أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

مارس 07، 2026

صراع دولي، ومخاض عسير


على مدى التاريخ الطويل للحضارة الإنسانية كانت تظهر بين فينة وأخرى قوى طاغية جبارة، تتمدد وتهيمن بلا رادع حتى تستحوذ على مناطق شاسعة من العالم إلى أن تأتي قوة، أو قوى أخرى وتواجهها بطريقة حاسمة. في تلك اللحظات الفارقة يتشكل نظاما دوليا جديدا، ليس شرطا أن يكون أفضل من سابقه، فالطبيعة البشرية تميل نحو الهيمنة والطغيان. لكنه يسير ولو ببطء وتردد في منحى تطوري إيجابي، باتجاه تهذيب البشرية، وتعميق قيم الإنسانية..

في تاريخنا القريب اندلعت الحرب العالمية الثانية، تلك الحرب كانت نتاجا لوصول التناقضات البنيوية داخل الرأسمالية حد التصادم الحتمي، لأسباب اقتصادية وسياسية مختلفة.. لكنها أيضا كانت صداما بين أفكار شريرة: النازية الألمانية والفاشية الإيطالية والإمبريالية اليابانية من جهة ضد الإمبريالية الغربية (بريطانيا، وفرنسا وأميركا وحلفائهم) في الجهة المقابلة.

حُسمت الحرب بهزيمة دول المحور، والقضاء على النازية والفاشية وأفكار العنصرية والتفوق العرقي وخطاب الكراهية.. لكن الطرف المنتصر (الحلفاء) لم يكونوا أفضل حالا، فهم في الأساس نتاج حقبة الاستعمار بكل ما تضمنته من توحش واستعلاء وتاريخ مليء بالشرور..

بالتالي ما حصل هو أن بدل فكر العنصرية والإمبريالية ثوبه، وظهر بحلة جديدة.. لكن الوجه الجديد كان أقل توحشا، أو على الأقل ادعى ذلك، من خلال إعادة هيكلة النظام الدولي عبر مؤسسات أممية محايدة، وقوانين ومواثيق عالمية تنظم العلاقة بين الشعوب والدول بما يضمن حقوقها، وتندد بالاحتلال والحروب والعنصرية، وتعلي من قيم حقوق الإنسان.

يمكن النظر للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران من نفس الزاوية؛ أي بوصفها صراعا بين قوى شريرة؛ بين مشاريع هيمنة وتجبر وطغيان.. وأنَّ هذه الحرب ستُحسم عاجلا أو آجلا، وستكون نهايتها إيذانا بحقبة تاريخية جديدة، يُعاد فيها صياغة النظام الدولي من جديد.. وأيضا، لن يكون بالضرورة أفضل من سابقه، ولكنه قد يكون أفضل، ولو نسبيا، أو على الأقل قد تأتي النتائج ضد رغبات ومخططات الطرفين، وعلى حساب مصالحهما، بل وبما يهدد مستقبلهما.

الفرق هنا أنها ليست حربا عالمية، ولا أظن أنها ستتحول إلى حرب إقليمية واسعة، قد تتسع رقعتها وتشتد قليلا، لكنها ستظل في إطارها الجغرافي، فلا توجد أي دولة محيطة راغبة (أو قادرة) على الانغماس في الحرب، حتى أوروربا المتأهبة (كذلك الصين واليابان) لن تتورط في الحرب، كل ما تسعى إليه تأمين موارد الطاقة وحماية الطرق التجارية وسلاسل الإمداد..

وإذا نظرنا لهذه الحرب من زاوية تاريخية وأيديولوجية سنرى صراعا بين أفكار شريرة: إيران ومنذ مجيء الخميني تقوم على فكرة ولاية الفقيه، وعصمة الإمام (تقديس المرشد الأعلى)، وعودة المهدي المنتظر.. وتعتمد سياساتها على مبدأ تصدير الثورة، والتوسع والهمينة ومد النفوذ، والاستقواء بأذرعها الإقليمة بخطاب وأدوات طائفية..

في الجهة المقابلة، بعد الإقرار بطبيعة الإمبريالية الأميركية الاستعلائية العدوانية.. وبطبيعة الصهيونية العنصرية التوسعية، والتقائهما في مشروع استعماري عدواني عالمي غاشم وظالم، والتأكيد على الطبيعة السياسية والاقتصادية لهذا المشروع.. يمكن تشخيص الجانب الأيديولوجي في هذا المعسكر الشرير؛ حينها سنرى التقاء وتلاحم ما بين الصهيونية المسيحية المسيانية والصهيونية اليهودية (هما وجهان لعملة واحدة، بل إن الصهيونية المسيحية سبقت تاريخيا الصهيونية اليهودية، وهي التي أسست لها)، وقد تزاوجت الصهيونية (بشقيها) مع طبقة من الرأسماليين الجشعين العنصريين الذين لا يرون العالم إلا من زاوية الاستحواذ والهيمنة بالقوة الغاشمة والتسلط.

تؤمن الكنيسة البروتستانتية الأصولية بأن قيام دولة إسرائيل مسألة دينية، باعتبارها تجسيدا لنبوءات الكتاب المقدس، وتشكل المقدمة لمجيء المسيح المخلص إلى الأرض، وبالتالي رأت أن من واجبها الدفاع عن اليهود، وعن حقهم بوطن قومي والعودة إلى أرض الميعاد.. من هذه الكنيسة نشأت جماعة أصولية متشددة (البيوريتانية). عملت على إحياء العهد القديم "التوراه"، واعتبرته أساس المسيحية، وجعلته مرجعيتها بدلاً من تفسيرات الكنيسة الكاثوليكية؛ وجعلت من يوم السبت بدلاً من الأحد ذكرى قيام المسيح، وأخذت تستخدم اللغة العبرية في صلواتها وكنائسها.

