أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

مايو 30، 2026

نزار قباني يصف الحاضر

 التحولات السياسية والاجتماعية الكبرى سواء إيجابية أم سلبية لا تحدث فجأة، ومن الخطأ نسبها إلى عامل واحد، فهي تأتي بعد تراكم أحداث صغيرة وبسبب تقاطع عناصر متعددة ومختلفة ونتيجة تلاقح بين الظرفين الذاتي والموضوعي.. هذا صحيح، لكن العنصر الشخصي من بين أهم العوامل.. أي تأثير القائد وصانع القرار، خاصة عندما يكون اتخاذ القرار صناعة فردية، كما هو الحال في منطقتنا العربية.

ولو استعرضنا أمثلة من واقعنا وتاريخنا المعاصر سنجد ما يؤكد ذلك، والمشكلة أن تلك القرارات كانت تؤدي دوما إلى كوارث وهزائم، وتغير الواقع من بعدها بحيث تجر سلسلة كوارث..

قبل إعلانه إغلاق مضائق تيران (الشرارة التي أشعلت الحرب، والذريعة التي انتظرتها إسرائيل) سأل عبد الناصر قائد الجيش عبد الحكيم عامر عن مدى جاهزية الجيش لخوض الحرب فأجابه: كل شيء تمام.. إجابة مقتضبة بيّنت أن استعدادات مصر للحرب كانت ارتجالية.

غزا صدام حسين الكويت في لحظة غضب.. دون أن يدرك أنه بانفعاله هذا سيغير خارطة الشرق الأوسط؛ فقد جر أساطيل الأطلسي وجيوش ثلاثين دولة مزودة بقرارات مجلس الأمن، ومسلحة بقدرات جبارة.. والغريب أنه على مدى ستة أشهر  وهي تحشد وتتمركز وتهدد.. بينما صدام ظل معتقدا أن الحرب لن تقوم، وإذا قامت فإنه سينتصر على أميركا والعالم كما انتصر على إيران وعلى الأكراد..

حكم زين العابدين تونس لأكثر من ربع قرن، وبينما كانت تتراكم كل أسباب الثورة عليه، ظل منشغلا في إرضاء زوجته لإشباع جشعها في تكديس الذهب والمجوهرات وسرقة أموال الشعب.. وبعد أن قامت الثورة صرح قائلا: الآن فهمتكم.. احتاج ربع قرن ليفهم شعبه!

الظروف والمعطيات والتراكمات ذاتها وبشكل أوضح كانت في ليبيا، لكن القذافي كان أقل ذكاء من جاره التونسي، فهو لم يصل لمستوى فهم احتياجات الشعب، بل صرخ قائلا: من أنتم؟ كانت البلاد تغلي وهو يتوعد الشعب بمطاردته زنقة زنقة.

الطامة الكبرى تمثلت في مأساة سورية التي امتدت خمسين سنة، بلاد عظيمة بهذا الموقع وذلك التاريخ وتلك الإمكانيات والمكانة.. كلها بيد زعيم نرجسي يفتقد لأبسط مقومات القيادة، بل لمقومات الذكاء الإنساني العادي.. هو ووالده من قبله أدارا البلاد كأنها مزرعة خاصة للعائلة.. بكل ما تطلب ذلك من فساد وقمع ومذابح..

اليمن يعيش مأساة متواصلة منذ عقود طويلة، للاختصار سنأخذ مثال آخر رئيس يمني "عبدربه هادي"، كان مثالا للقادة المحرومين من أي قدرات ذهنية أو شخصية، والمشكلة أنه تقلّد أهم منصب في أخطر مرحلة من تاريخ اليمن، وقد وُضعت كل أدوات السلطة في يده وضيّعها، كان منشغلا بالقات، ولا يصحو قبل العصر، حتى في أشد الأوقات حرجاً.

في السودان نفذ البشير انقلابه بحجة توقيع حكومة المهدي على اتفاق مع الانفصاليين.. ثم قام البشير بتوقيع اتفاق مشابه أعطى للجنوب حكما ذاتيا وحق الانفصال. ثم تبنى شعار "الجهاد الإسلامي" ضد القوى الجنوبية، الأمر الذي أدى إلى اشتعال الحرب بقوة أكبر. واستحدث حربا جديدة في دارفور، ثم وقع مع الانفصاليين اتفاقية وضعت حدا للحرب، وبموجبها أصبح "جون غارانغ" نائبا أول لرئيس الجمهورية! برر البشير انقلابه بأنه إنقاذ لاقتصاد السودان، حينها كانت قيمة الجنيه السوداني تعادل 4 جنيه لكل دولار، حين سقط النظام بعد ثلاثين سنة فساد كانت قيمة الجنيه تعادل 75 ألف جنيه مقابل الدولار.

في مصر بنى الإخوان المسلمون خطابهم الإعلامي على رفض كامب ديفيد، ورفض الاعتراف بإسرائيل، ورفض الاقتراض من البنك الدولي.. وحين استلموا الحكم، حاول مرسي تكريس كل السلطات بيده، وأعلن تمسكه بكامب ديفيد، والاعتراف بإسرائيل، بل وأعاد العلاقة معها برسالة ودية، وأكد على أهمية توثيق علاقاته مع أمريكا، واقترض من البنك الدولي!

