أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

مايو 19، 2026

حول مؤتمر فتح الثامن ونتائجه


بروحٍ متفائلة وتفكير رغبوي راهن كثيرون على مؤتمر فتح الثامن بأنه سيجدد الحركة، وسيمكنّها من امتلاك الأدوات اللازمة لمواجهة التحديات المطروحة. فيما تخوّفَ آخرون بروحٍ يائسة وذهنية متشائمة من فشل المؤتمر وانشقاق الحركة. وآخرون انطلقوا من ثاراتهم الحزبية وتناقاضهم التاريخي مع فتح بأن هذا المؤتمر سيكون آخر مؤتمراتها، وسيؤدي إلى تفككها وأفولها.

في الواقع لم يحدث شيء مما سبق؛ فقد نجح المؤتمر ومـرَّ بسلام، بتنظيم إداري مدهش، ولم يحدث أي انشقاق، ومجرد انعقاده يعتبر نجاحا، خاصة وأنه جدد دماء الحركة بطاقات شابة، وكرّس الشرعية التنظيمية للأطر القيادية الجديدة، وأعاد لفتح حضورها في الشارع، وجعلها تستعيد بعض شعبيتها التي خسرتها في السنوات السابقة، بدليل الاهتمام الشعبي الكبير بالمؤتمر ومتابعة أخباره.. ومن السابق لأوانه القول بأن الحركة نجحت أو فشلت في طرح البرامج الكفاحية والسياسة لمواجهة التحديات المفروضة وإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية.. فهذا كله سيكون على عاتق الأطر القيادية الجديدة (اللجنة المركزية، والمجلس الثوري، والمجلس الاستشاري، والمفوضيات المختلفة) والتي أمامها ستة أشهر لبلورة خط سياسي جديد وطرح البرامج النضالية واجتراح الحلول وإجراء المراجعات النقدية المطلوبة..

باختصار، لم يحدث التغير الثوري والجذري المطلوب.. ولم يحدث الانهيار ولا التفكك.. المؤتمر شكّل منصة انطلاقة قوية، لكن سرعة وكفاءة الانطلاقة لن تكون كما يجب.. ستظل الأمور نسبية، وستظل فتح، كما هي تاريخياً، تراوح بين كونها حركة ثورية مقاتلة، وكونها الحزب الحاكم.. بين العقلية التقليدية المحافظة التي طالما أعاقت تقدمها، والروح المتجددة التي تفاجئنا من حين إلى آخر.. خليط مثير للدهشة يجمع أشد المقاتلين شجاعة مع المنتفعين والانتهازيين.. يجمع نخبة المفكرين والمثقفين مع أولئك الذين لم يقرؤوا كتابا واحدا في حياتهم.. صورة طبق الأصل عن واقع الشعب الفلسطيني بكل تناقضاته وغرائبه، وتضحياته وخوفه، وتعلمه وتخلفه..

لدى حركة فتح الكثير من المقومات التي يُفترض أن تمكنها من إنجاز وعدها التاريخي بالنصر والتحرير؛ قاعدة شعبية عريضة لدرجة يمكن القول بأنها حركة الشعب الفلسطيني التاريخية. تجربة نضالية طويلة ومريرة مخضبة بالدماء والتضحيات. خبرة سياسية كبيرة. شرعية شعبية ورسمية (عربيا ودوليا). برنامج سياسي مرن قادر على التكيف واستيعاب المتغيرات، ولديها ألمع العقول والكفاءات.. ومع ذلك تحضر حيناً وتغيب أحياناً، ترفع المعنويات من جهة ثم تخيّب الآمال، تتقدم خطوة وتتراجع خطوات، تصيب مرة وتخطيء مرات.

مع صعوبة تحليل مثل هذه الصورة المعقدة، لكن ذلك ممكنٌ بالنظر إلى طبيعة العدو (قوته وتحالفاته ومكانته الدولية)، ومستوى التحديات والمعيقات محليا وعربيا، والظروف الموضوعية القهرية المحيطة، وخصوصيات القضية الفلسطينية والجغرافيا السياسية، وعوامل أخرى كثيرة.. لكن دون تحليل العامل الذاتي تظل الصورة ناقصة، لأن أهميته لا تقل عن سائر العوامل الأخرى.

تحليل مخرجات المؤتمر يعطينا فكرة عن مستقبل الحركة، بل وعن ماهيتها وسماتها.. ومن أبرز الملاحظات:

برزت سيطرة التيار المركزي الحاكم، وهذا متوقع، ومع ذلك من غير الدقيق القول بأن الرئيس فرض رؤاه وشخصياته على المؤتمر، فلدينا أكثر من 900 عضو (من أصل 2500) في ثلاث ساحات لا تخضع لسيطرة الرئيس المباشرة، وهؤلاء وغيرهم يمارسون الانتخاب بصورة سرية.. هذا على افتراض أن ساحة الضفة كتلة متجانسة وخاضعة، وهو افتراض غير صحيح.

في أروقة المؤتمر وجلساته ظهرت التكتلات المختلفة الجديدة والقديمة، والتي لم تخلُ من النزعة المناطقية والعشائرية، وهذا غريب عن حركة وطنية تقدمية، يُفترض أن فوق هذه التشكيلات البدائية.

