أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

يونيو 30، 2026

سر الساحرة المستديرة


إذا كان لكل دين نبي وكتاب مقدس وشريعة وطقوس ومؤمنين ورموز وطوائف.. فإن لكرة القدم عناصر موازية جعلت البعض يشبهها بالدين، فإذا جاز التشبيه سنجد في عالم كرة القدم (كابتن، أو مدرب، قانون الفيفا، احتفالات الفوز، مواقيت البطولات، قصص اللاعبين، جمهور المشجعين، مشاهير، أندية..)..

وإذا قام الاقتصاد تاريخيا على التجارة والصناعة والزراعة والشركات والبورصات والبنوك ورجال الأعمال.. فإن كرة القدم باتت منافسا قويا ومكونا أساسيا في الاقتصاد العالمي، يوازي وأحيانا يفوق بتأثيره الاقتصادي كبريات الشركات، فكُـرة القدم لا تقتصر على مدرب يقود أحد عشر لاعبا في مباراة ضد منتخب منافس وبينها حكم ساحة.. بل إن 99% من العناصر البشرية التي تدخل مباشرة في كرة القدم ليسوا بالضرورة رياضيين، وربما بعضهم لم يلمس كرة طوال حياته، وبعضهم ركض مرة في آخر عشر سنوات حتى لا تفوته الحافلة.. لدينا الطاقم الفني والطبي والإداري واللوجستي والأمني، ومن يصنعون معدات اللعب من كرات وملابس وملحقاتها، ومن يبنون الملاعب والمنشآت المرافقة، ومن يشتغلون في الإعلام الرياضي، والبث التلفزيوني وفي الدعاية والإعلان والمراهنات..

لم تعد كرة القدم مجرد لعبة، بل أصبحت صناعة عالمية تُستثمر فيها عشرات المليارات من الدولارات كل عام. فبعض الأندية تدير موازنات تفوق موازنات دول، بينما تبلغ إيرادات الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) خلال دورة واحدة أربعة أعوام نحو 13 مليار دولار.

جمعت كرة القدم خصائص قلّ أن تجتمع في رياضة أخرى؛ فهي رياضة فردية وجماعية في آن واحد، وهي بسيطة لا تحتاج إلى تجهيزات معقدة أو مكلفة. ومثيرة: يمكن ممارستها في الشارع أو في أي ساحة، وقادرة على تجاوز الحواجز الاجتماعية والثقافية: أي شخص يستطيع فهم مجريات المباراة بسرعة، مشوقة: في كل دقيقة يتغير مجرى اللعب، وفي أي ثانية يمكن أن تنقلب النتيجة، ما يمنحها عنصر الإثارة، فيظل المشجّع متوترا حتى اللحظة الأخيرة. وهي لعبة المفاجآت: ليس الأقوى هو الذي يفوز دائمًا، قد يهزم منتخب مغمور قوة عظمى.

في كرة السلة قد يُسجل أكثر من مئة هدف، بينما في كرة القدم ينتظر الجمهور تسعين دقيقة من أجل هدف واحد. وهذه الندرة تجعل كل هدف حدثًا استثنائيًا. وكل مباراة قصة جديدة.

كرة القدم ليست مباريات فقط؛ بل أرقام مثيرة: منتخب يحقق أول بطولة، لاعب يسجل رقما جديدا في الأهداف.. هي أيضا قصص: طفل فقير يصبح أسطورة، لاعب محبوب يتعرض لإصابة، حكم عنصري، حارس مرمى ضعيف.. والناس تحب القصص.

التلفزيون والإنترنت جعلت اللعبة حدثًا عالميًا يشاهدها مليارات البشر في اللحظة نفسها. كما أسهم نجوم اللعبة الأشهر تاريخيا في جعل كرة القدم ظاهرة عالمية، وأصبحوا قدوة لملايين الشبان والأطفال، وصار حلم الكثيرين أن يصبحوا نجوم كرة، لعلها تنتشلهم من فقرهم، أو تحقق لهم الشهرة.. خاصة وأن كرة القدم لا تعتمد على الطول أو القوة البدنية وحدهما، بل تعتمد على الموهبة الفردية التي طالما ظهرت في الأزقة والحواري في أفقر أماكن العالم، وتمنح فرصة للإبداع والمهارة والذكاء والعمل الجماعي، ولذلك يشعر كثيرون بأنها لعبة يمكن لأي شخص أن يحلم بالنجاح فيها.

 لهذه الأسباب وغيرها صارت الرياضة الأكثر شعبية في العالم، وعندما نقول "الأكثر شعبية" لا يعني أن كل الناس تمارسها، بل نقصد على مستوى المتابعة والاهتمام والشغف. وعندما يشجع الناس نادياً أو منتخباً فإنهم أولاً يعبرون عن انتمائهم للمدينة أو للمنطقة التي يقيمون فيها، أو للوطن الذين ينتمون إليه، وهكذا تتحول المباريات خاصة الكبرى منها إلى مناسبات اجتماعية وثقافية تتجاوز الجانب الرياضي.. بهذا المعنى بات المنتخب الوطني لأي بلد تجسيدا حيا للذاكرة الجماعية، يعزز شعوراً مشتركاً بالانتماء، وهنا يغدو المنتخب ممثلا للدولة، بل ويتحول إلى رمز للأمة. فنلاحظ في المباريات الحاسمة كيف يلتف كل الشعب خلف منتخبه الوطني متجاهلا كل التناقضات التي كانت تؤرقه وتشتته.