في فلسطين، انقلبت حماس على السلطة، واقتطعت لنفسها جزءا من الوطن، ومن أجل حصولها على اعتراف العالم بها، كسلطة حاكمة شرعية، تبنت حرفيا كل البرنامج السياسي للسلطة التي كانت تحرّمه وتخوّن كل من يتبناه، ومارست نفس الفساد الذي كانت تدعي أنها جاءت لمحاربته..

وإذا اعتبرنا السابع من أكتوبر لحظة مفصلية، فإن من قرر الهجوم وتغيير الواقع ثلاثة أشخاص فقط، والتفكير السائد آنذاك (ليس في ذهن القادة الثلاث فقط، بل لدى قاعدة عريضة) أن حماس لديها القدرة العسكرية لهزيمة إسرائيل، أو على الأقل لفرض إرادتها عليها وعلى أميركا. بناء على رهانات وحسابات معينة أهمها "وعد الآخرة"، و"محور المقاومة"..

اعترف السيد حسن نصر الله سنة 2006 أنه لو كان يعرف ماذا سيحصل نتيجة خطف الجنود الإسرائلييين لما أقدم على الحرب.. يعني لم يكن يعي حقيقة إسرائيل.. ومع ذلك ظل يروج لمقولة "أوهن من بيت العنكبوت"، بينما كانت إسرائيل قد أعدت خطة للقضاء على حزب الله قبل سنوات بعيدة (خطة البيجر)، ولما أتت اللحظة المناسبة نفذتها بضربة واحدة.

المشكلة لا تقتصر على الزعامات؛ فقوى المعارضة العربية غارقة في الفساد، وغير جاهزة لتولي الحكم. وهي عبارة عن مشاريع كلامية، تعوّض خواءها بالخطابات الرنانة، وتغطي قلة خبرتها في الحكم والإدارة بتوجيه الاتهامات لخصومها.. تسعى فقط لإسقاط الأنظمة التي تعاديها، دون أي اعتبار لحجم الفوضى الناجمة عن ذلك..

المشكلة أساسا في غياب الوعي لدى الجماهير.. فالسلطة دوما تأتي شبيهة للمجتمع، ونتاجا له..

لخص نزار قباني أسباب الهزائم العربية في قصيدتين، الأولى بعد نكسة حزيران، والثانية بعد هزيمة العراق 1991:

إذا خسرنا الحرب لا غرابة، لأننا ندخلها.. بكل ما يملك الشرقي من مواهب الخطابة، بالعنتريات التي ما قتلت ذبابة، لأننا ندخلها.. بمنطق الطبلة والربابة.. بالناي والمزمار.. لا يحدث انتصار.

كلفنا ارتجالنا خمسين ألف خيمةٍ جديدة..

في كل عشرين سنة.. يأتينا مسلح ليذبح الوحدة في سريرها، ويجهض الأحلام.

في كل عشرين سنة.. يأتي إلينا حاكمٌ بأمره، ويأخذ الشمس إلى منصة الإعدام.. في كل عشرين سنة، يأتي إلينا نرجسيٌ عاشقٌ لذاته، ليدعي بأنه المهدي، والمنقذ، والواحد، والخالد، والحكيم، والعليم، والقديس، والإمام..

في كل عشرين سنة يأتي إلينا مقامرٌ ليرهن البلاد والعباد والشروق والغروب والذكور والإناث والأمواج والبحر على طاولة القمار. في كل عشرين سنة يأتي إلينا رجلٌ معقدٌ يحمل في جيوبه أصابع الألغام..

المحزن أن الواقع أتى أشد وطأة حتى من تشاؤم نزار.. فهذا الزعيم الأوحد، والمقامر، والمنقذ، والعليم، والإمام.. صار يأتي كل سنة، وليس كل عشرين سنة..

مايو 28، 2026

تصورات لشكل المستقبل


تخيل نفسك تعيش في حقبة الخمسينيات من القرن الماضي وأنت تشاهد فيلم خيال علمي يتناول مستقبل العالم، ويتنبأ بامتلاك تكنولوجيا اتصالات تتيح لأي شخصين في العالم التحدث صوت وصورة (الإنترنت)، وعن جهاز حاسوب خارق الذكاء بقدرات جبارة في تقصي المعلومات وجمعها وتحليلها وربطها بتفكير إبداعي (الذكاء الاصطناعي)..

ستقول في نفسك هذا مجرد خيال علمي، ومن المستحيل أن يحدث، أو نحتاج قروناً طويلة من الزمن حتى نصل إليه.. تصديقك أو تكذيبك ليس بيت القصيد هنا، لإيصال الفكرة تخيل خبير إستراتيجي يحلل الفيلم، وبناء عليه يطرح تصوراته حول مستقبل العالم، ويؤكد على إمكانية تحقيق كل ما جاء فيه، بل ويزيد عليها بأن هذه التكنولوجيا ستظل سرا مخبأً تحتفظ به الجيوش وأجهزة المخابرات في الدول المتطورة، باعتبارها أقوى سلاح ممكن للتفوق على بقية الدول، أو للسيطرة على الشعوب والتحكم في مساراتها وخياراتها.. ومن وجهة نظر الخبير لن تسمح الدول القوية في إفشاء سر تلك التكنولوجيا، لأنه لو أتيح لعامة الناس استخدام الإنترنت والذكاء الاصطناعي فيتكون سلاحهم الأقوى، وسيكون بمقدورهم توظيفه في النضال التحرري، وفي مواجهة النظم الاستبدادية..

