مع أن الشعب
الفلسطيني لم يمتلك دولة؛ لكنه عندما امتلك كيانه السياسي المعنوي (م.ت.ف.) لم يتأخر
في صنع دبلوماسيته الخاصة، وصياغة خطاب سياسي وإعلامي واقعي، ونقل الرواية
الفلسطينية للعالم، وحشد الاعتراف الدولي بحقوق الشعب الفلسطيني في مختلف المحافل
والمنابر العالمية، وقد حمل جيل المؤسسين، رواد الدبلوماسية الفلسطينية على عاتقهم
هذه المهمة.
نفذ الخطوة الأولى
رائد الدبلوماسية الفلسطينية المرحوم أحمد الشقيري، صاحب الخبرات الدبلوماسية والقانونية
التي اكتسبها خلال عمله في الجامعة العربية والأمم المتحدة، وقد استثمرها في تأسيس
منظمة التحرير، فجاء ميلادها نتيجة جهود سياسية ودبلوماسية، تعزز حضورها فيما بعد مع
انطلاق الثورة الفلسطينية المسلحة.
افتقر الجيل المؤسس
إلى الخبرة والأدوات والتقاليد الدبلوماسية، وقد تأخر حضورهم الدبلوماسي بسبب النظرة
الشعبية السلبية تجاه العمل الدبلوماسي، والترفع عنه، والتركيز على الكفاح
المسلح باعتباره الشكل الأنسب والأهم في العملية النضالية، واعتبار العمل السياسي
والدبلوماسي شكلاً لاحقاً أو مكملاً لا شكلاً أساسياً، بل وأحيانا ازدرائه واعتباره
مرادفا للتنازل والتخاذل.
تركز العمل
الدبلوماسي قبيل وبعد انطلاقة الثورة على إقامة علاقات خارجية مع الأنظمة الثورية مثل
الجزائر والصين وفيتنام والاتحاد السوفييتي، واستطاع خليل الوزير إقامة علاقات
متميزة مع معظم حركات التحرر في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية. وظل النضال العسكري يتقدم الأشكال النضالية
الأُخرى بمسافة واسعة.
مع نهاية الستينيات
ولدت من رحم الكفاح المسلح دبلوماسية أُخرى أقرب إلى "الثورية"، كان هدفها
كسب الحلفاء والأصدقاء على الساحة الدولية، مع استمرار الاعتقاد بأن الفعل الثوري
الميداني هو الأهم، وأن الحل السياسي المنشود يأتي من فوهة البندقية وليس من خطاب
المفاوضين الدبلوماسيين الأنيقين، وأنَّ القرارات الدولية ظالمة وغير مقبولة، وأن
العدو يمكن هزيمته استنادا إلى مقولة "الاستعمار نمر من ورق". وبالتالي
لا مفاوضات ولا تسوية إلا بالقوة العسكرية، ولا مكان لأنصاف الحلول، ولا للمرحلية
والجزئية، ولا للمساومات والحل السلمي.
في العام 1974،
واستجابة لمتغيرات المرحلة ومعطياتها الجديدة تم اعتماد البرنامج المرحلي، ما استدعى
تغييراً في الخطاب السياسي والشعارات المرفوعة، وهذا انعكس على وظيفة ومهمات م.ت.ف،
التي تحولت من منظمة عسكرية مقاتلة إلى كيان وطني سياسي (له ذراعه العسكري)، تمثل الشعب
الفلسطيني، ومعترف بها عربياً ودولياً، وبالتالي صارت بحاجة إلى مؤسسة دبلوماسية متخصصة،
ومن بعدها تزايد الاعتماد على العمل الدبلوماسي ليكون الأداة الرئيسية للنضال
السياسي وذراعه الخارجية.
مع توسع
علاقات المنظمة عبر العالم، وتطور خطابها الإعلامي إلا أنه بقي في إطار الشعارات
الثورية.. في تلك المرحلة ظهر جيل جديد من الدبلوماسيين الفلسطينيين، تميزوا عن
غيرهم برؤية سياسية أكثر واقعية، كانوا مؤمنين بالحل السلمي، وبالاستناد إلى
الشرعية الدولية، وبأهمية فتح حوار فلسطيني إسرائيلي، تلقى هؤلاء تعليما عاليا في الجامعات
الأوروبية، كان منهم الموسيقي، والأديب، والفنان، والمفكر.. البعض وصفهم
بالمعتدلين، والعقلانيين، فيما وصفهم التيار الغالب في فصائل المقاومة
بالانهزاميين، ودعاة الاستسلام، وفي أحسن الأحوال بالحالمين..
كانت أطروحاتهم
مثيرة للجدل، ومرفوضة شعبيا، حيث كانت الهيمنة لشعارات المقاومة الثورية والكفاح
المسلح، ورفض أية تسوية سياسية.. وهذا الموقف لم يكن شعبويا وحسب، بل حملته الأنظمة
العربية آنذاك، خاصة سورية والعراق وليبيا وغيرها.. بالإضافة للموانع والضوابط التي
فرضها الاتحاد السوفييتي خاصة تجاه أي حل سياسي تطرحه الولايات المتحدة. لكن الرفض
الأهم كان يأتي دوما من قبل إسرائيل.