بمعنى آخر صار لكرة القدم أهمية في تعزيز الهوية الوطنية، وصارت المباراة مناسبة للتعبير عن حب الوطن..

الصديق محمد صباح اعترض على هذا الطرح، موضحا أن "المنتخبات الرياضية في أوروبا أعادت سؤال الهوية القومية إلى قلب النقاش الأوروبي، بعد أن ظن كثيرون أنه قد حسم. فالوقائع الأوروبية خلال العقود الأخيرة تظهر أن الدستور وحده لا يصنع أمة، وأن الولاء القانوني لا يغني عن الذاكرة التاريخية والثقافة المشتركة. ولهذا نجد المنتخب الألماني أو الفرنسي (حيث يغلب عليها ضم لاعبين من أصول مختلفة غالبا إفريقية)؛ وبالتالي فإن المشكلة التي يناقشها كثير من الألمان اليوم ليست أصول اللاعبين بحد ذاتها، بل شعورهم بأن ألمانيا فقدت شخصيتها التاريخية وروحها الجماعية التي كانت تتجاوز الأفراد. فالمنتخب كان تجسيداً لثقافة كروية وانضباط وتقاليد وروح مشتركة، لا مجرد مجموعة من المواهب الفردية. وحين أصبح معيار اختيار المنتخب هو الكفاءة وحدها، دون اكتراث بالهوية الجامعة تحول إلى مشروع رياضي ناجح، لكنه فقد جزءاً من معناه الرمزي".

مع أن كرة القدم ليست مجرد رياضة، بقدر ما هي لغة عالمية مشتركة؛ إلا أننا في ثقافتنا الشعبية عندما نشجع منتخبا وطنيا لدولة أجنبية نضع السياسة معيارا (تاريخ البلد الاستعماري، موقفه من قضايانا الوطنية). وعندما نشجع نادياً معيناً فإننا في الوقت ذاته نكوّن جماعة ثم ننتمي إليها، فالإنسان يحتاج إلى الانتماء، وهذا النادي يوفر انتماءً سريعاً وآمناً. ويغدو كل مشجع يشعر بأنه جزء من هذه الجماعة، وانتصار النادي يصبح انتصاره الشخصي.

باختصار: نجحت كرة القدم لأنها جمعت ما لم تجمعه لعبة أخرى: البساطة في الممارسة، والعمق في المشاعر، والدراما في المنافسة، والهوية في الانتماء، والضخامة في الاقتصاد، والعالمية في الانتشار.


يونيو 27، 2026

الوجه الآخر لكأس العالم

 

حسناً، كرة القدم مصدر سعادة وبهجة، ووسيلة تسلية وتشويق محببة، وتمثل شكلا راقيا للتنافس بين الشعوب بدلا من الحروب.. ولكن كرة القدم مثل أي ظاهرة في الكون لها أوجه متعددة، وليست كلها إيجابية؛ فإذا كانت توحّد الشعوب فإنها تفرق الشعب الواحد حين تتعصب كل منطقة لناديها، وإذا كانت تمنع الحروب فقد أشعلت حربا ذات مرة (بين السلفادور وهندوراس 1969)، كما تسببت مباريات لكرة القدم بكوارث مؤسفة راح ضحيتها عشرات المواطنين، ربما آخرها مأساة مباراة فريقي المصري والأهلي سنة 2012 التي راح ضحيتها 76 مواطنا، وحادثة مباراة ليفربول ونوتنغهام عام 1989 حيث توفي 97 مشجعاً بسبب التدافع والاختناق، وفي إندونيسيا اقتحمت الجماهير الملعب سنة 2022، مما دفع الشرطة لإطلاق قنابل الغاز، وتسبب التدافع بوفاة أكثر من 130 شخصا.. وغيرها الكثير.. لكنها تبقى مجرد حوادث منفصلة، سواء كانت مقصودة، أو بسبب التدافع وعنف المشجعين.. وهذا ليس موضوعنا.

معارضو كرة القدم، ممن لا تروق لهم هذه اللعبة يقولون إنها "مؤامرة ماسونية" لإلهاء الشعوب.. لكنّ كرة القدم ليست اختراعا لشخص، أو ابتكارا ظهر فجأة واكتسح العالم.. بل هي أيضا مثل أي ظاهرة طبيعية نشأت ضمن بدايات متواضعة ومرتبكة (في إنجلترا)، ثم مع مرور الوقت انتشرت حول العالم كلعبة مسلية.. وفيما بعد جرى تنظيمها وتأطيرها، وما زالت "الفيفا" تراجع قوانينها وتحدّثها وتدخل عليها تحسينات وتغييرات معينة..

لكنّ نفي سمة المؤامرة عن كرة القدم وبطولاتها المتعددة، لا يعني أن هذه اللعبة لا يجري توظيفها سياسيا من قبل الحكومات، أو استغلالها ماليا من قبل القوى الرأسمالية..

يُقدر حجم الاستثمار في كرة القدم بعشرات المليارات من الدولارات سنوياً، في كأس العالم 2026، يُتوقع أن يضخ المونديال ما يزيد عن 80 مليار دولار في الاقتصاد العالمي، في حين تستهدف "الفيفا" إيرادات تتخطى 9 مليارات دولار، وحجم رهانات يتجاوز 50 مليار دولار. الكل يستثمر في هذه اللعبة بدءا من الشركات العملاقة حتى مقهى الانشراح..

