أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

أبريل 22، 2026

ألغام على طريق المؤتمر الثامن لحركة فتح

 

ينعقد المؤتمر الثامن لحركة فتح في ظروف بالغة الخطورة وشديدة التعقيد،  حيث تمر فلسطين والإقليم والعالم بأسره في مرحلة انتقالية تاريخية بين عالم قديم يتداعى فيه كل شيء تقريبا: القيم والمفاهيم والخرائط الجيوسياسية وموازين القوى، وآخر يتشكل في ظل الحروب، دون أن تتّضح ملامحه بعد، فيما تراوح مكانة القضية الفلسطينية في سلّم الأولويات الدولية بين مد وجزر، وتقف السلطة الوطنية على شفير الهاوية.

لذا، لن يكون هذا المؤتمر مجرد استحقاق تنظيمي، بل سيشكل نقطة مفصلية في تاريخ الحركة الوطنية سيتحدد على ضوئها مستقبل القضية الفلسطينية.. ذلك لأنّ "فتح" تشكل العمود الفقري للحركة الوطنية الفلسطينية، ولأنها في الوقت نفسه، أحد مصادر أزمتها.. وكلما كانت فتح قوية وحيوية كانت القضية الفلسطينية بخير.. وكلما أصابها الوهن وتراجعت، تراجعت معها القضية..

سيواجه المؤتمر الثامن تحديات خطيرة جدا، لدرجة أن البعض اعتبر أن انعقاد المؤتمر في ظل هذه الظروف خطيئة، وقد يعرضها لخطر لكارثة كبرى، أو للانشطار والتشظي، أو الاندثار.. لكن المسؤولية الوطنية التي طالما تفاخرت فتح بتحملها تقتضي منها المواجهة، وحسم الخيارات، وعدم التهرب..

سيكون أمام المؤتمر العديد من القضايا الحساسة والخطيرة، والتي تحتاج موقفا واضحا، على أن تأتي الإجابات محصلة نقاش مسؤول وناضج، وليست نتيجة إملاءات من قبل القيادة المتنفذة.

القضية الأولى: مستقبل التسوية السياسية، مع انسداد الأفق السياسي، وهيمنة اليمين الصهيوني وتصعيد مشروعه الاستيطاني التوسعي، الرافض لأي تسوية، والمناهض لفكرة الدولة الفلسطينية، بل الساعي بخطى حثيثة لتصفية القضية الفلسطينية دون حلها، ووضع الشعب الفلسطيني أمام خيارين: إما البقاء كعمّال ومستخدمين ومواطني درجة ثالثة دون أية حقوق سياسية، أو المغادرة والهجرة.. ومن يرفض الخيارين سيلاقي القمع والاضطهاد والسجون والاغتيالات.. وما يزيد من تعقيد المشهد الانحياز السافر للإدارة الأميركية، والذي تجاوز محددات السياسية الخارجية الأميركية التقليدية.. وتراجع مكانة القضية الفلسطينية في الأجندة الدولية خاصة مع اشتعال العديد من الحروب في الإقليم والعالم..

السؤال السياسي يرتبط تلقائيا بقضية أخرى بالغة الأهمية؛ وهي إعادة تعريف المشروع الوطني، والذي على ضوئه ستتم صياغة البرنامج السياسي والكفاحي للحركة، وتحديد الخيارات المتاحة واللازمة.. وهذا يحتاج بالضرورة تحديد موقف واضح من المقاومة: هل المطلوب مقاومة مسلحة؟ وبأية أدوات؟ أم مقاومة شعبية سلمية؟ وكيف نعيد ثقة الشارع بهذا الخيار؟ وكيف نستنهضه من جديد؟ مع تقديم كشف حساب بما تم إنجازه في المرحلة السابقة في سياق الكفاح الدبلوماسي والقانوني والإعلامي وعلى الساحة الدولية، وكيف أُديرت كل تلك العملية، خاصة تجاه حرب الإبادة التي تعرض لها أهلنا في غزة، وماذا قدمت الحركة لهم..

القضية الأُخرى التي ربما تفجر المؤتمر، هي الموقف من حماس: والإجابة على أسئلة من نوع: لماذا أخفقت فتح (وحماس) في إنهاء الانقسام؟ والتوصل إلى حد مقبول من تحقيق شكل ما من الوحدة الوطنية؟ وهل المطلوب استيعاب حماس، وإعادتها للحاضنة الوطنية؟ أم تركها لمصيرها وتحمُّل مسؤولية سياساتها وخياراتها منذ الانقلاب وحتى اللحظة الراهنة؟ خطورة مثل هذه الأسئلة وجود مجموعة أو تيار من "المركزية" و"الثوري" مؤيدون لخيارات حماس وعلى رأسها هجمات 7 أكتوبر، وامتناعهم عن توجيه أي لوم أو نقد لحماس، حتى مع إصرارها على التفرد في تقرير مصير ومستقبل غزة! في مقابل موقف الشارع الغزي، والموقف الوطني عامة الذي يرى أن حماس جلبت الانقسام، وأصرت عليه، وما زالت تسير في الاتجاه المعاكس لمصلحة القضية والوطن، وأنها تسببت بنكبة جديدة أشد وأقسى من نكبة ال48.

بالمثل، ولكن بدرجة أقل تحديد موقف واضح وصريح من دحلان، وما يسمى التيار الإصلاحي، وكيفية إعادة الاعتبار لقطاع واسع وعريض من المستنكفين والمهمشين من أبناء الحركة.

