه الخلط على مستقبل الإسلام، لأنه يحرمه من مواكبة حركة التاريخ. كما نبّه لوجود اختلال في التوازن في التراث الإسلامي بين فقه المبدأ وفقه المنهج، وهذه من وجهة نظره سبب تعثر الحركات الإسلامية.

وفي نقده للسلفيين: "عارض فكرة أن يكون الدين متمثلا في تاريخ المتدينين، لأن ذلك يجر التعصب لذلك التاريخ، وانتقد تقليد السلف في مسلكهم ومظاهرهم؛ فقال: "مهما يكن تاريخ السلف الصالح امتدادا لأصول الشرع، فإنه لا ينبغي أن يُوَقَّر بانفعال يحجب تلك الأصول".

 

حاول الترابي أن يحرر الإسلاميين من صورة ذلك السلفي المتعصب الذي ينادي بتغيير الكون وهو لا يدرك ما يدور في محيطه القريب، تقوده رغبة عاطفية دون خبرة ولا تخطيط، يشعل الحروب في كل مكان ويخسرها، ويستفز العالم كله ويعاديه، وهو في حالة ضعف ودون استعداد.

وفي نقده للحركات الإسلامية السودانية استعرض بعض المزالق الأخلاقية التي وقع فيها الإسلاميون، فكتب: "كانت الحركة تعارض كيفما اتفق، مفتونة بحميّة المعارضة، تزاود في الحق وتكابر دون وجه حق".

أما خصومه العلمانيين فانتقدوا موقفه السلبي في أواخر عهد النميري حين أيد إعدام المفكر التنويري محمود محمد طه عام 1985 واعتبره مرتدا. وتأييده تطبيق الشريعة التي اقتصرت على جانب العقوبات مقل قطع الأيدي والجَلد وغيرها من العقوبات الجسدية التي تحط من كرامة الإنسان وفق المفهوم الحداثي. ورأوا أن تطبيق الشريعة كان للتغطية على استبداد وفساد نظام النميري وفشله، وأن الترابي كان من وعاظ السلاطين.

كما انتقدوا تقلباته وتغير مواقفه التي تجازوت البراغماتية إلى حد الانتهازية، وأنه أخفق في منهجه حين حاول التوفيق بين السياسة ومتطلبتها وأيديولوجية الإسلام السياسي في إدارة الحكم، خاصة في عهد البشير، حيث أتت النتائج كارثية على السودان، تمخضت عن حكم عسكري ديكتاتوري قاهر لشعبه، مقهور أمام الغير.

كانت خطة الترابي إظهار انقلاب البشير بواجهة وطنية، ثم التدرج خلال أعوام حيث تتغلغل جماعة الإخوان في الدولة، إلى أن تكشف عن وجهها الإسلامي سافرا.. لكن التدرج حوّل الحركة الإسلامية إلى أداة قمع في يد سلطة عسكرية مستبدة، لا رؤية لها سوى البقاء في السلطة والتشبث بالكرسي، فانتحر المشروع الإسلامي على أعتاب الحكم العسكري؛ وانتهت تلك الفجوة بين الجانب النظري والممارسة العملية في حياة الترابي وفي مشروعه السياسي إلى مشهد حزين.

الترابي، وربما راشد الغنوشي من أبرز رجالات الإسلام السياسي اللذيْن حاولا الجمع بين الأصولية الدينية وبين الأفكار الحداثية مثل نظام الحكم والديمقراطية والحريات، وأخفقا في ذلك، ولم يجدا من الإسلاميين سوى النقد والعداء والتكفير.. ومن السلطة الحاكمة السجن.

لكن ما يُحسب لهما، ولعديد من المفكريين "التنويريين" المعاصرين أمثال محمد شحرور، وجمال البنا، وحسن حنفي، ومحمد أركون، وغيرهم ممن سعوا لتجديد الخطاب الديني، وتقديم قراءات عقلانية للنصوص المقدسة لتتوافق مع معطيات العصر، وركزوا على العقلانية ومقاصد الشريعة.. اجتهدوا، وفكروا بشجاعة خارج صندوق السلفية..

