أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

يوليو 08، 2026

انقسام وضجة إعلامية مفتعلة

 

لو أني تحدثتُ عن قوانين نيوتن في الجاذبية ثم تبين لي أن هذا الحديث أسيئ فهمه من قبل أهلنا في غزة، أو أنه جرح مشاعرهم سأخرج فورا دون تردد وأعتذر لهم، وسأقول إنها قوانين خاطئة.. ولن أشعر بأني خدعت أحدا أو أسأت للحقيقة العلمية، ذلك لأن الأهم من كل شيء هو مشاعر أهلنا في غزة.. بالذات في هذه اللحظة التاريخية. وليس من البطولة الانتصار عليهم، بل هذا منزلق خطير وقع فيه قادة ومثقفون..

في هذه اللحظة التاريخية الأشد مأساوية في تاريخنا فلسطين المعاصر يعيش أهلنا في غزة ظروفا بالغة الصعوبة، لدرجة يستحيل على العقل البشري استيعاب كيف يتحملونها.. بين الحزن على من فقدوهم، وبين معاناة الواقع الأليم، والقلق المرعب من المستقبل.. بين الركام والردم وأطلال المنازل المهدمة، وبين أكوام النفايات، ومستنقعات المجاري، والبعوض والبراغيث والقوارض، في الحر، ومع انقطاع الكهرباء، والغلاء وجشع التجار والسماسرة، وإرهاب المسلحين وجبروتهم وقسوتهم وجباياتهم، فوق كل هذا القهر والهوان خطر التهجير، وقصف الاحتلال وقناصيه وحصاره وإرهابه واستهدافه المدنيين دون رادع.. في هذا الواقع البشع كل حديث أو تحليل لا يأخذ هذه الظروف بعين الاعتبار سيكون مجرد هراء.. حديث منزوع الإنسانية، ومنزوع الوطنية، وبلا ضمير.. مجرد استعراض فارغ لا قيمة له..

كيف لشخصية عامة تقول إنها تدعم "المقاومة" وتناصر غزة.. كيف له ألا يخرج معتذراً منحنياً أمام آلام وعذابات الغزيين، تاركا الناس منشغلين في الدفاع عنه أو مهاجمته، وكأنه فرح بهذا الانقسام وبهذه الضجة، وهذا الضخ الإعلامي.. بغض النظر عن مدى دقة ما قاله بشأن إعادة إنتاج الأطفال.. طالما أسيء فهم تصريحاته لماذا لا يخرج ويوضح ويعتذر!! بالمناسبة، هنالك تصريح في مؤتمر عالمي قال فيه أنقذنا 82 ألف جنين (لدي فضول أن أعرف من الذي أنقذهم؟ وكيف؟).. وهنالك بودكاست آخر استخدم فيه عبارة "إنتاج produce"، هذا لمن يدافع عنه، وحتى تتوضح الأمور..

المشكلة ليست مع الدكتور البرغوثي، وهي لم تبدأ بتصريحاته الأخيرة المثيرة للجدل.. المشكلة الحقيقية مع جوقة الجزيرة المرتزقة التي انشغلت على مدار عامين بالتضليل والحديث عن انتصارات المقاومة والمثلثات الحمراء وتدمير 20 ألف دبابة، وأن حكومة نتنياهو ستسقط الأسبوع القادم، وأن محور المقاومة سيغير المعادلات، وأن أهل غزة أسطورة بأجساد وأعصاب فولاذية، وانهم معتادون على الموت ويتقبلونه بفرح وفخر، وأنهم يسجلون الانتصارات..

هذه السردية التي بنتها الجزيرة لم تكن بريئة ولا عفوية.. فهي أولا خاطئة، لأن جميع توقعاتهم خابت بل وأتت النتائج معاكسة تماما؛ فجيش الاحتلال دخل بريا إلى كل حارة وزقاق في القطاع، واحتله بالكامل، وهو يسيطر فعليا ومباشرة على 70% من القطاع.. وتبين أن الحديث عن محاور القتال والقطاعات العسكرية وغابات الزيتون وقذائف الياسين والأنفاق والصواريخ.. لم يكن أكثر من تهويمات وتمنيات طوباوية ساذجة.. ثانياً، وهذا الأهم: هذه السردية حرفت الأنظار عن الحقيقة، وضللت شعوب العالم.. فقد قدمت العدوان في صورة مواجهة عسكرية بين جيشين، وبين قويتين صاروخيتين، وأن هناك مقاومة قوية تتصدى بل وتسجل انتصارات، وبالتالي فإن ما يحصل ليس إبادة جماعية، بل إسرائيل تحارب جيشا مقداما لديه ترسانة صواريخ.. ماذا كانت النتيجة؟

بدايةً تأثرت شعوب العالم وصدقت، ما جعلها تدرك في قرارة نفسها أن النصر حتمي، وما علينا سوى صبر ساعة، ولا حاجة للتحرك وللفعل، وبالتالي البقاء في موقع المتفرج المشجع، ولم يكن غريبا أن حراك الجماهير (خاصة في الأردن) كان موجها فقط لنصرة "المقاومة"، مع تغييب كامل لأوجه المأساة الإنسانية الكارثية.. وغياب فاضح للمبادرات السياسية والإعلامية والجماهيرية التي من شأنها الضغط على إسرائيل لوقف العدوان..