قبل أن تصدق أو تكذّب، عليك أولا التفكير بعقلية الزمن الذي تعيش فيه (الخمسينيات)، وفقاً للمعطيات الموجودة آنذاك، وأبرزها:

سياسيا: العالم انتهى للتو من حرب عالمية مدمرة أزهقت أرواح الملايين، والنظام الدولي يتبدل، بريطانيا وفرنسا القطبين السابقين يتقهقران وينسحبان من مستعمراتهما، وتحل مكانها قوتان جديدتان عظميان: أميركا والاتحاد السوفيتي، وبينهما حرب باردة تدور رحاها في عموم الكوكب، أوروبا تتعافى ببطء، ثورات شعبية تندلع في أميركا اللاتينية وشرق آسيا وفي إفريقيا والشرق الأوسط، وأغلب البلدان تتحرر وتنال استقلالها، فيما تتبنى العديد من دول العالم أنظمة ديمقراطية، تنشأ في مناطق متعددة أنظمة شمولية ديكتاتورية..

اقتصاديا: تنقسم اقتصاديات العالم إلى نظامين: رأسمالي، وآخر اشتراكي، ولكل منهما ميزاته وسلبياته، وعلى الهامش تتبنى بعض الدول الغنية اقتصاد دولة الرفاه، الرأسمالية تتحول إلى وحش يلتهم الفقراء والطبقة العاملة، أما الاشتراكية فتوزع الفقر والبؤس بالتساوي على شعوبها..

علمياً وتكنولوجياً: مع إن العلم كان قد قطع أشواطا مهمة في مسيرة تطوره: اكتشاف المضادات الحيوية، وال DNA، والنظرية النسبية، وميكانيكا الكم.. لكن تطور العلوم لم يكن دوما لدوافع إنسانية، فقد كانت الحروب المحفز الأكبر والعامل الأهم لمعظم المخترعات: الطائرات بدأت حربية لأغراض هجومية، وشطر الذرة لتحويلها إلى قوة ردع نووية، الاتصالات اللاسلكية كانت بهدف تأمين التواصل بين قطاعات الجيوش، وكانت الهواتف المحمولة ضخمة جدا، الإنترنت في ذلك الوقت كان متواضعا جدا وبدائيا، ومقتصرا على الجيش الأميركي، واستعمالاته محددة.

كان الراديو قد بدأ ينتشر على مستوى شعبي، صناعة السينما كانت متواضعة، أما التلفزيون فكان محدودا جدا، الهواتف تكاد تكون مقتصرة على المؤسسات والأثرياء، السفر صار متاحا بالطائرات، وأخذت السيارات تنتشر على نطاق أوسع. حتى ذلك الوقت لم نكن نعرف 90% من المخترعات والأدوات التي نشهدها اليوم، بل إن الحديث عنها يُعد رجما بالغيب.

لو طُلب في ذلك الوقت من باحثين حالمين تصور شكل العالم سنة 2000، سيتخيلون اختراعات عجيبة وأنماط حياة مدهشة، وسيركزون على غزو الفضاء.. المثير، أن كثيرا منها تحقق.. ومع ذلك، لا يجب أن نكون متأكدين من إمكانية تحقيق كل النبوءات العلمية؛ فالمستقبل مجهول، وينطوي على كل الاحتمالات، ويعلمنا التاريخ أن ما كان متوقعا وممكنا حدوثه لم يحدث أبدا، بسبب عراقيل غير محسوبة، أو أن توقعاتنا كانت مبالغ فيها، مقابل سيناريوهات أخرى لم تكن متوقعة، لكنها حدثت فعلا. فمثلا حين افتتح العصر النووي في الأربعينيات توقع العلماء عالما نوويا بالكامل بحدود العام 2000، وبعد تحليق الإنسان في الفضاء ووصوله القمر، توقعنا أنه بحدود عدة عقود سنتمكن من غزو الكواكب والتنقل فيما بينها، لكن تلك التوقعات خابت، مقابل سيناريو الإنترنت الذي لم يخطر ببال العلماء قبل خمسين سنة مثلا.

بيد أن مسيرة تطور العلم، وثورة التكنولوجيا تشجعنا على توسعة خيالنا إلى أقصى مدى وتصور أشياء قد تبدو مستحيلة الآن، ومن شبه المؤكد أنّ كل التقنيات التي نشهدها اليوم ستكون عبارة عن مخلفات تاريخية، سيكون مكانها المتحف، تماما كما فعلنا بتقنيات عصر الآلة البخارية.

في المستقبل القريب، سنشهد تحولًا من استخدام الإنترنت إلى استخدام شبكات المخ، حيث سيكون ممكنًا نقل الأفكار والعواطف والمشاعر والذاكرة على الفور عبر الكرة الأرضية، وتوصيل الدماغ بجهاز حاسوب والبدء باستخلاص بعض الذكريات والأفكار، أو حتى صناعة عقل بشري يفكر ويحس ويتفاعل، بقوة خارقة تفوق قدرات الحاسوب بمليار مرة..

سنتوصل إلى صناعة روبوتات بالغة الذكاء، وإذا تخيلنا روبوت على شكل إنسان، بقوة الفولاذ والصلب، وبذكاء كمبيوتر متطور، ومرونة ألياف الكربون، وبتقنيات المستقبل المذهلة.. هذا الروبوت من المحتمل أن يسود الأرض، وأن يسيطر على الإنسان، وستكون له قدرة على التكاثر والتواصل والإحساس، قد يصبح الإنسان مجرد خادم للروبوت، أو حتى "حيوان أليف" مثل حيوانات المنزل التي نربيها الآن..