من أبرز القضايا الخطيرة التي يتوجب طرحها، موضوع الأسرى والشهداء، من ناحية إيقاف رواتبهم، ومخصصات أهاليهم، تحت ضغوضات وتهديدات إسرائيلية وأميركية وأوروبية بل وعربية.. وفي السياق ذاته قضية تغيير المناهج، ووقف ما يُسمى التحريض الإعلامي، والاستجابة للضغوطات الدولية المفروضة على السلطة تحت مسمى "إصلاحات".

وأيضا طرح ملفات الفساد: المحسوبيات، وتعيين السفراء واحتكار المناصب العليا في السلطة وتوريث الوظائف، ومحاسبة من سرق المال العام، وكيفية إدارة الهيئات والمؤسسات والمشاريع، ولماذا تعطلت الانتخابات كل هذه السنين، سواء الانتخابات الحركية في الأقاليم، أم انتخابات الاتحادات والنقابات والانتخابات البلدية والتشريعية والرئاسية.. وهذا الملف يرتبط عضويا بملف المراجعات العامة، الذي يجري التهرب منه بأساليب ملتوية سنة بعد أخرى.. أي إجراء مراجعة نقدية شاملة لتاريخ الحركة الوطنية من ناحية سياسية وتنظيمية وإدارية، بل وحتى مراجعة الشعارات والمفاهيم والمصطلحات التي سادة طوال العقود الماضية..

المراجعة النقدية تتطلب بالضرورة مراجعة وتقييم أداء اللجنة المركزية والمجلس الثوري وقادة الأقاليم في كل ما يخص القررات والمخططات التي اعتمدها المؤتمر السابع.. ما هي المنجزات، والإخفاقات؟

حساسية الموقف وخطورته تكمن في وجود تيارات وتوجهات متباينة ومتعددة وأحيانا متناقضة بين أعضاء المؤتمر.. وهذا سيسخّن النقاش.. صحيح أن تلك سمة "فتح" الأزلية، وطالما استفادت منها في تصليب موقف الحركة واستيعاب كل تلك التناقضات وصهرها في بوتقة الحركة.. لكن خطورة الملفات المطروحة تتطلب مرونة وتفهم ونقاش موضوعي من الجميع، وإلا تحول المؤتمر حقا إلى كارثة.

الإجابة على تلك الأسئلة وغيرها وتحديد موقف واضح مسألة في غاية الأهمية حتى لا يتحوّل المؤتمر (كما حصل في مؤتمرات سابقة) إلى كرنفال انتخابات ومناسبة لتوزيع المناصب والمكاسب.. أي لنجعل منه محطّةً للتقييم والمراجعات وتجديد الدماء والطاقات، وبالتالي إنقاذ الحركة واستنهاضها من جديد.

أبريل 20، 2026

على عمر الستين

 

يوم أمس وفي طريقي إلى العمل لتوقيع أوراق التقاعد، وقد بلغت الستين عاما، انتابتني مشاعر متضاربة وأنا أتأمل الشوارع والأرصفة، مع صوت فيروز سرحت في خيالات بعيدة، وغصتُ في أعماق الذاكرة مسترجعاً ومستشعراً عبق البدايات بكل صخبها وعنفوانها، لأقارنها مع النهايات بحساباتها الباردة والقاسية.

تذكرتُ يوم عودتي إلى الوطن مع أفواج العائدين قبل ثلاثين عاما.. قبل ذلك في المنفى، كانت قد تكونت في أذهاننا صورة متخيلة للوطن، صورة مثالية، بأبهى ألوانها وأفخم معانيها.. صورة صنعتها الأشواق وشكّلها الحنين وصاغتها أغاني العاصفة.. كنتُ أظن أنه بمجرد أن تطأ قدمي أرض الوطن، سأقبّل تربته.. لكن ذلك لم يحصل؛ فما أن أنهيتُ معاملات دخول الجسر، ونزلتُ من الحافلة.. نظرتُ للأرض؛ فوجدتها ساحة معبدة بالإسفلت، مثل أي شارع آخر، وفوق ذلك كانت قد تعرضت لساعات من لهيب الشمس.. فعدلت عن الفكرة.. وانشغلت بفكرة أين سأبيت هذه الليلة؟

كانت مئات العائلات قد أتت إلى أريحا لاستقبال أقاربهم العائدين، يعانقونهم بحرارة ثم يستقلون سياراتهم ويمضون في طريقهم إلى بيوتهم بكل شوق.. ولما فرغت الساحة من العائدين والمستقبلين، وبقيت وحيدا، جائتني عائلة من جبع جنين وسألتني إلى أين ستذهب؟ فقلت لهم لي صديق في طوباس سيسعد بزيارتي في هذه الساعة المتأخرة من الليل، فحملوني معهم مشكورين إلى بيت صديقي معاوية، ومن هناك بدأت مرحلة جديدة..

في البدء لم يكن لدي بيتٌ يُؤويني، وجيوبي خاوية تمامًا، وكنت أبيت في المعسكر وبيوت الأصدقاء معاوية وأنيس، أنتظر بلهفة عودة زوجتي، وأمضي الوقت وأنا أكتشف الأشياء والأماكن وأقرأ وجوه الناس، لم أكن أعرف ماذا أريد بالضبط، هل سأبقى ضابطًا في الأمن الوطني، أم سأعمل مهندسًا زراعيًّا، أم موظفًا في إحدى الوزارات؟ وأين سنسكن وكيف سنعيش؟

هذه الأسئلة، جميعها، كانت تتقزم أمام حقيقتين في غاية الروعة والجمال: أنّني مع حبيبتي خلود على أرض الوطن، وأنّنا معًا بكامل حريتنا الشخصية، سنعيش الواقع بتفاصيله، وسنبني حلمًا سقفه السماء، وسنعيد ترتيب الكون كما تشتهي قلوبنا، ولكن على مهل.. وهذا ما كان.