ثم إن هذه السردية أراحت إسرائيل وخففت عنها عبء الضغوطات الدولية، لتوضيح ذلك، لنتخيل  لو أن الرأي العام العربي والإسلامي والعالمي تشكل على أساس أن إسرائيل تنفذ إبادة جماعية وحملة تطهير عرقي وترتكب جرائم حرب وهدفها الحقيقي الناس المدنيين العزل، وتفريغ غزة من سكانها، وجعلها بيئة طاردة، وتغيير معطيات الواقع بحيث يتكرس الانقسام، ويتم عزل الضفة (تمهيدا للضم) والتخلص من استحقاقات الحل السياسي وتصفية القضية الفلسطينية نهائيا.. وأن كل حديثها عن الدفاع عن نفسها، وعن محاربة إرهاب حماس مجرد تضليل وخداع لتتمكن تحت هذا الغطاء من مواصلة تنفيذ مخططها الإستراتيجي.. لو أن هذه السردية هي التي سادت بدلا من أكاذيب الدويري والجزيرة.. هل كان بوسع إسرائيل فعل كل مافعلته في غزة؟ أعتقد جازما أن الإجابة لا وبشكل قاطع.

هذه السردية صورت المقاومة على إنها فقط بالسلاح، وليس أي سلاح (الصواريخ والقذائف..)، وأنها محصورة فقط في غزة، وأن حماس هي فقط من يجسدها.. وبهذا الطرح تم إلغاء وتغييب وتقزيم كافة أشكال المقاومة الأخرى، ولهذا لم نشهد أي حراك جماهيري في الضفة ولا في القدس ولا في الداخل المحتل، لأن أي فعل مسلح سيكون ثمنه باهظاً وفوق التحمل، سيحول المنطقة إلى كومة خراب وإلى رفح أخرى، وهذا ثمن لا يرغب أحد بدفعه، ليس جبناً ولا تخاذلاً ولا تقصيراً.. بل هو انحياز طبيعي لخيار الحياة ولقوانين الطبيعة والإنسانية، هو خيار عقلاني في عالم مجنون.. خاصة مع توحش الاحتلال وتواطؤ العالم معه.. والغريب أن هناك من كان يحرض ويدفع باتجاه تفجير المنطقة، وبالتالي تقديم الذريعة لإسرائيل أن تواصل مخططها في كل فلسطين وصولا إلى تصفية القضية وسط سكوت العالم وموافقته، وكل ما سنحصل عليه قصائد الرثاء، وبوستات النشطاء المتحمسة والساخطة، وحملات التبرع التي ستُسرق..

هذه السردية مثّلت أكبر حملة تضليل وكذب في التاريخ الحديث.. والغريب أنه بعد كل هذه النتائج وبعد أن تبين أن تحليلاتهم هراء وأوهام وتدليس.. لم يعتذر منهم أحد، ويقول كنت مخطئا..

معركتنا الحقيقية ليس مع هؤلاء كأشخاص، وأنهم جنوا ثروات على حساب أطفال غزة، هذا موضوع آخر.. معركتنا الأساسية مع الاحتلال وضد منظومة الظلم والعنصرية والاضطهاد.. ومهمة كل وطني شريف تفنيد هذه السردية، وفضح أكاذيبها، وبناء سردية وطنية واعية وصادقة تضع الإنسان في المقام الأول، ليس بوصفه قربانا، ولا ماكنة إنتاج، بل باعتباره هو القضية وهو الهدف الأسمى والأهم..

نريد سردية قائمة على التخطيط العقلاني، بلا شعارات وشعبوية وتكسُّب وغيبيات وحديث عن انتصارات تاريخية..

يوليو 07، 2026

المغرب، البلد الساحر

 في أولمبياد قطر 2022 حقق المنتخب المغربي نتائج أذهلت العالم، وحل في المركز الرابع متجاوزا أهم المنتخبات الأوروبية، اليوم صعد المنتخب المغربي إلى المركز الخامس في التصنيف العالمي المباشر للاتحاد الدولي لكرة القدم، مستفيداً من مواصلة مشواره في مونديال 2026، وإذا ما فاز على فرنسا سيكون على بعد خطوة واحدة من كأس العالم.

صحيح أنَّ لاعبي المنتخب المغربي استفادوا من تجاربهم في دوريات وأندية أوروبا، لكن هذا النجاح المبهر لم يكن ليتحقق لولا دعم الشعب المغربي له، ولولا دعم الدولة، أو بعبارة أصح لولا الوضع الجديد والمبهر الذي وصلت إلى المغرب خلال العقدين الماضيين.. كيف حصل ذلك؟ لنتابع:

ما بين القرن الثامن عشر وحتى منتصف القرن العشرين ضربت المغرب عدة مجاعات قاسية جدا، أودت بحياة مئات الألوف من السكان، بسبب الجفاف والجراد والطاعون والصراعات السياسية وفساد السلطة، آخرها مجاعة البون سنة 1944.