أما عن التوظيف السياسي، فكل دولة تسعى للوصول إلى نهائيات كأس العالم، لأسباب متعددة، منها استخدامها كقوة ناعمة، وأداة للترويج السياحي، أو حتى للإعلان عن حضورها، فمثلا تفاجأ العالم بوجود دولة اسمها كوراساو، مساحتها  444 كلم مربع، وعدد سكانها 160 ألف نسمة، ولولا مشاركتها في المونديال لظلت منسية ومجهولة..

التوظيف الأهم والأخطر لكرة القدم هو سعي الأنظمة والحكومات لخلق ما يُعرف ب"المواطن المستقر"، أي المواطن الذي يخضع للسلطة بالكامل، وجعله راضيا وقانعا بوضعه البائس، وبالتالي إخضاع وتكييف المجتمع بأكمله مع الواقع السياسي والاقتصادي دون قدرة أو رغبة منه في الاعتراض والتمرد، حيث تنجح السلطات الدكتاتورية والفاسدة خاصة في دول العالم الثالث، في خلق المواطن المستقر من خلال آليات معينة؛ أولها الأسرة، ثم المدرسة، ووسائل الإعلام الرسمية، وأخيرا الوضع الاقتصادي.. وحتى يظل المواطن مستقرا ومتقبلا للوضع تستخدم السلطة ثلاث ضوابط: إشغال المواطن بلقمة العيش، توظيف الدين سياسيا وشعبويا، وأخيرا توفير وسائل التسلية والسلوان.. وأهمها وأكثرها انتشارا كرة القدم.

هنا ستعوّض وسائل التسلية (كرة القدم ومتابعتها) حاجات المواطن النفسية غير الملباة، والتي حرم منها، وبدلا من انشغاله في قضايا الغلاء، والبطالة، والفقر، وتردي الخدمات الصحية والتعليمية، وفساد الطبقة الحاكمة، وغياب العدالة الاجتماعية، والقمع السلطوي، والسياسات الاقتصادية التي ترهق المواطنين، وسياسات الدولة الخارجية التي تتعارض مع الدستور وإرادة الشعب.. وحقوق المواطَنة والانتخابات والمشاركة السياسية.. كل هذه القضايا تصبح ثانوية أو مغيّبة، أو محرمة.. ويجري استبدالها بالانشغال بكرة القدم..

في الدول المتقدمة والديمقراطية ينشغل المجتمع بكرة القدم بكل شغف، ويتابع كل شخص تقريبا منتخبه الوطني أو ناديه المفضل بكل حماسة.. الوقت والجهد والمال الذي ينفقه في متابعة المباريات لا ينسيه حقوقه ومطالبه وواقعه.. حتى لو أرادت الدولة توظيف الرياضة لخلق "المواطن المستقر" لا تستطيع.. فالآليات الديمقراطية تحول دون ذلك..

المشكلة ليست في كرة القدم، ولا في الرياضة عموما، ولا في المباريات والبطولات ومتابعتها.. المشكلة في وعي المواطن لحقوقه وواجباته، وحين يوظف هو نفسه كرة القدم كأداة قمع وإلهاء ذاتية.. وحين يتعامل معها كبديل مريح ينسيه واقعه المزري.. أنظر مثلا كيف تعامل الجمهور العربي مع المنتخبات العربية التي قدمت أداء متواضعا في المباريات وفشلت في إحراز أي نصر؛ تعامل معها بكل قسوة، وفـرّغ مكنونات غضبه فيها، اعتبرها السبب في تردي الأوضاع، والمسؤولة عن الإحباط واليأس الذي يخيم على المجتمع..

منذ قرون ومجتمعاتنا العربية تعيش أوضاعا مزرية.. الناس، الأهالي، الأفراد.. الكل محبط ويشعر بالهوان والضعف وانسداد الأفق.. لكن أحدا لا يريد التفتيش عن الأسباب الحقيقية.. نمارس الهروب ونفتش عن أسباب وهمية وحلول وهمية.. في المونديال كان كل مواطن يتابع لاعبي منتخبه بحثا عن أي خطأ، يقرعهم وكأنه في قرارة نفسه يحملهم مسؤولية ألف سنة من الانحدار والتراجع والهزائم.. يشتمهم بغضب لعله يجد ضالته في الشتم ولتنفيس حالة الاختناق.. حتى تحول شعورنا بالإحباط والعجز إلى وحش مخيف يريد افتراس كل  من يتحرك أو يحاول أو يبادر..

نعم، كرة القدم جميلة وممتعة.. لكن المنتخبات القوية لا تأتي جزافا، وانتصاراتها لا تأتي بالدعاء.. هي حصيلة تطور المجتمع والدولة، ونتاج جهود مضنية وناجحة في كافة القطاعات.. باختصار هي صناعة متكاملة، وقطاع قائم بذاته.. ومن العبث فصلها عن سائر قطاعات الدولة والمجتمع، أو اعتبارها بديلا مريحا وسهلا عن الانشغال بالعلم والتكنولوجيا والثقافة والتنمية.. لذا ليست مصادفة أن تحتل الدول المتطورة صدارة المونديال كل مرة..

يونيو 21، 2026

كأس العالم وسؤال الهوية

 

يردد الرياضيون المشاهير مقولات تُشيد بكرة القدم، ويقولون إنها توحد الشعوب، ولو كانت دولة لكانت الأكبر في العالم.. وهذا صحيح، فهي الرياضة الأكثر شعبية على مستوى العالم، وتحتل بطولة كأس العالم أهمية كبيرة في حياة الناس، ينتظرونها بشغف، ويمضون ساعات طويلة في متابعة مبارياتها وتشجيع فرقهم الوطنية..