اللافت أيضا غياب الموضوع السياسي والفكري والتنظيمي عن أغلب النقاشات خارج القاعات إلا في حالات نادرة. الأغلبية انصب تركيزها على مسألة الانتخابات واختيار المرشحين، ولم يكن المعيار الوطني والأخلاقي والقيمي واضحا بقدر وضوح معيار المناطقية والاعتبارات الشخصية، وأحيانا النفعية والانتهازية.

تركيبة فتح العجيبة أدت إلى انتخاب قيادات ثورية رصيدها الميدان والتضحيات والكفاءة، وقيادات أخرى رصيدها المال والبزنس والتوريث. كما ظهر رأس المال في حلة "وطنية"، أجد صعوبة في نزعها عن سياق الفساد. وصعوبة في استمرارية الإيمان بفكرة الضمير الفتحوي الضامن والقادر بمجموعه الكلي على منع الانحراف عن الرؤية الوطنية بعيدة الأمد، وضمان الاتفاق على الهدف الوطني الجامع.

هذه الظواهر السلبية نتاج سنوات من التكلس وترهل المؤسسة، وضعف ممارسات النقد الذاتي، وتراجع منطق التعبئة والتثقيف والتربية الداخلية لحساب الولاءات. هذه الأمراض تصيب كافة التنظيمات التي لا تهتم بالمتابعة والمساءلة والمراجعات النقدية، فتفقد العضوية روحها الثورية، وتتحول إلى تبعية، وتسود الشخصنة، والانشغال بالتفاهات، وتنعزل القيادة عن الشارع وعن هموم الناس، ويصبح شغلها التحشيد وإقصاء الكفاءات، وفرض الإذعان والخضوع على الأعضاء تحت مسمى الالتزام والانضباط.

كان ممكنا للمؤتمر تصحيح كل هذه الأخطاء، وتصويب المسار، فيما لو تم اختيار الأعضاء وفق أسس صحيحة وصارمة.. لكن هذا غير ممكن، فقد اجتهدت اللجنة التحضيرية أن يتم تمثيل كافة الشرائح والفئات والمناطق والمؤسسات.. ومع ذلك لوحظ ضعف تمثيل غزة مقارنة مع عدد سكانها، ومع إرثها النضالي ومكانتها الرمزية، وتضحياتها الجسام.. وكذلك تغييب ساحة الأردن، وتغييب المعارضة وتجاهل تيار المستنكفين والتطهريين، وأيضا ضعف حضور الكفاءات الفكرية والثقافية والأكاديمية وأصحاب الاختصاص، الأمر الذي انعكس على اللجنة المركزية التي لأول مرة تفتقد لوجود مفكرين قادرين على صياغة إستراتيجيات تتناسب مع طبيعة المرحلة وتعقيداتها..

في المقابل كان هناك حضورا قويا للأسرى وقدامى المحاربين، وحضورا مميزا للمرأة التي وصل تمثيلها في المجلس الثوري نحو 20%، كما حضر الشبيبة. واستطاع المؤتمر استبعاد الحرس القديم، وتجديد القيادات بنسة تزيد عن النصف، وهذا إنجاز مهم وضروري يمكن البناء عليه. أما البيان السياسي فيحتاج مقالا آخر.

ختاماً، فتح اليوم لا تشبه فتح الأمس؛ وزمن الفدائيين يختلف عن زمن أوسلو.. هذا صحيح ومطلوب؛ بل هو دليل على حيوية الحركة ومرونتها، وأنها ليست صنما، بل قادرة على التكيف مع كل مرحلة، هذا يعطيها قدرة على التجدد والتطور..

فتح نفسها، ليست هدفا بحد ذاته.. هي وسيلة للتحرير.. وما زالت الظروف الموضوعية التي استدعت انطلاقتها قائمة؛ فإنها ستظل ضرورة وطنية. 

مايو 16، 2026

ثورة الفلاحين، الخمير الحـُـمر

 بعد سنوات من الحرب الأهلية، في نيسان 1975 اجتاحت قوات "الخمير الحُمر" العاصمة الكمبودية "بنوم بنه"، ثم واصلت تمددها حتى أحكمت سيطرتها على البلاد، لتشهد كمبوديا أربع سنوات من الحكم العسكري، تُعد من أسوأ الفترات في تاريخ البشرية، فقد مارست الحركة إبادة جماعية فظيعة سقط ضحيتها ربع السكان، أما البقية فقد أجبرتهم على العيش في معسكرات اعتقال ضمن ظروف بالغة القسوة والفظاعة.

كلمة "الخُمير" تعني الفلاحين، وبما أن أغلبية الكمبوديين من سكان الأرياف فقد وصفوا أنفسهم بالخمير ، أما "الحُمر" فهو لون الشيوعية. نظام الخُمير الحمر من أكثر الأنظمة دموية في القرن العشرين، وهي حركة شيوعية متطرفة حكمت كمبوديا بين عامي 1975 و1979، تسببت سياساتهم القمعية في مقتل ما بين 1.5 إلى 3 ملايين شخص من أصل 7 ملايين نسمة هم سكان البلاد، نتيجة الإعدامات، والعمل القسري، والمجاعة، والأمراض. وهي أعلى نسبة وفيات في التاريح الحديث.

