مجموعة مجرمين
إرهابيين يقتحمون كنيسة حمود في الكرك ويطلقون النار بشكل عشوائي على أناس مدنيين
أبرياء كانوا يشيعون سيدة فاضلة من عائلة هلسة، سقط في هذه العملية الجبانة ستة
شهداء وعشرات الجرحى.. عملية غادرة في منتهى الخسة والجبن، جريمة إرهابية مدانة
بكل العبارات واللغات..
الجريمة لم
تستهدف المسيحيين وحسب؛ استهدفت أولا نسيج المجتمع الأردني ووحدته وأمنه، واستهدفت
تاريخا طويلا من التعايش السلمي بين مكونات المجتمع الأردني وطوائفه.. أراد
المجرمون شق المجتمع الأردني وزعزعة أمنه واستقراره وتهديد مستقبله..
رغم حجم المأساة
وفجاعتها، إلا أن في المشهد بضعة نقاط تبعث على التفاؤل وتدعو للاطمئنان؛ أولها
تصرف الإخوة المسيحيين على نحو حضاري وإنساني، فهم تجرعوا أحزانهم بنبل، وتعالوا
على جراحهم ولم يقل أيا منهم: نحن المسيحيون مستهدفون، وتعرضنا لطعنة نجلاء،
تعالوا نتكتل وندافع عن أنفسنا.. مثل هذا النداء قد يفتخ باباً للطائفية، لكنهم
عوضاً عن هذا التفكير الغرائزي احتموا بالدولة، ولجأوا للقانون، ووضعوا ثقتهم
بالأجهزة الأمنية وبالقضاء الأردني، وتحدثوا بصوت واحد: نحن أردنيون أولاً، وننتمي
لدولة وطنية.
النقطة الثانية:
أن الدولة بصفتها الرسمية، ومؤسساتها وأجهزتها وخطابها الإعلامي وشخوصها (من الملك
حتى الجندي) تصرفوا جميعا كدولة وطنية تدافع عن مواطنيها، تحارب الجريمة من حيث
كونها جريمة أولاً، ولأنها استهدفت مواطنين أبرياء (تصادف أنهم مسيحيون)، وكانت
ستفعل الشيء نفسه لو كان المستهدفون من أي فئة أو طائفة أخرى.. هذا الأمر يعزز
الثقة بالدولة، ويعزز الانتماء لها، بحيث تسود هويتها الجامعة على أي هوية فرعية..
فلم يقع الأردن في الخطيبئة التي وقعت بها بعض دول الجوار، فدخلت في حروب أهلية
وفتن طائفية.
الثالثة: جميع
الأردنيين أدانوا الجريمة ومرتكبيها، بمشاعر حزن وتضامن صادقة، باستثناء قلة شاذة تناولت
القضية من زاوية طائفية، أو فهمتها برؤية سلفية جامدة.. ما عدا ذلك وقف المجتمع الأردني
صفاً واحداً في وجه الفتنة، وضد الإرهاب.. نأمل أن ترتقي تلك المشاعر إلى مستوى "الصدمة"؛
أي الصدمة التي تهز بعض القناعات السابقة التي هيمنت لفترة من الوقت ولدى فئات
معينة من المجتمع، تلقت تربية وثقافة سلفية متشددة، أو كانت تظن أنها محصنة وبمعزل
عن الفتن، ولن يحدث فيها ما جرى في دول الجوار..