في المنطقة العربية تحدث مع كل مونديال ظاهرة مهمة ومدهشة؛ صحوة الشعور القومي، حيث تختفي فجأة كل الخلافات البينية بين الدول والشعوب العربية، ويغدو كل منتخب عربي قصة مشتركة لكل الجماهير العربية، وستشجعه بحماسة كبيرة، كما لو أنه يمثلها. والسبب كما فسره صديقي عامر بدران يكمن في سهولة التعبير عن الانتماء للهوية العربية المشتركة، باعتبار أن هذا الانتماء سهل ولا يكلّف شيئاً طالما أنه يتعلّق بكرة القدم، خلافا للأمور الأخرى (مثل الطائفة، والقبيلة، والسياسة والأيديولوجيا) التي قد تكلف المواطن حياته أو مصيره أو سمعته.. بينما كرة القدم، والرياضة عموماً موضع قبول وترحيب ومصدر فرح ومتعة لأنها تخاطب المشاعر والعواطف ولا تخاطب الأفكار والمصالح.

بمعنى آخر من الطبيعي والسهل جدا على كل مواطن تشجيع أي منتخب عربي دون الحاجة لأي شروحات أو تبريرات، بينما يحتاج الإعلان عن الموقف السياسي والفكري للكثير من التوضيح والتفسير وهذا يتم عادة في أجواء مشحونة بالتوتر مصحوبة بمعارك كلامية وسجالات حامية لا تنتهي على خير، وإذا كان الأمر متعلقا بمعتقد ديني أو انتماء طائفي فقد تصل الأمور إلى الاقتتال والسلاح والتفجيرات.

وهذه الظاهرة (مشاعر التضامن والحماسة تجاه المنتخبات العربية والفرح الجماعي عند كل هدف في مرمى الخصم) ينبغي دراستها بعناية، والتفكير جديا بأن يتم اعتبارها أحد أهم مكونات الهوية العربية بمفهومها القومي وصورتها المستقبلية، خاصة وأن المكونات الأخرى بدلا أن تكون جامعة كانت مشتتة ومرهقة بل وأنهكت الجسد العربي.. وما يعزز هذا الطرح أن الهويات القومية والوطنية على مستوى العالم تتحرك وتتبدل وتتطور (ليس في عصرنا الراهن، بل ومنذ قرنين على الأقل)، وفي سياق هذه التحرك تدخل عناصر ومكونات جامعة وتخرج أخرى مفرقة. الاستثناء ربما الوحيد ظل في التصور الأيديولوجي للهوية العربية!

لو فهمنا "الهوية" من خلال كأس العالم كوسيلة إيضاح، سنجد الكثير من الأمثلة المعززة، منها مثلا ظاهرة المشاعر المتضاربة حينا والمحسومة أحيانا التي تنتاب الجاليات العربية في دول العالم حين تجري مباراة بين بلدهم الأصلي والبلد الذي يقيمون فيه، ستجد البعض ما زال منحازا بقوة تجاه منتخب بلده الأصلي، وآخرون حسموا خيارهم وانحازوا لمنتخب الدولة التي يقيمون فيها، حتى لو لعب ضد بلده.. خاصة أبناء الأجيال الجديدة.

خذ مثلا اللاعب "ياسين العياري"؛ تونسي الأصل ويلعب مع منتخب السويد، في المباراة الهامة سجل هدفين لصالح السويد في مرمى تونس، واحتفل بحماسة بالفوز القاسي على بلده الأصلي.. ربما في أعماقه قال أنا آسف يا تونس، لكنه اختار السويد.. تونس بالنسبة له ماضٍ ربما مثقل بالأحزان والهموم.. السويد هي الأفق الرحب لحياة جديدة تنتظره. وبدلا من النظر للخلف ركض حراً وفرحاً نحو المستقبل .كل واحد منا لو أتيحت له الفرصة سيفعل ما فعله ياسين.

المفهوم الجديد والحداثي للهوية يقوم على مبدأ المواطَنة.. وهذا المبدأ تعارضة بشدة الجماعات العنصرية، فمثلا حين جلب اللاعب التونسي نصرا للسويد شككت الجماعات العنصرية بسويديته.. وما زالت بعض الجماهير الفرنسية (العنصرية) تنظر بريبة واحتقار تجاه اللاعبين من أصول إفريقية رغم أنهم يشكلون أغلبية منتخب فرنسا! في المنطقة العربية مفهوم المواطَنة أكثر التباسا، فمثلا بعض الجماعات العنصرية في الأردن تنظر بريبة تجاه اللاعب المميز عودة الفاخوري، تراه مسيحيا أكثر مما تراه أردنيا، تراقب تحركاته خاصة عندما يسجد الفريق فرحا بهدف ويقف عودة متفرجا (علّق البعض على الصورة: "فسجدوا إلا إبليس").

أتاح مفهومُ المواطنة للمهاجرين الاندماجَ في المجتمعات الجديدة، بل وتبوُّؤ مناصبَ عليا في الدولة، والانضمام إلى المنتخب الوطني، وإذا اتخذنا هذا معيارا سنجد أن تشكيل المنتخبات الكروية يكشف الكثير عن طبيعة المجتمعات والتغيرات التي طرأت حديثا في مفاهيم الهوية والانتماء.