ومع بدايات القرن التاسع عشر حدث انقسام بين منظري المسيحية الصهيونية، حيث ظهرت مدرستان: البريطانية الداعمة لنظرية تحول اليهود للمسيحية قبل عودتهم لفلسطين كمسيحيين، والأميركية التي آمنت بأن اليهود سيعودون إلى فلسطين كيهود قبل تحولهم للمسيحية. وربطت بين عودة المسيح والألفية السعيدة، والحرب الكونية على الأشرار، "هرمجدون" بين اليهود وأعدائهم الكفار.

ظلت الصهيونية المسيحية تيارا هامشيا في الغرب، ولم تهيمن على الحياة الدينية والسياسية، لأن الكاثوليكية والأرثوذكسية عارضتها، لكنها ساهمت في تشكيل الصهيونية اليهودية الجديدة. ثم أتت السياسة البريطانية وأطلقتها لتخفي البعد السياسي لمشروعها الاستعماري وتتوارى خلف اللباس الديني، ثم وظفت الولايات المتحدة تلك الأساطير لخدمة البعد السياسي؛ فتم ربط الأفكار الدينية مع السياسة الواقعية؛ أي الاستقواء بها تحت شعار الدين، بالإستفادة من اليهود وتوظيفهم في خدمة المصالح الاستعمارية، ومنذ عهد "كرومويل" وحتى عهد "دونالد ترامب" كان أي اهتمام استعماري بفلسطين يعتمد على دافع الربح تجارياً، أو استعمارياً وعسكرياً، ولكن بغطاء الدافع الديني وأساطيره.

لاحظ هنا أفكار الخلاص الأبدي، ونهاية العالم، ومعركة هرمجدون، والمسيا المخلّص، والألفية السعيدة، وأرض الميعاد، والهيكل.. وهي مجرد أساطير وخزعبلات لا أساس لها من الصحة، تروجها نخبة اقتصادية سياسية مسيطرة، لها أطماع شريرة ومشاريع توسعية.. ولا يؤمن بها سوى السذج والبلهاء، وهم كُثر.. والغريب المضحك أن الصهيونية المسيحية تبدو كداعم لليهود، لكنها تدعم عودتهم لأرض الميعاد تمهيدا للقضاء عليهم، إما بتحولهم للمسيحية أو بمقتلهم في هرمجدون!!

في هذه الحرب، تتصارع المصالح الاقتصادية ومشاريع الهيمنة، ويتلاقي الجنون والتوحش مع الأيديولوجيا والأساطير.. لكن كل هذا لن يدوم، وكما كنس العالم النازية والفاشية سيكنس عاجلا أم آجلا كل تلك الشرور،كل شيء سيتغير: القواعد والخرائط والعلاقات.. ستستفيق الإنسانية وستدرك أن مجانين مثل ترامب ونتنياهو يعبثان بالسلم العالمي ويقودان العالم نحو الهاوية.. ولا بد من إيقافهما..

وهذا هو المخاض العسير..

مارس 06، 2026

المقاومة في الزمن الإيراني

 

في العام 1979 أطاح الزلزال الإيراني بنظام الشاه، وكانت أولى ارتدادات تلك الهزة في الساحة الفلسطينية؛ تمثلت البداية بانقسام فكري بين مؤيدي الخميني ومعارضيه، ولما اندلعت الحرب العراقية الإيرانية تحول إلى انقسام سياسي بين مؤيدي كل طرف.. بدأ مؤيدو إيران بالترويج لمقولة انتصار الثورة الإسلامية، وصوابية الخيار الديني، بعد أن كانت القناعة راسخة وملتفة حول مقولة انتصار الثورة الشعبية والخيار الوطني.. جاء النموذج الإيراني ليقول إن الثورة في العالم العربي والإسلامي يجب أن تكون إسلامية فقط، بمضمون وعمق ديني..

حينها، بدأت حالة من تفكك الروابط التنظيمية الفتحوية، وتراجعت قوة التيار اليساري الذي كان يتسم بالطرح العقلاني الثوري غير الطائفي، وانتهت الكتيبة الطلابية، وظهر تيار منبهر بالنموذج الإيراني (منير شفيق، أنيس النقاش، عماد مغنية وغيرهم)، في حين خرج حمدي وأبو حسن ومروان، وهم من أعمدة الكتيبة الطلابية، ليسيروا على الدرب الجهادي ولكن في إطار فتح، وخرج الكثيرين من كوادر فتح من مسيحيين ودروز وشيعة الذين رجعوا إلى طوائفهم وانضموا لأحزاب طائفية.

التأثير الآخر كان على شيعة لبنان، بعد أن كانوا جميعهم إلى جانب الثورة الفلسطينية، سرعان ما بدأ بعضهم بالصدام مع الثورة الفلسطينية ومع الحركة الوطنية اللبنانية.. في المناطق السنية (طرابلس وصيدا والمخيمات الفلسطينية) نشأت الحركات الأصولية، التي أخذت منحى طائفي متطرف، وانشغلت في قضايا ثانوية وصراعات مذهبية.

حينها أفاق مارد الطائفية بعد سبات طويل، وانتعشت حركات الإسلام السياسي في المنطقة، وانطلقت في موجة جديدة؛ الوهابية في مواجهة "تصدير الثورة الإيرانية"، والجهادية المدعومة من إيران ضد "العدو القريب"، وصار العنف السمة الطاغية.. وبدأ التدين الشكلي يغزو المجتمعات العربية..