يناير 23، 2026

عن الظاهرة الترامبية

 

هل ترامب مجنون ونرجسي فقط؟ ويتصرف من تلقاء نفسه؟ أم ينفذ إستراتيجية أميركية متأصلة؟

سؤال محير، وأظن أن أي إجابة جاهزة ستكون غير دقيقة، ذلك لأن الظاهرة الترامبية مسألة معقدة ومتداخلة، وللإجابة عليه يتوجب معرفة آليات صنع القرار في الولايات المتحدة.

تسود مقولة أن الرئيس الأميركي (تاريخيا) مجرد واجهة سياسية، وينفذ سياسات وإملاءات الدولة العميقة، ويحمي مصالحها.. وفي هذا القول قدر من الصواب، لكنه يقودنا إلى سؤال آخر: ما هي الدولة العميقة؟

بتعريف مبسط للدولة العميقة؛ هي شبكة غير ظاهرة مكونة من أصحاب النفوذ الاقتصادي والأمني ومراكز القوى داخل البلد، تعمل بشكل موازي للحكومة، وتسعى لتوجيه السياسة الداخلية والخارجية للدولة بما يتوافق مع مصالحها، ولتحقيق أجندتها الخاصة، لها جذور في المجتمع وفي بنية الدولة ومؤسساتها، بحيث لا تتغير بتغير الحكومات والرؤساء. ويصفها البعض بأنها نفوذ خفي للمؤسسات العسكرية والأمنية والاقتصادية على الحكم.

مع أن "الدولة العميقة" ارتبطت بنظريات المؤامرة، لكنها في الحقيقة موجودة لدى أغلب الدول، قد تكون ممثلة بالحزب الحاكم، أو بالقوى الدينية والاجتماعية والاقتصادية، أو بالنخبة البيروقراطية المتحالفة مع الأمن ورأس المال..

في الولايات المتحدة يشترك في صناعة القرار جهات متعددة؛ إداريا: هنالك البيت الأبيض، ووزارة الخارجية، والبنتاغون، والكونغروس، والقضاء.. في المستوى العميق ثمة جهات متعددة تؤثر بقوة، أبرزها: اللوبي اليهودي، رؤساء الأجهزة الأمنية، وقادة الجيش، كبار الأثرياء وأصحاب الصناعات العملاقة خاصة المجمع الصناعي العسكري، والصناعات النفطية، وقطاع المال والبنوك، والصناعات التكنولوجية "وادي السيليكون"، وبقية القطاعات الدوائية والغذائية والصناعات الثقيلة، الإعلام وصناع الرأي العام ما فيهم هوليود، مراكز الأبحاث، التيارات المحافظة واليمينية، مثل المسيحية الصهيونية.

سواء كان اسمها الدولة العميقة، أم الدولة الظاهرة والرسمية في الحالتين تلعب كل تلك الجهات أدواراً مهمة وحاسمة في الإستراتيجيات الأميركية داخليا وخارجيا، ومن السذاجة الاعتقاد أنها "على قلب رجل واحد" ولديها رؤية واضحة، وتسيّر الدولة ضمن مسار مرسوم بدقة.. من المؤكد أن لتلك الجهات مصالح متضاربة، وبينها تناقضات عميقة، وصراعات خفية، وتنافس شرس، كما أنها لا تهتم بكل القضايا بنفس الدرجة، بعضها يهتم بالشأن الداخلي، وبعضها في السياسة الخارجية.. لكنها تعمل وفق مبدأ "وحدة وصراع الأضداد"، أي أنها متفقة على الأهداف العليا، وتختلف على التفاصيل والمواقيت والفرعيات.. تريد أميركا قوية، ومهيمنة، وتريد إدارة وحكومة تحمي مصالحها..

هذا في العموم، لكن في التفاصيل خفايا كثيرة ومثيرة تصل إلى حد التصفيات وكسر العظم أحيانا.. فمثلا يُقال أن جهات معينة من الدولة العميقة هي التي قتلت الرئيس كينيدي، وجهات أخرى هي التي افتعلت هجمات منهاتن (9 سبتمبر)، وتفجير ماراثون بوسطن، وغيرها..