في ذلك العالم البعيد، سيتم إعادة تعريف الإنسان، والثمن الذي سندفعه لقاء تطورنا تدمير الذات الإنسانية، والقضاء على الخصوصية، والإرادة الحرة، فضلا عن إمكانية اختراق أي عقل، ليس للحصول على ما فيه من معلومات وأسرار، بل والتحكم به أيضا.

الاختراعات تبدأ بسيطة ثم تتطور، ولا يعود للمخترع قدرة على التحكم فيها، كذلك كل مسارات العلم وثورة الاتصالات، والحياة نفسها والتغيرات الاجتماعية والقيمية والسياسية، حتى الحركات الثورية والأحزاب والأيديولوجيات.. كلها تبدأ بمسار معين، ثم تتطور وتتشعب وتنفجر ولا يعود لأصحابها وروادها الأوائل أي قدرة على التحكم في مساراتها، حيث تصبح في أيدي جهات أخرى لها مصالح وتوجهات مختلفة، وتطرأ تغيرات أخرى في قطاعات مختلفة لكنها تتداخل فيما بينها وتؤثر على بعضها.. تحاول النظم والقوانين والقيم الاجتماعية والأخلاقية كبح تلك المسارات، أو ضبطها، لكن هذا لا يدوم طويلا، فحتى القوانين والأعراف تتطور.

عندما تقرأ معطيات الحاضر وتحللها وتفككها بهدف استشراف المستقبل قد تصيب وقد تخطئ، مهما أوتيت من علم وحكمة..

بين "لا شيء مستحيل"، و"ليس كل شيء ممكنا".. سيتشكل مستقبل العالم.. وسترون العجب العجاب..


مايو 25، 2026

مأساة راوندا، دروس كثيرة، وسؤال كبير

 

يتكون سكان رواندا من قبيلتين؛ الهوتو وهم الأغلبية، والتوتسي وهم الأقلية، خضعت البلاد للاستعمار الألماني ثم البلجيكي الذي منح التوتسي نفوذًا إداريًا وتعليميًا أكبر، ما عمّق الشعور بالتمييز لدى الهوتو. وبعد تراكم طويل من التوترات العرقية والسياسية اندلعت مواجهات عسكرية بين القبيلتين عام 1990 استمرت بشكل متقطع لعدة سنوات، خلالها تصاعد خطاب الكراهية ضد التوتسي، بدعاية تصفهم بالخطر الداخلي. وفي عام 1993 وُقّعت اتفاقية بين الطرفين بهدف تقاسم السلطة ودمج القوات المسلحة، لكن المتطرفين من الهوتو رفضوا الاتفاق. في نيسان 1994 سقطت طائرة الرئيس هابياريمانا وكان بصحبة رئيس بوروندي وقُتل الإثنان في الحادث. على الفور تم اتهام التوتسي بإغتيال الرئيس، بعد ساعات فقط بدأت حملات قتل منظمة ضدهم سرعان ما تحولت إلى حملة إبادة جماعية واسعة استمرت مئة يوم، قُتل فيها 800 ألف إنسان أغلبيتهم الساحقة من التوتسي ومن الهوتو المعتدلين الذي رفضوا التورط في أعمال القتل.

انتهت الإبادة بسيطرة قوات الجبهة الوطنية الرواندية بقيادة بول كاغامي على العاصمة كيغالي ثم معظم البلاد، ما أدى إلى انهيار حكومة الهوتو المتطرفة التي كانت تقود المجازر. بعد ذلك أعلنت الجبهة تشكيل حكومة جديدة، وتوقف القتل وانتهت الحرب مخلفة آثارًا كارثية، ودمارًا اجتماعيًا ونفسيًا هائلًا، وأزمة لاجئين كبيرة.

تعد تلك المذبحة من أبشع المآسي الإنسانية في القرن العشرين. لكنها علمتنا أنَّ خطاب الكراهية يقود إلى الإبادة؛ فقد بدأت المأساة بحملات تحريض إعلامي مكثفة صوّرت فئة من المجتمع كأنهم أعداء، وتم وصفهم بالصراصير، وبذلك، أي بتجريدهم من إنسانيتهم والنظر إليهم كحشرات صار قتلهم أمرا سهلا ومبررا وبضمير مرتاح.

برهنت تلك المأساة أن التساهل مع العنصرية والطائفية وغض الطرف عن التحريض الإعلامي يشكّل خطرًا كبيرًا على أي مجتمع. فالحروب الأهلية وحملات الإبادة الجماعية لا تحدث فجأة، بل تأتي نتيجة التحريض والتعبئة وبث الكراهية ونشر الخوف من الآخر، ونزع صفته الإنسانية.. وهذه كلها علامات إنذار مبكر إذا تُركت دون مواجهة ستقود حتما إلى الكارثة الكبرى. كما بيّنت أن حماية الوطن والمجتمع والدولة تبدأ باحترام الإنسان وصون كرامته وحقه في الوجود والاختلاف.