مع مرور الوقت تأكدت أنني لن أقابل شيئا ما، أو كائنا حيا اسمه الوطن.. صرت أكتشف أن هذا الوطن يشبه كل البلدان؛ فيه محلات تجارية فاخرة، وأخرى متواضعة، وأرصفة نظيفة، وأخرى محفّـرة، وسيارات مرسيدس وهونداي، وحقول بامية وحدائق، ومعامل طوب.. وهذا الوطن ليس كله خَضارٌ مدهش، كما هو في الصور، فيه مناطق جرداء، ومزابل، ومطبات.. ناسه مثل سائر البشر، فيهم الطيبون والأشرار.. الشمس ساعة الغروب تشبه الشمس في كل البلاد التي زرتها؛ تراها وتحس بجمالها حسب حالتك النفسية..

مع ذلك، كنتُ مفعما بالأمل، ومتحمساً، ولدي طاقة مدهشة، وأحلام مجنونة.. حلمتُ بوطن حر، مهما صغرت مساحته، وطن جميل، له عَلم وحيد.. هواؤه نقي، لا تلوثه قنابل الغاز، نمشي في شوارعه دون خوف، نبتسم بوجه الشرطي الذي لا تتعدى مسؤولياته تنظيم حركة المرور.. وطنٌ لا يلقي أحد نفاياته من شباك سيارته.. فيه كل الطوائف، ولكن لا أحد يفكر بالطائفية.. تُحترم فيه الأديان، ولكن دون وجود لرجال الدين.. فيه عشرات الأحزاب التي لا يغلّب فيها حزبٌ مصالحه على مصالح البلد.. والعشائر ليست أكثر من مجرد نسب، أو لقب.. المدارس بلا منهاج رتيب، حيث بوسع المدرّس أن يلقي النكات على تلاميذه، والتلاميذ يركضون بصخب في ساحات المدرسة.. والجامعات لا تخرج إلا من يبتدع بحثا مبتكرا.. والتأمين الصحي متاح للجميع.. والطبيب لا يعتقد أنه أذكى من المرضى.. والمدير يعد قهوته بنفسه، والوزير يمشي بلا مرافقين، والرئيس بلا موكب.. والوظائف بلا واسطات.. والتلفزيون لا يمتدح الحكومة.. ولا أحد يتحرش بالفتيات.. والانتخابات تجري بمواقيت لا تخضع لمزاج أحد.. الموظف لا يضطر لمجاملة مديره.. والمزارع لا يخشى انحباس المطر.. وعامل النظافة يلقى احترام الجميع.. الضريبة الوحيدة على المواطن أن يزرع شجرة..

وطنٌ يتأهل ولو مرة واحد لنهائيات كأس العالم.. ويفوز بميدالية ذهبية في الأولمبياد.. وطن بلا هراوات، ولا محسوبيات.. وطنٌ، بإمكان أي أحد أن يشتمه، أو يحبه.. وأن يرقص في شوارعه ولا أحد يزدريه..

مع كل الخيبات، والإخفاقات، ومع هذا الواقع البائس؛ ما زلت أحلم بهذا الوطن.. ولا أخطط لمغادرته..

بهذا اليوم، أُنهي خدمة دامت 35 سنة، خمسُ سنوات على كادر منظمة التحرير، ثم ضابطا في الأمن الوطني، ثم موظفا في السلطة الوطنية.. كان لي شرف المساهمة في وضع اللبنات الأولى منذ الحكومة الأولى، حين أسسنا مع الراحل الكبير أبو علي شاهين ومجموعة من الزملاء والزميلات وزارة التموين، التي ستندمج لاحقا مع وزارتي الصناعة والتجارة لتصبح وزارة الاقتصاد الوطني، ملتحقا بالإدارة العامة لحماية المستهلك..

أسسنا بهمّة زميلات وزملاء أفاضل مختبرا متخصصا بفحص الأغذية والمشروبات والمواد الاستهلاكية، وشاركنا بصياغة العديد من القرارات والقوانين وأنظمة الجودة والنشرات الإرشادية والمذكرات التفسيرية وغيرها مما يلزم لوضع أسس بنية تحتية إدارية تواكب أحدث الأنظمة.. ولا أزعم أننا حققنا كل شيء، فقد ارتكبنا الكثير من الأخطاء، ووقعنا في عثرات لا تُحصى.

كانت رحلة مهنية أعتز بكل تفاصيلها، واجهنا فيها تحديات جسيمة، منها ما نجحنا في تخطيها، ومنها ما أخفقنا أمامها.. ضمن بيئة عمل غنية بالكفاءات، تعلمت من زملائي الكثير، وتشاركنا معاً أجمل الذكريات.

أغادر موقعي الوظيفي، في مرحلة بالغة الصعوبة والتعقيد؛ حيث يعيش أهلنا في غزة مأساة رهيبة بكل تفاصيلها، وفي الضفة الغربية يتواصل إرهاب المستوطنين، ويشتد الحصار على السلطة حتى يكاد يخنقها، والموظفون منذ أكثر من أربع سنوات يتقاضون أشباه رواتب، تُقضم رواتبهم شيئاً فشيئاً حتى بلغت الربع..

خلال تلك السنوات تغير العالم جذريا مرات عديدة، وكل شيء انقلب رأساً على عقب، والحروب أفسدت حياتنا.. نتنياهو يعربد، وترامب يتوعد، ومضيق هرمز مغلق.. مع كل ذلك ما زلنا صامدين فوق أرضنا..