بمجردهم استيلائهم على السلطة قسموا سكان البلاد إلى ثلاث مجموعات؛ الأولى تضم أتباعهم ومن يمتثلون لسياساتهم. الثانية: معظم السكان الذين رأت الحركة أنهم بحاجة إلى إعادة تأهيل، لذا حشرتهم جميعا في معسكرات اعتقال لتلقينهم أفكارهم "الثورية"، وتعويدهم على نمط الحياة "الاشتراكية". أما الثالثة فتضم الطلبة، والأساتذة، والأطباء، والمهندسين، والمحامين، والضباط العسكريين ورجال الأمن وموظفو الدولة في النظام السابق، والرهبان البوذيين.. وهؤلاء جميعا مصيرهم الإعدام دون استثناء، وقد شمل هذا التصنيف من يرتدي نظارات طبية، أو من يستعمل فرشاة أسنان، أو يرتدي ساعة يد.. باعتبار تلك من أدوات الإمبريالية والرأسمالية. حتى معرفة لغة أجنبية كانت سبباً كافياً للاشتباه بالشخص واعتباره "مثقفاً" معادياً للثورة. كما قتلت الحركة جميع الأقليات العرقية، بما فيهم 40 ألف مسلم، نجا منهم شخص واحد فقط.

ولتطبيق هذه السياسة قامت قوات الخمير الحمر بإخلاء العاصمة وكافة المدن من سكانها، أي طردتهم من بيوتهم وصادرتهم ممتلكاتهم الشخصية، وأجبرتهم على التوجه إلى الأرياف للعمل في الزراعة، وأجبرت الجميع رجالا ونساء وأطفالا على ارتداء زي موحد لونه كحلي غامق. وفرضت عليهم العمل لساعات طويلة في الحقول (لحد 20 ساعة في اليوم) دون رعاية صحية أو غذاء، حتى أنَّ من كان يلتقط ثمرة تالفة أو بضع حبات من بقايا الأرز يُساق إلى الإعدام.   

قامت أيديولوجية الخمير الحمر على فكرة إنشاء مجتمع زراعي خالص بلا مدن ولا طبقات اجتماعية، وتطبيق اشتراكية متشددة تشمل وقف التعامل بالأموال النقدية وإلغاء التجارة والأسواق ومنع أية مُلكية خاصة، والقضاء على التعليم التقليدي والنخب المثقفة، وفرض الطاعة المطلقة للحزب، وقد اعتمدت على مفهوم محو الماضي والبدء من جديد، أي من الصفر، فقررت أن التقويم الجديد للبلاد "السنة صفر". ثم قامت بإلغاء كافة مؤسسات الدولة، فأغلقت المدارس والمستشفيات والوزارات والمعابد.

لم يكن الأمر مجرد تمجيد للفلاحين، أو انتصارا لمظلمتهم التاريخية، أو تعبيرا عن صراع طبقي؛ فقد تطرف "الثوار" في أفكارهم لدرجة ممارسة التطهير السياسي والعرقي، والقضاء على كل من يختلف معهم، باعتبارهم  "طبقات معادية". وقد استخدموا الأطفال في حربهم، فانتزوعهم من عائلاتهم، وشرّبوهم أفكارهم المتطرفة، وجعلوهم جنودا مطيعين يقتلون حتى أهاليهم.

انبثق تنظيم الخمير الحمر عن الحزب الشيوعي الكمبودي، الذي تأثر بالفكر الماركسي اللينيني والماوي. مستلهما تجربة السوفييت في قمع المعارضين، بل إنهم رأوا في ممارسات ستالين بعض التراخي والميوعة.. كما استلهموا تجربة الزعيم "ماوتسي تونغ" في الثورة الثقافية، ودفع السكان إلى الأرياف لزيادة الإنتاج الزراعي.. تلك التجارب التي أودت بحياة ملايين الصينيين وتسببت في مجاعات فظيعة. وقد تلقت حركة الخمير الحمر دعمًا مباشرًا من الصين خلال عهد ماوتسي تونغ الذي استقبل بول بوت عدة مرات، وأبدى إعجابه بتجربتهم الثورية ذات الطابع الزراعي المتطرف. ويُعد هذا الدعم أحد أهم العوامل التي ساعدت الحركة على الوصول إلى السلطة والاستمرار في الحكم. وسبب هذا الدعم التقارب الأيديولوجي بين الماوية وأفكار بول بوت، واعتبار انتصار الخمير الحمر نجاحاً رمزياً للماوية، ومن أجل مواجهة نفوذ فيتنام في المنطقة (المدعومة من الاتحاد السوفييتي)، وتعزيز مكانة الصين في العالم الشيوعي خلال فترة الانقسام الصيني السوفيتي.

رغم الخلفية الشيوعية المشتركة، اعتبر الخمير الحمر أن فيتنام هي العدو المركزي، ونشبت نزاعات حدودية بين البلدين، انتهت باجتياح الجيش الفيتنامي كمبوديا وإسقاطه حكم الخمير الحمر.. وبعد سقوطهم استمر الخمير الحمر في حرب عصابات لسنوات من المناطق الحدودية مع تايلاند، بدعم من الصين، حتى تفككت الحركة في أواخر التسعينيات.

لم يكونوا مجرد غوغاء دمويين، بل كانوا جماعة منظمة، وقد تلقّى عدد من قادتهم تعليمهم في فرنسا، بما فيهم زعيمهم بول بوت.. الخطير في الموضوع أنهم يحملون أيديولوجيا متشددة متطرفة، والأخطر أنهم مؤمنون بتعصب أنهم يمثلون الحق، ويجسدون القيم الثورية الصحيحة.