بمجرد توقف القتال ركزت السلطة الجديدة على منع عودة خطاب الكراهية، وفرضت قيودًا مشددة على النقاشات العرقية والسياسية. ولتحقيق العدالة الانتقالية أنشأت محاكم محلية شعبية تُعرف باسم "غاشاتشا".. كما أُنشئت "المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا" لمحاكمة المتورطين في جرائم الإبادة، وكانت تلك خطوة مهمة لترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب، ما يعني أن المصالحة الوطنية ممكنة رغم الجراح والثارات، شريطة تحقق العدالة لمنع تكرار الجرائم.

كما حدث في جنوب إفريقيا عقب تولي مانديلا الحكم والإطاحة بحكومة الفصل العنصري، حيث أنشأت "لجنة الحقيقة والمصالحة" بقيادة الأسقف ديزموند توتو، واعترف كثير من الجناة بجرائمهم علنًا مقابل العفو عنهم.

رغم عمق المأساة، أقامت الحكومة الراوندية متحفا خاصا بالإبادة، وحرصت على تدريس الأجيال الجديدة حقيقة ما جرى وأهمية التعايش ورفض الكراهية من منطلق أن تجاهل التاريخ أو تزييفه يسمح بتكرار المآسي. واستطاعت رواندا خلال العقود اللاحقة أن تبني دولة مستقرة عبر برامج المصالحة والعدالة الانتقالية وإعادة بناء المؤسسات. وهذا يثبت أيضا أن المجتمعات يمكن أن تتعافى إذا توفرت الإرادة السياسية والعدالة..

شهدت البلاد تحسنا كبيرا في البنية التحتية والخدمات العامة وفي التعليم والرعاية الصحية، وشهدت نموا اقتصاديا هو الأعلى على مستوى إفريقيا، مع تركيز على التكنولوجيا والاستثمار والسياحة والتنظيم الإداري الصارم، وانحفضت فيها معدلات الفساد بشكل ملحوظ، وارتفعت نسبة مشاركة النساء في البرلمان والإدارة العامة. من ناحية الأمن والنظام العام، فتُعرف رواندا بأنها من أكثر دول إفريقيا استقرارًا وأمانًا، وأكثرها نظافة.

الرئيس بول كاغامي يحكم فعليًا منذ عام 2000، وتحت قيادته فاز الحزب الحاكم وهيمن على الحياة السياسية بشكل شبه كامل. بينما مُنع أو استُبعد عدد من المعارضين البارزين من الترشح. يرى مؤيدوه أنه زعيم وطني أنقذ البلاد من الانهيار، وبنى دولة فعالة ومنظمة، وقدّم نموذجًا رياديا ناجحًا في إفريقيا. بينما يرى منتقدوه أنه يحكم بأسلوب سلطوي شديد المركزية، ويضيّق على المعارضة والإعلام المستقل، ويعتمد على الأجهزة الأمنية في فرض سلطاته، وأنه جعل الاستقرار مرتبطًا بشخصه أكثر من المؤسسات الديمقراطية.

البوسنة مثلا، شهدت محاكمات دولية لبعض قادة الحرب، لكن الانقسامات القومية والدينية بقيت قوية، وما زالت الذاكرة الجماعية مثقلة بالماضي، ومنقسمة حول تفسير الحرب نفسها. لذا، فإن البوسنة مثالًا على أن وقف الحرب لا يعني بالضرورة بناء دولة مستقرة ومتطورة. أما في جنوب إفريقيا فكان معيار النجاح هو الديمقراطية والتعايش والتسامح السياسي وحرية التعبير.

وتكشف هذه التجارب أن الخروج من الحروب لا يعتمد فقط على وقف القتال، بل على الاعتراف بالماضي وبأخطائه أولا، ثم إدارة الذاكرة الجماعية بشكل إيجابي وبروح التسامح، وبناء المؤسسات، وتحقيق العدالة، ومنع عودة خطاب الكراهية، وإيجاد توازن بين الاستقرار والحرية السياسية.

في منطقتنا العربية وقعت مآسي وحروب أهلية مشابهة في لبنان وسورية والعراق والسودان وليبيا واليمن.. لم يكن الاختلاف العرقي أو الطائفي أو المذهبي  سببها، بل استغلال السياسيين لهذه الاختلافات وتحويلها إلى أداة للسلطة والصراع. فالتنوع لم يكن مشكلة بحد ذاته بل هو عنصر قوة إذا ما أُدير بالعدالة والمساواة والقانون.

السؤال المطروح: لماذا لم تتوقف الصراعات والحروب الأهلية والانقسامات المذهبية في البلدان العربية منذ مئات السنين؟ بينما استطاعت راوندا وجنوب إفريقيا وغيرها تجاوزها، والانتقال إلى مجتمعات جديدة متعافية، وبنت دولا متطورة !

مايو 19، 2026

حول مؤتمر فتح الثامن ونتائجه


بروحٍ متفائلة وتفكير رغبوي راهن كثيرون على مؤتمر فتح الثامن بأنه سيجدد الحركة، وسيمكنّها من امتلاك الأدوات اللازمة لمواجهة التحديات المطروحة. فيما تخوّفَ آخرون بروحٍ يائسة وذهنية متشائمة من فشل المؤتمر وانشقاق الحركة. وآخرون انطلقوا من ثاراتهم الحزبية وتناقاضهم التاريخي مع فتح بأن هذا المؤتمر سيكون آخر مؤتمراتها، وسيؤدي إلى تفككها وأفولها.

