أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

أغسطس 17، 2022

لماذا رفض القنيبي تدريس الفلسفة؟

 

حتى سبعينيات القرن الماضي كانت مادة الفلسلفة جزءا من المنهاج التدريسي في الأردن، ولكن بعد سيطرة الإسلاميين على العملية التعليمية وعلى وزارة التربية ألغيت مادة الفلسفة.. ومنذ سنوات بدأ العديد من المثقفين في الأردن بالمطالبة بإعادتها للمنهاج. وأخيرا، قررت وزارة التربية والتعليم الأردنية إعادة تدريسها للصفوف الأساسية والثانوية بدءا من السنة الدراسية القادمة.

وتعليقا على القرار نشر د. إياد قنيبي على قناة يوتيوب تسجيلا يندد فيه بالقرار، قائلاً: "الفلسفة ليست ضرورية للطلبة، بل هي تدمر حصانتهم الفكرية والعقائدية، مشبّها الفلسفة بالفيروس الحقير، وببركة مياه صغيرة لكنها تُغرق من لا يجيد السباحة، وأن الفلسفة لم تنفع البشرية لا قديما ولا حديثا لا في الدنيا ولا في الآخرة، وأنه كان من الأفضل لو تم حرق جميع كتب الفلسفة واستخدامها وقودا للتدفئة في الشتاء، واصفا إياها بالهراء، والخربطات، وأنها علم لا ينفع، وأنها عبث بالجيل..  ومؤكدا على أننا (ويقصد الإسلاميون) نتملك الإجابات اليقينية والمقنعة والشافية على جميع الأسئلة الوجودية والفكرية.. وأننا فقط من يجب أن يتولى عملية تعليم أبناءنا وتربيتهم وبناء شخصياتهم، وأن نحميهم مما يفسد دينهم ودنياهم".

ويوضح القنيبي أنه أجرى استطلاعا للرأي على عدد كبير من المدارس حول دورها في بناء الإنسان (تحديدا في الأردن)، وتبين له أن نسبة بسيطة جداً (تتراوج بين 4% ~ 10%) فقط من الطلبة استفادوا من المدرسة، بحيث أن الطالب تلقى علما حقيقيا، وتعلم كيف يفكر ويحلل ويربط المعلومات ببعضها، وكيف ينقد ويكتشف المغالطات، وكيف يطرح الأسئلة، ويعبّر عن نفسه، وكيف يميز بين العلم الحقيقي والعلوم الزائفة، وكيف يحقق السعادة والتوازن لنفسه، وكيف يدير أموره الحياتية ويطبق ما تعلمه، وكيف يجيب على الأسئلة الوجودية المحيرة.. بمعنى أن الغالبية العظمى من الطلبة (90 ~ 96%) لم يستفيدوا من المدرسة بشيء، بل إن منهم من أثرت عليه سلبيا..

وكما نعلم، المنهاج التدريسي في الأردن يخلو من الفلسفة، وفيه قدر كبير من التعليم الديني الذي يدخل في جميع المواد بما فيها الرياضيات والعلوم الطبيعية بطرق وتضمينات عديدة.. هذا فضلا عن التلقين الديني الذي يتلقاه الطالب منذ صغره في البيت والشارع والمجتمع وبتكثيف عالي.. ومع ذلك ظهرت تلك النتائج المخيبة والمحبطة!

وهذا يقودنا لتساؤلات عديدة: كيف يحمّل القنيبي مادة الفلسفة مسؤولية تدهور العملية التعليمية والتربوية، وهي ليست ضمن المنهاج أساسا منذ أكثر من خمسين سنة؟ وهل المشكلة في تدريس الدين؟ أم في أساليب التدريس نفسها؟

إذا سلّمنا بصحة نتائج الاستطلاع، فأعتقد أن المشكلة ليس في تدريس الدين، بقدر ما هي في أساليب التدريس، وهذا يشمل محتوى المنهاج، وطريقة تقديمه للطلبة، وفي تأهيل المعلمين، والبيئة التدريسية برمتها..

الحرب التي يشنها القنيبي وغيره على الفلسفة ليست بالجديدة، فهي قائمة منذ زمن بعيد، روادها الغزالي وابن تيمية ونظام الملك وغيرهم ممن شنوا حربا شعواء ضد المعتزلة، وضد الفلسفة، وضد الترجمة مستعينين بسلطة الخليفة، فكفّروا واضطهدوا وقتلوا معظم فلاسفة وعلماء العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية، وأحرقوا كتبهم، ونفوهم من الأرض (ابن سينا، والفارابي، والجاحظ، وابن رشد، والراوندي، وابن حيان..)، ولم يسلم منهم حتى المتصوفين والأدباء وعلماء الكلام (غيلان الدمشقي، ابن المقفع، الجعد بن درهم، السهروردي، الحلاج..)، وكان من نتيجتها أفول الحضارة الإسلامية سريعا بعد أن تم تفريغها من عناصر الابتكار والتجديد والنقد والتفكير الحر، لصالح علوم الفقه، وانتصار مدرسة النقل على العقل، والتقليد على الإبداع، والجمود على الحركة والتطور.. والتي بسببها خرج العرب والمسلمون من دائرة الفعل والتأثير في الحضارة الإنسانية، وصاروا عبئا عليها، يتلقون الهزائم والخيبات ويواصلون انحدارهم، حتى صاروا في ذيل الأمم، متأخرين عن ركب الحضارة سنوات ضوئية..

الفلسفة هي روح الحضارة وعقلها، هي طريقة تفكيرها العقلاني والمنطقي، لأنها تعطي للعقل فضاءا رحبا للتحليق، وللتعبير حرية سقفها السماء، وجرأة على نقد كل شيء، بما في ذلك المقدس والتابوهات.. الفلسفة وكذلك الآداب والفنون تسبق وتمهد للعلم والاكتشاف والتطور التكنولوجي والتقدم المدني بكل تجلياته وأشكاله..

