منذ تأسيسها عام 1776 وحتى الآن خاضت الولايات المتحدة أكثر من 400 حرب
وتدخل عسكري في مختلف أنحاء العالم، تخلفت عن خوض حروب في 17 عاماً فقط، أي أنها قضت
93% من عمرها في الحروب والصراعات. منها 96 حرباً وعدواناً مباشرا، والبقية خاضت
فيها عمليات عسكرية وأمنية وتورطت في صراعات وحروب أهلية عبر أدواتها ووكلائها،
فضلا عن دعمها العشرات من الانقلابات العسكرية في بلدان مختلفة.
من أبرز
الحروب التي خاضتها في المائة سنة الأخيرة: الحرب العالمية الثانية، والحرب
الكورية (1950-1953)، وحرب فيتنام (1955-1975)، وحرب الخليج الأولى (1991)، وحرب الخليج الثانية (2003)، وحرب
الصومال (1991-1994)، وحرب البوسنة/ صربيا (1994)، والحرب على أفغانستان
(2001-2021)، والحرب على ليبيا (2001)، والحرب على إيران (2024-2026). وتحت عنوان الحرب
على الإرهاب خاضت حروبا في اليمن، والصومال، وسوريا، وليبيا..
إضافة
لحروبها المباشرة، مارست واشنطن أسلوب التدخلات العسكرية والأمنية لدعم أنظمة أو
إسقاط أخرى، وقد شهدت أميركا اللاتينية أكبر عدد من تلك التدخلات، وعملت على ذلك
وفق "مبدأ مونرو"، الذي أعلنه الرئيس الأميركي جيمس
مونرو عام 1823.. ويعني ببساطة الوصاية على
أميركا اللاتينية، بوصفها الحديقة الخلفية للبيت الأبيض، ونصّ المبدأ على منع
الدول الأوروبية من توسيع نفوذها الاستعماري في الأميركتين، واعتبر أي محاولة من
هذا النوع عملا عدائيا ضد واشنطن. وبناء عليه زادت توسعها الإقليمي في القرن
التاسع عشر، فاستولت على 55% من الأراضي المكسيكية. وفي العام 1904 طوّر
الرئيس ثيودور روزفلت مبدأ مونرو إلى ما عُرف بـ"مبدأ روزفلت"، أي
ممارسة النفوذ العسكري والإطاحة بالأنظمة، ولم يعد الأمر يقتصر على الطابع الدفاعي،
فمنحت أميركا نفسها حقّ التدخل في شؤون الدول الأخرى، وبسطت سيطرتها على عدد من
الدول، من بينها: بورتوريكو التي بقيت مستعمرة أميركية، وحاولت مع نيكاراغو
وهاييتي والدومينيكان وكوبا.
وتورطت في عمليات عسكرية وأمنية؛ فدعمت ومولت انقلابات
عسكرية لاستبدال زعماء يساريين بأنظمة يمينية فاشية؛ في البرازيل دعمت قائد الجيش أومبرتو برانكو،
لتنفيذ انقلاب عسكري أطاح بالرئيس جواو غولارت عام 1964، وفي تشيلي دعمت انقلاب الديكتاتور بينوشيه عام 1973 ضد
الرئيس المنتخب سلفادور أليندي، وفي الأرجنتين دعمت الجنرال خورخي فيديلا للإطاحة بالرئيس المنتخب إيزابيل
بيرون عام 1976، وفي نيكاراجوا مولت عصابات الكونترا ضد الرئيس أورتيغا حتى عام 1990. وفي غواتيمالا دعمت الدكتاتور كارلوس أرماس للإطاحة بالرئيس المنتحب أربينز عام 1954. وفي العام 1989 نفذت عملية عسكرية لاعتقال رئيس بنما آنذاك نوريغا. وفي العام 2004 دعمت انقلابا أطاح بالرئيس الهاييتي جان أريستيد المنتخب وأجبرته على مغادرة البلاد.
في فنزويلا، وبعد عدة محاولات فاشلة لدعم إنقلابات ضد
الرئيس هوجو تشافيز، قامت في العام 2026 باعتقال الرئيس نيكولاس مادورو. لكن ترامب
هذه المرة أعلنها بصراحة أن الهدف هو الاستيلاء على نفط فنزويلا.. فلم يعد بوسع
الإدارة الأميركية تسويق حججها القديمة: محاربة الشيوعية، ومكافحة الفساد وتجارة
المخدرات..