في الواقع لم يحدث شيء مما سبق؛ فقد نجح المؤتمر ومـرَّ بسلام، بتنظيم إداري مدهش، ولم يحدث أي انشقاق، ومجرد انعقاده يعتبر نجاحا، خاصة وأنه جدد دماء الحركة بطاقات شابة، وكرّس الشرعية التنظيمية للأطر القيادية الجديدة، وأعاد لفتح حضورها في الشارع، وجعلها تستعيد بعض شعبيتها التي خسرتها في السنوات السابقة، بدليل الاهتمام الشعبي الكبير بالمؤتمر ومتابعة أخباره.. ومن السابق لأوانه القول بأن الحركة نجحت أو فشلت في طرح البرامج الكفاحية والسياسة لمواجهة التحديات المفروضة وإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية.. فهذا كله سيكون على عاتق الأطر القيادية الجديدة (اللجنة المركزية، والمجلس الثوري، والمجلس الاستشاري، والمفوضيات المختلفة) والتي أمامها ستة أشهر لبلورة خط سياسي جديد وطرح البرامج النضالية واجتراح الحلول وإجراء المراجعات النقدية المطلوبة..

باختصار، لم يحدث التغير الثوري والجذري المطلوب.. ولم يحدث الانهيار ولا التفكك.. المؤتمر شكّل منصة انطلاقة قوية، لكن سرعة وكفاءة الانطلاقة لن تكون كما يجب.. ستظل الأمور نسبية، وستظل فتح، كما هي تاريخياً، تراوح بين كونها حركة ثورية مقاتلة، وكونها الحزب الحاكم.. بين العقلية التقليدية المحافظة التي طالما أعاقت تقدمها، والروح المتجددة التي تفاجئنا من حين إلى آخر.. خليط مثير للدهشة يجمع أشد المقاتلين شجاعة مع المنتفعين والانتهازيين.. يجمع نخبة المفكرين والمثقفين مع أولئك الذين لم يقرؤوا كتابا واحدا في حياتهم.. صورة طبق الأصل عن واقع الشعب الفلسطيني بكل تناقضاته وغرائبه، وتضحياته وخوفه، وتعلمه وتخلفه..

لدى حركة فتح الكثير من المقومات التي يُفترض أن تمكنها من إنجاز وعدها التاريخي بالنصر والتحرير؛ قاعدة شعبية عريضة لدرجة يمكن القول بأنها حركة الشعب الفلسطيني التاريخية. تجربة نضالية طويلة ومريرة مخضبة بالدماء والتضحيات. خبرة سياسية كبيرة. شرعية شعبية ورسمية (عربيا ودوليا). برنامج سياسي مرن قادر على التكيف واستيعاب المتغيرات، ولديها ألمع العقول والكفاءات.. ومع ذلك تحضر حيناً وتغيب أحياناً، ترفع المعنويات من جهة ثم تخيّب الآمال، تتقدم خطوة وتتراجع خطوات، تصيب مرة وتخطيء مرات.

مع صعوبة تحليل مثل هذه الصورة المعقدة، لكن ذلك ممكنٌ بالنظر إلى طبيعة العدو (قوته وتحالفاته ومكانته الدولية)، ومستوى التحديات والمعيقات محليا وعربيا، والظروف الموضوعية القهرية المحيطة، وخصوصيات القضية الفلسطينية والجغرافيا السياسية، وعوامل أخرى كثيرة.. لكن دون تحليل العامل الذاتي تظل الصورة ناقصة، لأن أهميته لا تقل عن سائر العوامل الأخرى.

تحليل مخرجات المؤتمر يعطينا فكرة عن مستقبل الحركة، بل وعن ماهيتها وسماتها.. ومن أبرز الملاحظات:

برزت سيطرة التيار المركزي الحاكم، وهذا متوقع، ومع ذلك من غير الدقيق القول بأن الرئيس فرض رؤاه وشخصياته على المؤتمر، فلدينا أكثر من 900 عضو (من أصل 2500) في ثلاث ساحات لا تخضع لسيطرة الرئيس المباشرة، وهؤلاء وغيرهم يمارسون الانتخاب بصورة سرية.. هذا على افتراض أن ساحة الضفة كتلة متجانسة وخاضعة، وهو افتراض غير صحيح.

في أروقة المؤتمر وجلساته ظهرت التكتلات المختلفة الجديدة والقديمة، والتي لم تخلُ من النزعة المناطقية والعشائرية، وهذا غريب عن حركة وطنية تقدمية، يُفترض أن فوق هذه التشكيلات البدائية.

اللافت أيضا غياب الموضوع السياسي والفكري والتنظيمي عن أغلب النقاشات خارج القاعات إلا في حالات نادرة. الأغلبية انصب تركيزها على مسألة الانتخابات واختيار المرشحين، ولم يكن المعيار الوطني والأخلاقي والقيمي واضحا بقدر وضوح معيار المناطقية والاعتبارات الشخصية، وأحيانا النفعية والانتهازية.

تركيبة فتح العجيبة أدت إلى انتخاب قيادات ثورية رصيدها الميدان والتضحيات والكفاءة، وقيادات أخرى رصيدها المال والبزنس والتوريث. كما ظهر رأس المال في حلة "وطنية"، أجد صعوبة في نزعها عن سياق الفساد. وصعوبة في استمرارية الإيمان بفكرة الضمير الفتحوي الضامن والقادر بمجموعه الكلي على منع الانحراف عن الرؤية الوطنية بعيدة الأمد، وضمان الاتفاق على الهدف الوطني الجامع.