قبل أن تنهض أوروبا ظهرت فيها هور الحركة الإنسانية (مايكل أنجلو، دافنشي، رافايلو)؛ وهي حركة فكرية فنية ساهمت في تطوير المعرفة، وركزت على تمجيد الإنسان، وأعلت من قدر العقل، والتفكير العلمي والاستدلال بالبراهين بدلا من المقولات الدينية الرائجة.

وقبل الثورة العلمية ظهر كوبرينيكوس وغاليليو مستفيدين من بطليموس وسقراط وأفلاطون. وقبل اختراع المطبعة ظهر مارتن لوثر. وقبل الثورة الفرنسية ظهر جون لوك، وجان جاك روسو وفولتير، وقبل اختراع المرسيدس ظهر كانْت، وفرنسيس بيكون، وسبينوزا، وقبل الثورة البلشفية ظهر ماركس، وأنجلز، وقبل الثورة الصناعية ظهر آدم سميث..

وقبل عصر الحداثة ظهرت مفاهيم حقوق الإنسان، والنظريات العلمية، والتفكير المنطقي، والمذهب العقلاني والشك المنهجي، والتسامح، والديمقراطية، وفن الرسم والنحت، والعمارة، والموسيقى..

القنيبي يعتقد جازما وبيقين لا يتسرب إليه الشك أنه يمتلك الإجابات الشافية والكافية لكل الأسئلة الوجودية، يحملها على شكل عبارات جاهزة ومعلبة، وأحكام مسبقة وثابتة، ويسعى لتلقينها للآخرين، بعقلية الأستاذ.. وهذا ما يسمى في علم النفس "وهم التفوق"..

في ظني أن هذا النهج انتهى، وصار من الأحفوريات، بعد أن تجاوزته الحداثة بكل ما أتت به من علوم وتكنولوجيا وتقدم وثورة في الاتصالات والتواصل.. صار بوسع أي طالب ابتدائي استخراج أي معلومة من غوغل، لم يعد بوسع الفقهاء تقديم مختارات منتقاة بعناية من التراث، بعد تحريرها وتأديبها.. صار كل شيء مفتوحا ومتاحا للجميع، وهذا الجيل الجديد ذكي ومطلع وتثيره الأسئلة، ولديه مفاتيح توصله إلى أين يريد، ولا يستطيع أحد منعه، فقد تحرر كليا من الوصاية الأبوية والعقلية البطريركية، ولم تعد تكفيه تلك الإجابات الجاهزة والمنمقة..

قرار إعادة الفلسفة للمنهاج خطوة مهمة، ولكن ما أخشاه أن تتحول إلى مادة مملة وثقيلة، خاصة إذا رافقها امتحانات، وأسئلة من نوع: أذكر خمس فروق بين كانت وهيغل.. عدد سمات فلسفة سبينوزا.. متى ولد الفارابي؟

الفلسفة مادة للحوار الحي والمناقشة الحرة وتعدد الآراء واختلاف وجهات النظر.. هي حث على التفكير النقدي والجريء ولا تصلح معها الامتحانات..

أغسطس 11، 2022

العقل الذكوري العربي


قبل فترة قصيرة في مدينة المنصورة، ذبحَ شابٌ مصري فتاةً جامعية بذريعة أنها تخلت عنه، أو رفضته كزوج مستقبلي.. وفي الأسبوع ذاته قتل شاب أردني فتاة أخرى داخل الحرم الجامعي، وبنفس الذريعة.. ثم تكرر الأمر في مصر مرة أخرى في مدينة الزقازيق.. ولا شك أن جرائم قتل أخرى شبيهة من حيث الذريعة والملابسات وقعت في أماكن أخرى عديدة.. وكانت الحجة في كل مرة أن الضحية رفضت القاتل أن يكون شريك حياتها، وهنا تثور في عقلية القاتل فكرة أن تلك الفتاة التي اختارها من نصيبه، وهي ملكية خالصة له، ولن تكون لغيره، بغض النظر عن رغبتها ورأيها، ورغما عن إرادتها، وإلا فمصيرها القتل..

هذه الجرائم تثير أكثر من قضية، أولها: مسألة اعتقاد الذكر بأن تلك الأنثى ملكيته الخاصة، وعليها الرضوخ لأمره وطاعته، وله حق التصرف بها، بما ذلك قتلها.. وثانيها: ردود أفعال المجتمع تجاه الجريمة، والتي من المفترض أن تكون مجمعة على إدانة القاتل، لأن القتل بحد ذاته جريمة مروعة، ولا يجوز تبريرها بأي شكل، لكن الغريب والمستهجن أن قطاعا كبيرا من المجتمع تعاطف مع القاتل، وأدان الضحية، تحت ذرائع مختلفة، منها مثلا أنها كانت سافرة (غير محجبة)! أو أنها تخلت عنه وطعنت كبريائه! أو أنها فضّلت عليه غيره، وبالتالي خانته! المهم تبرير جريمة القاتل لمجرد أنه ذكر، وإدانة الضحية لمجرد أنها أنثى، ودليل ذلك أنه دوماً في جرائم القتل التي ترتكبها نساء يحدث إجماع على إدانة القاتلة مهما كانت دوافعها ومبرراتها.. بل إن لا أحد يفكر حتى بسماع تلك التبريرات، في حين تبدأ الاتهامات والشكوك تحيط بالضحية الأنثى فورا، ويتم تداول القصص والإشاعات عنها دون تحقق، مع المبالغات والإضافات بالطبع.