أشياء كثيرة تمخضت عنها تلك الإرهاصات، آخرها دعم وتشجيع إيران لحركة حماس للاستيلاء على غزة، لتنضم إلى أذرعها الضاربة في الإقليم.. وكان هذا الانقسام أخطر ضربة وجهت للمشروع الوطني الفلسطيني، وأكثر ما أضر بالقضية الفلسطينية، وأرجعها سنوات للوراء.

من البديهي أن مسلسل الانحدار في الساحة الفلسطينية، وكل التراجعات والإخفاقات التي حصلت لم تكن إيران المسؤولة الوحيدة عنها، هنالك أسباب وعوامل ذاتية تتحمل مسؤوليتها القيادة الفلسطينية وحركة فتح وسائر الفصائل الوطنية، وهناك أسباب ومؤثرات خارجية تمثلت في المخططات الإسرائيلية المعادية والسياسات الأميركية المنحازة وتأثيرات الأنظمة العربية السلبية والتغيرات العميقة في النظام الدولي.. ولكن مجازا ومن باب التحقيب الزمني سنسمي العقود الأخيرة (تجاوزا) بالزمن الإيراني، مع التأكيد مرة ثانية أن إيران ليست وحدها الطرف المؤثر. وهذا ما يغري بإجراء مقاربات بين زمنين: ما قبل التغلغل الإيراني في الساحة الفلسطينية، وما بعده..

قبل امتداد النفوذ الإيراني، كان الشعب الفلسطيني موحدا، وملتفا حول برنامج مقاومة في إطار الحركة الوطنية، وكانت القوى الوطنية والجماهير تخوض نضالا شعبيا "سلميا" جوهره وهدفه تثبيت صمود الفلسطينيين في أرضهم، وإبقاء جذوة القضية مشتعلة، وبين فينة وأخرى تُنفذ عمليات فدائية "محدودة".. فيما تخوض قوات الثورة مواجهات عسكرية مع الاحتلال، أبرزها اجتياح بيروت 1982..

في الأراضي المحتلة كانت الحياة شبه طبيعية، التضحيات ضمن القدرة على التحمل، وكانت منظمة التحرير تنشئ وتدعم المؤسسات الوطنية من بلديات وجامعات ومستشفيات وتمول مشاريع تنموية مختلفة، وتدعم الحركة الصحافية والثقافية التي لعبت دورا مهما في إعادة تشكيل وتغيير واقع المجتمع الفلسطيني، وساهمت في تقوية الحركة الوطنية.. ظهرت الجبهة الوطنية التي خاضت انتخابات البلديات وفازت ببرنامجها الوطني المناهض للاحتلال، وبرزت قيادات وطنية معتدلة ووسطية من وزن فهد القواسمي، وبسام الشكعة، وغيرهم؛ كانوا منتخبون مباشرة من الشعب، ولا يتبنون أطروحات أيديولوجية مطلقة وإقصائية ولا مشاريع عدمية، بل كانوا واقعيين وعقلانيين.

في الخارج واصلت الثورة الفلسطينية صعودها وقد حققت بعض أهم أهدافها: اعتراف جامعة الدول العربية بالمنظمة ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني، تبعها اعتراف منظمة التعاون الإسلامي، ومنظمة الوحدة الإفريقية، ومنظمة عدم الإنحياز، واعتراف الأمم المتحدة بها، ومنحها صفة عضو مراقب، وخطاب ياسر عرفات الشهير في الأمم المتحدة سنة 1974، وتصويت الجمعية العامة على قرار يعتبر الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية.

بعد أن كان إدخال قطعة سلاح للأرض المحتلة يتطلب تخطيط شهور وعمليات تسلل جريئة.. اليوم، توجد في أيدي الفلسطيننيين مئات آلاف قطع السلاح (حتى بيد أطفال ومراهقين)، وامتلكت حماس والجهاد ترسانة "صاروخية" ومئات الكيلومترات من الأنفاق، وميليشيات مسلحة صورت نفسها على شكل جيش نظامي.. كما دخل على خط الصراع العسكري المباشر جهات غير فلسطينية: حزب الله بترسانته الصاروخية وجيشه شبه النظامي، الحوثيون بمسيّراتههم وصواريخم، إيران بكل قوتها، وصارت تل أبيب تُدك بمئات الصواريخ الباليستية والانشطارية والمسيرات الانقضاضية..

مع كل هذا السلاح وتلك التضحيات الهائلة، إلا أن القضية الفلسطينية (التي تبدو في الصدارة) تواجه أسوأ وأخطر مراحلها، والشعب الفلسطيني بات مهددا بوجوده، وقد مني بهزيمة عسكرية وسياسية أدت إلى تعقيد المشهد الفلسطيني وتأزمه، وفقدَ الفلسطينيون ولأول مرة منذ انطلاقة الثورة قدرتهم على فرض رؤاهم، وتحديد مساراتهم، ولم يعد بوسعهم التأثير في مجريات الأحداث، أو حتى الاعتراض. بمعنى آخر فقدوا قرارهم المستقل، الذي بات بيد أميركا وإسرائيل والوسطاء الدوليين.

غزة تدمرت، وفقدت 10% من سكانها، ومن نجوا يبيتون في الخيام، يواجهون مستقبلا غامضا، حماس التي تعرفونها انتهت، مشروع المقاومة المسلحة لم يعد ممكناً، القدس في طريقها للتهويد، باقي الضفة الغربية صارت مرتعا للمستوطنين، وحكومة نتنياهو اليمينية تواصل فرض مخططاتها على الأرض، بالقوة الغاشمة.. السلطة تئن تحت حصار خانق..

