أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

سبتمبر 05، 2026

من يعتاشون على أزمات المجتمع

 

من يتذكر مسلسل "صح النوم" لغوار الطوشة وحسني البرزان؟ سأذكركم بمقطع جاء في الحلقات الأخيرة: قام قائد المخفر أبو كلبشة بحبس غوار، ولأن غوار كان الشخص الوحيد الذي يثير المشاكل ويشغّل المخفر، بعد حبسه هدأت "حارة كل من إيده إله"، ولم يعد المخفر يشتغل، فخاف أبو كلبشة من تنبه الحكومة للأمر فتقوم بإغلاق المخفر، لعدم الحاجة له، أو أن تتهمه بأنه لا يقوم بواجبه.. وهكذا قرر أن يفرج عن غوار، ولأنه لا يملك صلاحية ذلك، فكر بحيلة بأن يسهّل عليه إمكانية الهروب، وفعلا ترك له الباب مفتوحا، وانتظره ليهرب، فيلقي القبض عليه، ويخرج للإعلام بخبر مثير تعيد له مكانته وأمجاده.. المشكلة أن غوار كان قد قرر التوبة وأن يصبح مواطنا صالحا، الأمر الذي أزعج أبو كلبشة..

صديقي أنور، درس هندسة تصميم وتركيب المصاعد، ونال شهادات عليا في هذا التخصص، بعد تخرجه لم يكن في صويلح حينها سوى بنايتين أو ثلاثة بطبقات متعددة تحتاج مصعدا.. فسافر إلى إستراليا بحثا عن فرص أفضل، قادته الأقدار إلى مدينة كبيرة، فاكتشف أنّ جميع بناياتها من طابق واحد أو طابقين فقط.. وعليه أن ينتظر سنين طويلة قبل أن تبدأ العمارات العالية بالظهور، وتطلب خبراته في تركيب المصاعد.. لذلك اضطر لتغيير مهنته بالكامل والبدء بمسار مهني جديد..

طيب، لنفترض أن شخصا أمضى نصف حياته في دراسة الطب، ثم استقر في مدينة ما وافتتح فيها عيادته الخاصة.. وكان سكان تلك المدينة من النوع الذي لا يمرض؛ الهواء عليل، المياه نقية، الشوارع نظيفة، جميع السكان تلقوا التطعيمات الوقائية، ولديهم ثقافة صحية جيدة، وأكلهم صحي، ويمارسون الرياضة.. ماذا سيفعل الطبيب؟

ولنفترض أن شخصا ما حصل على وكالة بسعر مغري لجهاز فلترة المياه، فاستورد "كونتينر" فلاتر من الصين.. ولسوء حظه كانت البلدية توفر شبكة مياه نظيفة وصحية وعذبة المذاق.. ماذا سيفعل؟ هل سيغير منتجاته ويستورد أشياء يحتاجها الناس فعلا؟ أم سيقوم بترويج حملة دعائية بأن مياه البلدية تحتوي طفيليات خطيرة وفيروسات، ومن يشك في أقواله عليه فحصها في المختبر.. معتمدا على أن لا أحد سيقوم بالفحص..

الفكرة هنا، أن بعض فئات المجتمع، أو بعض المهن تبدو في ظاهرها متعارضة مع مصلحة المجتمع العليا، لأن شغلها يعتمد على وجود مشاكل وأزمات في المجتمع، فالطبيب يحتاج مرضى، وسيزدهر عمله في حالة انتشار وباء مثلا.. والمحامي والنائب العام والقاضي يعتمدون في أعمالهم على وجود مشاكل وقضايا وخلافات بين الناس، والتي كلما زادت ازدهرت أعمالهم.. وأجهزة الأمن تعتمد في مبرر وجودها على وجود مجرمين وخارجين عن القانون..

لكن هذا لا يحصل.. والحقيقة أن الطبيب لا يتمنى تفشي الأمراض والأوبئة، ولا المحامي ولا القاضي ولا أجهزة الأمن يتمنون انهيار الأمن وحصول الفوضى، ولا شركات التأمين ولا أصحاب الكراجات يدعون ربهم أن يُكثر من حوادث السير.. لأن الناس بطبيعتهم لن يتوقفوا عن إثارة المشاكل، ولن يتحولوا إلى ملائكة، وسيصابون بالأمراض مهما بلغتهم حيطتهم، وسيتعرضون لحوادث مهما كانوا حذرين.. ومهما بلغ المجتمع من تقدم وتطور ووعي صحي وساد فيه الأمن والطمأنينة وتفشت فيه مشاعر الوئام والمحبة.. في كل الأحوال سيجد الأطباء والمحامين والقضاة ورجال الأمن وأصحاب الكراجات وغيرهم سيجدون عملا وزبائن ولن يعانوا من الكساد..