مثل تلك الجرائم تضعنا أمام ظاهرة "جرائم الاستحقاق الزائف".. وهي استحقاقات على عدة مستويات: أولها "الاستحقاق الذكوري"، حيث يمنح المجتمع للذكر الحق بقتل الأنثى طالما رأى ذلك مناسبا (بحجة تطهير شرف العائلة، بحجة التخلي عنه..).. ويمنحه أيضا الحق بالتحرش بالنساء، بحجة أن ملابسهن تثير شهوته.. والحق بتشويه سمعة أي فتاة، إذا ما استعصت عليه.. والحق بتشويه جسد أي سافرة، وإلقاء ماء النار على وجهها بحجة أنّ سفورها مغري ويثير الفتنة.. مثل هذه الحالات حدثت كثيرا في مجتمعاتنا، حتى أنها امتدت لنساء (مشبعات بالعقلية الذكورية)، مثل حادثة الاعتداء على فتاة جامعية غير محجبة كانت ترتدي فستانا طويلا، وقد تم الاعتداء عليها من قبل نساء أخريات، بذريعة أن ملابسها فاتنة، وقد تصيبهن بعدوى الانحراف والضلال والفتنة!

و"الاستحقاق الذكوري" يعطي للرجل الحق باغتصاب زوجته بحجة أنها ملك له، فالشرع يعطيه الحق بجماعها وقت يشاء، ومن ترفض أو تتمنع فهي "ناشز" وتستوجب الضرب والعقاب، وتلعنها الملائكة.. وهنا لا أهمية لوضعها الصحي، ولا لحالتها النفسية، ومزاجها، وهرموناتها ورغبتها.. لا يهم إن كان هناك حب ووفاق بينهما أم لا.. المهم رغبة الزوج الجامحة والملحة..

وعندما ينتقل وهم الاستحقاق الذكوري إلى الأنثى ستلغي شخصيتها، وسترضخ للذكر السيد (الوالد، أو الأخ، أو الزوج، أو أي ذكر من القبيلة)، وستتقبل سبيها وانقيادها واستسلامها عن قناعة وعقيدة.. وسترضى بدورها التقليدي الذي حدده المجتمع في حدود البيت والمطبخ وفراش الزوجية..

ينطلق وهم "الاستحقاق الذكوري" من نزعة العصابية الذكورية، والفهم المشوه لمفهوم الشرف، والتمسك الصارم بالتقاليد والقيم وصورة المجتمع المحافظ، والتي هي في حقيقة الأمر خوف من التغيير، وخوف من التفكير، وخوف من المستقبل، ورضوح لما هو قائم.. وقبل ذلك كله خوف من الأنثى، وعدم الثقة بها، والاعتقاد الجازم أنها مشروع انحراف، وفتنة، وغواية، وبمجرد امتلاكها بعض حقوقها، وبعض حريتها ستنحرف فورا، ستخون زوجها، ستخرج عن العائلة..

وإذا غصنا أكثر في هذه العقلية الذكورية سنجد أن منبت كل تلك الأفكار والتصرفات ومصدرها ومعيارها هو "الكبت الجنسي".. الكبت الجنسي سيجعل تفكير الذكر وظنونه وتوهماته منحصرة فقط في الجنس.. إذا حدثته عن المرأة سيتذكر الجنس.. إذا شاهد فتاة رياضية لن يرى براعة حركاتها وتناسقها، سيرى فقط ما تكشفه من جسدها.. إذا شاهد مقطعا من فيلم أو قرأ نصا من رواية لن يلتفت إلى البنية الدرامية، والفنية، والقيمة الجمالية سينتبه فقط إلى ما يعتبره مشاهد جنسية مثيرة للغرائز.. إذا علم أن مركبة فضائية ستنطلق إلى المريخ وعلى متنها رواد فضاء من الجنسين، فأول ما يفكر فيه أنهم سيمارسون الجنس هناك في أعالي الفضاء.. باختصار: هوس جنسي غير عادي، يسيطر على العقل، ويلغيه..

سينتقل وهم "الاستحقاق الذكوري" مباشرة إلى ما يسمى "الاستحقاق الديني"، حيث يعتقد المتعصبون أنّ من حقهم فرض معتقداتهم على الغير، بالقوة.. من حقهم التدخل في خصوصياتك وخياراتك وقناعاتك الشخصية وحياتك الخاصة، وحتى في تسريحة شعرك، وما يتوجب عليك أن ترتديه، وما لا ترتديه، وما تأكله وما لا تأكله.. من حقهم إيذاء وحتى قتل من يفكر ويجتهد ويبدع ويخرج عن المألوف بحجة أنه يجرح مشاعرهم.. من حقهم معاقبة وزجر وضرب المفطر في رمضان، لأنهم صائمين.. من حقهم محاصرة وإيذاء وطرد وقتل من هم من طائفة دينية أخرى، لأنهم على ضلالة..

استحقاق المظلومية الزائفة، واستحقاق الشرف الزائف، واستحقاق التدين الزائف.. جميعها استحقاقات مصطنعة تبرر الجريمة، وتحول الجاني إلى ضحية، والمعتدي إلى مظلوم، والقاتل إلى نموذج رجولي شجاع. وفي حقيقة الأمر ما هي إلا أمراض نفسية واجتماعية.


قوة فلسطين الرمزية


ليس لدى الفلسطينيين جيش، ولا يمتلكون أي نوع من الأسلحة الفتاكة، حتى ببنادقهم الخفيفة لا يستطيعون تحقيق إنجاز عسكري حقيقي، فأرض فلسطين لا تصلح لحرب العصابات، ولا يوجد بين دول الجوار من يمدهم بالدعم اللوجستي.. وفوق ذلك هم مطاردون ومحَاربون من أشقائهم قبل أعدائهم.. وإسرائيل متفوق بما لايُقارن من حيث القدرات العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية، ولديها ماكينة إعلام استطاعت تمرير روايتها على العالم" رغم زيفها"، وتمكنت من جلب دعم دولي جعلها ركنا أساسيا من النظام الدولي..