رغم وقوع خسائر مادية جسيمة، ومقتل مئات الجنود، وتكبدها خسائر اقتصادية فادحة، وتضرر سمعتها الدولية، وفقدانها رأسمالها الرمزي.. إلا أن إسرائيل تبدو الدولة الأقوى في المنطقة المتفوقة تكنولوجيا وإداريا وإعلاميا؛ تقتل، وتقصف، وتدمر، وتغتال قادة ورؤساء دول، وتهدم أحياء بأكملها، وتمارس التطهير العرقي، وتهجير السكان، وصلت بها العنجهية لحد الطلب من سكان طهران إخلاء مساكنهم وإجبارهم على النزوح، كذلك في لبنان، وقبل ذلك في غزة.. تعتدي على سبع دول.. والعالم صامت، ومنصاع وخاضع، بل ويدافع عنها.. ولا يجرؤ أحد على انتقادها..

إذا أردنا استعادة المبادرة، والنهوض من جديد، يتوجب إجراء مراجعة نقدية شاملة وشجاعة، والبدء بمسارات جديدة وطريقة تفكير مختلفة..

مارس 05، 2026

رأس الأفعى

 

في العام 2015 شاركتُ في كتاب صدر عن مركز المسبار للبحوث، حمل عنوان: منصات الميديا والعنف المقدس، وكانت مشاركتي في فصل خاص عن إعلام الإخوان المسلمين، خاصة على منصات التواصل الاجتماعي، وأهمية البحث آنذاك أنه جاء بعد الإطاحة بالرئيس الإخواني السابق محمد مرسي..

على مدى شهور اعتكفتُ على متابعة صفحات الإخوان الإعلامية، بدأت بالإطلاع على معظم ما نُشر في الفترة التي سبقت مرسي، وخلال السنة التي حكم فيها الإخوان مصر، ومثلت حينها ذروة صعود الإسلام السياسي في المنطقة، ثم الفترة التي تلتها.

خلاصة البحث أنَّ جماعة الإخوان مجرد حزب سياسي يسعى للوصول للسلطة، أو لفرض مفاهيمه السياسية والاجتماعية والاقتصادية على المجتمع، يخوض صراعا مع الدولة أو ضد التيارات الأخرى بما فيها القوى والأحزاب الدينية، وهو صراع سياسي محض بين بشر عاديين يتقاتلون على السلطة. وما "الدين"، واستخدام النصوص إلا غطاءً يُستخدم لكسب التأييد الجماهيري والفوز في الانتخابات، أو لتبرير أهداف دنيوية.

في بداية أزمة الإخوان مع الرئيس السيسي بنى الخطاب الإخواني دفاعه على أساس "صندوق الانتخابات"، وشرعية الرئيس "المنتخب"، ورفض "الانقلاب"، والدفاع عن "الديمقراطية"، و"الشرعية".. ليتضح لنا أن كل هذه المصطلحات دخيلة على خطاب الإسلام السياسي التقليدي، ولم تكن يوما ضمن مفرداته، ولم يتبناها أي برنامج سابق للإخوان، ما يؤكد على براغماتية الجماعة ومرونتها التي تسمح لها بتبني أي نهج سياسي يوصلها للسلطة، وفي المقابل لديها من العناد والتشبث بالسلطة ما يسمح لها بتبرير الدخول في حرب أهلية (ستسميها جهاداً في سبيل الله) وللدفاع عن مكتسباتها بأي ثمن، وبأي طريقة.

بتحليل محتوى خطاب الإخوان تبيّن أنه عبارة عن حملات تحريض ودعوة للعنف والتشهير، محمّلا بالكراهية والتمييز المذهبي والطائفي، وتوظيف الدين لصالح الحزب، وإقحام آيات قرآنية كريمة في المعترك السياسي، كما أن اللغة السائدة هي لغة الشعارات والخطابة والكلام الإنشائي، والتعميم بأحكام مطلقة، وتوجيه الاتهامات.

تضمنت منشورات الإخوان آنذاك دعوات للخروج للتظاهر، ورفع المصاحف في وجه الأمن، تحت شعار ثورة إسلامية بهدف إسقاط النظام، وإرجاع الرئيس المعزول "محمد مرسي"، بمظاهرات تجوب الشوارع كالطوفان، والدعوة لقطع الطرق السريعة والتسبب بازدحامات مرورية، وقطع خطوط السكك الحديدية، والإضراب عن العمل وعن الدراسة، واستخدام المولوتوف، وحرق سيارات الشرطة، وشل الاقتصاد..

أعود لهذا البحث بمناسبة عرض مسلسل رأس الأفعى (بطولة أمير كرارة وشريف منير)، والذي يقدم تاريخ الإخوان المسلمين في مصر، حيث يعرض في بداية كل حلقة مشهدا يعود لفترات الخمسينيات والستينيات يُظهر أصول منشأ العنف في الفكر والسىلوك الإخواني، لُيثبت أن ما فعله الإخوان في العشرية الثانية من هذا القرن ما هو إلا استمرارا وتواصلا لهذا الفكر، الذي أسسه سيد قطب.

القصص والأحداث التي يعرضها المسلسل واقعية، مأخوذة من ملفات المخابرات المصرية، طبعا بعد إجراء بعض المعالجات الدرامية وتغيير بعض الأسماء لاعتبارات أمنية، لكنه يعرض في نهاية كل حلقة مشاهد حقيقية مصورة بثها الإعلام المصري في تلك المرحلة، يظهر فيها معتقلون إخوان يعترفون بما قاموا به من أعمال تفجير وتخريب واغتيالات..