في كوخ مهجور على حدود تايلاند، تم العثور على زعيم الخمير الحمر "بول بوت" مسموماً في نيسان عام 1998.. مات عن عمر 72 عاما، مخلفاً وراءه مئات القبور الجماعية، وجبال من الجماجم دون أن يُقدم لأية محاكم دولية..

كل من سبقه أو لحقه من الطغاة، من نيرون إلى هتلر، وستالين، وموسوليني، وتشاوسيسكو، وعيدي أمين وبوكاسا، حتى من ترأسوا بلدانا "ديمقراطية"، من ترومان وتشرشل إلى ترامب وشارون ونتنياهو وغيرهم.. جميعهم تلطخت أياديهم بدماء الملايين من الأبرياء..

تجربة الخمير الحمر مثالًا على كيف يمكن للأيديولوجيا المتطرفة والسلطة المطلقة أن تقود إلى كارثة إنسانية فظيعة عندما تُستخدم لإعادة تشكيل المجتمع بالقوة.

مايو 13، 2026

الخوف، وافتراضات غريبة

 

نعيش معظم حياتنا في حالة خوف وقلق.. نخاف من أشياء كثيرة: من العوَز والجوع، من المستقبل، من المجهول، من هاتف منتصف الليل، من نشرة الأخبار، من الأفاعي والعقارب، ومن المرتفعات والأماكن المهجورة، ومن كوارث الطبيعة.. نخاف من العتمة، ومن تقدم العمر، ومن غدر الأصدقاء، أو من فيروس مختبئ في مكان ما، أو من ورم كامن في إحدى خلايانا.. نخاف من غضب الرب، ومن كلام الناس، ومن التغيير، ومن مغادرة مساحاتنا الآمنة..

نخاف من كل شيء تقريبا، والخوف الأكبر والمزمن من الموت.. ومن ما هو بعد الموت..

الخوف سمة طبيعية لازمت الإنسان منذ أن وُجد.. ولن نتخلص من الخوف مهما ادعينا الشجاعة.. الخوف يشل التفكير ويدفعنا نحو اتجاهات خاطئة.. ولكنه يحمينا من الأخطار، ومن تهورنا.. وفي الوقت ذاته يحرمنا من خوض تجارب ومسارات، ويفقدنا فرصا كان ممكنا أن تغير حياتنا..

ولكن، ماذا لو تحررنا من الخوف؟ أو من معظمه على الأقل؟ مع صعوبة وتعذر ذلك، ولكن لنتخيل حالات افتراضية معينة نعيشها دون خوف.. وهذا التخيل لا يندرج في بند نصائح التنمية البشرية لتجاوز الخوف.. فهذا ليس موضوعنا، إنما في هي محاولة لتبسيط الفكرة، أو بعبارة أدق لتبسيط فهمها.

ماذا لو اطمئن قلبك أن الرب لا يغضب منك، بل إنه ينظر إليك بعين الرضا، ويريد لك السعادة.. وأن كل ما قاله لك رجال الدين بأنه يُغضب الرب هو في الحقيقة لا يعنيه بشيء؟ وأنهم أرادوا تخويفك، لأن خوفك هو القوت الذين يعتاشون منه، ولأنه وسيلتهم للسيطرة عليك، وأداتهم لهندسة المجتمع والهيمنة عليه.. ولأنه جدارهم الذين يستندون إليه في تثبيت سلطاتهم وامتيازاتهم..

لو بحثنا عن قاسم مشترك بين جميع أنواع الخوف وأسبابه سنجد الخوف من الموت.. في أعماقنا رجفة منه، وجزع وقلق مبهم من زيارته الثقيلة.. نخاف من الميكروبات والحشرات والضواري المفترسة والطيور الجارحة لأنها أسباب محتملة للموت.. ونخاف من العواصف والزلازل والبراكين لأنها محمّلة بالموت، ونخاف من انحباس المطر لأنه يؤدي إلى الجفاف وهلاك المحاصيل وبالتالي المجاعة، ثم الموت.. وللسبب ذاته نخاف من الفقر ومن تأخر الرواتب ومن غلاء الأسعار لأنها تؤدي في النهاية إلى المصير نفسه.. نخاف من الحروب لأنها مقترنة بالموت، نخاف الوحدة والعزلة لأنها تعني صعوبة وصول المساعدة حين وقوع الخطر، ونخاف من التجاعيد وارتفاع الكوليسترول لأنها علامات اقتراب الموت..

نخاف من القبيلة المنافسة، أو من الطائفة المختلفة، أو من الدولة المجاورة لأنها قد تتفوق علينا عددا وعتادا، وقد تهاجمنا وتقضي علينا.. وهذا الخوف متأصل في جيناتنا منذ زمن الإنسان الأول؛ حين كان يخاف الكهوف المعتمة، ومن المفترسات، ومن الظواهر الطبيعية التي لم يفهمها، ومن كل إنسان آخر سينافسه حتماً على الكلأ والماء.. في صراع صفري..

ندرك جميعا وبيقين لا يتسرب إليه الشك أن الموت هو المصير الحتمي لكل كائن حي، بما فيه الإنسان الذي فشل فشلا ذريعا في الوصول إلى الخلود.. ومُـنيَ بهزيمة منكرة في كل معاركه ضد الموت.. بدليل أن كل من سبقونا ماتوا، وأنه من المؤكد أن جميع الأحياء على وجه الأرض الآن سيكونون موتى في غضون قرن من الزمان، ولا استثناء في ذلك..