في دول مثل كندا وفرنسا وهولندا والولايات المتحدة نلاحظ التنوع والتعددية. بينما في دول مثل اليابان والأرجنتين لا يوجد أي تنوع أو تعددية، وبدرجة أقل معظم المنتخبات العربية. باستثناء المغرب الذي ضم منتخبه لاعبين متجنسين بالهويات الأوروبية لكنهم انصهروا معا لتمثيل المغرب موطنهم الأصلي، وهذا يعكس مرونة مفهوم الهوية والانتماء في المغرب، كما هو حال مجتمعات الحداثة.

خلال القرن التاسع عشر قامت الأرجنتين بعملية إخفاء للأقلية السوداء استمرت عقودا، عبر العنف العرقي، والتسفير، وتضييق الحصار عليهم، وتجويعهم وتهميشهم. مقابل تشجيع الهجرات للأقليات البيضاء، لذا جاء منتخبها أبيضا بالكامل. اليابان وحتى نهايات القرن التاسع عشر كانت تحظر دخول الأجانب أراضيها، ومع أنّ شعبها منفتح ومتحضر إلا أن الدولة ما زالت تفرض قيودا صارمة على دخول أراضيها وتحظر الهجرات كليا.

المسألة لا تقتصر على سياسات الدولة تجاه المهاجرين والأقليات، بل على مدى تقبّل المجتمع للتعددية الثقافية، والخروج معاً من حالة الهوية الواحدة إلى الهوية التعددية.. فمثلا في المجتمعات العربية توجد تعددية كبيرة في الأعراق والثقافات والأديان والطوائف.. لكنها غير مندمجة كما ينبغي، وكل جماعة تقف بحذر وتوجس عند حدود هويتها الفرعية، دون تداخل عميق في العلاقات الاجتماعية.

في الدول الحديثة تُمنح الجنسية للمهاجرين بعد سلسلة إجراءات طويلة تمر عبر مراحل متعددة، بينما استحدثت قَطر مفهوم "التجنيس الرياضي"، حيث تمنح جنسيتها فوراً لأي لاعب موهوب بهدف شراء القوة الناعمة الرياضية، وإحراز بطولات وألقاب تفيد الدولة.. وهذا أبعد ما يكون عن مفهوم التعددية والاندماج.. لذا أصدرت "الفيفا" قانونا خاصا يحظر "التجنيس الرياضي".

في زمنٍ قادم ستوحد كرة القدم شعوب العالم بشكل فعّال، ولكن سنحتاج زمنا طويلا قبل أن نبرأ من عادة الحكم على المنتحب الرياضي استنادا إلى ماضي دولته الاستعماري، أو بحسب سياسة حكومته الحالية تجاه قضايانا السياسية.. وهذا صعب لأن تلك الدول ما زالت توظف الرياضة والبطولات والألقاب كقوة ناعمة، لكن في إطارها السياسي.

يونيو 03، 2026

رواد الدبلوماسية الفلسطينية

 

مع أن الشعب الفلسطيني لم يمتلك دولة؛ لكنه عندما امتلك كيانه السياسي المعنوي (م.ت.ف.) لم يتأخر في صنع دبلوماسيته الخاصة، وصياغة خطاب سياسي وإعلامي واقعي، ونقل الرواية الفلسطينية للعالم، وحشد الاعتراف الدولي بحقوق الشعب الفلسطيني في مختلف المحافل والمنابر العالمية، وقد حمل جيل المؤسسين، رواد الدبلوماسية الفلسطينية على عاتقهم هذه المهمة.

نفذ الخطوة الأولى رائد الدبلوماسية الفلسطينية المرحوم أحمد الشقيري، صاحب الخبرات الدبلوماسية والقانونية التي اكتسبها خلال عمله في الجامعة العربية والأمم المتحدة، وقد استثمرها في تأسيس منظمة التحرير، فجاء ميلادها نتيجة جهود سياسية ودبلوماسية، تعزز حضورها فيما بعد مع انطلاق الثورة الفلسطينية المسلحة.

افتقر الجيل المؤسس إلى الخبرة والأدوات والتقاليد الدبلوماسية، وقد تأخر حضورهم الدبلوماسي بسبب النظرة الشعبية السلبية تجاه العمل الدبلوماسي، والترفع عنه، والتركيز على الكفاح المسلح باعتباره الشكل الأنسب والأهم في العملية النضالية، واعتبار العمل السياسي والدبلوماسي شكلاً لاحقاً أو مكملاً لا شكلاً أساسياً، بل وأحيانا ازدرائه واعتباره مرادفا للتنازل والتخاذل.

تركز العمل الدبلوماسي قبيل وبعد انطلاقة الثورة على إقامة علاقات خارجية مع الأنظمة الثورية مثل الجزائر والصين وفيتنام والاتحاد السوفييتي، واستطاع خليل الوزير إقامة علاقات متميزة مع معظم حركات التحرر في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية. وظل النضال العسكري يتقدم الأشكال النضالية الأُخرى بمسافة واسعة. 

مع نهاية الستينيات ولدت من رحم الكفاح المسلح دبلوماسية أُخرى أقرب إلى "الثورية"، كان هدفها كسب الحلفاء والأصدقاء على الساحة الدولية، مع استمرار الاعتقاد بأن الفعل الثوري الميداني هو الأهم، وأن الحل السياسي المنشود يأتي من فوهة البندقية وليس من خطاب المفاوضين الدبلوماسيين الأنيقين، وأنَّ القرارات الدولية ظالمة وغير مقبولة، وأن العدو يمكن هزيمته استنادا إلى مقولة "الاستعمار نمر من ورق". وبالتالي لا مفاوضات ولا تسوية إلا بالقوة العسكرية، ولا مكان لأنصاف الحلول، ولا للمرحلية والجزئية، ولا للمساومات والحل السلمي.