هذه الظواهر السلبية نتاج سنوات من التكلس وترهل المؤسسة، وضعف ممارسات النقد الذاتي، وتراجع منطق التعبئة والتثقيف والتربية الداخلية لحساب الولاءات. هذه الأمراض تصيب كافة التنظيمات التي لا تهتم بالمتابعة والمساءلة والمراجعات النقدية، فتفقد العضوية روحها الثورية، وتتحول إلى تبعية، وتسود الشخصنة، والانشغال بالتفاهات، وتنعزل القيادة عن الشارع وعن هموم الناس، ويصبح شغلها التحشيد وإقصاء الكفاءات، وفرض الإذعان والخضوع على الأعضاء تحت مسمى الالتزام والانضباط.

كان ممكنا للمؤتمر تصحيح كل هذه الأخطاء، وتصويب المسار، فيما لو تم اختيار الأعضاء وفق أسس صحيحة وصارمة.. لكن هذا غير ممكن، فقد اجتهدت اللجنة التحضيرية أن يتم تمثيل كافة الشرائح والفئات والمناطق والمؤسسات.. ومع ذلك لوحظ ضعف تمثيل غزة مقارنة مع عدد سكانها، ومع إرثها النضالي ومكانتها الرمزية، وتضحياتها الجسام.. وكذلك تغييب ساحة الأردن، وتغييب المعارضة وتجاهل تيار المستنكفين والتطهريين، وأيضا ضعف حضور الكفاءات الفكرية والثقافية والأكاديمية وأصحاب الاختصاص، الأمر الذي انعكس على اللجنة المركزية التي لأول مرة تفتقد لوجود مفكرين قادرين على صياغة إستراتيجيات تتناسب مع طبيعة المرحلة وتعقيداتها..

في المقابل كان هناك حضورا قويا للأسرى وقدامى المحاربين، وحضورا مميزا للمرأة التي وصل تمثيلها في المجلس الثوري نحو 20%، كما حضر الشبيبة. واستطاع المؤتمر استبعاد الحرس القديم، وتجديد القيادات بنسة تزيد عن النصف، وهذا إنجاز مهم وضروري يمكن البناء عليه. أما البيان السياسي فيحتاج مقالا آخر.

ختاماً، فتح اليوم لا تشبه فتح الأمس؛ وزمن الفدائيين يختلف عن زمن أوسلو.. هذا صحيح ومطلوب؛ بل هو دليل على حيوية الحركة ومرونتها، وأنها ليست صنما، بل قادرة على التكيف مع كل مرحلة، هذا يعطيها قدرة على التجدد والتطور..

فتح نفسها، ليست هدفا بحد ذاته.. هي وسيلة للتحرير.. وما زالت الظروف الموضوعية التي استدعت انطلاقتها قائمة؛ فإنها ستظل ضرورة وطنية. 

مايو 16، 2026

ثورة الفلاحين، الخمير الحـُـمر

 بعد سنوات من الحرب الأهلية، في نيسان 1975 اجتاحت قوات "الخمير الحُمر" العاصمة الكمبودية "بنوم بنه"، ثم واصلت تمددها حتى أحكمت سيطرتها على البلاد، لتشهد كمبوديا أربع سنوات من الحكم العسكري، تُعد من أسوأ الفترات في تاريخ البشرية، فقد مارست الحركة إبادة جماعية فظيعة سقط ضحيتها ربع السكان، أما البقية فقد أجبرتهم على العيش في معسكرات اعتقال ضمن ظروف بالغة القسوة والفظاعة.

كلمة "الخُمير" تعني الفلاحين، وبما أن أغلبية الكمبوديين من سكان الأرياف فقد وصفوا أنفسهم بالخمير ، أما "الحُمر" فهو لون الشيوعية. نظام الخُمير الحمر من أكثر الأنظمة دموية في القرن العشرين، وهي حركة شيوعية متطرفة حكمت كمبوديا بين عامي 1975 و1979، تسببت سياساتهم القمعية في مقتل ما بين 1.5 إلى 3 ملايين شخص من أصل 7 ملايين نسمة هم سكان البلاد، نتيجة الإعدامات، والعمل القسري، والمجاعة، والأمراض. وهي أعلى نسبة وفيات في التاريح الحديث.

بمجردهم استيلائهم على السلطة قسموا سكان البلاد إلى ثلاث مجموعات؛ الأولى تضم أتباعهم ومن يمتثلون لسياساتهم. الثانية: معظم السكان الذين رأت الحركة أنهم بحاجة إلى إعادة تأهيل، لذا حشرتهم جميعا في معسكرات اعتقال لتلقينهم أفكارهم "الثورية"، وتعويدهم على نمط الحياة "الاشتراكية". أما الثالثة فتضم الطلبة، والأساتذة، والأطباء، والمهندسين، والمحامين، والضباط العسكريين ورجال الأمن وموظفو الدولة في النظام السابق، والرهبان البوذيين.. وهؤلاء جميعا مصيرهم الإعدام دون استثناء، وقد شمل هذا التصنيف من يرتدي نظارات طبية، أو من يستعمل فرشاة أسنان، أو يرتدي ساعة يد.. باعتبار تلك من أدوات الإمبريالية والرأسمالية. حتى معرفة لغة أجنبية كانت سبباً كافياً للاشتباه بالشخص واعتباره "مثقفاً" معادياً للثورة. كما قتلت الحركة جميع الأقليات العرقية، بما فيهم 40 ألف مسلم، نجا منهم شخص واحد فقط.