أغادر الوظيفة الرسمية بالعودة الأجمل والأهم: للبيت والعائلة، معاً سنبني عالمنا الخاص، وسنفتح كل المضائق والآفاق.. بالحب والأمل سننهي كل المراحل السابقة، وسنبدأ بأُخرى جديدة..

أبريل 10، 2026

جورج أورويل يظهر من جديد

 

تضمن منهاج التوجيهي لمادة اللغة الإنجليزية فصلا عن الرواية الشهيرة "مزرعة الحيوان" للأديب الإنجليزي جورج أورويل، ولا غرابة في ذلك، فقد أرادت وزارة التربية توجيهها لمهاجمة ونقد الاتحاد السوفييتي، والقول بأن الثورات الشيوعية والاشتراكية تنتهي بتآكلها من الداخل، ويلتهمها أصحابها.. وفي هذا جانب كبير من الصحة، فجورج أوريل أقر بأن روايته تنقد التجربة السوفييتية، لكن ما غاب عن المنهاج أن كل الثورات الشعبية على الظلم انتهت كذلك، وتحولت إلى نظم ديكتاتورية..

سأعيدكم إلى أجواء الرواية، تمهيدا لعقد مقاربة مع واقعنا الحالي، لنرى كيف استنسخت النظم والثورات العربية والعالمية نموذج مزرعة الحيوان، وطبقته حرفيا.. بدءأ من الاتحاد السوفييتي وإيران، مرورا بكل النظم العربية، وآخرها نظام "الجولاني"، وانتهاء بالأحزاب السياسية التي ادعت المعارضة، والميليشات المسلحة التي ادعت المقاومة..

كتب أورويل "مزرعة الحيوانات" سنة 1945، وروايته الثانية 1984 سنة 1949، والروايتان تستشرفان المستقبل، وتكشفان بتنبؤ واضح أنماطا من الحكم الشمولي تقوم على توظيف التكنولوجيا والتضليل الإعلامي للتسلط على الشعوب، كما لو أن الكاتب زار المستقبل واطلع عليه.

تُظهر رواية "1984" كيف يقوم النظام الاستبدادي (Big brother) بتزييف الواقع، وتغيير المعاني، وإرساء قواعد الخوف السياسي، وتحويل اللغة إلى أداة للاستلاب والسيطرة، واستخدام القهر والتنكيل لاستعباد الفرد من داخله، وتدجينه، ومصادرة إنسانيته وتفكيره وجعله جزءاً من القطيع.

أما "مزرعة الحيوان" فتكشف الوجه الحقيقي للإستبداد المختبئ خلف شعارات الثورة، وتبين كيف تتحول الثورة إلى وحش إستبدادي تلتهم نفسها ومبادئها وشعاراتها، وكيف تعيد إنتاج القهر والاستبداد بأقنعة جديدة. مع إنها وُلدت من رحم الشعب وحملت حلم التحرر والمساواة!

تدور أحداث الرواية حول مزرعة يملكها إنسان فاسد ومستبد يضهد الحيوانات (القيصر)، فيقوم الخنزير العجوز ميجر (لينين) بإلقاء خطبة تبث الأمل بين الحيوانات بأن الثورة ستخلصهم من الظلم، وستحقق لهم حلم المساواة والعدالة.. وبعد وفاته تقوم الثورة وتنجح في طرد مالك المزرعة والاستيلاء عليها، ويتولى قيادتها ثلاثة خنازير.

يتهم الخنزير نابليون (ستالين) شريكه الخنزير سنوبول (تروتسكي) بأنه متآمر فيفر من المزرعة خوفا على حياته. ثم يستخدم الكلاب للتخلص من بقية المعارضين، وينصّب نفسه حاكما مطلقا، ويؤسس نظاما ديكتاتوريا فاسدا، فيستحوذ على أرباح المزرعة، تاركا بقية الحيوانات تعاني الجوع والحياة الشاقة.

يقوم نابليون بدعوة أصحاب المزارع المجاورة (العالم الخارجي المعادي) على مأدبة لعقد اتفاق تجاري. وفي هذه الأثناء كانت الحيوانات تراقب الاجتماع من الشبابيك، دون أن تستطيع التمييز بين من هو الخنزير ومن هو الإنسان.

بالتعرف على بقية شخصيات الرواية، سنجد الخنزير الأصغر "سكويلر" يمثل الإعلام ودوره في الكذب وتبرير القمع وتجميل الواقع وتزويره وإعاد تعريف المصطلحات.. الغراب "موسى" هو المؤسسة الدينية التي تؤدي دوراً رئيسا في تثبيت الإستبداد، عن طريق تأثيرها الروحي والفكري والديني، واستغلال حاجة الناس للأمل، وحديثها الدائم عن الجنة الموعودة، لتُنسي الحيوانات الكادحة واقع بؤسها وحياتها الحاضرة القاسية، وتخدر وعيها بالأوهام فيقبلوا الإستبداد مقابل وعد بالخلاص.

الكلاب هي أجهزة القمع، تمارس دورها دون اعتراض للتخلص من المعارضة.. الأغنام، هي قطيع الجمهور الذي يمارس دوره في الهتاف والتصفيق، ورفض أي صوت ناقد أو متعقل.. الحصان بوكسر يمثل القوى العاملة، التي تكدّ بشرف وإخلاص وتثق بالقيادة ثقة مطلقة.. الحمار بنجامين، الصامت دوما، يمثل السكوت عن الظلم، والسلبية، واليأس من إمكانية التغيير.