وكانت المخابرات الأميركية قد مولت انقلابا في إيران عام
1953 ضد الرئيس الوطني مصدّق، لصالح نظام الشاه الدكتاتوري، وفي كوريا الجنوبية دعمت نظام "بارك تشونغ هي" العسكري الاستبدادي خلال الحرب
الباردة. وفي الفيليبين
دعمت نظام فرديناند ماركوس الفاسد والمستبد.
أنفقت الإدارة
الأميركية ترليونات الدولارات على حروبها، علما أن تكلفة حربها الأخيرة على إيران
كافية لوحدها لحل أزمة الجوع في العالم، لو أنها أنفقت تلك المليارات على مشاريع
إنسانية. الأهم والأخطر في حروبها أنها خلفت ملايين الضحايا من القتلى المدنيين،
وتسببت بملايين الإعاقات والعاهات الجسدية والنفسية، وشردت شعوبا بأكملها، وتسبب
بدمار مخيف.
أما الانقلابات التي
دعمتها ومولتها فقد ألحقت أضرارا جسيمة بالمجتمعات المحلية، إذ عانت من فترات
طويلة من الفوضى وانعدام الأمن والاستقرار والقمع السياسي والصعوبات الاقتصادية. فضلا عما
تسببت به من صراعات وحروب أهلية أعقبت الانقلابات وأدت إلى تمزيق النسيج الاجتماعي،
وخضوعها لحكومات عسكرية دكتاتورية، كانت دوما تلغي الدستور، وتقمع الحريات، وتصفّي
الحركات اليسارية وقوى المعارضة، وترتكب انتهاكات مروعة لحقوق الإنسان، شملت مقتل واعتقال
وإعدام مئات الألوف من المواطنين وزجهم في السجون دون محاكمات وتعرضهم للتعذيب
الوحشي والتغييب القسري.
في دعمها للانقلابات استخدمت
المخابرات الأميركية أسلوب حشد القوى الشعبية في مظاهرات واحتجاجات مناهضة للحكومات،
وتمويلها وتحريك وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي لنشر معلومات غالبا مشوهة
ومنقوصة تتعلق بالحكومات حول موضوعات حقوق الإنسان والديمقراطية والحريات والفساد،
بما يثير غضبا وحراكا جماهيريا ضد الدول المستهدفة. وبعد تشويه صورة الأنظمة المستهدفة والتحريض ضدها، تستخدم
الاقتصاد ونظام العقوبات والحصار، أو المساعدات، والشركات الكبرى ومراكز الأبحاث، وتتحالف
مع الأحزاب اليمينية والفاشية ورجال الأعمال، وبعض القادة الشعبويين.
ظلت الولايات المتحدة
تخوض حروبها المباشرة وغير المباشرة تحت حجة الحرب الباردة ومناهضة الشيوعية، أو
بحجة نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان! أو بحجة مكافحة الإرهاب والحركات الأصولية! وحتى
بحجة "التهديدات المستقبلية المحتملة"؛ لكن المحرك الحقيقي
لحروبها هو طبيعتها الاستعمارية المتوحشة، ولأنها أقامت نظامها السياسي بالعنف وعمليات
التطهير العرقي، وبنت نظامها الاقتصادي على العبودية، تستخدم القوة لتأكيد تفوقها،
ولحماية مصالحها وتأمين مناطق نفوذها، وتحتاج الحروب للهروب من أزماتها الداخلية.
بغض النظر عن كل القيم
التي كانت تزعم أنها تمثلها؛ أميركا الدولة الوحيدة في التاريخ التي استخدمت
السلاح النووي ضد المدنيين، ولديها أضخم سجل حافل بالقتل والدماء والحروب
والانقلابات العسكرية.. وظلت الإدارة الأميركية تتجاهل ممارسات الأنظمة القمعية
والفاسدة التي تحالفت معها، بل وقدمت لها الدعم والمؤازرة، طالما أنها خاضعة
لسياساتها.
كيف لدولة بهذا
التاريخ العنيف أن تسوق مزاعم واهية
ومكشوفة تدحضها كل الوقائع والتقارير الإخبارية.. والإدعاء أنها صديقة للشعوب
وتدافع عن حرياتهم، وتريد لهم الخير؟!
أمريكا هي الطاعون،
والطاعون أمريكا..