من شبه المؤكد أن للدولة العميقة إستراتيجيات بعيدة المدى، لكن يصعب عليها تنفيذها، وتظل تنتظر رئيس قادر على حملها، فالدولة العميقة لا تفضل رئيس مثقف، أو لديه وجهة نظر مختلفة ومستقلة، فإما تقصيه من الحكم، أو تفشله في الانتخابات كما حدث مع كارتر وبوش الأب، لأنهما عارضا السياسة الإسرائيلية.. وقد تضع العراقيل أمام توجهات الرئيس التي تتعارض مع مصالحها كما حدث مع برنامج أوباما الخاص بالتأمينات الصحية..

الرئيس ترامب شكّل حالة مثالية لمتطرفي الدولة العميقة، ولأصحاب النفوذ الأكثر توحشا؛ فهو لا يهتم بتبعات أفعاله الأخلاقية، ولا يعبأ بسمعته الشخصية، وهو متحرر بقدر ما من ضغوطات أصحاب المال، وغير مبالي بتأثيرات سياساته على العالم، وعلى السلم العالمي، وبنية النظام الدولي القائم على مبادئ حقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة واحترام سيادة الدول وحقوق الشعوب.. (بغض النظر عن مدى صدقية هذه المبادئ).. وبالتالي هو الأنسب للبدء بتنفيذ سياسات قديمة ظلت مؤجلة..

وهنا تثور أسئلة: هل فعلا الولايات المتحدة مهتمة لهذه الدرجة بالإستيلاء على غرينلاند؟ فإذا كان الجواب نعم؛ فلماذا لم يقدم 45 رئيس سابق حتى على التلميح بذلك؟ هل فعلاً من مصلحة الولايات المتحدة خسارة أهم حليف لها (الاتحاد الأوروبي)، بل التصادم معه؟ هل سياسة العقوبات ورفع التعرفة الجمركية على معظم دول العالم تخدم الولايات المتحدة؟ هل ضم كندا وبنما والمكسيك وغيرها كان على برنامج الدولة العميقة، وظلت تؤجل ذلك حتى مجيئ ترامب؟ هل من مصلحة الولايات المتحدة التحول إلى إمبراطورية توسعية، على شكل دكتاتورية، وإلغاء كل ميراثها الديمقراطي والليبرالي؟

كثر الحديث مؤخرا عن مبدأ "مونرو" (أمريكا للأمريكيين)، مع إنه ظهر عام 1823، لكنه كان بمثابة تحذير للدول الأوروبية من التدخل في شؤون الأمريكتين، مقابل تعهد الولايات المتحدة بعدم التدخل في أوروبا، وما حصل لاحقًا أنه تطور ليشمل حق التدخل الأمريكي في أمريكا اللاتينية، وتحول إلى غطاء للهيمنة، ولم يكن يعنى احتلال تلك الدول.. ما يفعله ترامب تجاوز كبير حتى لذلك المبدأ الإمبريالي. وبالتأكيد يتناقض كليا مع مبادئ ويلسون ال14 التي أقرتها أميركا سنة 1918، ومع مبدأ ترومان 1947، ومع مبدا أيزنهاور 1957، ومع مبدأ كارتر 1980، وغيرها التي أرادت تكريس دور أميركا في العالم، من خلال تقديم المساعدات، والتدخل الإيجابي، ودعم المؤسسات الدولية. والأهم أنه يتناقض مع أهم ما يميز المجتمع والنظام الأميركي: الحرية والتعددية..

ليس دقيقا القول أن الرئيس مجرد واجهة وأنه بلا صلاحيات.. فمثلاً، لو لم يكن بوش مصصما على خوض حرب الخليج لما وقعت، وحينها سيتخذ مسار الأحداث العالمي اتجاهات أخرى مختلفة.. وسنكون أمام واقع مختلف.. وليس دقيقا القول بأن للولايات المتحدة سياسات ومخططات بعيدة المدى معروفة وواضحة وأنها بمثابة قدر.. لقد تغيرت الإستراتيجات الأميركية مرارا وتكرارا.. متأثرة بعوامل عديدة ومستجيبة لتطورات لم يكن شرطا محتما أن تحدث.

يتصرف ترامب كما يحلو له، فهو لا يخضع لمحددات السياسة الأميركية التقليدية، ولا يهتم برقابة القضاء ولا الكونغروس، ولا بالرأي العام الأميركي، بل إنه خاض حملته الانتخابية بشكل معادي وسافر للأقليات، والمهاجرين، وللسود، وللمرأة، ولمجتمع الميم، ومناصري البيئة، والمثقفين.. وهؤلاء يشكلون نصف الناخبين!