بمقاربة أحداث الروايتين وشخصياتهما على واقعنا المعاصر، سنجد تطابقا مدهشا، ولأن المقال لا يتسع لذكر كل حالة بالتفصيل، بوسعك التخيل وعقد المقارنات.. ضع مكان "نابليون" أي زعيم معروف، وبدلا من "سكويلر" أي ناطق إعلامي أو محلل سياسي في "الجزيرة"، وبدلا من المزرعة ضع أي نظام من العالم الثالث..

بعد أن كانت الثورة تستمد شرعيتها من مقولاتها وشعاراتها ووعودها صارت تستمدها من السماء، فتحولت إلى شرعية إلهية مطلقة (الحركات الدينية)، ثم تحولت إلى سلطة ثيوقراطية، وأصبحت الطاعة ملزمة، والمخالف كافر، والنقد فتنة.. أو تستمدها من شعاراتها التي ستفسرها وفقا لمصالحها وتوجهاتها الجديدة (الثورات الوطنية). ومع مرور الوقت واصطدامها بالواقع وبعد سلسلة إخفاقات وهزائم ستبدأ بترديد مقولات النصر الإلهي الموعود، وضرورة الصبر والتضحية، والشهادة. أو بترديد الشعارات القومية القديمة..

في الواقع كل سلطة وفي خضم الثورة كانت تجّهز بصمت آلة القمع والدعاية، حيث ستبرر فشلها وهزائمها بالحديث عن العدو الخارجي (الغرب الصليبي، أو المؤامرة الكونية)، والعدو الداخلي (المرجفين والمنافقين) أو (الثورة المضادة، وأعداء الوطن)، وستستخدمان الخطر الخارجي ذريعة لإسكات كل صوت معارض أو منتقد، أو محتج.

ستحتكر السلطة السلاح والأمن فتتحول مباشرة إلى الاستبداد والقمع، ثم ستبدأ باحتكار تأويل الشعارات والمصطلحات من خلال لعبة إعادة تفسيرها: نحن وحدنا من يمتلك الحقيقة، نحن من نمثل السماء، نحن الشرعية الثورية.. تلك الشرعية ستتحول إلى أبدية وكانها شيك على بياض، وهنا سيتداخل الدين مع السلطة مع السياسة مع الامتيازات بما يشكل مزيجا معقدا وصلبا يصعب اختراقه.

يبدأ الإعلام بشيطنة القائد الذي أطيح به وكأنّ المشكلة كانت محصورة بشخصه وليس في بنية النظام، ثم التخويف من العودة للنظام القديم، وعدم وجود بديل، وهكذا تبدأ عمليات التخدير والتأقلم والتدجين مع الواقع الجديد..

وبعد أن شعر الجميع بنشوة الانتصار، وتعلقوا بالأمل، سيُصدمون بالواقع، وأنَّ لا شيء تحسّن، وكل الوعود جرى التراجع عنها، فيخفت الأمل تدريجيا حتى يُصاب الناس بالتبلد واليأس، ويبدأ المجتمع بالتفكك.. وتنتشر مظاهر الطوابير الممتدة، وأحزمة البؤس، وتحول الناس إلى كتّيبة تقارير ومندوبين بتجسسون على بعضهم البعض في مجتمع تملؤه الريبة والانتهازية..

وهنا تزدهر لعبة الإعلام؛ فتحت وطأة هذا الواقع المرير سيكون المجتمع جاهزا لتصديق أي شعار يخفف وطأة الألم عنه، ويمنحه بعض العزاء أو خيطا من الرجاء (الغامض).. باختصار سنكون أمام وجه جديد للاستبداد، بشعارات مختلفة..

بالعودة للرواية، أراد أورويل أن يثبت لنا أن الإستبداد لم يكن قوة خارجية، بقدر ما هو بذرة كامنة في كل نظام، أو في بنية المجتمع نفسه، أو هو صفة كامنة في النفس البشرية.. وهذه البذرة تنمو وتلك الصفة تتحول إلى سلوك عادي من خلال تغييب الوعي والتلاعب بالأفكار والمسميات.

الزعيم الذي بدأ مناضلاً مخلصا لشعارات الثورة لم يأتِ من الخارج، بل من نواة الثورة نفسها، ثم تسلل الإستبداد إلى عقله أمام إغراء السلطة والقوة والامتيازات، ثم إلى محيطه والطبقة الحاكمة، ثم إلى الجماهير عبر الأفكار المشوهة، والتضليل والخوف.

الاستبداد لا يحتاج إلى جيوش وأجهزة أمنية، بل فقط إلى رواية جميلة، ومتحدث بارع يفرغ اللغة والأفكار من معانيها، ويحولها إلى أداة قهر ومخدرات لتبرير الفشل. فشعار "كل الحيوانات متساوية" عُدّل بخفة، ليصبح: "لكن بعض الحيوانات أكثر مساواة من غيرها".. تلك الإضافة الطفيفة تختصر إنحراف الثورة، حين تتحول المبادئ إلى شعارات تبرر الفشل وتجمّل الظلم.

كل ثورة لا تقدر قيمة الإنسان تتحول إلى وحش. وكل ثورة تفقد النقد والمساءلة تتحول إلى نقيض مشوه لكل ما نادت به، فالخطر لا يجسده الطاغية بشخصه، بل يجسده غياب المؤسسات، والقطيع الذي يتنازل عن حريته مقابل الأمان، وكل شخص يتنازل عن حقه في التفكير التعبير والاختلاف.