ولتطبيق هذه السياسة قامت قوات الخمير الحمر بإخلاء العاصمة وكافة المدن من سكانها، أي طردتهم من بيوتهم وصادرتهم ممتلكاتهم الشخصية، وأجبرتهم على التوجه إلى الأرياف للعمل في الزراعة، وأجبرت الجميع رجالا ونساء وأطفالا على ارتداء زي موحد لونه كحلي غامق. وفرضت عليهم العمل لساعات طويلة في الحقول (لحد 20 ساعة في اليوم) دون رعاية صحية أو غذاء، حتى أنَّ من كان يلتقط ثمرة تالفة أو بضع حبات من بقايا الأرز يُساق إلى الإعدام.   

قامت أيديولوجية الخمير الحمر على فكرة إنشاء مجتمع زراعي خالص بلا مدن ولا طبقات اجتماعية، وتطبيق اشتراكية متشددة تشمل وقف التعامل بالأموال النقدية وإلغاء التجارة والأسواق ومنع أية مُلكية خاصة، والقضاء على التعليم التقليدي والنخب المثقفة، وفرض الطاعة المطلقة للحزب، وقد اعتمدت على مفهوم محو الماضي والبدء من جديد، أي من الصفر، فقررت أن التقويم الجديد للبلاد "السنة صفر". ثم قامت بإلغاء كافة مؤسسات الدولة، فأغلقت المدارس والمستشفيات والوزارات والمعابد.

لم يكن الأمر مجرد تمجيد للفلاحين، أو انتصارا لمظلمتهم التاريخية، أو تعبيرا عن صراع طبقي؛ فقد تطرف "الثوار" في أفكارهم لدرجة ممارسة التطهير السياسي والعرقي، والقضاء على كل من يختلف معهم، باعتبارهم  "طبقات معادية". وقد استخدموا الأطفال في حربهم، فانتزوعهم من عائلاتهم، وشرّبوهم أفكارهم المتطرفة، وجعلوهم جنودا مطيعين يقتلون حتى أهاليهم.

انبثق تنظيم الخمير الحمر عن الحزب الشيوعي الكمبودي، الذي تأثر بالفكر الماركسي اللينيني والماوي. مستلهما تجربة السوفييت في قمع المعارضين، بل إنهم رأوا في ممارسات ستالين بعض التراخي والميوعة.. كما استلهموا تجربة الزعيم "ماوتسي تونغ" في الثورة الثقافية، ودفع السكان إلى الأرياف لزيادة الإنتاج الزراعي.. تلك التجارب التي أودت بحياة ملايين الصينيين وتسببت في مجاعات فظيعة. وقد تلقت حركة الخمير الحمر دعمًا مباشرًا من الصين خلال عهد ماوتسي تونغ الذي استقبل بول بوت عدة مرات، وأبدى إعجابه بتجربتهم الثورية ذات الطابع الزراعي المتطرف. ويُعد هذا الدعم أحد أهم العوامل التي ساعدت الحركة على الوصول إلى السلطة والاستمرار في الحكم. وسبب هذا الدعم التقارب الأيديولوجي بين الماوية وأفكار بول بوت، واعتبار انتصار الخمير الحمر نجاحاً رمزياً للماوية، ومن أجل مواجهة نفوذ فيتنام في المنطقة (المدعومة من الاتحاد السوفييتي)، وتعزيز مكانة الصين في العالم الشيوعي خلال فترة الانقسام الصيني السوفيتي.

رغم الخلفية الشيوعية المشتركة، اعتبر الخمير الحمر أن فيتنام هي العدو المركزي، ونشبت نزاعات حدودية بين البلدين، انتهت باجتياح الجيش الفيتنامي كمبوديا وإسقاطه حكم الخمير الحمر.. وبعد سقوطهم استمر الخمير الحمر في حرب عصابات لسنوات من المناطق الحدودية مع تايلاند، بدعم من الصين، حتى تفككت الحركة في أواخر التسعينيات.

لم يكونوا مجرد غوغاء دمويين، بل كانوا جماعة منظمة، وقد تلقّى عدد من قادتهم تعليمهم في فرنسا، بما فيهم زعيمهم بول بوت.. الخطير في الموضوع أنهم يحملون أيديولوجيا متشددة متطرفة، والأخطر أنهم مؤمنون بتعصب أنهم يمثلون الحق، ويجسدون القيم الثورية الصحيحة.

في كوخ مهجور على حدود تايلاند، تم العثور على زعيم الخمير الحمر "بول بوت" مسموماً في نيسان عام 1998.. مات عن عمر 72 عاما، مخلفاً وراءه مئات القبور الجماعية، وجبال من الجماجم دون أن يُقدم لأية محاكم دولية..

كل من سبقه أو لحقه من الطغاة، من نيرون إلى هتلر، وستالين، وموسوليني، وتشاوسيسكو، وعيدي أمين وبوكاسا، حتى من ترأسوا بلدانا "ديمقراطية"، من ترومان وتشرشل إلى ترامب وشارون ونتنياهو وغيرهم.. جميعهم تلطخت أياديهم بدماء الملايين من الأبرياء..

تجربة الخمير الحمر مثالًا على كيف يمكن للأيديولوجيا المتطرفة والسلطة المطلقة أن تقود إلى كارثة إنسانية فظيعة عندما تُستخدم لإعادة تشكيل المجتمع بالقوة.