بروحٍ متفائلة
وتفكير رغبوي راهن كثيرون على مؤتمر فتح الثامن بأنه سيجدد الحركة، وسيمكنّها من
امتلاك الأدوات اللازمة لمواجهة التحديات المطروحة. فيما تخوّفَ آخرون بروحٍ يائسة
وذهنية متشائمة من فشل المؤتمر وانشقاق الحركة. وآخرون انطلقوا من ثاراتهم الحزبية
وتناقاضهم التاريخي مع فتح بأن هذا المؤتمر سيكون آخر مؤتمراتها، وسيؤدي إلى تفككها
وأفولها.
في الواقع لم
يحدث شيء مما سبق؛ فقد نجح المؤتمر ومـرَّ بسلام، بتنظيم إداري مدهش، ولم يحدث أي
انشقاق، ومجرد انعقاده يعتبر نجاحا، خاصة وأنه جدد دماء الحركة بطاقات شابة، وكرّس
الشرعية التنظيمية للأطر القيادية الجديدة، وأعاد لفتح حضورها في الشارع، وجعلها
تستعيد بعض شعبيتها التي خسرتها في السنوات السابقة، بدليل الاهتمام الشعبي الكبير
بالمؤتمر ومتابعة أخباره.. ومن السابق لأوانه القول بأن الحركة نجحت أو فشلت في
طرح البرامج الكفاحية والسياسة لمواجهة التحديات المفروضة وإعادة الاعتبار للقضية
الفلسطينية.. فهذا كله سيكون على عاتق الأطر القيادية الجديدة (اللجنة المركزية،
والمجلس الثوري، والمجلس الاستشاري، والمفوضيات المختلفة) والتي أمامها ستة أشهر
لبلورة خط سياسي جديد وطرح البرامج النضالية واجتراح الحلول وإجراء المراجعات
النقدية المطلوبة..
باختصار، لم
يحدث التغير الثوري والجذري المطلوب.. ولم يحدث الانهيار ولا التفكك.. المؤتمر شكّل
منصة انطلاقة قوية، لكن سرعة وكفاءة الانطلاقة لن تكون كما يجب.. ستظل الأمور
نسبية، وستظل فتح، كما هي تاريخياً، تراوح بين كونها حركة ثورية مقاتلة، وكونها الحزب
الحاكم.. بين العقلية التقليدية المحافظة التي طالما أعاقت تقدمها، والروح
المتجددة التي تفاجئنا من حين إلى آخر.. خليط مثير للدهشة يجمع أشد المقاتلين شجاعة
مع المنتفعين والانتهازيين.. يجمع نخبة المفكرين والمثقفين مع أولئك الذين لم
يقرؤوا كتابا واحدا في حياتهم.. صورة طبق الأصل عن واقع الشعب الفلسطيني بكل
تناقضاته وغرائبه، وتضحياته وخوفه، وتعلمه وتخلفه..
لدى حركة
فتح الكثير من المقومات التي يُفترض أن تمكنها من إنجاز وعدها التاريخي بالنصر
والتحرير؛ قاعدة شعبية عريضة لدرجة يمكن القول بأنها حركة الشعب الفلسطيني
التاريخية. تجربة نضالية طويلة ومريرة مخضبة بالدماء والتضحيات. خبرة سياسية كبيرة.
شرعية شعبية ورسمية (عربيا ودوليا). برنامج سياسي مرن قادر على التكيف واستيعاب
المتغيرات، ولديها ألمع العقول والكفاءات.. ومع ذلك تحضر حيناً وتغيب أحياناً،
ترفع المعنويات من جهة ثم تخيّب الآمال، تتقدم خطوة وتتراجع خطوات، تصيب مرة
وتخطيء مرات.
مع صعوبة
تحليل مثل هذه الصورة المعقدة، لكن ذلك ممكنٌ بالنظر إلى طبيعة العدو (قوته
وتحالفاته ومكانته الدولية)، ومستوى التحديات والمعيقات محليا وعربيا، والظروف
الموضوعية القهرية المحيطة، وخصوصيات القضية الفلسطينية والجغرافيا السياسية،
وعوامل أخرى كثيرة.. لكن دون تحليل العامل الذاتي تظل الصورة ناقصة، لأن أهميته لا
تقل عن سائر العوامل الأخرى.