إسرائيل دولة متخمة بالقوة، بدءا من منظومتها الأمنية الصارمة، مرورا بطائراتها المتطورة، وأقمارها الإصطناعية، وانتهاء بقنابلها النووية.. ورغم ذلك، ومع التخاذل العربي، والتواطؤ الدولي، والمخططات التي أعدت بعناية فائقة.. لم تستطع لا هي ولا أسيادها هزيمة الفلسطينيين، ولا محو قضيتهم..

ليس في فلسطين أنهار جارية، ولا بترول، ولا غاز، ولا يورانيوم.. مساحتها بالكاد تعادل مدينة نيوم السعودية الجديدة.. وطبيعتها ليست الأجمل في العالم، وشعبها أناس عاديون جدا (بعيدا عن الأسطرة والإنشاء).. ومع ذلك، تحتل فلسطين مكانة مرموقة واستثنائية في الجغرافيا السياسية، والإستراتيجيات الدولية، ليس الآن فقط (بسبب وجود إسرائيل كما يروج البعض)، بل ومنذ فجر التاريخ..

لو عدنا قليلا إلى التاريخ القديم، سنجد مثلا أن "نبوخذ نصر" الذي ملك إمبراطورية ممتدة لم يكتفِ بها، ليس طمعا في أراضٍ جديدة، بل لأنه أدرك أن حكمه لن يستقر إلا بفلسطين.. ولما جاء "كورش الفارسي" من بعده فعل الشيء ذاته.. استباح فلسطين..

كذلك، فعل الساسانيون والبيزنطيون، جعلوا فلسطين أرض معاركهم، لأن من يسيطر عليها يحسم الصراع..

نبينا الكريم محمد، حين كذّبه قومه وحاصروه وآذوه، وجد ملاذه الروحي في القدس، فأُسري إليها، ومنها عرج إلى السماء..

وحين فتح صحابته بلاد الشام وأرض الرافدين بالسيف، استثنى الفاروق فلسطين، فجاءها ماشيا مسالما..

ولما أراد الخليفة الأموي بناء مركز ديني يضاهي مكة المكرمة، بنى الصخرة المشرفة في القدس..

وحين تصارع العباسيون والأمويون كانت معركتهم الأخيرة في الزاب، لكن الحسم النهائي تم على أرض فلسطين..

وحين طمعت أوروبا "الصليبية" في أراضي الشرق، كانت فلسطين هدفهم الأول، أما المغول، الذين استباحوا العالم القديم، فكانت نهايتهم في عين جالوت، شمال فلسطين..

ولما أرادت أوروبا "الإمبريالية" نهب الوطن العربي، وتقسيم بلدانه اختارت فلسطين نقطة ارتكاز لمشروعها الاستعماري، بدءاً من نابليون، مرورا بكرومل وبالمرستون وبسمارك وانتهاء ببلفور.. ولما أرادت الصهيونية حل ما أسمته "المشكلة اليهودية" و"اللاسامية" اختارت فلسطين موطء قدم لها.. رغم قائمة البلدان التي رشحها "هرتسل"، والتي كانت ستحل المشكلة اليهودية إلى الأبد.

إذن، ظلت فلسطين مطمعا لكل الغزاة والفاتحين والطامحين، والطامعين.. وظلت تحتل مكانة غير عادية في العقل السياسي العالمي، قديما وحديثا..

جغرافياً، تمثل فلسطين الجسر البري الوحيد بين قارتي آسيا وإفريقيا، وهي على تخوم قناة السويس (شريان التجارة الدولية)، وعلى مقربة من منابع النفط والغاز (مصادر الطاقة الأهم)، في قلب الشرق الأوسط (النقطة الأسخن في العالم)..  

روحياً، فلسطين أرض الأنبياء، ومهد الديانات الإبراهيمية، فيها وُلد المسيح، وإليها أسري بنبي الإسلام، وعلى أرضها بنت الصهيونية روايتها التوراتية.. فيها المسجد الأقصى، وقبة الصخرة، والحرم الإبراهيمي، وكنيسة المهد والقيامة والبشارة.. وهي أهم الأماكن الدينية وأكثرها قداسة ورفعة للعالمين الإسلامي والمسيحي..

تاريخياً، لدى الفلسطينيين روايتهم التاريخية المتماسكة، والتي تحكي قصة وجودهم منذ آلاف السنين، وتواصلهم فوق أرضهم، وحقهم الطبيعي في البلاد، والتي أكّد عليها كل المؤرخين الحقيقيين، بما فيهم مؤرخون إسرائيليون، مسنودة بما لا حصر له من الشواهد: الثوب الكنعاني المطرز بالحرير، وصينية القش الموشحة بألوان الطبيعة، وآنية الفخار، وزهرة الحنون، والدبكة، والدلعونا، وخبز الطابون، والمقلوبة، وطقوسهم، ومواسمهم، وعظام أسلافهم، وحجارتهم ومنحوتاتهم.

حاضرا ومستقبلاً: الفلسطينيون باقون فوق أرضهم، ولديهم القنبلة الديمغرافية التي تغير المشهد ببطء وإصرار وبحركة دؤوبة، وهذا أكثر ما يقلق إسرائيل، ويضع مستقبلها على المحك.

ثقافياً، أنجبت فلسطين عشرات الأسماء التي حلقت في فضاءات الفكر والأدب والفن والعلوم: السكاكيني، وإبراهيم طوقان، وغسّان كنفاني، ومحمود درويش، وسميح القاسم، وناجي العلي، وإدوراد سعيد، وأبو لغد وغيرهم الكثير.. وعشرات الرموز النضالية، التي صارت أيقونات عالمية: عبد القادر الحسيني، وياسر عرفات، وخليل الوزير.. ولدى فلسطين كوفيتها السمراء التي تحولت إلى رمز عالمي للثورة والحرية..