ومع ذلك.. ستجد فئة جديدة (غير الفئات التي ذكرناها) تحاول بطرق شتى تضخيم الأحداث إن وقعت، أو اختلاق مشاكل وافتعال أزمات، وبث الإشاعات إن لزم الأمر.. هذه الفئة موجود منذ أقدم الأزمان، لكنها ازدهرت وصارت ظاهرة خطيرة مع انتشار "السوشال ميديا"..

الحكاء أو الراوي قديما كان يجمع الناس في المقهى ويسرد عليهم سيرة الهلالي وعنترة والزير سالم.. وكان يعتمد في جذب الزبائن والاستحواذ على انتباهمم على عنصر التشويق والمبالغة.. فلو كان أبطاله أناسا عاديين لما استمع إليه أحد..

اليوم، في زمن الإعلام الفضائي والإنترنت، ظهر الحكاؤون بصورة ومظهر عصري: محلل سياسي، خبير إستراتيجي، كاتب متخصص.. وهؤلاء تزدهر بضائعهم في ظل الأزمات، وفترات الخوف الجمعي، فيلجؤون إلى التضحيم والمبالغات وإثارة العواطف وركوب الموجة بخطاب شعبوي..

هل تذكرون سنة الكورونا؟ لم يكفِ الناس حينها خوفهم وقلقهم والتدابير الصحية الصارمة التي حبستهم في بيوتهم.. كان يخرج على الإعلام كل يوم طبيب أو عالم بيولوجي أو صحافي استقصائي يتحدثون عن مؤامرات كونية، وفضائح فساد حول منظمة الصحة العالمية، وتورط مختبرات أميركية وصينية.. منهم من يشكك في وجود الوباء أصلا، أو في التطعيمات، أو طبيعة الفيروس.. كانوا يثيرون الرعب في قلوب الناس، ويعمقون حيرتهم، والناس تتابعهم بقلق مصحوب بالرعب.. وهم يجنون الأرباح من منصات التواصل الاجتماعي.. إلى أن تبين لنا أنهم مدّعون، وعلومهم زائفة، ويكذبون..

وبما أن أكثركم ناسيين، سأذكركم بأزمة أخرى سبقتها بسنوات.. بعد احتلال الكويت وحتى تحريرها عاش العالم ستة أشهر من الرعب والقلق والانتظار.. سأركز على الإعلام العربي الشعبوي في تلك الفترة؛ كانت أقوال المحللين والخبراء تُجمع بما لا يترك مجالا للشك أن صدام منتصر لا محالة، وأن الأمريكان وتحالفهم سيولون الأدبار مهزومين أذلاء.. لو خرج أحدهم حينها وقال إن هزيمة منكرة ستلحق بنا، وسندفع ثمنها لعقود طويلة قادم، بالتأكيد سيتم اتهامه بالتخابر مع الاحتلال، وأنه جاسوس، أو مرجف ويبث الإحباط واليأس في صفوف الجماهير.. وفي كل الأحوال لن يصدقه أحد.

وبما أن أكثركم ناسيين سأذكركم بأزمة أخرى بدأت قبل ثلاث سنوات وما زالت حاضرة ومؤثرة وشواهدها واضحة لا تحتاج سوى عين سليمة وقلب إنسان وعقل قابل للاستخدام.. إنها حرب الإبادة.. ارجعوا بذاكرتكم إلى أول سنتين وشاهدوا الدويري وبقية مرتزقة الجزيرة وجوقتها الذين طبلوا للحرب، وتجاهلوا معاناة الغزيين وآلامهم ودمائهم.. تذكروا "المثلثات الحمراء"، و"ما خفي أعظم"، و"الخاصرة الرخوة"، و"غابات الزيتون"، و"بدخلوش بري"، و"مقبرة الغزاة"، و"سيغرقون في رمال غزة".. بعد كل هذا الخراب والدم.. ألم يعد واضحا أنهم مدعون وكذبة ومزيفون؟ وأنهم ضللوا الناس، وأخفوا الحقيقة، وتكسبوا على حساب غزة..