ترامب نرجسي ومهووس بالظهور وتصرفاته غير متوقعة، والخبراء النفسيين أكدوا على أنه مختل، لكن سياساته ماضية حتى بعد رحيله.. إلا إذا صحا العالم، واتخذ موقفا موحدا لمجابهة جنونه.. وإذا صحي الشعب الأميركي وانتبه لما سيجره عليهم وعلى الكوكب من مصائب وكوارث.

يناير 20، 2026

التاريخ المظلم للعلماء


بدايةً، ينبغي التمييز بين "العِلم" بوصفه معرفة ونور وحكمة، و"العلماء" بوصفهم بشرًا يخضعون مثل غيرهم للمصالح والأهواء، ويتأثرون بالبيئة والثقافة السائدة، ونظام الحكم.. لكن العِلم لا ينفصل عن العلماء، فهم مؤسسوه ورواده؛ وعلى مرّ التاريخ، لعب العلماء دور المحرك الأساسي لنشوء المدن والحضارات، وقادوا عمليات التطور عبر الاكتشافات والاختراعات، وبنوا صرح المعرفة الإنسانية المتراكمة عبر البحث الترجمة والابتكار، واجترحوا الحلول العملية لمشكلات المجتمع..

 لكن مسيرة العلماء لم تكن مشرقة تماماً؛ فبعضهم أدى أدوارًا سلبية ومظلمة، لا بسبب العلم نفسه، بل بسبب توظيفه، أو إساءة استخدامه، تماماً كما أساء بعض رجالُ الدين للأديان كافة.

قبل نشوء العلم، أي في مرحلة السحر والشاهنامة، كان الكهنة يحتكرون المعرفة ويورثونها كأسرار، ويكتمونها عن بقية الناس، ولأنهم لم يمتكلوا أدوات العلم الحقيقية نشروا ثقافة الخزعبلات والأساطير.

وعندما بدأ العلم يشق طريقه مع نشوء الحضارات الأولى في مصر القديمة ووادي الرافدين (قبل 5000 سنة تقريبا) استخدم العلماء علومهم لبناء الصروح الضخمة للملوك، وفي خدمة الجيوش والمجهود الحربي، ولم يستفد منهم عامة الشعب (أو كانت استفادتهم عارض جانبي)، وبذلك ساهموا في تفشى الخرافات والغيبيات في أذهان العامة.

وفي مراحل لاحقة مع ظهور الحضارات اليونانية والرومانية وبروز كوكبة من العلماء والفلاسفة (قبل 2500 سنة تقريبا)  لم يهتم هؤلاء بالقضايا التي تشغل الناس، ولم يتحدوا النظم الاقتصادية والدينية والاجتماعية السائدة؛ انشغلوا في الهندسة وحركة النجوم، ولكنهم أبدا لم يبحثوا في أخلاقيات نظام العبودية والإقطاع، أو في هموم الفقراء، أو في نشر الوعي..

ومع بدايات عصر النهضة كرس بعض العلماء جهودهم في حركة الكشوف الجغرافية للبحث عن قارات جديدة مليئة بالثروات والفرص وإمكانات النهب والاستغلال، وبعضهم اخترع آلات للتعذيب، وفي المرحلة الاستعمارية شارك بعض العلماء في صياغة نظريات التفوق العرقي، وتبرير استعمار الشعوب باسم العلم، وتصنيف البشر وفق مقاييس عنصرية زائفة، واستخدموا دراساتهم لتبرير الاحتلال والاستغلال والعبودية ونزع الإنسانية عن الآخر. أو في أحسن الأحوال سكتوا عن جرائم القتل والاضطهاد، وامتهان كرامة الإنسان.

في القرن العشرين، وحتى وقتنا الراهن شارك بعض العلماء في التجارب اللاأخلاقية على البشر دون موافقتهم، لتصنيع أسلحة كيماوية وجرثومية وبعض الصناعات الدوائية وحتى في تجارب سريرية على بشر دون تخدير، فضلا عن دورهم الخطير في صناعة أسلحة الدمار الشامل والأسلحة النووية وصواريخ الإبادة الجماعية. مستندين إلى فكرة "الحياد العلمي"، وكأنَّ العالِـم غير مسؤول عن نتائج علمه.