البحث الذي أجريته على صفحات الإخوان ومنصاتهم الإعلامية كشف العديد من أشكال التحريض على العنف، عبر منشورات وصور ومقاطع مصورة نُشرت آنذاك، رغم مضمونها العنفي إلا أنها بدت سلمية، أو تظاهرت بذلك.. وبطبيعة الحال لن تتضمن المخططات الخفية خاصة ما يتعلق بتفجير الأماكن العامة ووضع عبوات ناسفة في محطات المترو ومحاولات اغتيال شخصيات رسمية واستهداف الأماكن السياحية وافتعال أزمات وغير ذلك مما يؤدي إلى تحقيق الهدف الأكبر: تخريب البلد، وشل الاقتصاد، وتحويل حياة المواطنين إلى جحيم بحيث يتم تحميل المسؤولية للدولة، والقول أنها فشلت في جلب الأمان للبلد، وعجزت عن حماية الناس، وتسببت بتدهور الاقتصاد.. إلخ.. لتخلق كل تلك الظروف أجواء من الرعب والقلق، وتصبح دافعا لثورة الشعب على الدولة، وبالتالي إعادة السلطة للإخوان.

ما فعله المسلسل أنه أظهر يقظة الأجهزة الأمنية المصرية ونجاحها في السيطرة على الفوضى وإحباط محاولات الإخوان في تخريب البلد، أو تقويض النظام.. والأهم أنه قدم بصورة موثقة منهج التفكير الإخواني الذي اتسم بالعنف والتحريض والكراهية، وكشف أن الفكر الأيديولوجي الضيق والمتعصب جعل من جماعة الإخوان جماعة عابرة للحدود، لا تعترف بالوطن، ولا تحترم الدولة ودستورها، ولا تعبأ بالشعب.. المهم عندها "الجماعة"؛ أن تظل موجودة، ومهيمنة، وعلى رأس السلطة، وخلاف ذلك غير مهم، بل إن حياة المواطنين في هذا الفكر تكون مجرد تضحيات مشروعة ومبررة. وقد صرح سيد قطب بشكل واضح بأن المجتمعات المسلمة حاليا مجتمعات جاهلية. الدولة إما أن تكون حاملة لفكر الجماعة ومتبنية له، أو تكون كافرة يتوجب قتالها وإسقاطها..

تجاوز المسلسل فكرة تقديم سرد درامي لأحداث ساخنة، ليقدم نصًا سياسيًا بصريًا يشرح طبيعة جماعة الإخوان وبنيتها التنظيمية، وصدامها مع الدولة والمجتمع. هذه البنية تقوم على مركز قيادي مغلق، تصدر منه الأوامر والتكليفات، يقف على رأس هرم تسلسلي صارم، يعتمد مبدأ السمع والطاعة.. وهنا جوهر الأزمة البنيوية لجماعات الإسلام السياسي؛ إذ يكتسب القرار السياسي طابع القداسة، ويوصف الخلاف الفكري الداخلي بالخروج على الصف وشق الجماعة، وبالتالي خيانة، أما الخلاف مع قوى المجتمع فيتم وصفه بالجهاد المقدس.

وهنا لا تكون تصرفات الجماعة العنفية مجرد رد فعل عفوي على خسارة السلطة، بل هي توجهات أصيلة حاضرة فى أدبيات الجماعة، تظهر إلى السطح كلما ضاقت المسارات السياسية. وخطورة تلك الأعمال العنفية لا تنحصر في التحريض وخطاب الكراهية، بل فى تفكيك الثقة الوطنية، وتقسيم المجتمع إلى ثنائيات حادة متضادة (فسطاطين). وإعادة تعريف الخصم السياسي بوصفه خصمًا دينيًا أي كافرا، بما يمنح أبناء الجماعة شعورا بأنهم حراس الدين والحقيقة المطلقة، ضد مجتمع جاهلي مضلل ومنحرف.

ومقابل سردية الإخوان التي قدمت الجماعة بوصفها ضحية انقلاب على الديمقراطية، قدّم المسلسل سردية أخرى تؤكد أن ما جرى كان نتيجة طبيعية لمشروع ماضوي سلفي لم يستوعب طبيعة الدولة الوطنية الحديثة، ولم يقبل بقواعد التعدد السياسي الحقيقى. سردية تقول إن الصراع أكثر من مجرد نزاع على السلطة، بل مواجهة بين مشروعين: مشروع وطني لدولة مدنية تسعى إلى الاستقرار، ومشروع أيديولوجي عابر للحدود يقدّم التنظيم على الوطن.

مارس 03، 2026

تغيير النظام الإيراني، هدف أميركي، أم إسرائيلي؟

 

تساءلت في مقال سابق عن العلاقة بين الدولة العميقة في الولايات المتحدة وإدارة ترامب، والتقاطعات بين الطرفين، وما بدا واضحا أن ترامب وسّع هامش صلاحياته بما يتجاوز الدولة العميقة وأحيانا يتعارض معها، وضد مصالح أميركا العليا.. ويمكن إضافة تساؤل ذو صلة بالموضوع، عن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، ومن يقود من؟ ومن يصنع القرار، أو يؤثر فيه؟ وإذا وضعنا هذا السؤال في سياق الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، سنعود إلى تصريح نتنياهو الأخير، وهو تصريح استفزازي وغريب، فيه قدر كبير من الغطرسة والغباء، حيث قال: "منذ أربعين سنة وأنا أفكر وأحلم بإسقاط النظام الإيراني".. قبل أربعين سنة لم يكن لإيران أذرع في المنطقة، ولم يكن لديها مشروع نووي، ولا صواريخ باليستية.. كانت منشغلة في حربها على العراق.. وبالتالي لم تكن تشكل أي تهديد أمني أو إستراتيجي على إسرائيل.. فلماذا يحلم نتنياهو بإسقاط النظام؟