متى سنُصدم؟ ومتى سنتعلم من دروس التاريخ؟

سبتمبر 01، 2026

الدين السياسي


يمكن النظر للدين في أحد معانيه الأولى والأكثر نقاءً، بوصفه علاقة وجدانية بين الإنسان والمطلق، وحتى مع تطور الأديان ظل معناه الخالص والبريء علاقة وجدانية بين الإنسان وخالقه.. هكذا نشأ؛ وهكذا ظل في مراحله الجنينية والمبكرة: ارتعاشات عاطفية، توسلات شعورية، رجاء وأدعية، مناجاة، تأملات، خلاص فردي، خوف من المجهول.. بشّر به نبي أو فيلسوف، صدّقه وتبعه البسطاء والباحثون عن النجاة والسلام الداخلي، ثم كبرت هذه الجماعة، ومع مرور الزمن نشأ منها وعلى هامشها جماعات وقوى لها أغراض أخرى، أقحمت أهدافها الدنيوية في صلب الدين، وشيئاً فشيئاً بدأت بالابتعاد التدريجي عن جوهر الدين ورسالته الخلاصية الروحية، ليتحول إلى أيديولوجيا وسياسة..

والدين السياسي الذي تشكل لاحقا لم يكن مجرد حضور الدين في المجال العام، ولا مشاركة المتدينين في السياسة، بل تشكل بعد تحويل الدين من تجربة إيمانية وأخلاقية إلى أيديولوجيا للسلطة، ومن الإنسان المؤمن إلى عضو في كتلة سياسية، ومن الإيمان المجرد إلى أداة للحشد والتمييز والصراع.

أي أنه بمجرد أن تم الخلط بين الدين والسياسة تحول إلى دين جمعي، وصار هوية قومية للأديان المحلية، أو أيديولوجيا للأديان العابرة للحدود.. ثم صار أداة بيد السلطات لهندسة المجتمع والتحكم به، ولحماية مصالح الطبقات المهيمنة.. طبعا على حساب الفقراء والعامّة. وقبل الفقراء والعامّة كان الدين نفسه هو الضحية الأهم؛ فقد براءته وطهرانيته..

على مدار القرون الماضية استخدمت القوى الإمبريالية الدين لخدمة أهدافها التوسعية، في تجنيد شعوبها وتحريضهم وتبرير ممارساتهم الشريرة واللاإنسانية، وفي تبرير وتسهيل سيطرتها على الشعوب المحتلة، ولنهب خيراتها..

ومنذ مطلع القرن العشرين برزت نسخة مطورة من الدين السياسي، استخدمتها السلطات والقوى الإمبريالية التي تدعمها، وأنشأت الجماعات الدينية بأشكالها (أحزاب، ميليشيات مسلحة، قوى قبلية وطائفية) وراحت توظفها ضمن مخططات معدة بخبث وعناية.. وصارت تلك الجماعات أدوات تستخدمها السفارات الأجنبية، وأجهزة المخابرات الدولية والمحلية، ودخلت على الخط كل مكونات المجتمع: شيوخ القبائل، زعامات الطوائف، مراكز القوى، التكتلات الاقتصادية والقوى التجارية، الأحزاب السياسية، وكل فرد لديه طموح شخصي أو مآرب خاصة (سواء خيّرة أم شريرة).. كل هؤلاء استخدموا الدين وأسقطوا عليه تأويلاتهم الخاصة، ووظفوه بما يخدم توجهاتهم، واستثمروا فيه، واستغلوا أتباعه (سواء أصواتهم في صندوق الانتخابات، أم أرواحهم في الصراعات السياسية وفي العمليات الانتحارية).. وما يجمع تلك الفئات أيضا إصرارها على زج الدين بالسياسة ورفض إعادته إلى بيئته وحاضنته الأولى: الإنسان الفرد.. لماذا؟

حين يكون التدين فردياً وحراً وواعياً لا يعود بوسع القوى المتصارعة الاستفادة من الدين، أو بعبارة أخرى من جمهور المتدينين.. كيف؟