قانونياً، مطالب الفلسطينيين مستندة للشرعية الدولية، ومدعمة بقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة، والتي تقر بحقهم بتقرير المصير، وحقهم بممارسة كافة أشكال النضال، وهناك 138 دولة تعترف بدولة فلسطين.. ومن ناحية ثانية، بممارساتها العدوانية، وفرت إسرائيل للفلسطينيين الفرصة للتقدم للمحاكم الدولية، بتهمة ارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية بموجب القانون الدولي: الاستيطان، جدار الفصل، هدم البيوت، القصف، الاغتيالات..

تمثل القضية الفلسطينية في ذهن أحرار وشرفاء العالم قضية الحرية والتحرر من الاحتلال، ومحاربة الظلم والعدوان، ومناهضة العنصرية، وإدانة البطش والقتل وسياسات التوسع والاستيطان ونهب أراضي الغير (وهي ممارسات الاحتلال الإسرائيلي)، وصارت قضية إنسانية وأخلاقية تجسّد قيم الحق والعدالة، والانتصار للمظلومين، وإسنادهم في حقهم في الدفاع عن أنفسهم، وفي تقرير مصيرهم (وتلك رسالة الكفاح الوطني الفلسطيني وفلسفته)..

لذا، تحتل فلسطين مكانة مرموقة في العقل العربي والإسلامي، وفي وجدان الجماهير الشعبية وضميرها، رغم تواطؤ الأنطمة والحكومات، واليوم، ورغم البروبوغاندا الإسرائيلية، بدأ العالم يعي حقيقة إسرائيل العنصرية الاستعمارية، ومدى وحشية الظلم.. وأخذت فلسطين وقضيتها تستقطب أفئدة وعقول الشعوب، وحركات التحرر، والمنظمات الإنسانية والحقوقية، والأحزاب السياسية، وبرلمانات الدول الديمقراطية، وكل مناهضي الإمبريالية المتوحشة، وكل المنحازين لإنسانيتهم..

تلك أهم وأبرز عناصر قوة فلسطين الرمزية، والتي إذا ما أُحسن استخدامها تعوض الخلل الفادح في موازين القوى، وتمنح الفلسطينيين القوة اللازمة لقلب الطاولة، وتغيير المشهد..

لكن الأمر ليس بتلك البساطة؛ فالعالم لا يحفل بالضعفاء والمظلومين، وغالبا ما يقف إلى جانب القوي حتى لو كان معتديا، والدول لا تقيم علاقاتها وتبني مواقفها بمعيار الحق والعدل، بل بمعيار المصالح.. ولا يكفي أن تمتلك الحق، الأهم كيف ومتى تمارسه.

وأهم مفاتيح الحل وعناصر القوة الحقيقية ليست بيد الفلسطينيين، بل بيد الدول العربية التي تمتلك النفط، والاقتصاد، والجيوش، والممرات المائية، والمصالح التي تستطيع مقايضتها مع الدول الكبرى لفرض الحل..

خيار المحاكم الدولية ليس سهلاً، فهي منحازة، ولدى إسرائيل خطط هجوم قانونية مضادة فوق طاقة الفلسطينين.

الخيار الديمغرافي مهم وحاسم، شريطة أن يترافق معه إستراتيجة تثبيت الصمود، وبناء الإنسان، فالمسألة ليست مجرد أرقام. فالإنسان أهم سلاح يمتلكه الفلسطينيون. وخيارهم الوحيد الصمود، واختراق نقاط الضعف الإسرائيلية، وتعميق أزماتها الداخلية..


رواية الثالث

صدرت رواية "الثالث" للروائي الإسرائيلي "يشاي سريد" عام 2015، ومؤخرا قام بترجمتها عن العبرية هشام نفاع، وأصدرها المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، مدار 2022، مع تعقيب للمختص في الشأن الإسرائيلي"أنطوان شلحت". تقع الرواية في 226 صفحة.

تنتمي الرواية إلى "أدب النهايات"، أو أدب الخيال والرعب، أو أدب المدينة الفاسدة والديستوبيا.. وتدور أحداثها في زمن مستقبلي مُتخيّل، بعد أن تتعرض تل أبيب لقنبلة ذرية تبخّر سكانها، وتحيل مدن الساحل إلى خراب.. ليأتي شخص يعيش في النقب اعتاد ممارسة هوايته في مراقبة النجوم ويتمكن من إعادة توحيد من تبقى من اليهود حوله، وتأسيس مملكة يهودا الجديدة في الجبال (في إشارة إلى مناطق الضفة الغربية) وعاصمتها أورشليم، وطرد الفلسطينيين منها (الذين يسميهم العماليق)، ثم استعادة "تابوت العهد"، وإقامة الهيكل الثالث (يسمي هذه المرحلة حرب الخلاص).

هذه المملكة عبارة عن دولة دينية يهودية خالصة (ثيوقراطية)، متفرغة تماما لعبادة الرب، وتطبيق الشريعة، وأحكام التوراة.. يحكمها ملك مستبد، تشبه تماما الممالك الدينية التاريخية القديمة، التي شاهدنا مثلها في الأفلام السينمائية وكتب التاريخ، حيث نظامها وراثي أوتوقراطي، وحاكمها مطلق الصلاحيات، وتمارس طقوسا دينية شكلانية كتلك التي مارستها الديانات الأيقونية والوثنية القديمة، والتي تتركز حول المعبد والمذبح، وتقديم القرابين والأضحيات والتقيد بالشعائر.