ودّع المغرب تلك المرحلة البائسة، اليوم أصبح مركزًا لصناعة أجزاء الطائرات، وأكبر منتج للسيارات في أفريقيا، بمنظومة صناعية متطورة مرتبطة بكبريات الشركات الأوروبية. لم يعد يعتمد على الأمطار لري المزروعات، ولم يعد ينتظرا غزوا للجراد أو مجاعة كل بضعة سنين..

قبل عشرين سنة كانت نسبة الأمية 48%، اليوم انخفضت حتى 23%.. كانت نسبة الفقر المدقع نحو 15%، وفي الأرياف أكثر بكثير.. اليوم انخفضت النسبة حتى أخذت تتراوح بين 6 - 7%..

خلال العقدين الأخيرين شهد الاقتصاد المغربي تحولات هيكلية مهمة، جعلته من أكثر الاقتصادات تنوعاً في أفريقيا، فقد ارتفع الناتج المحلي الإجمالي من نحو 60 مليار دولار إلى أكثر من 160 مليار دولار، بمعدل نمو يتراوح بين 6-8%، وبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي نحو 4,100 دولار. وبحسب مؤشر جيني (يُستخدم لقياس العدالة أو عدم المساواة في توزيع الدخل داخل المجتمع، يتراوح بين صفر، ويعني مساواة كاملة وجميع أفراد المجتمع يمتلكون الدخل نفسه، و 100، وتعني انعدام تام للمساواة، وكلما اقترب المؤشر من الصفر كان ذلك أفضل ويعني عدالة أكثر)، وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن مؤشر جيني في المغرب انخفض من 40.6 سنة 2000 حتى 39.4 سنة 2013، ما يعني أنه انخفض بصورة طفيفة، وبقي بين المتوسط والمرتفعً نسبيًا، وهو ما يعكس استمرار فجوات في الدخل والثروة وفرص العمل بين سكان المدن والأرياف.

المنهجية المهمة والذكية التي اتبعها المغرب خلال العقدين الماضيين هي تنويع الاقتصاد إلى قطاعات رئيسية، أبرزها صناعة السيارات (صدر المغرب سنة 2025 نحو 700 ألف سيارة معظمها للسوق الأوربية، محققا إيرادات تجاوزت 12 مليار دولار). وكذلك قطاع صناعة الطائرات وأجزائها، وقطاع الفوسفات والأسمدة الزراعية، والسياحة والخدمات والموانئ واللوجستيات، والطاقة المتجددة التي صار من أبرز روادها على مستوى المنطقة.

كما اعتمد المغرب نموذجاً يقوم على الاستثمار الكبير في البنية التحتية والمشاريع الكبرى مثل الموانئ (ميناء طنجة)، والمطارات الحديثة، وبناء شبكة طرق سريعة تربط أجزاء المملكة، والقطار فائق السرعة، ومشاريع الطاقة الشمسية والرياح.. ما أسهم في جذب استثمارات أجنبية كبيرة، مكّنه من تحقيق كل ذلك موقعه الجغرافي المميز، وحالة الاستقرار السياسي التي تنعم بها البلاد، وامتلاكه بنية تحتية متطورة.

رغم تحسن المؤشرات الرسمية، ما زالت شريحة واسعة تشعر بضغط اقتصادي، بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة، وزيادة أسعار الغذاء والطاقة، وأسعار السكن في المدن الكبرى، إضافة إلى ذلك، ما زال المغرب يواجه تحديات جسيمة، منها ارتفاع معدلات البطالة، خاصة عند الشباب، وخريجي الجامعات، واتساع الفوارق بين المدن والمناطق الريفية، وبين الفئات ذات الدخل المرتفع والمنخفض.

إذا قورن المغرب بما كان عليه قبل عشرين عاماً سنجد دولة تستثمر بكثافة في المستقبل عبر البنية التحتية، والصناعات المتطورة، والطاقة المتجددة، واقتصاد صاعد يمتلك مقومات واعدة يزداد انفتاحاً وتنافسية، ويجذب استثمارات أجنبية، قادر على استضافة فعاليات دولية كبرى مثل  بطولة أمم أفريقيا 2026، وبطولة كأس العالم 2030 (بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال). في المقابل سنجد مجتمعا يطالب بثمار تلك التنمية بصورة أكثر عدالة، ويطالب بتحسين جودة التعليم والصحة، وخفض البطالة، وتقليص الفوارق بين المناطق والفئات الاجتماعية.

لم أتشرف بزيارة المغرب، لكن أصدقاء لي كُثر زاروا المغرب للدراسة أو للسياحة أو للأعمال، أو للمشاركة في فعالية ما، منهم سفيرنا في المغرب حسن عبد الرحمن (2005-2010)، جميعهم عادوا بانطباعات إيجابية، مأخوذين بسحر المغرب وجمال طبيعته، ومدنه الحديثة، وبطيبة وكرم المغاربة، وحبهم لفلسطين..

تربط المغاربة علاقة وجدانية عميقة بفلسطين، ولا يوجد قضية أخرى تحظى بإجماع الجميع، من الملك محمد السادس إلى الموظف والعامل وسائق التاكسي، مثل القضية الفلسطينية، باستثناء قضية وحدة التراب الوطني المغربي بالصحراء الجنوبية لبلادهم، وليس مستغرباً أن البلد العربي والإسلامي الوحيد الذي تأسّست فيه منذ سنة 1968 جمعيات مدنية مختصة في دعم نضال الشعب الفلسطيني، مثل الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني. كما أن المغرب يحتضن لجنة القدس التي يترأسها العاهل المغربي، وأيضا وكالة بيت مال القدس التي تقدّم سنويًا دعمًا ماليًا لدعم صمود المقدسيين.