الخوف من الموت ليس منقصة، ولا جُبن، بل إن تحديه شجاعة حقيقية، والتمسك بالحياة فضيلة إنسانية واجبة ومشروعة.. ومهما حاولنا التهرب من الموت، أو التحايل عليه، أو تأجيله قدر المستطاع... من المستحيل النجاة منه..

ماذا لو أدركنا عقلا وشعورا بأن الموت لا يعني شيئا للميت.. هكذا بكل بساطة.. فالميت لا يشعر لا بالحزن، ولا بلوعة الفراق، ولا بالخوف، ولا بالألم.. فلأنه ميت لا يدري ما حلَّ به.. وكما أن الحياة لا تعني شيئا للميت.. فإنها لا تعني شيئا للحي قبل أن يولد.. فلو كنتَ من مواليد القرن الحالي، فإن كل أحداث القرن العشرين بأفراحها ومآسيها وكوارثها وشخوصها لا تعني لك شيئا حقيقا ومباشرا، إلا بقدر دراسة تجارب التاريخ.. وبعد رحيلك مباشرة كل ما سيحدث على كوكب الأرض لن يعني لك شيئا، ولن تعرف عنه أساساً.

قبل أن يُولد الإنسان لم يكُ شيئا مذكورا، وبعد أن يموت سيصير نسيا منسيا.. وفي كلتا الحالتين، فإن ما في الكون لا يعنيه بشيء، لأنه ببساطة ليس من مكوناته. كما قال "درويش": الموت لا يعنينا، نكون فلا يكون، يكون فلا نكون..  

الأهل والأحبة وحدهم من سيتجرع كأس الحزن والأسى وتكتوي قلوبهم بوحشة الوداع الأبدي، أما الميت فسوف يوغل في الغياب.. ولن يعود أبدًا.. ورثَتـُه ربما يفكرون فقط بتركته، سواء كانت ثروة سينعمون بها، أم ديْنا سيزيدهم فقراً، المشيعون ينتظرون انتهاء الجنازة بأسرع وقت ليستأنفوا أعمالهم.. الطبيعة تنتظر الميت لتقوم بفعلها في جسده وتكمل دورتها..

تعالوا نرى الموضوع من زاوية أخرى، لنفترض أنك وحدك في جزيرة معزولة وسط المحيط، ومن المستحيل الخروج منها، وبعد سنوات تأقلمت مع العيش فيها، ونسيت حياتك السابقة.. وفجأة سمعت خبرا بطريقة ما أن طائفتك تخوض صراعا مع طائفة أخرى.. على الأغلب ستنسى الخبر بعد دقائق، وستنشغل بصيد السمك..

لو أن الكوكب تعرض لكارثة كبرى قضت على جميع سكانه، ونجوت بأعجوبة وبقيت وحدك.. تمشي في شوارع مدينة مهجورة، جميع محلاتها مفتوحة: المولات، البنوك، الوزارات.. لن تفكر بجمع الأموال والكنوز.. ستفكر فقط بتكديس معلبات التونة وعبوات المياه.. وقد تنتحر..

ما الفرق بين شخص تناول عشاءه الأخير ثم خَلد للنوم ولم يستيقظ بعدها، أي أنه توفي بهدوء وسلام، دون أن يشعر بموته! وبين موتٍ عنيف يخطف حياة كل سكان الأرض في لحظة واحدة، نتيجة قصف نووي، أو بسبب ارتطام نيزك.. بحيث لا تتاح الفرصة لأحد أن يشعر بالألم؟! الإجابة فقط في بلاغة الإنشاء.

 حتى لو مات كل ساكني الكوكب، من بشر وحيوانات ونباتات، ستواصل الأرض دورتها التقليدية حول الشمس بكل برود أعصاب، وستواصل رحلتها الأبدية في الفضاء الفسيح. ولكن هذه المرة بدون ركاب.

مايو 10، 2026

غزة المنسية


مضى نحو ثمانية شهور على مبادرة ترامب لإنهاء الحرب وإعلان وقف إطلاق النار في غزة.. صحيح أن الحرب بصورتها العنيفة قد توقفت، إلا أنها استمرت بصور أخرى لا تقل عنفا.. منذ ذلك التاريخ قتل جيش الاحتلال نحو 750 فلسطينيا، معظمهم من المدنيين، وما زال يحتل نحو نصف القطاع، بل ويواصل جر الخط الأصفر غربا، ويقضم المزيد من الأراضي، ويقتل كل من يقترب من الخط..

لم يُفتح المعبر، ولم تبدأ عمليات إزالة الأنقاض، ولا إعادة الإعمار، والمساعدات الإغاثية تدخل بوتيرة شحيحة أقل بكثير من احتياجات السكان، ولم تدخل أي كرفانات، أو خيام جديدة لإيواء النازحين، وما زالت المدارس والجامعات مهدمة ومقفلة، وللسنة الثالثة على التوالي العملية التعليمية متوقفة، وأغلب المستشفيات جرى استهدافها، ولم يتم إعادة تأهيلها، وظلت تعاني من نقص في الأدوية والمعدات الطبية..