 

أبريل 08، 2026

هل انتهت الحرب على إيران؟ تقدير موقف

 مع إعلان ترامب قبول النقاط العشر التي قدمتها إيران كأساس معقول للتفاوض، يمكن القول أن الحرب إما أنها انتهت فعليا، أو في طريقها لذلك.. مع بقاء احتمال تجددها واردا، وإن بنسبة ضئيلة.. المهم أن المواطن، كعادته في الاستسهال، يريد إجابة واحدة مختصرة: من المنتصر؟ ومن المهزوم؟ إجابة وحيدة قاطعة تختزل كل شيء.. طبعا سيتقدم الكثيرون بتقديم مثل هكذا إجابة، كلٌ بحسب انحيازه المعرفي ومواقفه المسبقة.. لكنها من وجهة نظري ستكون إجابات مبتسرة، وسطحية، على شكل معلبات فكرية وشعارات وعبارات جاهزة.. لأن المسألة أعقد مما تبدو بكثير.. وتحتاج تفكيرا موضوعيا وتحليلا يعتمد النسبية والواقعية.

عملياً، وبلغة الأرقام وبحسب الوقائع إيران خسرت الكثير: معظم قياداتها التاريخية، إن لم يكن كلهم، خسرت الكثير من قدراتها العسكرية، ومن بنيتها التحتية، وتفاقمت أزماتها الاقتصادية، وخسرت جيرانها العرب، حتى جمهورها المؤيد لها انقسم إلى نصفين، والأهم خسرت آلاف الأرواح..

كما أنها أُجبرت على التفريط بأحد أهم عناصر قوتها "مضيق هرمز" ووافقت على فتحه، وتراجعت عن شروط سابقة مثل رفضها وقف إطلاق النار دون ضمانات تنهي الحرب كلياً، ومن شبه المؤكد أن نقاطها العشر لن يتم الموافقة عليها بحسب ما تريد، وستخضع منشآتها النووية للرقابة، وقد تتخلى عن حلفائها وأذرعها..

ولأن سماءها استبيحت، وقُصفت في عقر دارها، صارت كرامتها وصورتها الرمزية في أعين مواطنيها موضع تساؤل وشك.. المعارضة الداخلية التي انتفضت ضد النظام مرات عديدة وقُمعت بشدة وقسوة صارت أقوى، على الأقل صار سؤالها الأهم الموجه للنظام: ما جدوى كل ذلك؟ صار أكثر إلحاحاً.. وصار بوسعها استقطاب المزيد، حتى من الكتلة البشرية المحسوبة دوما على النظام.. صحيح أن المعارضة والجماهير تجندتا إلى جانب النظام أثناء العدوان، وهذا سلوك وطني، لكنها بعد انقشاع غبار المعارك ربما تنهض من جديد، وبقوة، وربما يشتد الصراع بين التيار الإصلاحي والحرس الثوري.. المهم أن إيران بعد الحرب لن تعود كما كانت قبلها، ولن تظل علاقاتها بأذرعها كما كانت.. وهذا التغيير سيكون إيذانا بسلسة تغيرات جوهرية ستطال سائر الإقليم.

لكن إيران في المقابل صمدت، وتماسكت، وبقي نظامها قائما (البعض يقول تجدد، وآخرون يقولون تصدع)، وستحقق مطالب ومكتسبات جديدة، مثل التعويضات، ورفع العقوبات وغيرها مما ورد في نقاطها العشر.. وهذا بالنسبة للنظام كافيا للاحتفال بالنصر..

في حال وافقت أميركا على شروط إيران ستعود قوة إقليمية جديدة في المنطقة وربما بقيود أقل، وهذه ضربة قوية للهيمنة الأميركية (أو هزيمة بحسب التعبير الشائع والمستحب)، تُضاف إلى إخفاقاتها في فيتنام وأفغانستان والصومال..

لن نسأل ماذا حققت إيران من هذه الحرب، لأنها ليست من بدأ الحرب.. هذا السؤال يوجه إلى من بدأها: أميركا وإسرائيل.. أميركا التي دخلت الحرب بهدف إسقاط النظام بناء على توهمات الضربة الأولى، فشلت في ذلك، ثم صار هدفها تدمير المشروع النووي، ثم مصادرة اليورانيوم المخصب، ثم تدمير القدرات الصاروخية.. وفشلت في كل ذلك أيضاً، ليصبح هدفها المركزي فتح مضيق هرمز (الذي كان مفتوحا قبل الحرب)، وهذا سلوك مألوف في الحروب، حيث تتغير أهداف الأطراف تبعاً لتغيرات معطيات الميدان، ما يعني أن إيران أجبرت أميركا على تغيير أهدافها وأولوياتها، حيث عمدت إلى أمرين: إغلاق المضيق مما رفع أسعار النفط في العالم وعطّل شريان التجارة الدولية، والثاني استهداف دول الخليج، وبالتالي عوضت ضعف قوتها العسكرية بتعظيم ورفع كلفة الحرب على خصومها، وعلى العالم أجمع..

فشلَ ترامب في تحقيق "صورة النصر الخاطف والكاسح"، رغم شدة القصف، وتدمير آلاف الأهداف في إيران، صحيح أن ترامب ظل يتوعد ويهدد بسحق إيران، وبإنهاء حضارتها، وإعادتها للعصر الحجري.. ثم تراجع عن تهديده أربع مرات.. لكن، لنتذكر أن أميركا لم توقف قصفها يوما واحدا، رغم ما قيل عن مهلة وفرص لإنجاح المفاوضات.. في الواقع استخدم كل طرف في الحرب أقصى ما لديه من قوة.. ولم يعد لديه المزيد، ولم يلح في الأفق ملامح تغيير جذري، أو إمكانية سحق طرف لآخر.. نعم، بوسع أميركا استخدام المزيد من القوة المفرطة، بما فيها سلاح نووي تكتيكي، أو ضرب كل البنية التحتية المدنية من طرق وجسور وجامعات ومستشفيات ومحطات مياه وطاقة وكهرباء وصولا إلى تدمير الدولة وقتل الملايين.. لكنَّ لهذا أثمان باهظة وتداعيات سياسية وقانونية وانتخابية ليس بوسع ترامب ولا الحزب الجمهوري دفع أثمانها.. ما دفع بترامب بالتقاط السلم والنزول عن الشجرة.. ما يؤكد أن أهداف أميركا ليست متطابقة مع أهداف إسرائيل..