في العام 1974، واستجابة لمتغيرات المرحلة ومعطياتها الجديدة تم اعتماد البرنامج المرحلي، ما استدعى تغييراً في الخطاب السياسي والشعارات المرفوعة، وهذا انعكس على وظيفة ومهمات م.ت.ف، التي تحولت من منظمة عسكرية مقاتلة إلى كيان وطني سياسي (له ذراعه العسكري)، تمثل الشعب الفلسطيني، ومعترف بها عربياً ودولياً، وبالتالي صارت بحاجة إلى مؤسسة دبلوماسية متخصصة، ومن بعدها تزايد الاعتماد على العمل الدبلوماسي ليكون الأداة الرئيسية للنضال السياسي وذراعه الخارجية.

مع توسع علاقات المنظمة عبر العالم، وتطور خطابها الإعلامي إلا أنه بقي في إطار الشعارات الثورية.. في تلك المرحلة ظهر جيل جديد من الدبلوماسيين الفلسطينيين، تميزوا عن غيرهم برؤية سياسية أكثر واقعية، كانوا مؤمنين بالحل السلمي، وبالاستناد إلى الشرعية الدولية، وبأهمية فتح حوار فلسطيني إسرائيلي، تلقى هؤلاء تعليما عاليا في الجامعات الأوروبية، كان منهم الموسيقي، والأديب، والفنان، والمفكر.. البعض وصفهم بالمعتدلين، والعقلانيين، فيما وصفهم التيار الغالب في فصائل المقاومة بالانهزاميين، ودعاة الاستسلام، وفي أحسن الأحوال بالحالمين..

كانت أطروحاتهم مثيرة للجدل، ومرفوضة شعبيا، حيث كانت الهيمنة لشعارات المقاومة الثورية والكفاح المسلح، ورفض أية تسوية سياسية.. وهذا الموقف لم يكن شعبويا وحسب، بل حملته الأنظمة العربية آنذاك، خاصة سورية والعراق وليبيا وغيرها.. بالإضافة للموانع والضوابط التي فرضها الاتحاد السوفييتي خاصة تجاه أي حل سياسي تطرحه الولايات المتحدة. لكن الرفض الأهم كان يأتي دوما من قبل إسرائيل.

امتلك هؤلاء الرواد الشجاعة لطرح آرائهم علنا، ومعاكسة التيار.. نتذكر منهم:

محمود الهمشري؛  ممثل منظمة التحرير في باريس، الذي أسّس شبكة علاقات سياسية وإعلامية واسعة للدفاع عن القضية الفلسطينية، وقد عُرف بقدرته على مخاطبة النخب الفرنسية بلغة سياسية وثقافية حديثة. اغتالته إسرائيل عام 1972.

عز الدين القلق؛ الذي جمع بين الثقافة والعمل السياسي، وكتابة القصة القصيرة، وشغفه بالمسرح والموسيقى، تسلم إدارة مكتب المنظمة في باريس بعد اغتيال الهمشري، وحوّله إلى مركز نشاط سياسي وإعلامي مؤثر. عُرف بعلاقاته الواسعة مع الأحزاب والمثقفين الفرنسيين والأوروبيين. اغتيل في مكتبه عام 1978.

سعيد حمامي؛ درس الأدب الإنجليزي، وعمل في الصحافة والتدريس. عُيّن ممثلاً لمنظمة التحرير في لندن عام 1972، وكان أول حضور فلسطيني سياسي علني ومؤثر في بريطانيا. تميز بخطابه البراغماتي ودعوته إلى الحوار السياسي، وساهم في فتح قنوات مع الصحافة والبرلمان والأوساط الأكاديمية البريطانية.. اغتيل في لندن عام 1978.

نعيم خضر؛ درس القانون والعلوم السياسية، تولّى إدارة مكتب منظمة التحرير في بروكسل، وعمل على بناء علاقات قوية مع المؤسسات الأوروبية والأحزاب والنقابات البلجيكية، وكان من أوائل من أدخلوا القضية الفلسطينية إلى دوائر القرار الأوروبية بصورة فعالة. عُرف بأسلوبه الهادئ وقدرته على الحوار وكسب التعاطف الأوروبي مع الفلسطينيين. اغتيل في بروكسل عام 1981.

عصام السرطاوي؛ طبيب وجراح القلب، المعروف بمواقفه السياسية الجريئة والمختلفة، اغتيل في نيسان 1983 في البرتغال أثناء مشاركته في مؤتمر منظمة الاشتراكية الدولية التي اعترفت بفلسطين في ذلك اليوم، حيث أطلق عليه مسلح النار بمسدس كاتم للصوت، بتعليمات من "أبو نضال" الذي تجنب استهداف "بيريس" المشارك في المؤتمر نفسه!

كان يُنظر إليهم بوصفهم واجهات دبلوماسية وإعلامية فلسطينية نشطة، عملت على كسب التأييد للقضية الفلسطينية في أوروبا، وهذا ما أثار قلق إسرائيل، لذا استهدفتهم جميعا بالاغتيالات، إما مباشرة أو عن طريق بنادق مؤجرة مثل جماعة أبو نضال.