هذه المرة
استشعر الجميع بالخطر، وبدأ الخطاب الرسمي والشعبي يدعو لوأد الفتنة، والتعايش،
والتسامح، وتقبّل الآخر.. وهنا لا بد من رفض فكرة "التسامح"، واستبدالها
بفكرة "المواطَنة"؛ فالتسامح يعني تنازل القوي للضعيف والسماح له بالعيش
وحرية العبادة.. وهذا مرفوض في مفهوم الدولة الحديثة، القانون يعطي الجميع حقوقا متساوية
بغض النظر عن الدين أو اللون، أو الجنس.. وثانيا: عند الحديث عن تقبّل الآخر،
ينبغي تذكر أن الآخر ليس هو المسيحي، أو الدرزي، أو أي مكون آخر.. "الآخر"
قد يكون من نفس طائفتك ومذهبك وعشيرتك.. لكنه اختلف معك في مسألة فكرية أو سياسية أو
دينية، وهنا تكمن قيمة وأهمية مفهوم "تقبّل الآخر".. كشرط أساسي لدولة
المواطَنة، والمجتمع المتحضر..
سنخدع أنفسنا
إذا اكتفينا بإدانة الجريمة، وتغنينا بالتعايش الإسلامي المسيحي.. وإذا اعتقدنا أن
الجريمة معزولة عن سياق طويل متصل، وإذا توهمنا بأنها ستكون الأخيرة.. سبقتها
جرائم عديدة في مدن مختلفة من المملكة، وبالتالي هي ليست غريبة ولا شاذة عن أخبار
سابقة في السياق نفسه..
صحيح أن يقظة
الأجهزة الأمنية وجهودها الموصولة أدت إلى إحباط عمليات عديدة، وإلى محاصرة تلك
الخلايا الإرهابية النائمة، حتى أن ضباطا ومنتسبين للأجهزة الأمنية سقطوا شهداء في
إطار مكافحة الإرهاب والجريمة.. لكن معالجة الأمر بعقلية أمنية فقط لن تنهي هذه
الظاهرة؛ لأن هؤلاء المجرمون هم نتاج بيئة فكرية متشددة قادتهم إلى هذا الفعل
الشنيع.. في تلك البيئة ترعرع الفكر التكفيري والطائفي والداعشي، على يد مشايخ
كانوا يعتلون المنبر في صلاة الجمعة ويدعون جهارا نهارا "اللهم عليك باليهود
والنصارى..."، وبفضل الكتب التكفيرية التي تباع على الأرصفة، ومشايخ ينشطون
على يوتيوب وغيره من منصات التواصل الاجتماعي ويحرضون على الطوائف الأخرى بالتكفير
والوعيد والتهديد.. لدرجة أن مئات التعليقات السخيفة تجدها في كل مرة يتوفى فيها
مسيحي، ويستكثرون على الناس الدعاء له بالرحمة، أو يستكثرون عليهم تهنئة أهلهم
وجيرانهم بعيد الميلاد أو الفصح.. هذه بيئة تكفيرية متزمتة متخلفة لن تنتج سوى
تكفيريين وقتلة وإرهابيين.. وقد أدى السكوت عليهم والتهاون معهم إلى تفشي هذا
العفن الفكري..
هذه المرة تم
استهداف مسيحيين، وقد سبق ذلك التحريض على كل فئة أو طائفة مختلفة في دول الجوار:
الدروز، والعلويين، والأزيديين والشيعة والسُـنّة.. وحتى من هم مختلفين فكريا أو
مذهبيا.. لأن هذه العقلية الأيديولوجية المغلقة لا تستوعب ولا تتقبل المختلف..
مسألة أخيرة: بحسن
نية وبهدف الإدانة انتشرت مقولات تدين الجريمة لأنها وقعت في كنيسة، وضد أناس آمنين..
طبعا يزداد الغضب والحزن عندما تقع جريمة في مكان عبادة.. لكن الجريمة مرفوضة والإرهاب
مدان في كل مكان وزمان، حتى لو وقع في ملهى ليلي، أو في الصحراء.. وقتل كل إنسان
مرفوض مهما كان موقفك العقائدي والأيديلوجي منه..
جففوا
مستنقعات الإرهاب والطائفية والتكفير..
رحم الله
شهداء الكرك، والشفاء للجرحى، وخالص العزاء لذويهم، ولشعب الأردن كله..
حمى الله
الأردن..