تصور الرواية هذه المملكة على أنها ديستوبيا (الجحيم، والمكان الذي لا يصلح للعيش)، بطل الرواية الملك "يوعاز"، وهو شخص كان مرتدا عن الدين، لكنه سيستخدم الدين في حربة لاستعادة حكم اليهود، فتعيده لحظة تجلي إلهية أثناء إقامته في النقب إلى دين أجداده، وينجح في توحيد صفوف من تبقى من شعبه حوله، تدوم مملكته قرابة 25 سنة، لكنها تتعرض لحصار وعزلة دولية، وتتحوّل حياة سكانها إلى بؤس وشقاء وفقر، ويقودهم ملكهم في نهاية المطاف إلى هزيمة مذلة، بعد أن يخوض حربا ضد العرب والفلسطينيين، ينتج عنها خراب الهيكل الثالث.

تأتي الرواية على لسان "يونتان"، وهو ابن الملك.. يكتبها على شكل مذكرات أثناء مكوثه في الأسر حيث يسمح له الفلسطينيون بكتابة شهادته على تلك الحقبة، قبل أن يسوقوه إلى الإعدام.

الرواية مليئة بالترميز.. فمثلا يونتان، وهو آخر من بقي من أبناء الملك يتعرض في طفولته لحادث تفجير ضمن محاولة من العماليق لاغتيال الملك، ينجو من الانفجار لكنه سيعاني من إعاقة في رجله، ويفقد فحولته.. (هل كانت تلك إشارة من الكاتب إلى النهاية المحتمة للدولة الدينية اليهودية؟).

يوكل الملك لابنه يونتان مهمة إدارة المعبد المقدس، فهو لا يصلح للحرب، ولا لشيء آخر في مجتمع عسكرتاري ذكوري، ولا حتى للزواج، مع أن تعاليم التوراة تحرم على المعاق والمخصي (والنساء) دخول المقدس، هذا الأمر يجعل يونتان ممتنا لأبيه الذي أوكل إليه هذا المنصب الرفيع، وفي الوقت ذاته سيعيش أزمة نفسية حادة، وإحساسا عميقا بالذنب لأنه خدع الإله يهوه.. وبهذا الإحساس المركب يعيش يونتان طيلة عمره مغيبا عقله تماما، ومنقادا كليا للمقدس، مقتنعا بكل خرافات الدين، ومخلصا للملك حتى آخر لحظة.. (وهذه سمات المجتمعات الدينية العسكرتارية المغيبة عن الواقع، والمنفصلة عن العصر، المخدرة عقول أفردها  كليا، والمنقادين للسلطة بولاء مطلق، مع انصياع صارم لسطوة المعتقد والغيبيات).

يصف لنا "يونتان" العلاقة الزائفة بين السنهدرين (المجمع الديني الذي يتولى القضاء وتطبيق الشريعة) والكهنوت والملك وأفراد أسرته، مثلاً: تزوج والده من زوجة ثانية، بينما والدته تقفل على نفسها منزلها بعد هجر زوجها لها، يصف علاقة الملك المشبوهة بأحد الأثرياء، ومخالفته الشريعة لإرضائه، ويروي خداع والده ووزير حربه الجمهور حين زعما بتمثيلية تلفزيونية أنهما ظهرا في المعركة لدعم معنويات الجنود، وهنا يصدمه شقيقه "يوئيل" بحقيقة الأمر، قائلاً: "هذا الشعب الجاهل يشتري كل حكاياتهم الخرافية، أنا لم أعد أصدّق الوالد، وقد حان الوقت لأن تنضج وتكبر أنت أيضاً".. لكن "يونتان" يجيبه بعناد: "أنا أؤمن بعمق أنَّ الرب أرسل والدنا ليقودنا نحو الخلاص، وأنَّ ما تقوله كفر وتدنيس لاسم الرب، وستجلب علينا كارثة".

 يكتشف أنّ شقيقه ديفيد (وزير الدفاع) لم يكن مقاتلا بارعًا، بل هرب من البلاد حين اسشتعر بدنو الهزيمة، ويصف العمل في المعبد بأنه ممل ودون جدوى، ويتحدث عن الفقراء الذين يقتطعون من حصة أطفالهم ويقدمون القرابين للمعبد، بينما طبقة الكهنوت يلتهمونها بنهم، ولا يشبعون.. وهنا ينزع الكاتب على لسان "يونتان" القداسة عن "المقدس" وبلا مواربة، فالذبائح تدنس المعبد بروثها وبولها، كما أن سدنته يغضون الطرف عن التعاليم التوراتية المشددة مقابل المال والامتيازات، ورشوة الأثرياء..

وحسب المعتقد الشائع للمجتمع الأورشليمي فإن القنبلة الذرية التي دكت تل أبيب كانت عقابا من الرب لسكانها اليهود الآثمين، لأنهم تخلوا عن التوارة والشريعة، وعاشوا حياة علمانية بلا دين ولا أخلاق.. لذلك، لم تُقِم مملكة يهودا أي نصب تذكاري لهم، بل ظلت تعتبرهم هم الذين جلبوا الدمار لإسرائيل.

يأتي المشهد الأخير مروعا، ومرمزا.. في يوم الغفران، وهو آخر يوم في حياة مملكة يهودا، كان الفلسطينيون على أبواب العاصمة، ويدكوها بالقذائف.. يلقي الملك خطابا عاطفيا، ثم يأمر بإطلاق رشقة من الصواريخ النووية على المدن العربية البعيدة، ولكن هذا لا يغير شيئا، وفي خطوة أخيرة يائسة، يأمر الكهنوت الملك بأن يضحي بابنه الصغير قربانا للمذبح، لعل "يهوه" ينقذهم من نهايتهم البائسة. وهنا إشارة إلى حالة الهيجان الجمعي بعد أن يتملك السكان الخوف واليأس، فيفقدون بصيرتهم وإنسانيتهم، ويعتقدون أن ذبح الرضيع هو فقط ما يسكن غضب الرب، ويدفعه للتصرف لإنقاذ شعبه المختار! لكن "يونتان" يرفض ذلك، ثم يهجم على والده الذي كان يحمل صغيره بيدٍ والسكّينة باليد الأخرى ويهم بذبحه، ويقوم بطعن والده وقتله، ثم يهرب مع شقيقه الصغير، ليقع في الأسر، وهناك يخصص الفلسطينيون مرضعة للطفل..