لم تكتف إسرائيل باغتيال الدبلوماسيين العقلانيين المعتدلين، بل استهدفت بالأساس كل مفكر وأديب، وصاحب رأي مستنير، فقتلت: غسان كنفاني، وعبد الوهاب الكيالي، وكمال ناصر، وكمال عدوان، وماجد أبو شرار، وحنا مقبل.. وهؤلاء لم يكونوا عسكريين، ولا رجال أمن، ولم يحملوا السلاح؛ حملوا أقلامهم وناضلوا بأفكارهم .. صحيح اغتالت رجل الأمن الفذ علي حسن سلامه، ولكن سبب اغتياله أنه نجح في فتح قنوات اتصال مع صناع القرار في الولايات المتحدة.

في الأرض المحتلة برزت شخصيات وطنية معتدلة ووسطية، لا يتبنون أطروحات أيديولوجية مطلقة وإقصائية ولا مشاريع عدمية، بل كانوا واقعيين وعقلانيين، وقد عبروا عن مواقفهم السياسية بوضوح: الدعوة لتحقيق السلام العادل والشامل، ورفض الاحتلال والاستيطان، ومقاومته بالطرق السلمية وبالمقاومة الشعبية، ورفض أي تسوية لا تضمن الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، ولا تؤدي إلى دولة فلسطينية مستقلة.. أبرزهم: فهد القواسمي، وبسام الشكعة، وكريم خلف، ومحمد ملحم وعبد الجواد صالح وغيرهم، وهؤلاء استهدفتهم إسرائيل بالاغتيالات والإبعاد والإقامة الجبرية والاعتقالات.

ليس أخطر على الاحتلال من شعب مسلح بالوعي والثقافة والخطاب العقلاني.

يونيو 01، 2026

الحدث، وعدم وقوعه

 

في صيف العام 1988 استدعى صدام حسين أحد أهم المحللين الإستراتيجيين، والمعروف عنه تنبؤاته التي لا تخيب، وقدرته المدهشة على قراءة الطالع السياسي لأي نظام.. سأله عن توقعاته ورؤيته لحال العراق في العقود القادمة.. وحتى يطمئن منحه الأمان لقول كل ما يريد دون خوف.. فأجاب:

سيدي الرئيس، لقد أنهيتم حربا شرسة مع إيران بنصر مبين، ولديكم جيش من أقوى جيوش المنطقة، وأجهزة أمنية تعد على الناس أنفاسهم، وهي قادرة على ضبط البلاد والعباد، وتنعمون بمحبة الجماهير، ورؤساء المنطقة يهابونكم، ولدى العراق إمكانيات هائلة وموارد سخية، وألمع العقول في العالم.. ولكن لديكم مشكلتان خطيرتان، الأولى وضع اقتصادي صعب نتيجة الحرب وتراكم الديون.. والثانية: أن وضع العراق الآن وامتلاكه هذه القوة لا يرضي أميركا ولا إسرائيل، ويقلق زعماء العالم.. لذا ستكون الأنظار متركزة عليكم، وستُحاك ضدكم مؤامرة خبيثة، وسيحاول الأميركان جركم إلى حرب جديدة مع جارتكم الكويت، وسيجلبون الجيوش والأساطيل، وسيغزونكم في عقر داركم بعد سنتين، ومن بعدها سيفرضون عليكم حصارا خانقا، حتى ينتهي حكمكم نهاية حزينة، وستدخل البلاد وسائر المنطقة نفقا مظلما، سيبدأ مسلسل الانحدار بجيث يصعب إيقافه..

شعر المتنبئ أنه زودها شوية في ثقته واسترساله بالشرح، وأحس أن صك الأمان الذي منحه إياه صدام على وشك الانتهاء، فأخذ يتصبب عرقا، وأدرك أن عليه التوقف عند هذا الحد.. لكن صدام كان هادئا على غير المتوقع، وطلب منه مواصلة الحديث، وطرح الحلول.. فاستجمع صاحبنا شجاعته وقال له:

سيدي الرئيس: المشكلة الاقتصادية يمكن حلها بحوار هادئ مع الجيران، وتقديم بعض التنازلات، المهم ألا تصل الأمور حد الحرب.. لكن الأهم هو استثمار اللحظة التاريخية وتحويل نظرات الريبة والخوف في أعين العالم إلى نظرات إعجاب، وبالتالي سحب البساط من تحت كل مؤامرة ستُحاك مستقبلاً..

حدّق صدام في وجه صاحبنا المتنبئ، الذي لم يستوعب تلك النظرة؛ هل هي تهديد؟ أم قبول؟ وأمام إلحاح الرئيس قدم تصوراته للحل: عليكم إجراء انتخابات عامة، وإتاحة المجال لبدء حياة ديمقراطية حقيقية، والسماح بحرية التعبير، والإفراج عن المعتقلين السياسيين، والحوار مع المعارضة، والتركيز على المسارات الصناعية والزراعية والعلمية بعيدا عن سطوة الحزب، وتغيير الخطاب الإعلامي، والانفتاح على العالم..

بوجه محايد صافح صدام ضيفه، وودعه عند الباب بكلمات حاسمة: حسناً، سأجري الإصلاحات التي تحدثت عنها، وسأنتظر سنتين، لأتحقق من صحة نبوءتك.. وسنرى..