وأيضا، ومنذ انتهاء الحرب العراقية الإيرانية (1980_1988) وحتى أمد قريب لم تكن إيران تشكل خطرا حقيقيا على الولايات المتحدة، بل كان بينهما نوع من تقاسم الأدوار، أو التخادم، ضمن صراع بين مشاريع هيمنة، كانت إيران تسعى لأخذ الصدارة بين القوى الإقليمية المهمة في الإقليم (تركيا، إسرائيل، الدول العربية وفي مقدمتها السعودية)، وكما أشرت في المقال السابق صمتت إميركا على التمدد الإيراني، إلى أن بدأ التحول العميق في الإستراتيجية الأميركية مع تصاعد صراع الأقطاب الدولية الكبرى (أميركا، الصين، روسيا..)، ضمن سياق خلق نظام دولي جديد، يقتضى إزاحة وتحييد الدول والميليشيات التي تقف حجر عثرة أمامه، أو تشكل تهديدا أمنيا ولو ضئيلا، أو غير منسحم ومتكيف معه. وفي مقدمتها إيران، ومعها أذرعها الميليشياوية.

إذن، أميركا تريد تكييف النظام الإيراني من خلال إضعافه، وإخضاعه والتفاهم معه، لكن القيادة الإيرانية طلبت شروطا واستحقاقات أكثر مما تريد أميركا منحها.. هذا لا يتطلب بالضرورة شن حرب، كان يمكن لأميركا تصعيد العقوبات، وتشديد الحصار، والتركيز على الدبلوماسية والتفاوض.. ولما اقترب المسار التفاوضي من إيجاد صيغة حل (كما أعلن الوسيط العماني قبل يوم من الحرب) بادرت إسرائيل لشن الحرب، لقطع المسار التفاوضي، وتوريط أميركا في الحرب.

طبعا، لا يمكن لإسرائيل إجبار أميركا على خوض حرب بهذه السهولة.. لذا خلال الأربعين سنة الماضية لم يجد نتنياهو رئيس أميركي يوافق على شن الحرب، بل إن أوباما توصل إلى اتفاقية مكتوبة مع إيران بشراكة أوروبية.. إلى أن جاء ترامب فكان من أولى قراراته في ولايته الأولى إلغاؤها.. وفي ولايته الثانية شن الحرب فعليا، مع أنه لا مصلحة أميركية (حقيقية) من وراء الحرب، ويجب الانتباه هنا أن أميركا خاضت الحرب دون قرار مجلس أمن، وحتى دون مشاورة الكونغروس، وهنا أطراف عديدة من داخل أميركا غير مقتنعة بجدوى الحرب وضرورتها، بل وتعارضها.

إسرائيل هي التي مهدت الطريق لترامب لشن الحرب، وورطته بها.. بدأت بخطوات متدرجة ومدروسة منذ العام 2011، كانت البداية بطرح قضية إيران والتهويل من خطرها عبر حملة إعلامية منظمة. ترافق معها عمليات استخباراتية بهدف جمع المعلومات، واختراق إيران من الداخل وزرع جواسيس، واختراق كافة أذرعها المسلحة (حزب الله، حماس، الجهاد، الحوثيين، حزب الله العراقي..)، ولا حاجة للقول أنها حققت اختراقات رهيبة في هذا المجال.

أما الخطوات العسكرية والسياسية فقد كانت النقلة الافتتاحية تحييد وتدمير قطاع غزة، حيث جاءت عملية طوفان الأقصى وقد توضح بأدلة معلنة أن اسرائيل كانت على علم مسبق بهذه العملية، وقد عبّدت الطريق بمكر أمام حماس بتعطيل الإنذار المبكر على السياج الحدودي وإتاحة المجال لمقاتلي حماس للعبور، ثم مضاعفة أعداد القتلى الإسرائيليين حيث قامت مروحيات إسرائيلية بتسليط نيرانها على الجموع الهاربة من الحفل الموسيقي ومهاجمة البيوت التي تحصن فيها المقاتلين، بهدف خلق المبرر الأقوى لتدمير غزة، من خلال اختراع "هولوكوست جديد" يعطي لإسرائيل سبب تعبئة داخلية وخارجية وحملة إعلامية قوية، ومبرراً لشن حرب طويلة لم يكن ممكنا تسويقها قبل ذلك. في النتيجة تدمرت غزة وتم تفكيك بنية حماس الأمنية والعسكرية وبالتالي القضاء على الذراع الإيراني الجنوبي.

الخطوة الثانية، تحييد حزب الله، بحجة مشاركته في الحرب ودعمه لحماس، خطط الموساد لهذه الخطوة قبل الحرب بسنوات، حين زرع متفجرات في أجهزة الاتصال التي يستخدمها عناصر وقياديي حزب الله وانتظر اللحظة المناسبة لتفجيرها، تبعها عمليات اغتيال لقادة الصف الأول والثاني للحزب، وفي النتيجة تم إضعاف وتحييد الذراع الإيراني الشمالي.