المغرب غني بتاريخه وحضارته، والقصر الملكي يكتسب شرعية تاريخية ودينية (إمارة المؤمنين)، تمنحه سند الالتفاف الجماهيري حوله، بما تمثّله الأسرة الحاكمة من ضمانة للوحدة الوطنية، هذه الأسرة أقدم ملكية حاكمة في العالم منذ سنة 1666، ما يعطي المغرب خصوصية منفردة واستقراراً سياسيا راسخاً.

للمغرب تاريخ طويل في الحضارة والتراث على المستويات كافة، بدءًا من علوم الدين والفلسفة والأدب والثقافة والفنون، ذلك التاريخ الحافل الذي شكّل هوية المغرب العربية، والإسلامية، والأمازيغية، والأفريقية، والمتوسطية، والأندلسية.

يُعرف المغرب بأنّه موطن أُسود الأطلس، أو الأُسود الأمازيغية المستخدمة كرمز تعبيري عن هوية الدولة،  وتُعدّ هذه الأُسود أكبر سلالات الأُسود حجماً على مرّ التاريخ، وقد انقرضت قبل نحو مائة عام. لكن منتخب أسود الأطلسي سيعيد لها مجدها، وسيفرّحنا جميعا بانتصاراته.

عبد الغني سلامه

يوليو 04، 2026

"صولة الفجر" ضد الفساد


في نيسان الماضي، كلف الرئيس العراقي "نزار أميدي" الخبير القانوني والمالي "علي الزيدي" بتشكيل الحكومة.. بعد توافق "الإطار التنسيقي"، وهي الكتلة النيابية الأكبر في البرلمان، تشكّلت عقب انتخابات 2021، وتمثل مظلة سياسية جامعة للقوى الشيعية في العراق (باستثناء التيار الصدري).

هذا التكليف أتى نتيجة تغير البيئة السياسية في المنطقة، وتغيير السياسات الأميركية تجاه العراق، ووضع حد لنفوذ إيران في المنطقة، ونفوذ الفصائل المسلحة المرتبطة بها، ومكافحة تهريب النفط والأموال التي قد تفيد إيران، لذا رفضت الإدارة الأميركية ترشح المالكي أو أي شخصية مرتبطة بإيران لرئاسة الوزراء.  

بعد شهرين من تشكيلها أعلنت حكومة الزيدي عن حملة ضد الفساد، أطلقت عليها "صولة الفجر"، بدأتها بحملة اعتقالات واسعة النطاق طالت أعضاء في مجلس النواب رفعت عنهم الحصانة البرلمانية ومسؤولين آخرين، بتهم فساد مالي وإداري يقدر بمئات الملايين من الدولارات. أتت الحملة بعد اعترافات أدلى بها وكيل وزارة النفط عدنان الجميلي، كشفت عن تورط مسؤولين متنفذين في مستنقع الفساد. وهي حملة غير منفصلة عن البيئة الإقليمية الجديدة، أي بعد تراجع النفوذ الإيراني حيث أدت الحرب إلى إضعاف إيران وأذرعها الإقليمية الأمر الذي خفف من قدرتها على حماية شبكات الفساد، ما خلق هامش حركة أكبر لحكومة الزيدي.

بعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 دخلت البلاد في مرحلة من الفوضى، والاقتتال، والصراعات الطائفية، وانتشار الميليشيات المسلحة، وبروز طبقة سياسية وصفت بأنها الأكثر فسادا على مدار التاريخ. وتشير تقديرات وتقارير رسمية ودولية أن العراق خسر نحو ترليون دولار خلال العقدين الماضيين بسبب الفساد. وصُنف العراق ضمن الدول الأكثر فسادا وفق المعايير الدولية.

وقد مارس بعض المتنفذين في الدولة كل ما يخطر ببالك من فساد: تلقي رشاوي، عقود حكومية وهمية، اختلاسات، تهريب النفط، موظفون أو عناصر أمنية يتقاضون رواتب دون عمل، شبكات المحاصصة الحزبية التي سيطرت على الوزارات والمؤسسات وعلى القطاع الخاص، التهرب الضريبي والجمركي.. وفي السنوات الأربع الأخيرة تصاعدت مستويات الفساد لدرجة غير معقولة، لم يشهدها العراق ولا أي بلد في العالم، وفق تعبير مسؤولين حكوميين.

رغم أن العراق يمتلك موارد طبيعية وبشرية تؤهله ليكون من أقوى اقتصادات المنطقة، وقد تجاوزت إيرادات النفط لوحدها تريليونات الدولارات خلال العقدين الماضيين، إلا أن المواطن ما زال يعاني من انقطاع الكهرباء، وضعف شبكات المياه والصرف الصحي، وتردي الخدمات العامة، واكتظاظ المدارس، وانهيار التعليم، وسوء البنية التحتية، وانتشار الفقر والبطالة، وضعف مؤسسات الدولة، وفقدان الأمن في الكثير من المناطق، وتآكل الثقة بالدولة، بل أن العراق صار ساحة مستباحة للقوى الأجنبية، خاصة إيران، التي ظلت تشرف وتهيمن على مفاصل الدولة وحتى على المجتمع، من خلال أتباعها والميليشات التي تمولها وتدعمها.