تظهر الرواية حدية الصراع على هوية الدولة والمجتمع، خاصة بين العلمانيين (تل أبيب/ الساحل) والمتدينين (القدس/ الجبل)، والمفارقة أنّ كلتيهما تنتهيان بالدمار والخراب.. هل أراد الكاتب القول بأن نهاية إسرائيل محتمة وفاجعة مهما كانت هويتها، لأنها مشروع استعماري بحت؟ أم أراد تسليط الضوء على خطر تحول إسرائيل إلى دولة دينية يحكمها اليمين المتطرف؟ ربما الخيار الثاني ما أراده الكاتب، خاصة وأن حضور الفلسطينيين في الرواية شبحي ومتواري.

وفي مشهد آخر يصف محاكمة السنهدرين لزعيم العلمانيين "سوركيس"، الذي يُحاكم بتهمة الخيانة (العلمانية تصبح خيانة)، والذي يقول رغم تعرضه للسجن والتعذيب: "ملعون هذا الملك المستبد الذي توجتموه عليكم، وملعون  "يهوه" ربكم قاسي القلب، أنظروا إلى البلاد، إلى الفقر، والبؤس، والمدن المتهاوية، وإلى كل الدم الذي سفكتموه".. وفي النهاية يتم إعدامه أمام الجمهور. (في إشارة ضمنية إلى مصير اليسار والعلمانية في المجتمع الإسرائيلي).

المؤلف "يشاي سريد"، ابن "يوسي سريد"، الوزير السابق وعضو الكنيست، ومن زعماء حزبي العمل وميرتس، وأحد رموز ما يسمى "اليسار الإسرائيلي". لذا يمكن فهم الرواية على أنها تحذير قاسي وواضح لمآلات إسرائيل المحتمة، إذا ما استمرت في سياسة التهود والتدين واليمينية والتطرف.. فهي تعبر بوضوح كبير المخاوف العميقة والرهيبة الكامنة في العقل العلماني الإسرائيلي، الذي مثله مجتمع تل أبيب، تجاه تغوّل الدين والاستيطان والتطرف في المجتمع والدولة والجيش، وتحوله إلى فاعل مؤثر وقوي، بحيث يرتد في النهاية على صانعيه، وتوضح الرواية كيف يتحوّل الدين والتدين المتطرف وتهويد الوعي والحياة إلى حاضنة للفساد والتضليل والقتل والمقامرة بوجود إسرائيل.

لا يسلط الكاتب الضوء على مخاوف العلمانيين من مصير "إسرائيل" المستقبلي وحسب، بل ويستشعر خطورة البنى التحتية الحالية والتي تمهد لتحويل إسرائيل إلى دولة ثيوقراطية (قانون القومية اليهودية مثالا)، يطلق عليه تعبير "الهيكل الثالث"، مستخدما لغة التوراة بعباراتها الدينية، بدءًا من العهد القديم فالمشناه والتلمود وكتاب التسابيح والصلوات، وبالهوس العرقي والتعصب والعنصرية، من أجل تأكيد طبيعة هذه البنى الظلامية وقدرتها على التدمير. فهو في الوقت الذي يرسم فيه صورة ديستوبية مرعبة للكابوس القادم، يرسم أيضا ما هو قائم في إسرائيل الآن.

وبحسب "أنطوان شلحت" فإن "ساريد" ليس أول من كتب في الديستوبيا الإسرائيلية، فقد سبقه "عاموس كينان" في روايته "الطريق إلى عين حارود" في مستهل الثمانينيات، وتبعه آخرون، معظمهم من خلفية يسارية، ودافعهم الرئيس خشيتهم مما يمكن أن يكون عليه مصير إسرائيل طالما أن اليمين والتدين يتغولان في المجتمع، وذلك عبر أعمال روائية برؤية سوداوية تحمل نذير سوء.

 أسلوب الكاتب سلس ومهني وشيق، يسير بأحداث الرواية بوتيرة متناسقة، والترجمة رائعة ومتمكنة.

أغسطس 04، 2022

دمشق

في مشهد غرائبي يختزل الحالة السورية الآن؛ عند باب شرقي، وهي من بوابات دمشق القديمة، وأحد أحيائها الجميلة، المعطرة بالياسمين.. كافتيريا امتدت طاولاتها حتى آخر الرصيف، تقيم حفلا غنائيا صاخبا، ومئات الشباب والصبايا يرتدون ثيابا عصرية للغاية، يتراقصون طرباً على أنغام "الدي جي".. كانت الحفلة بلا مناسبة، وفي منتصف الأسبوع، غادرنا بعد منتصف الليل وما زالت في أوجها.. ما حيرني اختيار الأغنيات: صباح فخري، فيروز، أليسا، هيفاء، حمو بيكا، هاني شاكر، مسيطرة، الغزالة رايقة، طبطبة، السيكسي ليدي، يا بشار، وين عَ رام الله، علّي الكوفية، مرسيل خليفة...

قبالة الحفلة تماما كنيسة قديمة، وعلى بعد نحو مائة متر جامع كبير.. وبينهما عشرات المحلات العامرة بالزبائن، والمحلات المقفلة التي لم يستطع أصحابها توفير مولدة كهرباء.. تمشيتُ في أزقة الشام القديمة، لم يصادفني أي من نجوم باب الحارة، رأيت عامل نظافة، يبدو سبعينيا، كان يسند ظهره إلى الحائط، ممسكا بمكنسته، متكأً عليها، وأمامه برميل أسود متوسط الحجم، يغالبه النعاس، وقد هده التعب.. لم يكن يمد يده لعابري الطريق.. لكن كثيرين أشفقوا عليه، ومنهم رواد الحفلة.. وكثيرون مروا عليه بلا أي اكتراث.. يبدو أن المشهد صار عاديا..