وعلى الفور، انتقلت للخطوة التالية؛ قطع التواصل البري بين إيران ولبنان من خلال المساهمة في إسقاط نظام الأسد، واستغلال الفرصة لاحتلال مساحات واسعة ومهمة من الأراضي السورية، ما يعني قطع المد اللوجيستي لمحور المقاومة، بل والقضاء عليه، ليغدو النظام الإيراني معزولا ومكشوفا ويمكن مهاجمته في حرب طويلة، وكان من الضروري اختبار قدرات إيران الحقيقية، باستدراجها لحرب محدودة؛ فتم استهداف السفارة الإيرانية، واغتيال الرئيس في حادث مروحية مدبر، واغتيال إسماعيل هنية وسط طهران، ثم مهاجمة المنشآت النووية في حزيران 2025، في حرب قصيرة شاركت فيها أميركا.

لكن قبل شن العدوان الكبير كان لازما حل مشكلة ارتفاع أسعار النفط، أو انقطاع إمداداته فيما لو أغلقت إيران مضيق هرمز، حتى لا تنشأ أزمات اقتصادية، وقد تمثل الحل باعتقال رئيس فنزويلا مادورو، وتوقيع اتفاقية إذعان مع النظام الجديد، لضمان تعويض أي نقص من خلال النفط الفنزويلي، وتوفير أمان نفطي يلبي حاجات أميركا. صحيح أن هذه الخطوة قامت بها أميركا، ولكن التحريض الإسرائيلي لم يقصّر.

بعد قطع الأذرع صار ممكنا ضرب الرأس، حيث شنت إسرائيل وأميركا هجمات منسقة على إيران بدأتها بضربة قُتل فيها أغلب الصف القيادي بما فيهم خامنئي وكبار مساعديه. ولكن، حتى في هذه الحرب تبدو أهداف أميركا غير أهداف إسرائيل، فأميركا تبحث عن صيغة تفاهم مع أي قيادة إيرانية قابلة بشروطها، بينما تريد إسرائيل تدمير المقدرات الإيرانية: المشروع النووي، والصواريخ الباليستية، والقدرات العسكرية، والعلمية، وكل ما تعتقد أنه يشكل تهديدا إستراتيجيا، ولو بعد سنين طويلة. تماما كما فعلت في سورية.

النقلة الأخيرة بعد الحرب، وربما أثنائها، هي توفير كافة الشروط وتذليل العقبات وتهيئة الظروف أمام الشعب الإيراني، ليقوم بنفسه بإزاحة النظام..

مارس 01، 2026

العدوان على إيران


توجيه ضربات إيرانية لخمس دول عربية يُعد اعتداءً سافرا على سيادة تلك الدول، خاصة وأن الأهداف لم تقتصر على القواعد الأميركية، فقد شملت منشآت مدنية ومناطق سكنية، وهذا مُدان، لكن الاعتداء على إيران أكثر سفوراً ويتوجب إدانته في المقام الأول.. بصرف النظر عن موقفنا من النظام الإيراني.

وعند الحديث عن حق الشعوب في تقرير مستقبلها، وتطلعها للحرية، وتخلصها من الاستبداد فإن ترامب ونتنياهو آخر مخلوقين في الكوكب يمكن لهما أن يتحدثا في هذا الشأن، ليست أميركا ولا إسرائيل من يحدد معايير الخير والشر، فهما أكثر نظامين في العالم خاضتا حروبا وعدوانا خلفت ملايين الضحايا، هما الخطر الحقيقي والأول على السلم العالمي.

إيران (الدولة والشعب) ليست عدوا لنا، ومشكلتنا مع النظام تحديدا، لأنه نظام قمعي استبدادي تسلط على شعبه أولاً، ولأن مشروعه التوسعي أضر بالمنطقة العربية، وكل منطقة تغلغل فيها حوّلها إلى خراب، وجعل منها مجرد أذرع موالية وأدوات يسيّرها وفقاً لمصالحه، وعلى حساب مصالح شعوب المنطقة، وربما أخطر ما فعله النظام الإيراني إطلاق الطائفية من قمقمها، وتفتيت المنطقة لدرجة خدمت إسرائيل بأكثر مما كانت تتمنى.

لم يكن صراع إيران مع أميركا صراع حق وباطل، على مدى 46 سنة تقاسم النظام مع أميركا الأدوار، خاصة بعد حرب الخليج الأولى وبداية التغلغل الإيراني في العراق، حتى هيمن عليه، كذلك التخادم في إسقاط طالبان وفق مبدأ تقاسم مناطق النفوذ، لتتمدد إيران بعدها إلى أربع مناطق عربية أخرى خدمة لمشروعها في تبوؤ صدارة الإقليم، فعلت كل ذلك تحت شعار "مقاومة الإمبريالية" و"الشيطان الأكبر"، و"دعم المقاومة".. وفي الحقيقة لم يكن مشروع إيران مشروع مقاومة، بل مشروع هيمنة في مواجهة مشروع هيمنة آخر. ولم تكن صديقة للشعب الفلسطيني، بل إنها أكثر من أضر بقضيته، وأحدثت الانقسام.. إيران مجرد نظام يسعى وراء مصالحه الخاصة وحسب.

ثمة أخطاء كارثية اقترفها النظام الإيراني قادت إلى هذه النتيجة الحزينة والفاجعة، أولها اعتقاده أن الصمت الأميركي والدولي على تمدده كأنه إقرارٌ بدوره الإقليمي الجديد، وتوهمه أن هذا يمنحه تفويضا مفتوحا، وربما لأنه لم يقرأ جيدا التغيرات الجوهرية التي أصابت بنية النظام الدولي الجديد..