حين يكون الدين والتدين علاقة حصرية بين الإنسان وربه؛ علاقة روحية وجدانية قائمة على الحب الإلهي، عبارة عن صلوات وابتهالات، وأدعية للنجاة وطلب الرزق، ومناجاة في جوف الليل، علاقة يرى من خلالها الإنسانُ ربه رحيما محبا كريما متسامحا عطوفا.. في تلك الحالة يصلي ويشتغل، يصوم ويفطر، يصيب ويخطئ، يذنب ويستغفر، يتعامل برفق مع هشاشته وضعفه الإنساني، لا يدعي الملائكية، منسجم مع فطرته، ينعم بالسكينة والطمأنينة، لا يتدخل في شؤون غيره وحياتهم الخاصة، لا يعنيه إن كان جاره مسلما أم مسيحيا، المهم أن يلقوا بعضهم بوجه بشوش، لا يضيره إن كان أستاذه بوذيا طالما يقدم له العلوم النافعة، أو كان صديقه علمانياً، أو قريبه ملحداً.. المهم أن يتعامل الجميع مع بعضهم باحترام، وأن يلتزموا بالقانون، وألا يضروا بالبيئة..

حينها سيتحرر من عقدة الخوف (من عذاب القبر، ومن جحيم الآخرة)، ومن عقد الشعور بالذنب، وبهذا التحرر لن يستطيع أحد أن يستغله، لا حزب، ولا طائفة، ولا سلطة.. أنت سيد نفسك، وعقلك سيدك..

حين يكون التدين جمعياً، يتحول إلى هوية جمعية مغلقة ومنظمة سياسياً، وينشأ غالباً مركز قوة يسعى إلى تنظيم المشهد والتحكم به وتسييره.. وهذا المركز أو تلك الجماعة تعتمد أساسا على الأتباع، كلما زاد عدد الأتباع زادت قوتها وحضورها.. ويمكن للأتباع، في ظروف الخوف والاستقطاب والتعبئة، أن يتحولوا إلى جموع تفقد تدريجياً استقلالها النقدي، وتستبدل حكم الفرد بعقل الجماعة، في هذه الحالة تتراجع فرداينة الشخص ويضمحل استقلاله، لدرجة أنه سيلغي عقله، ويدمجه مع عقل الجموع.. الجموع التي يحركها قائد أو زعيم أو سلطة.. وهكذا بدون وعيك تصبح أداة بيد الغير..

الأداة الثانية هي التخويف؛ التخويف من الرب المنتقم الجبار، ومن تهمة الخروج عن الجماعة، ومن تهمة شق الصف، وتهمة إثارة الفتنة، وتهمة التكفير والتخوين.. والخوف يعني الطاعة والخضوع والتسليم دون اعتراض..  

هذا الخوف الكامن يزدهر في النفوس الملتاعة والقلقة والمرتجفة، التي تئن تحت وطأة الفقر والعوز والظلم الاجتماعي، وتكتوي بلهيب القمع السلطوي، وفي النفوس المحتارة التي تتذبذب بين الأفكار المتناقضة والتيارات المتنافسة والقوى المتصارعة.. وهذا ما يمهد الطريق لتلك الجماعات لتكوين الجموع؛ حيث تمنحها اليقين (النفسي والفكري) والملاذ الآمن والحماية.. فيتمسك الفرد أكثر بالجماعة.. ويمكن للجموع، حين تُدار بالخوف والهوية المغلقة، أن تنتج التعصب، ويمكن للتعصب في ظروف معينة أن يتحول إلى تطرف وعنف، فيتحول العنف من أداة للتخويف إلى قيمة عليا بحد ذاتها.. لذلك تجد في مجتمعات القطيع تمجيدا لكل مظاهر القوة والعنف: السلاح، الذكورة، العصبية، إطلاق الرصاص في الهواء وعلى الخصوم..

المشكلة ليست في اجتماع المؤمنين، فالدين عرف منذ بداياته الطقس الجماعي والمجتمع، بل في اللحظة التي تزعم فيها الجماعة احتكارها الحقيقة، وتتحول إلى سلطة على ضمير الفرد، ويصبح الانتماء إليها شرطاً للإيمان، والطاعة لها شرطاً للنجاة.

وكما تستغل الجماعات الدينية أتباعها وصولا إلى العنف، فإن السلطات تقوم بالدور ذاته حرفيا: تستغل الدين وتحارب به خصومها بكل عنف، وبذلك يفتتح الطرفان دوائر العنف التي لا يمكن التحكم بها فيما بعد..