اتضح أن أميركا غير قادرة على إنهاء الدور الإيراني، فاستبدلته بالضغط على إيران لتتكيف مع المشاريع الأميركية، وهذا سيتضح في جولات المفاوضات.. وبما أن ترامب دخل الحرب مساعدة مجانية لنتنياهو؛ كان من السهل عليه الانسحاب منها عندما افترقت الأهداف. خاصة مع تصاعد حراكات شعبية في المدن الأميركية وداخل الكونغروس تنتقد ترامب وسياساته المجنونة.

أما خسارة اسرائيل فهي فادحة، إذ انتهى حلم نتنياهو القديم بإسقاط النظام الإيراني، ولن يجد رئيسا أميركيا يوافقه على مشاريعه وطموحه الشخصي.. ولن يكون بوسعه التبجح بخطابات انتصارات ومنجزات إقليمية.. وستأتي الانتخابات المقبلة وبالا عليه، وعلى مشروع اليمين المتطرف برمته.. حتى مشروع السلام الإبراهيمي سيتأثر سلباً وقد أدرك العرب والعالم أن نتنياهو جر الجميع إلى حرب خاسرة دفع الجميع ثمنها باهظا .

سيعوض نتنياهو هزيمته بتصعيد الاعتداءات على لبنان، إلى أن يُجبر على وقفها والانسحاب صاغرا.. وحينها سيدّفع الفلسطينيين ثمن هزائمه..

أما دول الخليج، رغم الاعتداءات عليها، وما أصابها من ضرر، لم تدخل الحرب، ما مكّن إيران من الصمود والمواجهة، الأمر الذي أظهر قوتها الكامنة وغير المستغلة، وبأنه لا يمكن تحقيق الشرق الأوسط الجديد وفق المخطط الأميركي دون رضاها وموافقتها، خاصة السعودية، وأظهر أيضا عناصر قوتها الجيوسياسية الكبيرة والكامنة، وأن بوسعها شلّ الاقتصاد العالمي، وبلورة مصالح قومية قد تتحول إلى مشروع سياسي كبير.

موضوع لبنان وحزب الله مهم وذو صلة، لكنه يحتاج معالجة منفصلة..

أبريل 05، 2026

قانون إعدام الأسرى، فرصة تاريخية لعزل إسرائيل

 

استغلت إسرائيل أحداث السابع من أكتوبر لتنفيذ كل ما كانت تخطط له ضد الحركة الأسيرة، ولم تسعفها الظروف سابقاً للقيام بذلك، فإعلان حالة الحرب والطوارئ مكّنها من التجرّد من كل الاعتبارات والالتزامات المترتبة على الدول، والتحرر من المواثيق الدولية ذات الصلة، فأعلنت الحرب على الأسرى بالمعنى الحرفي للكلمة. وتتويجا لهذا المسار التصعيدي بحقهم، أقر الكنيست بتاريخ 30 آذار 2026 بالقراءتين الثانية والثالثة قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين؛ بأغلبية 62 نائبا مقابل معارضة 48 نائبا وامتناع نائب واحد، وسط حالة من الابتهاج في أحزاب اليمين الإسرائيلي.

ينص القانون على فرض عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين، وتنفيذ العقوبة عبر الشنق، على يد ضابط سجون ملثم، لضمان مجهولية القاتل وحمايته، مع  منحه حصانة جنائية ومدنية كاملة. ويحظر أي تخفيف أو إلغاء للحكم بعد صدوره، ويمكن إصدار حكم الإعدام دون طلب من المدعي العام، كما لا يشترط الإجماع في القرار، مع منح وزير الدفاع حق إبداء الرأي أمام هيئة المحكمة. وبعد صدور الحكم يتوجب التنفيذ خلال 90 يوما. ويتم احتجاز المحكومين في زنازين انفرادية تحت الأرض، ومنع الزيارات عنهم حتى لحظة الصعود لحبل المشنقة.

ينطبق القانون على المواطنين الفلسطينيين المقيمين فقط في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية. وعلى غير الإسرائيليين من سكان الضفة الغربية، المدانين بالقتل العمد في "أعمال إرهابية"، ويُحصر خيار السجن المؤبد في حالات استثنائية للغاية.

الجديد في القانون أنه يشرعن القتل علانية، علماً أن الاحتلال دأب على إعدام الأسرى بصور متعددة: لديه دوما قائمة مطلوبين للاغتيال (ليس للاعتقال)، ويتعمد قتل كل من يشتبه به، وإذا أطلق عليه الرصاص يمنع إسعافه حتى ينزف كل دمه، إضافة إلى من أعدم تحت التعذيب، أو بسبب الإهمال الطبي.