الصيف على الأبواب، والناس في أشد حالاتها بؤسا، بين البطالة والفقر والغلاء الفاحش وشح المواد، وقناصة الجنود المتربصين لأية حركة، وقد أضيف لهذا الواقع البائس عدوا جديدا في منتهى الشراسة: الفئران والقوارض والحشرات بكل أنواعها.. والتي وجدت بيئة خصبة للتكاثر بصورة متسارعة وخطيرة بين أكوام النفايات المتكدسة والمجاري المفتوحة ومستنقعات المياه العادمة المنتشرة في كل مكان، وملايين الأطنان من الردم والبيوت المتهدمة.. مع حرارة الصيف اللاهبة، وأجواء الرطوبة الخانقة، وجيوش الجراذين ودون أي حماية سيعيش أهلنا في القطاع فصلا جديدا من المعاناة..

سيعيشون صيفا حارقا وهم منسيون تماماً، فغزة لم تعد مادة جاذبة للأخبار، الناس تعبت من أخبارهم وقصصهم المكررة.. لا توجد اشتباكات "عنيفة"، ولا مثلثات حمراء، ولا استهدافات للدبابات.. لذا، من سيهتم بأخبار الفئران والبراغيث والناموس والذباب، وطوابير المراحيض، وجشع التجار.. مثل هذه المواضيع لا تعني أحدا، لا الجزيرة، ولا نشطاء التوكتوك، ولا ثوار مقاهي عمّان ورام الله، ولا المؤثرين وكتّاب المقالات الثورية جدا..

غزة اختفت حتى من بوستات الفيسبوك؛ لأن المتحمسون لها، الذين وُعدوا ووَعدونا بالنصر المؤزر تواروا تماما، وانشغلوا بعوالمهم الخاصة، ولم يعودوا يجدون ما يكتبون، بعد أن خيبتهم تحليلات الدويري، وضيوف "الجزيرة" المقيمين..

غزة مهمة فقط حين تُقتل بصخب ويسيل دمها بغزارة، وحين تُقصف وتدمر أحياءها.. وتغدو أكثر أهمية حين يطلِق مقاوماً قذيفةً على دبابة ويعد لها فيلما خاصاً تتناقله كل "جروبات الواتس أب".. أما وهي تٌقتل بصمت، وهي تئن، وتعاني وتتألم ينساها الجميع.. وإذا خرجت من صورة الضحية، وقدمت نفسها ك"ذات" مستقلة، وإذا ظهر أهلها بصورة بشر عاديون بضعفهم وانكساراتهم أو حتى بأفراحهم الصغيرة والمؤقتة.. سينكرها العالم، العالم الذي حصر غزة وسكانها في صورة نمطية واحدة تقدمهم مجرد أبطال، صامدين، لا يحق لهم أن يتألموا، وإذا تألموا عليهم الصبر والسكوت والعض على الجراح..

غزة الآن تتعرض لهجوم كاسح من القوارض والجرذان، وأسراب الحشرات الطائرة والزاحفة.. بكل ما تحمله من فيروسات وميكروبات، وما تنقله من أمراض وأوبئة.. وبما ينذر بعودة الطاعون، بعد أن اختفى من العالم لمئات السنين، ولم يتبقَّ منه سوى بيئات صغيرة ومحدودة في بعض أماكن العالم الأشد فقرا وقذارة.. وفوق ذلك، تمنع سلطات الاحتلال إدخال المبيدات والسموم لمكافحة تلك الآفات، لأنها تريد منها إكمال ما بدأته: الإبادة الجماعية، وتحويل القطاع إلى بيئة غير صالحة للعيش الآدمي، مكانا لا يقدم لسكانه سوى الجوع والحر والأوبئة، والموت..

عندما لا نعطي أية قيمة لحياة الناس، ولا قيمة للشعب، وننظر للجماهير كأضحيات وقرابين فقط، ونتركهم لمصيرهم يصل المجتمع إلى لحظة بالغة البؤس وحالة انكشاف كارثية؛ فتحتَ تأثير الدمار والخوف من الموت والتشرد والجوع والحرمان والإحساس بالمجهول والضعف وعدم قدرة أحد على مساعدة الآخرين، وغياب أي تشكيل مؤسساتي له دور قيادة موجه.. بدأت تظهر حالة تفكك في النسيج الاجتماعي وفي كافة الهياكل والبنى المجتمعية والهرمية والطبقات الاجتماعية، وبدأت تنهار القواسم والروابط الأخلاقية والنفسية الجامعة.. وصار كل شخص يبحث عن خلاصه الفردى بأنانية، وأحيانا بتوحش دون أي ضوابط اجتماعية تقليدية.. باختصار؛ حصل انهيار شامل لشروط الحياة، حيث اجتمعت قسوة الاحتلال مع خراب الداخل.

الوضع الحالي الذي تعيشه غزة، أفضل وضع أراده الاحتلال للقطاع، بل إنه أفضل مما حلم به، ومما خطط له: قطاع مدمّر ومنهك، السكان محصورون في نصفه الغربي تحت وطأة الجوع والحصار والآفات، يعيشون على المساعدات "الشحيحة"، ونصفه الشرقي تحت السيطرة العسكرية المباشرة وحدوده باتت مناطق عازلة. وتحت حجة تسليم سلاح حماس تمتنع إسرائيل عن تنفيذ أي بند من خطة ترامب، بل بوسعها تنفيذ اغتيالات وتوجيه ضربات متى شاءت، ولا أحد يسألها، ولا أحد يطلق عليها رصاصة.. لا إعادة إعمار، ولا مفاوضات، ولا أفق سياسي، ولا ضغوطات دولية.. وقد تحولت غزة من قضية وطنية وسياسية إلى ملف أمني إنساني، وهذا بالضبط ما يريده اليمين الإسرائيلي منذ عقود.