في هذا النظام ظهرت ثروات وموارد جديدة صارت عصب الصناعة والتكنولوجيا الحديثة وثورة المعلوماتية، وهناك حرب تجارية طاحنة بين أقطاب دولية تقتضي صراعا على الممرات المائية والموانئ والطرق التجارية وسلاسل الإمداد، وثمة قنوات وطرق بحرية وبرية جديدة، ومشاريع عملاقة، ومناطق استثمار جديدة يجري إقامتها، كل ذلك يشترط السيطرة على موارد الطاقة وحقول الغاز وضمان تدفقها، بأدوات جديدة أبرزها التكنولوجيا والأمن السيبراني.. والأهم هناك دول وفواعل شبه دولانية تقف وجه عثرة أمام هذا التحول الدولي الهادر، وبالتالي لا بد من إزاحتها وتحييدها.. في القلب منها إيران، وأذرعها الميليشياوية.

ما يعني أن كل نظام وكيان سياسي لا يكيّف دوره الوظيفي ومكانته ضمن هذه المعادلات ستجري إزاحته.. فما تأسس على الظروف السابقة لم يعد ملائما، وكل عملية تخادم لها تاريخ صلاحية. ربما فنزويلا آخر مثال.

الخطأ الكارثي الآخر، تمثل في الخطاب السياسي والإعلامي؛ خطاب التهديد والوعيد، والإدعاء بامتلاك القوة الجبارة، والمفاجآت الصاعقة.. والكارثة أن النظام نفسه صدّق هذا الخطاب! وهذا منشؤه خطأ أكبر؛ وهو الفهم الخاطئ والمشوه ل"مفهوم القوة"، والاعتقاد أن القوة في عدد الصواريخ ومدياتها.. وفي المعنويات العالية وحشودات الجماهير والتظاهرات المليونية، وفي خطاب العنتريات..

عند لحظة الحقيقة تقع الفاجعة.. الواقع السياسي لا يجامل، ولا يعبأ بالنوايا ومقولات الحق ينتصر وإرادة الشعوب والتضحيات المستحقة.. في لحظة الحقيقة يتكشف كل شيء، وتنهار كل الإدعاءات الزائفة والمتوهمة، وينتصر فقط من يمتلك عناصر القوة الحقيقية.

إسرائيل تمتلك الكثير من عناصر القوة الحقيقية وليس كلها، لكن العناصر الناقصة (وهي كثيرة وبالغة الأهمية) تعوضها أميركا، والتحالف الدولي..

مشكلتنا في العالم العربي أننا نقترف الأخطاء ذاتها؛ خطاب التهديد والوعيد، ووهم القوة.. نبالغ، ونصدق مبالغاتنا! ولم نقدر بشكل علمي وإستراتيجي مدى قدرات أعدائنا..

قبل النكبة استخف الخطاب العربي بالمشروع الصهيوني، وصفه بِ"عصابات اليهود"، "، و"شذاذ الآفاق"، فحلت النكبة.. ثم توعد خطابنا بصواريخ القاهر والظافر، وبإلقاء إسرائيل في البحر، فحلت النكسة..

في العام 1990 هدد صدام بحرق نصف إسرائيل، وصدقنا أن العراق يمتلك رابع جيش في العالم، ولديه المدفع العملاق والكيماوي المزدوج.. ثم سقط العراق..

كما تباهى حزب الله بأنفاقه وصواريخه وما بعد حيفا، التي ستجعل إسرائيل غير قابلة للحياة، وأن ميزان الردع بات محسومًا، وأنه غيّر قواعد اللعبة.. ثم انهار الحزب.. ومعه محور المقاومة..

أما حماس فتوهمت أن صواريخها وأنفاقها وقذائف الياسين قادرة على قلب المعادلة، وصدقت "وعد الآخرة"، و"وحدة الساحات"، ووعدت بالمفاجآت الكبرى فهاجمت دولة نووية بطائرة شراعية وبكبات تويوتا، فكانت النكبة الأكبر.

قبل حرب إيران هذه طالما هدد النظام بمحو إسرائيل خلال أيام، زاعماً أن لديه قدرات كاسرة للتوازن، وسيرد بقوة لا يمكن تخيلها.. وما حصل أنه تلقى ضربة قاصمة في اليوم الأول، وتبين أنه مخترق، ولم يعالج ثغراته الأمنية كما يجب، وأن أزماته الداخلية أعمق بكثير من تحمله حربا بهذا الحجم.. 

المشكلة ليست في أن إيران وأذرعها بلا سلاح؛ بل لديها ترسانة، المشكلة في الخطاب المتوهم الذي يتجاوز دائمًا الواقع، وقدرة التحمل الفعلية.

الأهم من امتلاك السلاح امتلاك اقتصاد قادر على الصمود، وتكنولوجيا متطورة، وشعب متحد داعم، وتخطيط إستراتيجي خالي من الشعارات، يعيد تعريف معنى القوة. الخطاب التعبوي لا يقود بالضرورة إلى النصر، بل يكشف هشاشة النظام، بمجرد أن يُختبر في لحظة الحقيقة، حينها يفتضح الفرق بين الردع النظري والقدرة الواقعية..

ما جرى وتكرر خلال العقود الماضية: خطاب تهديد، وتضخيم متوهم للقوة، بما يؤدي دوما إلى رفع سقف توقعات الجماهير، حتى تُصدم بالنتيجة، ثم يُعاد تدوير التجربة. وفي كل دورة جديدة يخيب أمل الجماهير، وتتعمق أزمتها النفسية، ومع ذلك، يبدو أننا لا نريد أن نتعلم الدرس.