العديد من الأسماء التي ظهرت في الإعلام ومتهمة في الفساد معروفة بتبعيتها وولائها لإيران، ومن تيارات الإسلام السياسي، بعضهم كان الأكثر تشددا في مزاعم وإدعاءات مكافحة الفساد (خطابيا وإعلاميا)، ثم تبين أنهم رؤوس الفساد الحقيقيين، وأنهم نهبوا الملايين من أموال الشعب.

وبعض المسؤولين الذين اعتُقلوا في الحملة كان مسؤولين في الحكومة في فترة الاحتلال الأميركي. ليس هذا وحسب، بل إن الفساد تضخم بصورة انفجارية غير معهودة في فترة الاحتلال الأميركي، وما تلاها، وظلت الإدارة الأميركية تلتزم الصمت، ولم تقم بأي خطوات جدية للحد من هذا الفساد، لكنها تنبهت له فقط بعد أن صار يمس مصالحها في المنطقة. ما يؤكد أن كل حديث أميركا غن الفساد ومزاعم مكافحته، وحديثها عن الديمقراطية ونشرهاof Form، وعن حقوق الإنسان.. ما هي إلا دعاية مضللة تتوارى من خلفها لخدمة أهدافها الإمبريالية. يل إنها طالما كانت الراعي الرسمي للفساد والدكتاتورية وانتهاك حقوق الإنسان في العديد من دول العالم.

أكد الزيدي أن الحملة ستستمر وأنه لا توجد حصانة لأحد، وجميع المتهمين سيخضعون للقضاء بغض النظر عن انتماءاتهم، أما منتقدو الحملة فيرون أن بعض الشخصيات المستهدفة تنتمي إلى تيارات سياسية بعينها، وثمة شخصيات نافذة أخرى لم تُمس حتى الآن، كما أثار إعلان الزيدي تخيير بعض المتورطين بين إعادة الأموال المنهوبة أو الملاحقة القضائية جدلا وتشكيكا بجدوى هذا الخيار الذي قد ينعكس سلباً على مصداقية الحملة.

في الوقت الحالي لا يمكن إصدار حكم نهائي على الحملة، لكن إذا استمرت لتشمل جميع المتهمين مع صدور أحكام قضائية واسترداد الأموال المنهوبة، فستُعد تحولاً تاريخياً في مكافحة الفساد، أما إذا توقفت بعد مجموعة محدودة من القضايا، أو اقتصرت على خصوم سياسيين، فستكون مجرد حملة ذات أهداف سياسية حزبية أكثر من كونها إصلاحاً مؤسسياً، وإذا أدت إلى إصلاحات مؤسسية مثل تعزيز استقلال القضاء، وإصلاح نظام العقود الحكومية، والحد من المحاصصة، فسيكون أثرها أعمق من مجرد اعتقالات, حتى الآن، تمثل "صولة الفجر" تطوراً مهما من حيث حجم الشخصيات المستهدفة والرسائل السياسية والقضائية التي صاحبتها. ومن المبكر الحكم عليها، ومصداقيتها ستُقاس خلال الأشهر والسنوات المقبلة، وبقدرتها على الوصول إلى جميع المتورطين، واسترداد الأموال العامة، وإحداث تغيير دائم في مؤسسات الدولة.

تُظهر مقاطع الفيديو المنتشرة في العراق حاليا مشاهد أغرب من الخيال، وما يفوق الوصف، فمثلا في منزل النائبة عالية ناصيف عثر على 15 مليون دولار كانت تكدسها على شكل أكوام، عدا عن الذهب والمجوهرات وغيرها من النفائس.. وبتقدير الخبراء هذه مجرد نقطة في بحر، حيث ستظهر الكنوز الخرافية بعد أن تطال الحملة حيتان الفساد..

هذه الأموال لو أُديرت بطريقة عادلة ونزيهة تكفي لبناء أحدث دولة في المنطقة، بحيث يعيش كل العراقيين في رخاء.. صحيح أنها نُهبت لجيوب الفاسدين مباشرة.. لكن الموضوعية تقتضي منا أن نشير إلى أن مثل هذه المبالغ كانت تُصرف على بناء الدولة في عهد صدام، لكن الجزء الأكبر منها كانت تُنفق في الحروب وعلى التسليح.. إي أنه في الحالتين تمت إهدار فرصة أن يكون العراق يابان الشرق الأوسط، فلديه كل ما يمكنه من ذلك.. لكنه ابتلي بحكم الفاسدين..


يونيو 30، 2026

سر الساحرة المستديرة


إذا كان لكل دين نبي وكتاب مقدس وشريعة وطقوس ومؤمنين ورموز وطوائف.. فإن لكرة القدم عناصر موازية جعلت البعض يشبهها بالدين، فإذا جاز التشبيه سنجد في عالم كرة القدم (كابتن، أو مدرب، قانون الفيفا، احتفالات الفوز، مواقيت البطولات، قصص اللاعبين، جمهور المشجعين، مشاهير، أندية..)..