وهذا يعيدنا إلى سؤال الحرب الأساسي: هل كان هدف إسرائيل المعلن القضاء على حماس هدفا حقيقيا؟ أم أنها خدعت العالم كله بهذه المقولة، وأنها تحارب حماس، والإرهاب، وتدافع عن نفسها؟ يبدو الآن جليا من نتائج الحرب أنها صُممت بعناية لإبقاء حماس جريحة، لا ميتة، وأن تظل غزة مدمرة دون إعادة إعمار، والقضية الفلسطينية معلّقة بلا حل..

وهذا يعيدنا أايضا إلى سؤال المقال: هل كان تضامننا مع غزة حقيقيا ومؤثراً؟ ولماذا هي منسية الآن؟ في الإجابة لا نفتش في النوايا، بل نسأل عن أشكال هذا التضامن، ودوافعه، ومحدداته..  


مايو 01، 2026

حقيقة الإصلاحات المطلوبة من السلطة الوطنية الفلسطينية

 

تفرض كلٌ من الولايات المتحدة وإسرائيل حصارا ماليا وسياسا على السلطة الوطنية، وتجران معهما الاتحاد الأوروبي وبعض الدول العربية للمشاركة في هذا الحصار.. منذ سنوات عديدة دأبت إسرائيل على قرصنة أموال المقاصة (العائدات الضريبية الفلسطينية) والتي تشكل العامود الفقاري للاقتصاد الفلسطيني، ومنذ نحو سنة تصادرها كاملة، لدرجة أن السلطة باتت عاجزة عن تأمين أبسط الحاجات الأساسية، بما فيها دفع رواتب الموظفين.. كما توقفت الولايات المتحدة منذ سنوات عن دفع أية مبالغ أو مساعدات للسلطة، كذلك فعل الاتحاد الأوروبي، حتى أنه تخلف عن دفع مبالغ كانت مقررة سابقا، أما الدول العربية فهي متوقفة تماما عن تقديم أي مساعدات مالية للسلطة..

تطالب تلك الدول السلطة الوطنية إجراء سلسلة إصلاحات كشرط أساسي لاستئناف تقديم المساعدات، أو حتى للضغط على إسرائيل للتوقف عن قرصنة "المقاصة"، أو الإفراج عن الأموال الفلسطينية المحتجزة لديها. فما هي حقيقة تلك الإصلاحات؟

إعلاميا؛ تتمحور الإصلاحات المطلوبة من السلطة حول سلسلة من التغييرات الإدارية والسياسية والمالية، أبرزها الإصلاح المؤسسي والحوكمة، وتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد، وإعادة هيكلة الوزارات، وتعزيز استقلالية القضاء، وإصلاح النظام المالي لضبط الإنفاق، وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية وتوحيد قيادتها بما يضمن عدم تسييسها، والمطالبة بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية لتجديد الشرعية. وتعزيز الحريات السياسية وحماية الحقوق المدنية، وإصلاح التعليم والخدمات والصحة..

هذا ظاهرياً، لكن الحقيقة شيء مختلف؛ الإصلاحات بحسب المطلب الأميركي أن تتوقف السلطة الوطنية عن نشاطها الدبلوماسي في الساحة الدولية في كل ما يتعلق بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، ومطالبتها بالعضوية الكاملة في الأمم المتحدة، والتوقف عن الانضمام لكافة المنظمات والهيئات الدولية، وسحب مطالباتها أمام المحاكم الدولية لمقاضات إسرائيل على جرائمها..

الاتحاد الأوروبي يطالب السلطة بتغيير المناهج التعليمية التي تعتبرها أداة تحريض ضد إسرائيل، أي شطب كل جملة تتحدث عن حق العودة، أو النكبة، أو الأسرى، أو النضال التحرري، أو مقاومة الاحتلال.. ووقف ما تعتبره حملات التحريض في وسائل الإعلام، وتطالب بإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية وبلدية.. ومكافحة الفساد، ووقف هدر المال العام..

بعض الدول العربية تطالب بتعيين رئيس حكومة مقبول من طرفها ومن قِبل المجتمع الدولي، على أن يكون بصلاحيات كاملة تتجاوز صلاحيات الرئاسة، وأيضا تطالب بمكافحة الفساد، ووقف هدر المال العام..

وتشترك الأطراف الثلاث في مطلب وقف صرف مخصصات الأسرى والشهداء، معتبرة هذا الأمر دعما للإرهاب..

أما إسرائيل، فتطالب بكل ما سبق، لكن في حقيقة الأمر كل ما سبق لا يعنيها، إلا بقدر توظيفه سياسيا وإعلاميا كحجة وذريعة للضغط على السلطة لإجراء "الإصلاح" الأهم من وجهة نظرها؛ وهو تحويلها إلى مجرد وكيل أمني، وجهاز إداري يقدم بعض الخدمات المدنية، دون أي صفة سياسية.. بحيث توقف تماما حديثها عن حل الدولتين، وعن الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وعن حق تقرير المصير، وتنسحب من المحاكم الدولية..