تحليل مخرجات
المؤتمر يعطينا فكرة عن مستقبل الحركة، بل وعن ماهيتها وسماتها.. ومن أبرز الملاحظات:
برزت سيطرة
التيار المركزي الحاكم، وهذا متوقع، ومع ذلك من غير الدقيق القول بأن الرئيس فرض
رؤاه وشخصياته على المؤتمر، فلدينا أكثر من 900 عضو (من أصل 2500) في ثلاث ساحات
لا تخضع لسيطرة الرئيس المباشرة، وهؤلاء وغيرهم يمارسون الانتخاب بصورة سرية.. هذا
على افتراض أن ساحة الضفة كتلة متجانسة وخاضعة، وهو افتراض غير صحيح.
في أروقة
المؤتمر وجلساته ظهرت التكتلات المختلفة الجديدة والقديمة، والتي لم تخلُ من
النزعة المناطقية والعشائرية، وهذا غريب عن حركة وطنية تقدمية، يُفترض أن فوق هذه
التشكيلات البدائية.
اللافت
أيضا غياب الموضوع السياسي والفكري والتنظيمي عن أغلب النقاشات خارج القاعات إلا في
حالات نادرة. الأغلبية انصب تركيزها على مسألة الانتخابات واختيار المرشحين، ولم
يكن المعيار الوطني والأخلاقي والقيمي واضحا بقدر وضوح معيار المناطقية والاعتبارات
الشخصية، وأحيانا النفعية والانتهازية.
تركيبة
فتح العجيبة أدت إلى انتخاب قيادات ثورية رصيدها الميدان والتضحيات والكفاءة،
وقيادات أخرى رصيدها المال والبزنس والتوريث. كما ظهر رأس المال في حلة "وطنية"،
أجد صعوبة في نزعها عن سياق الفساد. وصعوبة في استمرارية الإيمان بفكرة الضمير الفتحوي
الضامن والقادر بمجموعه الكلي على منع الانحراف عن الرؤية الوطنية بعيدة الأمد، وضمان
الاتفاق على الهدف الوطني الجامع.
هذه الظواهر
السلبية نتاج سنوات من التكلس وترهل المؤسسة، وضعف ممارسات النقد الذاتي، وتراجع
منطق التعبئة والتثقيف والتربية الداخلية لحساب الولاءات. هذه الأمراض تصيب كافة
التنظيمات التي لا تهتم بالمتابعة والمساءلة والمراجعات النقدية، فتفقد العضوية
روحها الثورية، وتتحول إلى تبعية، وتسود الشخصنة، والانشغال بالتفاهات، وتنعزل القيادة
عن الشارع وعن هموم الناس، ويصبح شغلها التحشيد وإقصاء الكفاءات، وفرض الإذعان
والخضوع على الأعضاء تحت مسمى الالتزام والانضباط.
كان ممكنا
للمؤتمر تصحيح كل هذه الأخطاء، وتصويب المسار، فيما لو تم اختيار الأعضاء وفق أسس
صحيحة وصارمة.. لكن هذا غير ممكن، فقد اجتهدت اللجنة التحضيرية أن يتم تمثيل كافة
الشرائح والفئات والمناطق والمؤسسات.. ومع ذلك لوحظ ضعف تمثيل غزة مقارنة مع عدد
سكانها، ومع إرثها النضالي ومكانتها الرمزية، وتضحياتها الجسام.. وكذلك تغييب ساحة
الأردن، وتغييب المعارضة وتجاهل تيار المستنكفين والتطهريين، وأيضا ضعف حضور
الكفاءات الفكرية والثقافية والأكاديمية وأصحاب الاختصاص، الأمر الذي انعكس على
اللجنة المركزية التي لأول مرة تفتقد لوجود مفكرين قادرين على صياغة إستراتيجيات
تتناسب مع طبيعة المرحلة وتعقيداتها..
في
المقابل كان هناك حضورا قويا للأسرى وقدامى المحاربين، وحضورا مميزا للمرأة التي
وصل تمثيلها في المجلس الثوري نحو 20%، كما حضر الشبيبة. واستطاع المؤتمر استبعاد
الحرس القديم، وتجديد القيادات بنسة تزيد عن النصف، وهذا إنجاز مهم وضروري يمكن
البناء عليه. أما البيان السياسي فيحتاج مقالا آخر.
ختاماً، فتح
اليوم لا تشبه فتح الأمس؛ وزمن الفدائيين يختلف عن زمن أوسلو.. هذا صحيح ومطلوب؛
بل هو دليل على حيوية الحركة ومرونتها، وأنها ليست صنما، بل قادرة على التكيف مع
كل مرحلة، هذا يعطيها قدرة على التجدد والتطور..
فتح نفسها، ليست هدفا بحد ذاته.. هي وسيلة للتحرير.. وما زالت الظروف الموضوعية التي استدعت انطلاقتها قائمة؛ فإنها ستظل ضرورة وطنية.