وإذا قام الاقتصاد تاريخيا على التجارة والصناعة والزراعة والشركات والبورصات والبنوك ورجال الأعمال.. فإن كرة القدم باتت منافسا قويا ومكونا أساسيا في الاقتصاد العالمي، يوازي وأحيانا يفوق بتأثيره الاقتصادي كبريات الشركات، فكُـرة القدم لا تقتصر على مدرب يقود أحد عشر لاعبا في مباراة ضد منتخب منافس وبينها حكم ساحة.. بل إن 99% من العناصر البشرية التي تدخل مباشرة في كرة القدم ليسوا بالضرورة رياضيين، وربما بعضهم لم يلمس كرة طوال حياته، وبعضهم ركض مرة في آخر عشر سنوات حتى لا تفوته الحافلة.. لدينا الطاقم الفني والطبي والإداري واللوجستي والأمني، ومن يصنعون معدات اللعب من كرات وملابس وملحقاتها، ومن يبنون الملاعب والمنشآت المرافقة، ومن يشتغلون في الإعلام الرياضي، والبث التلفزيوني وفي الدعاية والإعلان والمراهنات..

لم تعد كرة القدم مجرد لعبة، بل أصبحت صناعة عالمية تُستثمر فيها عشرات المليارات من الدولارات كل عام. فبعض الأندية تدير موازنات تفوق موازنات دول، بينما تبلغ إيرادات الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) خلال دورة واحدة أربعة أعوام نحو 13 مليار دولار.

جمعت كرة القدم خصائص قلّ أن تجتمع في رياضة أخرى؛ فهي رياضة فردية وجماعية في آن واحد، وهي بسيطة لا تحتاج إلى تجهيزات معقدة أو مكلفة. ومثيرة: يمكن ممارستها في الشارع أو في أي ساحة، وقادرة على تجاوز الحواجز الاجتماعية والثقافية: أي شخص يستطيع فهم مجريات المباراة بسرعة، مشوقة: في كل دقيقة يتغير مجرى اللعب، وفي أي ثانية يمكن أن تنقلب النتيجة، ما يمنحها عنصر الإثارة، فيظل المشجّع متوترا حتى اللحظة الأخيرة. وهي لعبة المفاجآت: ليس الأقوى هو الذي يفوز دائمًا، قد يهزم منتخب مغمور قوة عظمى.

في كرة السلة قد يُسجل أكثر من مئة هدف، بينما في كرة القدم ينتظر الجمهور تسعين دقيقة من أجل هدف واحد. وهذه الندرة تجعل كل هدف حدثًا استثنائيًا. وكل مباراة قصة جديدة.

كرة القدم ليست مباريات فقط؛ بل أرقام مثيرة: منتخب يحقق أول بطولة، لاعب يسجل رقما جديدا في الأهداف.. هي أيضا قصص: طفل فقير يصبح أسطورة، لاعب محبوب يتعرض لإصابة، حكم عنصري، حارس مرمى ضعيف.. والناس تحب القصص.

التلفزيون والإنترنت جعلت اللعبة حدثًا عالميًا يشاهدها مليارات البشر في اللحظة نفسها. كما أسهم نجوم اللعبة الأشهر تاريخيا في جعل كرة القدم ظاهرة عالمية، وأصبحوا قدوة لملايين الشبان والأطفال، وصار حلم الكثيرين أن يصبحوا نجوم كرة، لعلها تنتشلهم من فقرهم، أو تحقق لهم الشهرة.. خاصة وأن كرة القدم لا تعتمد على الطول أو القوة البدنية وحدهما، بل تعتمد على الموهبة الفردية التي طالما ظهرت في الأزقة والحواري في أفقر أماكن العالم، وتمنح فرصة للإبداع والمهارة والذكاء والعمل الجماعي، ولذلك يشعر كثيرون بأنها لعبة يمكن لأي شخص أن يحلم بالنجاح فيها.

 لهذه الأسباب وغيرها صارت الرياضة الأكثر شعبية في العالم، وعندما نقول "الأكثر شعبية" لا يعني أن كل الناس تمارسها، بل نقصد على مستوى المتابعة والاهتمام والشغف. وعندما يشجع الناس نادياً أو منتخباً فإنهم أولاً يعبرون عن انتمائهم للمدينة أو للمنطقة التي يقيمون فيها، أو للوطن الذين ينتمون إليه، وهكذا تتحول المباريات خاصة الكبرى منها إلى مناسبات اجتماعية وثقافية تتجاوز الجانب الرياضي.. بهذا المعنى بات المنتخب الوطني لأي بلد تجسيدا حيا للذاكرة الجماعية، يعزز شعوراً مشتركاً بالانتماء، وهنا يغدو المنتخب ممثلا للدولة، بل ويتحول إلى رمز للأمة. فنلاحظ في المباريات الحاسمة كيف يلتف كل الشعب خلف منتخبه الوطني متجاهلا كل التناقضات التي كانت تؤرقه وتشتته.

بمعنى آخر صار لكرة القدم أهمية في تعزيز الهوية الوطنية، وصارت المباراة مناسبة للتعبير عن حب الوطن..