تدرك إسرائيل استحالة (أو صعوبة) تنفيذ تهجير شامل للفلسطينيين، لكنها حولت أسلوبها من التهجير القسري المباشر وبالقوة، إلى أسلوب الضغوطات والمضايقات المستمرة وتحويل حياة الفلسطينيين إلى جحيم، لتصبح الهجرة الطوعية هي الخلاص.

لكن إسرائيل غير متفقة في موضوع مستقبل السلطة الوطنية، إذ ينقسم الطيف السياسي الإسرائيلي بشأن الدور المستقبلي للسلطة إلى ثلاثة تيارات: التيار الأول: الداعمين لحل الدولتين، ويشمل الأحزاب الإسرائيلية اليسارية، ومعها لوبي صهيوني أميركي "يساري"، لدى هذا التيار رؤية شاملة لإصلاح السلطة الفلسطينية، تقوم على الشراكة ولكن باشتراطات صهيونية، وهذا التيار ضعيف وغير مؤثر حاليا.

التيار الثاني: البراغماتيين، ويضم المؤسسة الأمنية واليمين المعتدل، ويرى هذا التيار أن بقاء السلطة الفلسطينية ضرورة استراتيجية، للحفاظ على الاستقرار الأمني في الأراضي الفلسطينية، ويتعامل معها كأداة وظيفية تُعفي إسرائيل من عبء الإدارة المباشرة للفلسطينيين. ويدعو إلى إصلاح إداري وأمني دون أي تنازل سياسي إسرائيلي.

التيار الثالث: اليمين المتطرف (بقيادة نتنياهو وسموتريتش وبن غفير) ويرفض تمامًا فكرة إحياء السلطة الفلسطينية أو تعزيز دورها، ويعتبرها تهديدًا وجوديًا لمشروع "إسرائيل الكبرى". ينطلق من عقيدة قومية- دينية ترفض أي شكل من أشكال الكيانية الوطنية الفلسطينية بين النهر والبحر. لذلك يعمل على تفكيك السلطة أو إضعافها إلى أقصى حد، وتحويلها إلى إدارة مدنية محدودة الصلاحيات وغير قادرة على التعبير عن أي مشروع وطني.

هذا التيار يستهدف الشعب الفلسطيني كله؛ وجوده ومستقبله، لذا فإن سياساته لا تستهدف السلطة وحسب؛ فمثلا تجميد أموال المقاصة، ومنع دخول العمال الفلسطينيين إلى سوق العمل الإسرائيلية، وتسريع الاستيطان وشرعنة البؤر العشوائية، ودعم إرهاب المستوطنين.. يضر بكل المجتمع الفلسطيني..

لا يريد هذا التيار إسقاط السلطة وإنهائها تماما، لأسباب سياسية (خارجية وداخلية) لا مجال لشرحها هنا، ولعدم توفر البديل، أو أن البدائل التي تشتغل عليها إسرائيل منذ عقود غير جاهزة وغير ناضجة، وغير مقبولة إقليميا ودوليا.. ويخشى هذا التيار أن يؤدي إقصاء السلطة إلى خلق بيئة من الفوضى وانعدام الأمن تهدد أمن إسرائيل واستقرارها وصورتها أمام العالم.. لكنه يسعى إلى تقويض وإضعاف السلطة، أو، في الحد الأدنى، تحويلها إلى جهاز إداري فاقد للفعالية والشرعية.  

إذن، "الإصلاحات"، "كلمة باطل لا يُراد بها حق".. فالمجتمع الدولي لم يتحول فجأة إلى واحة ديمقراطية ونزاهة وشفافية بحيث لم يعد يحتمل وجود سلطة لا تنسجم مع هذه البيئة المثالية.. الحقيقة أن اليمين الإسرائيلي واللوبي الصهيوني هما المحرض الرئيسي لدفع أميركا وأوروبا والدول المانحة لتبني اشتراطات "الإصلاحات"، والمشاركة في حصار السلطة والشعب الفلسطيني..

بالنسبة للمناهج التعليمية، هل الهدف معالجة التحريض وتهيئة جيل مؤمن بالسلام؟ أم هي وسيلة لسلخ الأجيال القادمة عن وطنها وعن ذاكرتها وتراثها وتطلعاتها التحررية؟ هل نظر أحد إلى المناهج الإسرائيلية؟ وإلى الخطاب الإعلامي الإسرائيلي الرسمي؟ بكل ما تتضمنه من خطاب كراهية وتحريض وعنصرية إسرائيلية تجاه الفلسطينيين.. فلماذا الكيل بمكيالين؟ والتعامي عن الممارسات الإسرائيلية التي شملت الإبادة الجماعية وكافة أشكال جرائم الحرب!

هل موضوع الفساد والإصلاح المالي حقيقي؟ أم هي وسيلة لتشويه السلطة وعزلها والتشكيك بشرعيتها؟ وأداة للضغط عليها لدفعها لتقديم تنازلات سياسية جوهرية..

هل دفع مخصصات لعوائل الأسرى والشهداء دعماً للإرهاب؟ أم هي وسيلة لإدانة الكفاح الفلسطيني بصفة عامة، ووسمه بالإرهاب؟