من ناحية أخرى يسهم التدين الجمعي (السياسي) بخلق ظاهرة جديدة في المجتمعات الدينية: ظاهرة التدين الشكلي (النفاق)، حيث يكون الدين مهيمنا على كافة مظاهر الحياة العامة والخاصة، ويكون التدين قيمة اجتماعية تعطي صاحبها الحظوة والحضور والفرص والاحترام والهيبة، وتجنبه اللوم والتقريع وخطر التهم الجاهزة.. فيصبح ضروريا إبراز مظاهر التدين (الشكلانية المتعلقة بالهيئة والملابس وترديد العبارات الدينية).. وهنا يصبح استغلال الدين على المستوى الفردي، وتعمم ظاهرة النفاق والتدين الشكلي على نطاق أوسع، وبتداعيات سلبية أشد خطورة، حتى نجد أنفسنا أمام دين جديد، لا علاقة له بالدين الأصلي إلا بالاسم والمظاهر. 

أغسطس 28، 2026

لغز الأديرة المنعزلة وعلاقتها بمكة المكرمة


في رحلة عائلية إلى وادي القلط على مقربة من أريحا، سلكنا طريقاً متعرجاً بانحناءات حادة، تحيط بها التلال من كل الاتجاهات. بعد نصف ساعة شعرنا كما لو أننا دخلنا الوادي المفقود، ازدادت وعورة الطريق، وازدادت معها عزلة المكان، إلى أن وصلنا مدخل الدير؛ ثلاثة أقواس حجرية باسقة، تقف على رأس منحدر حاد، شعرنا أننا انتقلنا إلى عالم آخر دفعة واحدة؛ منظر من النوع الذي لا يُنسى: إلى الشمال والغرب ثمة وادٍ سحيق ينحدر إلى الأسفل بقوة، في الجهة المقابلة تماما، ينتصب جدار صخري مهيب، بارتفاع يزيد عن المئة متر، في هذا الفضاء السابح بين الجبلين، وعلى كتفي الوادي لا تجد سوى الصمت مؤكداً على عذرية المكان، وعلى تواصله مع الزمن السحيق.. في وسط هذا الجدار الصخري، ينتصب دير "القديس جورج"، في منظر بديع يحبس الأنفاس، ويضفي على المشهد سحر الغموض.. أول ما تراه تتساءل بعفوية: كيف بُني هذا الدير؟! وأي فنان قدّه من الصخر!؟ ولماذا هذا المكان الذي تعزله عن العالم ممرات وعرة لا تسلكها إلا الضواري والطيور الجارحة!؟ من يسكن هذا الدير؟! وكيف وصلوا هنا أصلاً !؟

أثار الموضوع اهتمامي فشرعتُ بالبحث لأجد أنه ليس الوحيد من نوعه، على الأقل هنا في فلسطين وحسب القائمة المعدة لليونسكو يوجد 73 موقعاً شبيهاً. أشهرها "دير القرنطل" غربي أريحا (تأسس سنة 480 م)، و"دير القديس مار سابا" بالقرب من العبيدية (تأسس سنة 483 م)، وأقدمهم "دير القديس خارِيتون" (تأسس سنة  330 م).

قبل بناء تلك الأديرة، مع نهايات القرن الثالث الميلادي، أخذ النساك المسيحيون يتجهون إلى برية القدس وأريحا؛ فوجدوا في وادي القلط ما يبحثون عنه: العزلة، الصخور والكهوف، ومصادر المياه، فأنشأوا شبكة من الأديرة في الصحراء بين القدس وأريحا والبحر الميت تحولت مع مرور الوقت إلى مجتمع موازي يضم الكهوف، والكنائس، وخزانات المياه، ومخابز، وحدائق صغير يزرعون فيها بعض الخضروات، وحجرات للنسخ والكتابة، ومكتبات، وطرقاً تربط الأديرة ببعضها. ولم يكن اختيار تلك المواقع مصادفة معمارية أو جغرافية، بل هي ظاهرة تاريخية بدأت من مصر وانتقلت إلى فلسطين وسورية وآسيا الصغرى وإيطاليا، وحتى إثيوبيا، تعود جذورها إلى القرنين الثالث والرابع الميلاديين، ثم بلغت ازدهارها في القرنين الخامس والسادس.