الصديق محمد صباح اعترض على هذا الطرح، موضحا أن "المنتخبات الرياضية في أوروبا أعادت سؤال الهوية القومية إلى قلب النقاش الأوروبي، بعد أن ظن كثيرون أنه قد حسم. فالوقائع الأوروبية خلال العقود الأخيرة تظهر أن الدستور وحده لا يصنع أمة، وأن الولاء القانوني لا يغني عن الذاكرة التاريخية والثقافة المشتركة. ولهذا نجد المنتخب الألماني أو الفرنسي (حيث يغلب عليها ضم لاعبين من أصول مختلفة غالبا إفريقية)؛ وبالتالي فإن المشكلة التي يناقشها كثير من الألمان اليوم ليست أصول اللاعبين بحد ذاتها، بل شعورهم بأن ألمانيا فقدت شخصيتها التاريخية وروحها الجماعية التي كانت تتجاوز الأفراد. فالمنتخب كان تجسيداً لثقافة كروية وانضباط وتقاليد وروح مشتركة، لا مجرد مجموعة من المواهب الفردية. وحين أصبح معيار اختيار المنتخب هو الكفاءة وحدها، دون اكتراث بالهوية الجامعة تحول إلى مشروع رياضي ناجح، لكنه فقد جزءاً من معناه الرمزي".

مع أن كرة القدم ليست مجرد رياضة، بقدر ما هي لغة عالمية مشتركة؛ إلا أننا في ثقافتنا الشعبية عندما نشجع منتخبا وطنيا لدولة أجنبية نضع السياسة معيارا (تاريخ البلد الاستعماري، موقفه من قضايانا الوطنية). وعندما نشجع نادياً معيناً فإننا في الوقت ذاته نكوّن جماعة ثم ننتمي إليها، فالإنسان يحتاج إلى الانتماء، وهذا النادي يوفر انتماءً سريعاً وآمناً. ويغدو كل مشجع يشعر بأنه جزء من هذه الجماعة، وانتصار النادي يصبح انتصاره الشخصي.

باختصار: نجحت كرة القدم لأنها جمعت ما لم تجمعه لعبة أخرى: البساطة في الممارسة، والعمق في المشاعر، والدراما في المنافسة، والهوية في الانتماء، والضخامة في الاقتصاد، والعالمية في الانتشار.


يونيو 27، 2026

الوجه الآخر لكأس العالم

 

حسناً، كرة القدم مصدر سعادة وبهجة، ووسيلة تسلية وتشويق محببة، وتمثل شكلا راقيا للتنافس بين الشعوب بدلا من الحروب.. ولكن كرة القدم مثل أي ظاهرة في الكون لها أوجه متعددة، وليست كلها إيجابية؛ فإذا كانت توحّد الشعوب فإنها تفرق الشعب الواحد حين تتعصب كل منطقة لناديها، وإذا كانت تمنع الحروب فقد أشعلت حربا ذات مرة (بين السلفادور وهندوراس 1969)، كما تسببت مباريات لكرة القدم بكوارث مؤسفة راح ضحيتها عشرات المواطنين، ربما آخرها مأساة مباراة فريقي المصري والأهلي سنة 2012 التي راح ضحيتها 76 مواطنا، وحادثة مباراة ليفربول ونوتنغهام عام 1989 حيث توفي 97 مشجعاً بسبب التدافع والاختناق، وفي إندونيسيا اقتحمت الجماهير الملعب سنة 2022، مما دفع الشرطة لإطلاق قنابل الغاز، وتسبب التدافع بوفاة أكثر من 130 شخصا.. وغيرها الكثير.. لكنها تبقى مجرد حوادث منفصلة، سواء كانت مقصودة، أو بسبب التدافع وعنف المشجعين.. وهذا ليس موضوعنا.

معارضو كرة القدم، ممن لا تروق لهم هذه اللعبة يقولون إنها "مؤامرة ماسونية" لإلهاء الشعوب.. لكنّ كرة القدم ليست اختراعا لشخص، أو ابتكارا ظهر فجأة واكتسح العالم.. بل هي أيضا مثل أي ظاهرة طبيعية نشأت ضمن بدايات متواضعة ومرتبكة (في إنجلترا)، ثم مع مرور الوقت انتشرت حول العالم كلعبة مسلية.. وفيما بعد جرى تنظيمها وتأطيرها، وما زالت "الفيفا" تراجع قوانينها وتحدّثها وتدخل عليها تحسينات وتغييرات معينة..

لكنّ نفي سمة المؤامرة عن كرة القدم وبطولاتها المتعددة، لا يعني أن هذه اللعبة لا يجري توظيفها سياسيا من قبل الحكومات، أو استغلالها ماليا من قبل القوى الرأسمالية..

يُقدر حجم الاستثمار في كرة القدم بعشرات المليارات من الدولارات سنوياً، في كأس العالم 2026، يُتوقع أن يضخ المونديال ما يزيد عن 80 مليار دولار في الاقتصاد العالمي، في حين تستهدف "الفيفا" إيرادات تتخطى 9 مليارات دولار، وحجم رهانات يتجاوز 50 مليار دولار. الكل يستثمر في هذه اللعبة بدءا من الشركات العملاقة حتى مقهى الانشراح..