امتلك هؤلاء الرواد
الشجاعة لطرح آرائهم علنا، ومعاكسة التيار.. نتذكر منهم:
محمود الهمشري؛
ممثل منظمة التحرير في باريس، الذي أسّس
شبكة علاقات سياسية وإعلامية واسعة للدفاع عن القضية الفلسطينية، وقد عُرف بقدرته
على مخاطبة النخب الفرنسية بلغة سياسية وثقافية حديثة. اغتالته إسرائيل عام 1972.
عز الدين
القلق؛ الذي جمع بين الثقافة والعمل السياسي، وكتابة القصة القصيرة، وشغفه بالمسرح
والموسيقى، تسلم إدارة مكتب المنظمة في باريس بعد اغتيال الهمشري، وحوّله إلى مركز
نشاط سياسي وإعلامي مؤثر. عُرف بعلاقاته الواسعة مع الأحزاب والمثقفين الفرنسيين
والأوروبيين. اغتيل في مكتبه عام 1978.
سعيد حمامي؛ درس
الأدب الإنجليزي، وعمل في الصحافة والتدريس. عُيّن ممثلاً لمنظمة التحرير في لندن
عام 1972، وكان أول حضور فلسطيني سياسي علني ومؤثر في بريطانيا. تميز بخطابه
البراغماتي ودعوته إلى الحوار السياسي، وساهم في فتح قنوات مع الصحافة والبرلمان
والأوساط الأكاديمية البريطانية.. اغتيل في لندن عام 1978.
نعيم خضر؛ درس
القانون والعلوم السياسية، تولّى إدارة مكتب منظمة التحرير في بروكسل، وعمل على
بناء علاقات قوية مع المؤسسات الأوروبية والأحزاب والنقابات البلجيكية، وكان من
أوائل من أدخلوا القضية الفلسطينية إلى دوائر القرار الأوروبية بصورة فعالة. عُرف
بأسلوبه الهادئ وقدرته على الحوار وكسب التعاطف الأوروبي مع الفلسطينيين. اغتيل في
بروكسل عام 1981.
عصام السرطاوي؛ طبيب وجراح القلب، المعروف بمواقفه
السياسية الجريئة والمختلفة، اغتيل في نيسان 1983 في البرتغال أثناء مشاركته في
مؤتمر منظمة الاشتراكية الدولية التي اعترفت بفلسطين في ذلك اليوم، حيث أطلق عليه
مسلح النار بمسدس كاتم للصوت، بتعليمات من "أبو نضال" الذي تجنب استهداف
"بيريس" المشارك في المؤتمر نفسه!
كان يُنظر
إليهم بوصفهم واجهات دبلوماسية وإعلامية فلسطينية نشطة، عملت على كسب التأييد
للقضية الفلسطينية في أوروبا، وهذا ما أثار قلق إسرائيل، لذا استهدفتهم جميعا
بالاغتيالات، إما مباشرة أو عن طريق بنادق مؤجرة مثل جماعة أبو نضال.
لم تكتف إسرائيل
باغتيال الدبلوماسيين العقلانيين المعتدلين، بل استهدفت بالأساس كل مفكر وأديب، وصاحب
رأي مستنير، فقتلت: غسان كنفاني، وعبد الوهاب الكيالي، وكمال ناصر، وكمال عدوان، وماجد
أبو شرار، وحنا مقبل.. وهؤلاء لم يكونوا عسكريين، ولا رجال أمن، ولم يحملوا السلاح؛
حملوا أقلامهم وناضلوا بأفكارهم .. صحيح اغتالت رجل الأمن الفذ علي حسن سلامه، ولكن
سبب اغتياله أنه نجح في فتح قنوات اتصال مع صناع القرار في الولايات المتحدة.
في الأرض
المحتلة برزت شخصيات وطنية معتدلة ووسطية، لا يتبنون أطروحات أيديولوجية مطلقة
وإقصائية ولا مشاريع عدمية، بل كانوا واقعيين وعقلانيين، وقد عبروا عن مواقفهم
السياسية بوضوح: الدعوة لتحقيق السلام العادل والشامل، ورفض الاحتلال والاستيطان،
ومقاومته بالطرق السلمية وبالمقاومة الشعبية، ورفض أي تسوية لا تضمن الحقوق
الوطنية للشعب الفلسطيني، ولا تؤدي إلى دولة فلسطينية مستقلة.. أبرزهم: فهد
القواسمي، وبسام الشكعة، وكريم خلف، ومحمد ملحم وعبد الجواد صالح وغيرهم، وهؤلاء
استهدفتهم إسرائيل بالاغتيالات والإبعاد والإقامة الجبرية والاعتقالات.
ليس أخطر على الاحتلال
من شعب مسلح بالوعي والثقافة والخطاب العقلاني.