بالفعل، بعد سنتين استدعى الرئيس ذلك المتنبئ إلى قصره.. كان الشرر يتطاير من عينيه، وبنبرة من يحاول كتم غيظه قال: لقد مرت سنتين، ونفذنا الكثير مما اتفقنا عليه.. والنتيجة لم أعد خبرا رئيسا ووحيدا في نشرات الأخبار، لم تعد صوري وتماثيلي تملأ الشوارع والساحات، بل صار البعض يتجرأ على مناقشتي وانتقادي، والمعارضة تشن هجومها عليّ مثل كلاب مسعورة، وكل يوم مظاهرة، ومطالب جديدة.. عدا عن ذلك، لم تنشب حرب مع أي أحد، ولا توجد أية مؤشرات عن مؤامرات خبيثة، ولم نرَ جيوش الأطلسي زاحفة نحونا، ولم نتعرض لأي حصار!! ما يعني أنك متنبئ فاشل وكذاب.. حتى أنك لن تعرف إذا كنت سأعدمك شنقاً، أم رمياً بالرصاص..

طبعا، هذه قصة متخيلة تفترض حالة معينة كان يمكن أن تحدث، ومسارات سياسية وإستراتيجية كان يجب أن تتحقق.. لكن شيئا منها لم يحصل.. وحصل العكس (احتلال الكويت وحرب الخليج)، ما يؤكد أن حدثاً ما يمكن أن يغير مجرى التاريخ من بعده.. بل والأهم من تلك القصة أن عدم وقوع الحدث يكون أكثر تأثيرا..

في حالتنا الفلسطينية لو أردنا إسقاط النظرية نفسها سنأخذ آخر ثلاثة أمثلة:

أيار 2021، كان الموعد المقرر لإجراء الانتخابات العامة (التشريعية والرئاسية)، وبسبب إصرار إسرائيل على استثناء القدس صدر مرسوم رئاسي بإلغاء الانتخابات.. كان معولا على تلك الانتخابات أن تجدد الروح الفلسطينية، وتبعث الحياة في مؤسساتها، وتعيد إنتاج قيادات ووجوه جديدة. لكن إلغاءها خلق حالة احتقان وإحباط شعبي، وعمّق الفراغ السياسي. بل يمكن القول أن سلسلة الأحداث التالية كانت بسبب تأجيل الانتخابات.

وفي نفس الشهر من نفس العام جرت هبّة شعبية في القدس، سرعان ما تصاعدت وأخذت تتحول إلى حراك شعبي أوسع، وتتنقل إلى مدن الضفة الغربية وغزة، وداخل الخط الأخضر، وعلى وشك التحول إلى انتفاضة شعبية شاملة، في كل فلسطين التاريخية، وقد نضجت ظروف اندلاعها.. وهذه نقطة تحول خطيرة جدا في شكل الصراع، كان ممكنا أن تُحدث تغييرا جذريا وشاملا في المعادلة السياسية لو قيض لهذا المسار الاستمرار. لكن صواريخ حماس دخلت على الخط في تلك اللحظة، وأجهضت الانتفاضة، وتحولت إلى حرب على غزة. طبعاً، لأن إسرائيل تفضّل حربا عسكرية في غزة على انتفاضة شعبية في الضفة.

المثال الثالث: خلال الفترة التي سبقت حرب الإبادة، كانت إسرائيل تخوض صراعا داخليا عنيفا لحسم القضايا التي لها علاقة بتحديد ماهية الدولة، وهويتها.. وكانت قوى اليمين الدينية والقومية تسير باتجاه إعادة تشكيل وجه إسرائيل نحو اليمينية، وترسيخ القيم اليهودية والتغلغل في مؤسسات الدولة والمجتمع والجيش والقضاء.. متجاوزة بذلك المظهر العلماني الذي طالما اتسمت به إسرائيل. وكان التيار العلماني والليبرالي واليساري والمدني يكافح بقوة لكبح جماح اليمين.

حاول نتنياهو السيطرة على "القضاء"، الأمر الذي أثار حفيظة ومخاوف الأوساط العلمانية والمعتدلة التي رأت أن ذلك سيحول إسرائيل إلى "دكتاتورية"، ودولة استبدادية متخلفة.. ومع إصراره على "الإصلاح القضائي"، انقسم الإسرائيليون بين مؤيد ومعارض، واندلعت موجة مظاهرات كبيرة استمرت أربعين أسبوعا متواصلا، هددت بإسقاط الحكومة، وقسمت المجتمع، وعمقت الانقسام، وجعلت البلاد على شفير حرب أهلية.

كانت تلك التظاهرات الاحتجاجية تنمو بصورة مضطردة، وتتزايد أعدادها لدرجة أرعبت نتنياهو، وانضم إليها جنرالات وطيارون من سلاح الجو وأكاديميون وقادة أحزاب.. وصار واضحا أنها ستُسقط الحكومة، وبالتالي توجيه ضربة لليمين ودفعه للتراجع. وكانت آخر مظاهرة قبل الحرب ضخمة جدا، وقد أعد المتظاهرون لتظاهرة أضخم ستكون بمثابة ضربة قاضية لحكومة نتنياهو، وكان موعدها بعد انقضاء السبت وانتهاء الأعياد اليهودية، أي في الثامن من أكتوبر.. لكن تلك التظاهرة لم تحدث، بل وتوقفت كل التظاهرات، ونسي الفرقاء خلافاتهم، وأعادوا توحيد صفوفهم، فقد جاءت هجمات السابع من أكتوبر وغيرت المشهد كليا.

فعلاً، الحدث يغيّر المستقبل، ولكن عدم وقوعه يغير المستقبل بصورة أعمق..