ولكن لماذا بنيت تلك الأديرة على قمم الجبال، وفي أكثر الأماكن وعورة وعزلة؟

الأسباب متعددة ومتداخلة؛ العزلة تعني الهروب من العالم، أو الانسحاب من المجتمع.. والعزلة تعني أيضا الزهد، حيث كان الناسك يبتعد عن المدينة والسلطة والمغريات اليومية، ليكرس حياته للصلاة والتأمل، بهذا المعنى لم تكن الصحراء أو الجبل مجرد منظر جميل؛ كانت أداة روحية. إضافة لوجود رابط بين جغرافيا المكان والنصوص الدينية. فمثلا في المخيال المسيحي المبكر، الصحراء هي المكان الذي ذهب إليه موسى، وعاش فيها الأنبياء.. دير القرنطل ارتبط بتجربة المسيح الأربعينية.. عموماً أراد الرهبان أن يكونوا قريبين من الأماكن المقدسة، أي أن اختيار البرية حمل معنى دينياً قائماً بذاته.

أما اختيار الأماكن الوعرة؛ ربما لأن الراهب لا يريد فقط أن يكون بعيداً عن الناس؛ بل أراد أن يكون الوصول إليه صعباً وشاقا وخطرا، سواء من قبل اللصوص، أو من قبل السلطات الحاكمة خاصة في فترات الاضطهاد الديني، أو من قبل الجيوش الغازية، لذا اختيرت مواقع الأديرة بحيث لا يمكن الوصول إليها إلا بممرات صغيرة ومنزلقات خطرة، أو باجتياز وادي سحيق وضيق، لكن بعد أن صارت المسيحية الدين الرسمي للإمبراطورية الرومانية لم يعد اضطهاد المسيحيين هو التفسير الوحيد؛ أصبحت العزلة نفسها قيمة دينية؛ فالصمت صلاة، وصعوبة الوصول اختبار للإرادة.

وهذا يفتح سؤال جديداً: ألا يتعارض اختيار المواقع الصعبة والنائية للأديرة مع مهمة التبشير، التي تقتضي تسهيل وصول المؤمنين للدير؟

قد يكون الجواب أن للدير مهمات تختلف عن الكنيسة، فالدير للعزلة والتأمل، حتى أن بعض الأديرة تجمد فيها الزمن، كانت في البداية فردية أي "ناسك منفرد" يعيش وحده في كهف أو صومعة، إلى أن وضع "باخوميوس" في مصر نموذجاً للرهبنة الجماعية في القرن الرابع، بحيث يعيش الرهبان معاً وفق نظام وقواعد مشتركة. وأصبحت تجمعات النساك والصوامع أساسا لما يسمى اللافرا، حيث يعيش الرهبان منفردين معظم الوقت لكنهم يجتمعون للصلاة والمناسبات الدينية.

لكن ظاهرة الأديرة النائية والمنعزلة لم تقتصر على فلسطين، سنجدها بكثرة في مصر، وسورية، وتركيا، وفي أثيوبيا حيث توجد كنيسة تعد الأخطر من نوعها في العالم، من حيث إمكانية الوصول إليها، إذ تحتاج مهارات خاصة في التسلق، وأي خطأ بسيط يكلف المؤمن حياته.

إذاً، بدأت الرهبنة كحركة منعزلة عن العالم، لكنها انتهت إلى صناعة عالم جديد؛ فبعض الكنائس بدأت بوصفها كهوفا للنساك ثم توسعت وتحولت إلى منشآت دينية أكبر.. وهنا يجب أن نتذكر أنّ الرهبان لم يكونوا يعيشون في فضاء مثالي؛ بل كانوا يتعاملون مع السلطات الحاكمة، والإمبراطوريات، والضرائب، والقبائل، والحروب، والحجاج، والسلطات الدينية، وأحيانًا كانوا يملكون نفوذاً سياسياً.. والأهم لديهم أسرارهم الخاصة.

قبل هذه الظاهرة بقرون، كان "الأسينيون" قد لجأوا للأماكن المعزولة هروبا من اضطهاد السلطات الدينية الرسمية، والأسينيون جماعة يهودية، ذات نظام ديني صارم انفصلوا عن التيار الديني السائد بسبب خلافات عميقة حول الشريعة، والكهنوت، واختبئوا في موقع خربة قمران في القرن الثاني قبل الميلاد (هناك عُثر على مخطوطات البحر الميت، التي تعد أهم وثيقة مكتوبة في التاريخ). ويُقال أنَّ بعض أفراد جماعة قمران فروا إلى قلعة متسادا غرب البحر الميت عندما اقتربت جيوش الرومان في القرن الأول الميلادي.