دمشق مليئة بالحدائق الخضراء، وبمجرد غروب الشمس تخرج العائلات بالآلاف، وتفترش العشب، بحثا عن نسمة طرية، أو الاستفادة من ضوء المصابيح.. يظلون فيها حتى الفجر، يعودون لبيوتهم على أمل النوم فورا، وتجنب الأرق المعذب بالحر والعتمة..

الكهرباء تتوفر ساعتين في اليوم، والحر طوال الوقت.. تتوزع الكهرباء على الأحياء بالتتابع، فيبدو المشهد من علو سرياليا، بين النور والعتمة، معظم الأحياء والشوارع نظيفة بشكل لافت، بعض الأحياء الشعبية تبدو خارج العصر، بعض الأحياء الجنوبية (ومنها مخيم اليرموك العزيز) تدمرت كليا في الحرب، وصارت مدن أشباح مخيفة ومقفلة.. الأمن مستتب كليا منذ ثلاث سنوات، ولم يعد يؤرق الناس، ما يؤرقهم التضخم، والغلاء والفقر.. في وقت اشتداد الأزمة كان الوضع الاقتصادي أفضل، وقيمة الليرة أقوى بعشر مرات.. في زمن الكورونا، ومع تداعيات الحصار وانقطاع الكهرباء تدهور الاقتصاد بشكل مرعب.

جميع المطاعم من أغلاها حتى أرخصها مكتظة بالزبائن.. سوق الحميدية درة الشام الأجمل، ما زال متألقا يعج بالمارة والمتسوقين، ستجد فيه ما تشتهي الأنفس، وكل ما يخطر ببالك، وما لم تسمع به من قبل.. بوظة بكداش، كوكتيل أبو عبده، حلاوة الجبن، عصير التوت الشامي، اللوز والجوز والبقلاوة والكبة وفتة الحمص.. التذكارات والتحف الشرقية المصنوعة باليد وبعناية فائقة.. الأقواس الحجرية، والأزقة المتشعبة في شتى الاتجاهات، والبيوت العتيقة، ونوافير الماء، والجامع الأموي، وضريح صلاح الدين..

لا تعاني دمشق من الأزمات المرورية الخانقة، مقارنة بالمدن الكبيرة التي بحجمها، والسبب سياسة تقنين البنزين، ولكنها تسهر حتى قبيل الفجر، وتظل الشوارع مكتظة بالمشاة، والملفت اختفاء ظاهرة التحرش بالنساء، حتى اللواتي يرتدين ثيابا مثيرة.. واختفاء ظاهرة سائقي التاكسي الذين يعطون ركابهم محاضرات في الأخلاق وفي ملابس النساء..

تشرب دمشق من بردى، ومن عيون جبل قاصيون المطل على بهاء المدينة بكل شموخ، حيث ساحة الأمويين، والمرجة، والسبع بحرات، والسيف الدمشقي، وباب توما، ودمر، وكفر سوسة، وركن الدين..

رواتب الموظفين والعسكريين بائسة، لا تتجاوز الخمسين دولارا.. لكن السوري الذي طحنته الحياة، واختبر كل أنواع المحن يعرف كيف يتدبر أمره.. وما زال محباً للحياة. العائلة كلها تشتغل، ومن لم يجد عملا يساعد في الوقوف على طوابير الخبز، والغاز.. 

التفاوت الطبقي مرعب، من الغنى الفاحش، حتى الذين ينامون على الرصيف.. ومع ذلك ما زالت الشام تنتج الثقافة والفن والفكر والأدب.. ورغم كل هذا البؤس، وبعد سنوات الحرب المخيفة، لم يفقد السوريون مرحهم، وحلاوة لسانهم، ولطف معشرهم.. وتمسكهم بالأمل..

دمشق من أقدم المدن في العالم التي ما زالت عامرة بالسكان، ليست مزخرفة، ولا تحب البهرجة، ولا تسعَ لتحطيم الأرقام القياسية في البنايات والجسور والأنفاق.. عراقتها أصيلة، وهذا سر جمالها.. تبدو مثل سيدة أنيقة وقورة تناضل للحفاظ على شبابها ونضارتها.. تتعالى على جراحها بصمت وكبرياء..

تطالع وجوه الناس بحيرة ممزوجة بين الحزن والفرح.. تفرح لمن نجا من أهوال الحرب، ولمن بقي محافظا على طيبته وابتسامته.. وتحزن وأنت ترى دمعة مختبئة محمّلة بالأسى.. يريد صاحبها أن يبوح لك بأوجاعه: ابني مفقود من خمس سنين، أمي لازمها عملية في الركبة، أبي لا ينام من أوجاع الديسك، جيراننا نازحين من الغوطة وما عندهم أكل، ابن عمي فقد رجله اليمين من لغم، وابن خالتي رسب في الجامعة متعمدا حتى يؤجل الخدمة العسكرية، وأنا بفكر في الهجرة ولكني خايف أغرق في البحر، كل أرباحي المفترضة أدفعها للجنود على الحواجز، وإذا ما دفعنالهم بموتوا من الجوع.. كلنا ضحايا حرب مجنونة..

الشام "أفلتت من الصيدة" (بحسب تعبير لوزير مولت دولته الحرب على سورية)، وقد خاب مسعاه، وخاب ظن ُّكل من راهن على سقوطها.. وستبقى عصية على الكسر..

هذه مجرد ملاحظات عامة من زيارة قصيرة لدمشق..