وما زال بعضهم يوظفون علومهم في خدمة الدكتاتوريات، يسوغون القمع، ويشرعنون الاستبداد، وبعضهم يقدمون أنفسهم لخدمة الشركات الرأسمارية والاحتكارية، من خلال إنتاج علوم مزيفة، أو تطويع نتائج البحوث لصالح مشغّليهم، أو حتى تزويرها.. يؤكدون على ما تريده السلطة أو السوق، أو وفق المزاج الشعبوي، حيث يختزلون القضايا المعقّدة في شعارات، ويحولون المعرفة إلى سلعة أو أداة شعبوية.

بعضهم وقفوا ضد الاكتشافات العلمية أو التحولات الاجتماعية لا بدافع علمي، بل خوفًا على المكانة أو نفورًا من الجديد، فأسهموا في إبطاء مسارات التقدم، وأحيانًا في تجريم التساؤل والبحث.

يستخدم هؤلاء العلماء نفوذهم المعرفي (أو الديني) لإقصاء المخالفين، أو تشويههم، يُسكتون النقد بحجة الاختصاص، ويستخدمون "اللقب" العلمي لإغلاق النقاش، ويمنحون المعرفة "حصانة" زائفة، بينما العِلم الحقيقي يقوم على النقاش والشك والاختبار.

صناعة الهالة الزائفة أحد أخطر أدواتهم، حيث يقُدِّمون انفسهم بوصفهم مختصين أو فوق النقد، والمجتمع يساعدهم في ذلك، ما منح آراءهم سلطة مطلقة، وألغى المساءلة، وجعل الخطأ مضاعف الأثر، ما أفقد العلم رسالته النقدية.

أخطر العلماء هم أولئك الذين يتخلّون عن الشكّ والنقد، ويبيعون الوهم باسم اليقينيات. بالتالي يحولون العلم إلى أداة مساعدة للظلم والاستغلال بدل أن يكون مرآة للإنسانية وصوتًا للحقيقة.

 أو أولئك الذين ينفصلون عن المجتمع وهمومه، وعن الوطن وقضاياه، وحتى عن المسائل التي تشغل البشرية جمعاء. أو لا ينحازون للقضايا الإنسانية والتقدمية، متناسين البعد الأخلاقي للعلم والمعرفة، ومقدّمين "الإنجاز العلمي" على كل شيء آخر.

في منطقتنا العربية أساء الكثيرون من المحسوبين على "العِلم"، خاصة حملة الشهادات العليا، حيث تجد مهندساً مختصاً أو طبيباً بارعاً أو استاذاً جامعياً يستمع بكل جوارحه لخطيب "مفوه"، يصرخ بخطاب شعبوي تسطيحي، ويروج للخرافات والخزعبلات..

في الولايات المتحدة وظَّف العديد من العلماء والمهندسين والمبرمجين علومهم وقدراتهم لصالح الاحتلال في حرب الإبادة ضد المدنيين والأطفال.. كما سبق أن وضعوا أنفسهم في خدمة مشاريع الإمبريالية وسحق الشعوب وسرقتها.

الحديث عن هذه الفئة من العلماء مهمّاً حتى لو شكّلوا نسبة ضئيلة جداً، لأن أدوارهم كانت خطيرة وهدامة.. واستحضار هذه النماذج السلبية ضروريًا، لا للطعن في العلم، بل للتأكيد على أنَّ العالـِم، مهما علا عِلمه، ومهما نال من شهادات وجوائز يظل محتاجًا إلى الضمير.. وللتذكير بأنَّ المعرفة بلا أخلاق تتحول إلى أذى وضرر لا إلى نور ومنفعة، وأنَّ العِلم لا يحصّن صاحبه أخلاقيًا، واللقب لا يمنح العصمة.


يناير 10، 2026

بين الإقرار بالهزيمة، والترويج لها


ظهرت في فلسطين شريحة معينة وجدت طريقها الخاص في التعايش مع الاحتلال، انطلاقا من فهمها الضيق بأن الاحتلال ينتهي حين يختفي حضوره في الشارع، أو حين تنقطع اقتحامات الجيش للمدن.