إذا اتفقنا أن العامل المشترك بين تلك الأديرة هو انعزالها، وبعدها عن الطرق التقليدية، وصعوبة الوصول إليها.. فهل هذا ينطبق على مكة المكرمة؟ من حيث أنها تقع في منطقة نائية، بعيدة عن طرق التجارة الدولية، يصعب الوصول إليها، ولا تتمتع بعوامل الجذب التاريخية، فليس فيها زرع ولا أشجار، ولا نهر ولا بحيرة، وبعيدة عن البحر، وأمطارها شحيحة، ومناخها قاسي وحار.. فلماذا وكيف صارت منشأ الإسلام؟

في البحث في هذا الموضوع الشائك سنواجه أسئلة محيرة تربك العقل..

توصلنا إلى أن العامل المشترك بين الأديرة التي ظهرت في القرون الميلادية الأولى هو انعزالها، وبعدها عن الطرق التقليدية، وصعوبة الوصول إليها، وأن السبب الأهم إلى جانب الاعتكاف والتأمل هو إيجاد مكان آمن.. وتساءلنا إن كان هذا ينطبق على مكة المكرمة؟ من حيث أنها تقع في منطقة نائية، بعيدة عن طرق التجارة الدولية، يصعب الوصول إليها، ولا تتمتع بعوامل الجذب التاريخية.

يقول العديد من الباحثين والمؤرخين أن اسم مكة لم يرد في الخرائط الجغرافية التي ظهرت قبل القرن السابع الميلادي، ولم يرد في سجلات التجار، ولا في نقوش ومسلات الدول المجاورة.. غابت عن موسوعة بليني الأكبر في القرن الأول التي دَوَّن فيها حواضر العرب وطرقهم. وغابت عن خارطة بطليموس في القرن الثاني التي ذكر فيها خمسين موقعاً من مدن وأسواق ومحطات قوافل. وعن خريطة بوتنجر الرومانية، التي وثقت طريق التجارة في الإمبراطورية. كما غاب ذكرها في الشواهد الصخرية من نقوش سبئية ومعينية ولحيانية وثمودية، أَرَّخَت لِلمُدُن والأسواق والممالك والحروب في شتى بقاع الجزيرة العربية. ولم يوجد لها ذكر في المصادر الحبشية أو البيزنطية أو الفارسية.   

هذا الغياب يبدو غريبا عند مقارنته بحضور مدن مثل تدمر والبتراء، أو يثرب والطائف، أو القدس وبصرى وصنعاء وعدن.. لا اسم لمكة، ولا موقعها، ولا وصفها كمركز ديني تضم أهم معبد في الجزيرة العربية، ويُنسب تأسيسها للنبي إبراهيم، وكانت محطة للتجارة الدولية.. والأغرب أن موقع مكة نفسها لم يُعثَر فيه على بقايا أثرية تعود إلى فترة ما قبل الإسلام، خلافا لكل المدن القديمة التي تضم طبقات أثرية شاهدة على ماضيها. وما يزيد من تعقيد السؤال أن السلطات السعودية منعت كل أعمال التنقيب، وبنت بنية تحتية حديثة، فوق ما يُفترض أنه يضم الأطلال والآثار القديمة، واستبدلتها بشوارع وساحات وبنايات ضخمة، بحيث صار العثور على أي قطعة أثرية شبه مستحيل.

حسنا، دعنا نشكك بصحة كل ما ورد بهذا الشأن، فغياب الدليل لا يعني تأكيد العدم، لنترك السؤال معلقا حتى تظهر أدلة أركيولوجية، أو إجابات منطقية.. ولكن هذا يفتح سؤالا جديدا إجابته لا تحتاج دليل: كيف نشأت مدينة مركزية بهذا الحجم في بيئة مجافية لا تتوفر على شروط نشوء وتطور المدن؟