في الواقع، لم تكن إسرائيل بحاجة لمثل هذا القانون، كان بوسعها المضي قدما في سياسة الخداع التي مارستها عقودا طويلة، والزعم بأنها تمتنع عن تنفيذ عقوبة الإعدام، لأنها دولة ديمقراطية، وليبرالية، وتقدر قيمة الحياة.. إلخ من هذه الديباجة.. وفي الوقت ذاته تواصل قتل كل من تعتبره خطرا على أمنها، سواء كان مدنيا آمنا في بيته، أو طالبا في مدرسته، أو مطلوبا أمنيا تهم باعتقاله، لكنها بدلا من سجنه وتقديمه للمحكمة تقوم باغتياله ميدانيا، بقرار مسبق.. أو تواصل عمليات تصفية الأسرى والمعتلقين في سجونها إما تحت التعذيب، أو بمواصلة سياسة الإهمال الطبي، وجعل السجن بيئة محفزة لكل الأمراض العضوية والنفسية.

لكن إسرائيل، وكنتيجة متوقعة لمسار صعود وهيمنة اليمين المتطرف والعنصري، وسيطرته على الدولة والجيش والإعلام، وصولا للقضاء رأت أن بوسعها الاستغناء عن العالم، والمجاهرة بضرب الأعراف والقيم الدولية، والتباهي بكشف حقيقة إسرائيل العنصرية والمتوحشة ودون أي قناع.. تجاهلت الحكومة اليمينية أنها تمثل دولة، وينبغي عليها أن تحتكم إلى ما نصّت عليه الاتفاقات والقوانين والشرائع الدولية، مثل اتفاقيات جنيف الرابعة، وتصرفت كما لو أنها عصابة تحركها نزعة الشر والانتقام وإيقاع أكبر قدر من الأذى بالشعب الفلسطيني وبرموزه من الأسيرات والأسرى.

قانون إعدام الأسرى بحد ذاته جريمة، تضاف إلى جريمة الاحتلال نفسه؛ جريمة احتلال شعب وحكمه بالبطش والقمع، ونهب أراضيه، وهدم بيوته.. تضاف إليها جرائم القوانين والممارسات العنصرية، وجرائم حروب الإبادة والقصف والتهجير.. فضلا عن جريمة الاعتقال نفسه وسياسات القتل البطيء في سجون الاحتلال.

بعد إقرار قانون القومية (2017)، إلى جانب عشرات القرارات والقوانين العنصرية التي تؤكد عنصرية هذا الكيان. يأتي قانون إعدام الأسرى ليمثل الحلقة الواضحة التي بددت كل غموض، وفضحت كل إدعاء حاولت إسرائيل إخفاء وجهها الحقيقي خلفه، وبذلك، تكون إسرائيل قد سارت على نفس خطوات "الحزب الوطني اليميني" الذي قاد جنوب إفريقيا في حقبة الفصل العنصري؛ فقد كان صعود هذا الحزب وتسلمه مقاليد السلطة عام 1948، ثم تبنيه جملة قرارات وقوانين عنصرية، كانت الحكومات التي سبقته تمارسها فعليا ولكن دون التباهي بها، فجاء الحزب الوطني وشرعنها وجعلها سياسة رسمية معلنة ومعتمدة للبلاد، وكان هذا إيذانا ببدء التحول الذي انتهى بسقوط الحزب وسرديته، وانهيار نظام الفصل العنصري للأبد..

لقد كشفت حرب الإبادة للعالم أن إسرائيل تمارس التطهير العرقي والتمييز العنصري وتقتل الأطفال والمدنيين.. وانهارت سرديتها المزعومة بأنها ضحية ومظلومة وتدافع عن نفسها.. بالتالي صار العالم مهيأ أكثر لعزل إسرائيل ومعاقبتها، فمثلا أدان الاتحاد الأوروبي القانون الإسرائيلي بهذا الشأن لكونه  قانون تمييزي يطبق حصراً على الفلسطينيين،  ولأن أوروبا ترفض عقوية الإعدام، وهدد الاتحاد بتعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل، بما في ذلك الاتفاقيات التجارية والتعاون الاقتصادي.

كما أعربت العديد من دول العالم عن رفضها واستنكارها للقانون، مع إجماع على وصفه بالخطير، والعنصري، وأصدرت بيانات منفصلة اعتبرته تصعيدا خطيرا وخرقا جسيما للمواثيق الدولية، ويمثل صورة مشينة من صور الفصل العنصري.

أما الموقف الأميركي فلم يكن مستغربا، رغم أنه يفضح ازدواجية معايير الإدارة الأميركية، ويؤكد انحيازها السافر والأعمى لصالح إسرائيل، حتى في المواقف التي تستنكرها وترفضها بشدة إذا أتت من دول وكيانات أخرى..إذ امتنعت واشنطن عن إدانة القانون، وجاء في بيان الخارجية الأميركية: "تحترم الولايات المتحدة حق إسرائيل السيادي في تحديد قوانينها والعقوبات المفروضة على المدانين بالإرهاب".

صحيح أن الموقف العربي والأوروبي والعالمي، لم يرقَ للمستوى المطلوب، لكن هذا القانون سيء الصيت يوفر حافزا وفرصة لنجعل منه عنواناً لحملة وطنية شاملة ومتواصلة، ووسيلة لكشف الوجه العنصري لمنظومة القضاء الاحتلالية وفاشية الاحتلال.

مثل هكذا حملة يتوجب عليها أن تتجاوز الخطابية والشعارات، وعدم الاكتفاء ببيانات الإدانة والاستنكار، بأن تبني تحالفات جادة مع المؤسسات الحقوقية العربية والدولية، و"منظمة العفو الدولية" و"هيومان رايتس ووتش"، وأن تستهدف الأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان، والرأي العام العالمي، وسائر القوى والفعاليات وحركات المقاطعة حول العالم. وأن تستثمر اللحظة التاريخية التي بات فيها العالم مهيؤ أكثر لرفض وإدانة الاحتلال الإسرائيلي ورفض كافة أشكال التمييز والعنصرية.