أما عن التوظيف السياسي، فكل دولة تسعى للوصول إلى نهائيات كأس العالم، لأسباب متعددة، منها استخدامها كقوة ناعمة، وأداة للترويج السياحي، أو حتى للإعلان عن حضورها، فمثلا تفاجأ العالم بوجود دولة اسمها كوراساو، مساحتها  444 كلم مربع، وعدد سكانها 160 ألف نسمة، ولولا مشاركتها في المونديال لظلت منسية ومجهولة..

التوظيف الأهم والأخطر لكرة القدم هو سعي الأنظمة والحكومات لخلق ما يُعرف ب"المواطن المستقر"، أي المواطن الذي يخضع للسلطة بالكامل، وجعله راضيا وقانعا بوضعه البائس، وبالتالي إخضاع وتكييف المجتمع بأكمله مع الواقع السياسي والاقتصادي دون قدرة أو رغبة منه في الاعتراض والتمرد، حيث تنجح السلطات الدكتاتورية والفاسدة خاصة في دول العالم الثالث، في خلق المواطن المستقر من خلال آليات معينة؛ أولها الأسرة، ثم المدرسة، ووسائل الإعلام الرسمية، وأخيرا الوضع الاقتصادي.. وحتى يظل المواطن مستقرا ومتقبلا للوضع تستخدم السلطة ثلاث ضوابط: إشغال المواطن بلقمة العيش، توظيف الدين سياسيا وشعبويا، وأخيرا توفير وسائل التسلية والسلوان.. وأهمها وأكثرها انتشارا كرة القدم.

هنا ستعوّض وسائل التسلية (كرة القدم ومتابعتها) حاجات المواطن النفسية غير الملباة، والتي حرم منها، وبدلا من انشغاله في قضايا الغلاء، والبطالة، والفقر، وتردي الخدمات الصحية والتعليمية، وفساد الطبقة الحاكمة، وغياب العدالة الاجتماعية، والقمع السلطوي، والسياسات الاقتصادية التي ترهق المواطنين، وسياسات الدولة الخارجية التي تتعارض مع الدستور وإرادة الشعب.. وحقوق المواطَنة والانتخابات والمشاركة السياسية.. كل هذه القضايا تصبح ثانوية أو مغيّبة، أو محرمة.. ويجري استبدالها بالانشغال بكرة القدم..

في الدول المتقدمة والديمقراطية ينشغل المجتمع بكرة القدم بكل شغف، ويتابع كل شخص تقريبا منتخبه الوطني أو ناديه المفضل بكل حماسة.. الوقت والجهد والمال الذي ينفقه في متابعة المباريات لا ينسيه حقوقه ومطالبه وواقعه.. حتى لو أرادت الدولة توظيف الرياضة لخلق "المواطن المستقر" لا تستطيع.. فالآليات الديمقراطية تحول دون ذلك..

المشكلة ليست في كرة القدم، ولا في الرياضة عموما، ولا في المباريات والبطولات ومتابعتها.. المشكلة في وعي المواطن لحقوقه وواجباته، وحين يوظف هو نفسه كرة القدم كأداة قمع وإلهاء ذاتية.. وحين يتعامل معها كبديل مريح ينسيه واقعه المزري.. أنظر مثلا كيف تعامل الجمهور العربي مع المنتخبات العربية التي قدمت أداء متواضعا في المباريات وفشلت في إحراز أي نصر؛ تعامل معها بكل قسوة، وفـرّغ مكنونات غضبه فيها، اعتبرها السبب في تردي الأوضاع، والمسؤولة عن الإحباط واليأس الذي يخيم على المجتمع..

منذ قرون ومجتمعاتنا العربية تعيش أوضاعا مزرية.. الناس، الأهالي، الأفراد.. الكل محبط ويشعر بالهوان والضعف وانسداد الأفق.. لكن أحدا لا يريد التفتيش عن الأسباب الحقيقية.. نمارس الهروب ونفتش عن أسباب وهمية وحلول وهمية.. في المونديال كان كل مواطن يتابع لاعبي منتخبه بحثا عن أي خطأ، يقرعهم وكأنه في قرارة نفسه يحملهم مسؤولية ألف سنة من الانحدار والتراجع والهزائم.. يشتمهم بغضب لعله يجد ضالته في الشتم ولتنفيس حالة الاختناق.. حتى تحول شعورنا بالإحباط والعجز إلى وحش مخيف يريد افتراس كل  من يتحرك أو يحاول أو يبادر..

نعم، كرة القدم جميلة وممتعة.. لكن المنتخبات القوية لا تأتي جزافا، وانتصاراتها لا تأتي بالدعاء.. هي حصيلة تطور المجتمع والدولة، ونتاج جهود مضنية وناجحة في كافة القطاعات.. باختصار هي صناعة متكاملة، وقطاع قائم بذاته.. ومن العبث فصلها عن سائر قطاعات الدولة والمجتمع، أو اعتبارها بديلا مريحا وسهلا عن الانشغال بالعلم والتكنولوجيا والثقافة والتنمية.. لذا ليست مصادفة أن تحتل الدول المتطورة صدارة المونديال كل مرة..