تاريخيا: جميع الحضارات القديمة نشأت على ضفاف البحيرات والأنهار أو على شواطئ البحار، حيث يُعد توفر مصادر وفيرة من المياه شرطا أساسياً.. ومع ذلك قد تنشأ بلدات صغيرة أو قرى في أي مكان يحتوي على بئر أو جدول صغير.. والمنطق التاريخي يقتضي أن أي مدينة حتى تزدهر وتغدو مركزا تجاريا تحتاج للماء والغذاء والطريق السالك، وهي مقومات لا تملك مكة منها شيئاً. المياه شحيحة تقتصر على عدة آبار (أشهرها زمزم)، والبئر بدون معدات متطورة لنقل المياه لا يمكنه خدمة سوى عدد قليل من السكان. بالنسبة للغذاء، فمن المعروف أن تربة مكة غير خصبة، ولم تظهر فيها البساتين والحقول حتى أن القرآن الكريم وصفها "بوادٍ غير ذي زرع".. ولا تحيط بها سلسلة قرى زراعية بحيث تؤمّن حاجاتها الغذائية.. وفوق ذلك أمطارها شحيحة، ومناخها قاسٍ وحار. أما بخصوص الطريق السالك، مكة تقع في وادٍ مسدود جغرافياً، في منطقة جبلية وعرة، وليست نقطة عبور طبيعية، وطُرُق التجارة تمر عادة عبر ممرات سهلة وسهول مفتوحة وقرب خطوط السواحل، والتجار يبحثون عن ممر آمن يوصلهم لوجهتهم، وغير مضطرين لدخول مسالك وعرة وصعبة.

إذاً، كيف ظهرت مكة، وصارت منشأ الإسلام؟

ورد اسم "مكّة" صراحةً في القرآن الكريم مرة واحدة فقط، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ (الفتح 24). لكن مكّة وردت في القرآن بأسماء أخرى، منها: "بَكَّة": ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران 96). وأمّ القرى: ﴿وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ (الأنعام 92).

كما وردت في الأحاديث الشريفة والسيرة النبوية والعديد من المصادر الإسلامية المبكرة بشكل لا لُبس فيه. لكني هنا لا أشكك بوجود مكة قبل الإسلام.. إنما أستعرض وجهة نظر مؤرخين وباحثين طرحوا أسئلة تحتاج إجابات.. ومشكلة هؤلاء أنهم يتبنون المنهج التاريخي العلمي الذي لا يعتمد النصوص الدينية كدليل، إلا إذا كانت مخطوطات أصلية. فيقولون إن أول مرة ورد اسم مكة في مصدر غير إسلامي كانت في منتصف القرن السابع الميلادي، أي بعد ظهور الإسلام بنحو 50 سنة وأكثر.

واعتراض هؤلاء الباحثين  أن كل ما جاء عن مكة قبل الإسلام في النصوص الإسلامية المبكرة كُتِبَ بعد مئة وخمسين إلى مئتي سنة من ظهور الإسلام، فابن إسحاق أول من وثّق السيرة النبوية  كتبها بعد قرن ونصف، وابن هشام نقحها بعد قرنين، ولا يوجد مصدر واحد مُعاصِر للأحداث المروية. هذه الفجوة الزمنية تحتاج إلى إجابات لردمها.

هل تستطيع قصة عبد الله ابن الزبير ردم تلك الفجوة؟ في السردية التاريخية بحسب هؤلاء الباحثين: بعد مقتل الحسين بن علي سنة 61 هجرية صار ابن الزبير أبرز معارض سياسي للحكم الأموي؛ فهرب من بطش الحجاج، ومعه الحجر الأسود، ولجأ إلى مكة (التي كانت قرية صغيرة آنذاك) وجعل منها مركزا دينيا يستقطب الحجيج.. هنا نجد أن مكة وفرت له مكانا يصلح للاختباء أكثر من كونه طريقا تجاريا مفتوحا ومعروفا.. وفي تكملة القصة قصف الحجاجُ الكعبةَ وهدمها وقتل ابن الزبير في مكة سنة 73 للهجرة.. ثم وجد ابن اسحاق وابن هشام والواقدي في مكة مكانا مناسبا للسيرة النبوية، حيث لا شهود عايشوا تلك الفترة يمكنهم تفنيد أجزاء منها..  

طبعاً، أنا لا أتبنى هذه الأطروحة، وليس بوسعي دحضها.. إنما أعرض عليكم أسئلة عالقة تحتاج نقاشا عقلانيا هادئا مدعما بالأدلة المادية.. وبالذات حول الصورة التقليدية لمكة قبل الإسلام، كمركز تجاري دولي ضخم على طريق البخور، ومركز ديني معروف على نطاق واسع.

بالمناسبة، في الجزء الرابع من "المفصل" خصص جواد علي فصلاً بعنوان "مكة المكرمة"، ناقش فيه موقعها ووصفها وتاريخها.. واعتمد على البلاذري والطبري والمسعودي، إضافة إلى القرآن، وكان واعياً ومدركا لمشكلة غياب مكة في المصادر غير الإسلامية المستقلة.