كما ظهر خطاب إعلامي يوحي بأننا بمجرد بقائنا فوق الأرض (دون أي مواجهة مع الاحتلال) نمارس شكلًا من أشكال التحرّر.. ولدى فئة معينة لم يعد مفهوم الحرية يعني إنهاء الاحتلال، بل تحسين شروط الحياة تحته.. ولدى القيادة صارت "الواقعية السياسية" تعني التكيّف مع شروط المحتل بدلا من محاولة تحديها وتخطيها.

يمكن تفنيد تلك المقولات، أو تفهّم بعضها، وهذا في إطار الجدل ومعركة الوعي، الأهم أن نفكر بموضوعية وبخطوات عملية كيف نمنع تحويل هذه الحالة من وصفها إحساس بالظلم بصورة مؤقتة وباعتبارها مرحلة عابرة أن تصبح حالة دائمة وأبدية.. بمعنى أن نفكر كيف نواجه هذا الظلم عوضا عن القبول به.

هذا لا يعني أن الشعب الفلسطيني بحاجة إلى دروس لتعليمه الوطنية وكيفية مقاومة الاحتلال، فهو المعلم الأول، ومنذ قرن وأكثر ما زال يقاوم الاحتلال بكل عبقرية وشجاعة، وضحّى من أجل ذلك بأغلى ما يملك.. لكنها دعوة للاستفادة من تجاربنا المريرة، واستخلاص العبر، خاصة في ظل الهجمة الاحتلالية الشرسة، في هذه المرحلة الصعبة والحساسة..

فالعدو يعمل بمثابرة على إعادة هندسة الوعي الوطني، بالقوة المفرطة وبالخطاب الإعلامي، ويريد أن يقنعنا أن المواجهة غير مجدية، وإن المقاومة تكلفتها باهظة وعلينا الرضوخ، وتساعده في مخططاته فضائيات عربية، وأقلام وأصوات مؤثرة (بعضها بحسن نية وبعضها عن إرادة ووعي) لتعميم مقولة أنّ الاستقرار أولوية، والانتعاش الاقتصادي هو الهدف الأهم، وأن إسرائيل من القوة بحيث يستحيل هزيمتها، وبالتالي يتوجب التطبيغ معها. ليتحول هذا الخطاب مع الوقت إلى قناعة عامة.

هذا الخطاب يجد فرصته في النجاح والانتشار مع ترسيخ مقولتي (النهج السلمي والدبلوماسي وصل طريقه المسدود والمفاوضات أثبتت فشلها، والسلطة مثالا)، ومقولة (المقاومة المسلحة انتحار ولا تجلب سوى النكبات والكوارث، وغزة ولبنان مثالا). عندها سيصل المواطن إلى قمة اليأس والحيرة، فلا السلاح، ولا المفاوضات ممكن أن تحرز انتصارا أو تحقق منجزا..

كيف وصلنا إلى هذه المفارقة الغريبة؟ المفارقة التي ستضعنا على حافة اليأس..

السبب يكمن في الأخطاء القاتلة التي مارسناها (جميعاً)، ومنبعها تلك العقلية المحدودة التي تحصر كل شيء في ثنائيات متضادة.. لنتنج في النهاية مفاهيم مشوهة: "المقاومة" هي فقط الكفاح المسلح، بالرشاشات بالصواريخ بالسكاكين.. المهم أن نوقع قتلى إسرائيليين.. ما عدا ذلك جُبن وتخاذل وخضوع.. "المقاومة" تتجسد فقط في من يمارس الفعل المسلح ومن يطلق الصواريخ، أما من يواجه العدو بالأساليب الأخرى فهو خائن ومنبطح.. العمل الدبلوماسي والسياسي نلجأ إليه مضطرين حين نعجز عن الحسم العسكري.. فهو ليس أداة فعالة وليس مهما، وأي منجز يتحقق من خلاله مشكوك في أمره ومشبوه.. الفعل الجماهيري غير مهم (لأن الجماهير مغيبة، أو هم فقط وقودا للحرب وأضحيات) والمقاومة الشعبية عمل ناعم غير مجدٍ، وهو تخصص أطفال ومراهقين.. نقد المقاومة تثبيط وتخاذل وتساوق مع الاحتلال..

بهذه العقلية مارسنا فعلاً مقاومة مسلحة عبثية وانتحارية، وخسرنا أهم وأخطر أدوات المقاومة والمواجهة (الشعبية، والمدنية، والنقابية، والقانونية، والدبلوماسية، والسياسية، والإعلامية والتفاوضية..)، أو بعبارة أدق اعتبرنا هذه الأدوات ثانوية وغير مهمة، وأجلناها، ولم نحسم استخدامها، أو ضربناها في مقتل حين جعلناها نقيضاً للفعل العسكري المقاوم المدروس.. وفي النتيجة لم نمارس الكفاح السياسي والتفاوضي بشكل صحيح، ولا المقاومة المسلحة بالشكل الأمثل، وأهملنا المقاومة الشعبية.. لأننا في الأساس لم نمتلك إستراتيجية وطنية مدروسة ومتفق عليها.

من تداعيات هذا الفهم المشوه للنضال السياسي والعسكري تشوه مفهوم الهزيمة والانتصار.. لدرجة إنكار الواقع والتعامي عما نراه بأعيننا..

نتيجة الحرب انتهت بهزيمة عسكرية لم تتوقف عند حماس، بل شملت الإقليم كاملا.. هذا ليس تحليلا ولا هو إسقاط سياسي.. هذه حقيقة ماثلة أمامنا، علينا أن نقر بها بشجاعة وأمانة.. وهذا الموقف لا علاقة له بالهزيمة الوطنية ولا بالاستسلام.. عشرات الشعوب تلقت هزائم عسكرية قاسية، غير أن روحها لم تُهزم؛ إذ سرعان ما نهضت من جديد، بعد أن واجهت الواقع وأعادت صياغة مسارها باستراتيجيات جديدة ومختلفة.

الهزيمة العسكرية ليست النهاية، بل يجب أن تكون نقطة تحول وانطلاق، إنكارها يعني الاستمرار في الوهم والغرق في الهزيمة أكثر، حتى يصبح الخروج منها أمرا متعذرا.. تماما مثل الاعتراف بوجود المرض، دون ذلك يستحيل العلاج.

ما يجب أن نفعله منع تحويل الهزيمة العسكرية إلى حالة ذهنية تؤسس لمدرسة العجز والقدر، على قاعدة أن المقاومة عبث، وأن الواقع الحالي بكل سوئه هو أقصى ما يمكن بلوغه، فهذه تماما ثقافة الهزيمة.. وخطورتها أنها تُفرّغ الشعب من طاقته الإبداعية وتسلبه أدوات الفعل.. لكن ذلك يحتاج إستراتيجية وطنية عليا تعيد الاعتبار لمفهوم المقاومة وعدم حصرها بالسلاح والدماء.. وتعيد الاعتبار لقيمة الإنسان وحياته وكرامته وحقوقه..

ما يجب فعله أن نميز وندرك خطورة الخطاب الناعم، العقلاني ظاهريًا، الذي يدعو للتكيف والاستكانة تجت شعارات الواقعية والموضوعية.. كما نميز وندرك خطورة الخطاب الشعبوي الذي يروج للأوهام والاستمرار في الانتحار (حتى آخر طفل فينا) تحت شعارات المقاومة والبطولة وصور المثلثات الحمراء. فكلا الخطابين مضللين، لأنهما في الجوهر والنتيجة يقودان للهزيمة النهائية.

كسر الهزيمة يبدأ من الوعي، من التخلص من العقلية الثنائية والتفكير الرغبوي العاطفي، ومن استعادة مفهوم المقاومة الشاملة، من التخلص من لغة الشعارات والخطابات.. فالمقاومة ليست تهورًا، وبقاءنا في أرضنا ليس مجرد عمل سلبي، والمقاومة المدنية ليست رومانسية خاسرة، والعمل السياسي ليس خيارا ثانويا..

هكذا نفكك خطاب الهزيمة، ونعلي من شأن الجماهير وأهمية فعلها، ونملّكها أدواتها النضالية التي طالما استخدمتها تاريخيا، ونعيدها إلى صورتها الأولى قبل أن تشوهها شعارات "محور المقاومة"..  

الهزيمة الحقيقية تتحقق حين نستمر في نفس الأخطاء..