أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

مارس 03، 2026

تغيير النظام الإيراني، هدف أميركي، أم إسرائيلي؟

 

تساءلت في مقال سابق عن العلاقة بين الدولة العميقة في الولايات المتحدة وإدارة ترامب، والتقاطعات بين الطرفين، وما بدا واضحا أن ترامب وسّع هامش صلاحياته بما يتجاوز الدولة العميقة وأحيانا يتعارض معها، وضد مصالح أميركا العليا.. ويمكن إضافة تساؤل ذو صلة بالموضوع، عن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، ومن يقود من؟ ومن يصنع القرار، أو يؤثر فيه؟ وإذا وضعنا هذا السؤال في سياق الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، سنعود إلى تصريح نتنياهو الأخير، وهو تصريح استفزازي وغريب، فيه قدر كبير من الغطرسة والغباء، حيث قال: "منذ أربعين سنة وأنا أفكر وأحلم بإسقاط النظام الإيراني".. قبل أربعين سنة لم يكن لإيران أذرع في المنطقة، ولم يكن لديها مشروع نووي، ولا صواريخ باليستية.. كانت منشغلة في حربها على العراق.. وبالتالي لم تكن تشكل أي تهديد أمني أو إستراتيجي على إسرائيل.. فلماذا يحلم نتنياهو بإسقاط النظام؟

وأيضا، ومنذ انتهاء الحرب العراقية الإيرانية (1980_1988) وحتى أمد قريب لم تكن إيران تشكل خطرا حقيقيا على الولايات المتحدة، بل كان بينهما نوع من تقاسم الأدوار، أو التخادم، ضمن صراع بين مشاريع هيمنة، كانت إيران تسعى لأخذ الصدارة بين القوى الإقليمية المهمة في الإقليم (تركيا، إسرائيل، الدول العربية وفي مقدمتها السعودية)، وكما أشرت في المقال السابق صمتت إميركا على التمدد الإيراني، إلى أن بدأ التحول العميق في الإستراتيجية الأميركية مع تصاعد صراع الأقطاب الدولية الكبرى (أميركا، الصين، روسيا..)، ضمن سياق خلق نظام دولي جديد، يقتضى إزاحة وتحييد الدول والميليشيات التي تقف حجر عثرة أمامه، أو تشكل تهديدا أمنيا ولو ضئيلا، أو غير منسحم ومتكيف معه. وفي مقدمتها إيران، ومعها أذرعها الميليشياوية.

إذن، أميركا تريد تكييف النظام الإيراني من خلال إضعافه، وإخضاعه والتفاهم معه، لكن القيادة الإيرانية طلبت شروطا واستحقاقات أكثر مما تريد أميركا منحها.. هذا لا يتطلب بالضرورة شن حرب، كان يمكن لأميركا تصعيد العقوبات، وتشديد الحصار، والتركيز على الدبلوماسية والتفاوض.. ولما اقترب المسار التفاوضي من إيجاد صيغة حل (كما أعلن الوسيط العماني قبل يوم من الحرب) بادرت إسرائيل لشن الحرب، لقطع المسار التفاوضي، وتوريط أميركا في الحرب.

طبعا، لا يمكن لإسرائيل إجبار أميركا على خوض حرب بهذه السهولة.. لذا خلال الأربعين سنة الماضية لم يجد نتنياهو رئيس أميركي يوافق على شن الحرب، بل إن أوباما توصل إلى اتفاقية مكتوبة مع إيران بشراكة أوروبية.. إلى أن جاء ترامب فكان من أولى قراراته في ولايته الأولى إلغاؤها.. وفي ولايته الثانية شن الحرب فعليا، مع أنه لا مصلحة أميركية (حقيقية) من وراء الحرب، ويجب الانتباه هنا أن أميركا خاضت الحرب دون قرار مجلس أمن، وحتى دون مشاورة الكونغروس، وهنا أطراف عديدة من داخل أميركا غير مقتنعة بجدوى الحرب وضرورتها، بل وتعارضها.

إسرائيل هي التي مهدت الطريق لترامب لشن الحرب، وورطته بها.. بدأت بخطوات متدرجة ومدروسة منذ العام 2011، كانت البداية بطرح قضية إيران والتهويل من خطرها عبر حملة إعلامية منظمة. ترافق معها عمليات استخباراتية بهدف جمع المعلومات، واختراق إيران من الداخل وزرع جواسيس، واختراق كافة أذرعها المسلحة (حزب الله، حماس، الجهاد، الحوثيين، حزب الله العراقي..)، ولا حاجة للقول أنها حققت اختراقات رهيبة في هذا المجال.

أما الخطوات العسكرية والسياسية فقد كانت النقلة الافتتاحية تحييد وتدمير قطاع غزة، حيث جاءت عملية طوفان الأقصى وقد توضح بأدلة معلنة أن اسرائيل كانت على علم مسبق بهذه العملية، وقد عبّدت الطريق بمكر أمام حماس بتعطيل الإنذار المبكر على السياج الحدودي وإتاحة المجال لمقاتلي حماس للعبور، ثم مضاعفة أعداد القتلى الإسرائيليين حيث قامت مروحيات إسرائيلية بتسليط نيرانها على الجموع الهاربة من الحفل الموسيقي ومهاجمة البيوت التي تحصن فيها المقاتلين، بهدف خلق المبرر الأقوى لتدمير غزة، من خلال اختراع "هولوكوست جديد" يعطي لإسرائيل سبب تعبئة داخلية وخارجية وحملة إعلامية قوية، ومبرراً لشن حرب طويلة لم يكن ممكنا تسويقها قبل ذلك. في النتيجة تدمرت غزة وتم تفكيك بنية حماس الأمنية والعسكرية وبالتالي القضاء على الذراع الإيراني الجنوبي.

الخطوة الثانية، تحييد حزب الله، بحجة مشاركته في الحرب ودعمه لحماس، خطط الموساد لهذه الخطوة قبل الحرب بسنوات، حين زرع متفجرات في أجهزة الاتصال التي يستخدمها عناصر وقياديي حزب الله وانتظر اللحظة المناسبة لتفجيرها، تبعها عمليات اغتيال لقادة الصف الأول والثاني للحزب، وفي النتيجة تم إضعاف وتحييد الذراع الإيراني الشمالي.

وعلى الفور، انتقلت للخطوة التالية؛ قطع التواصل البري بين إيران ولبنان من خلال المساهمة في إسقاط نظام الأسد، واستغلال الفرصة لاحتلال مساحات واسعة ومهمة من الأراضي السورية، ما يعني قطع المد اللوجيستي لمحور المقاومة، بل والقضاء عليه، ليغدو النظام الإيراني معزولا ومكشوفا ويمكن مهاجمته في حرب طويلة، وكان من الضروري اختبار قدرات إيران الحقيقية، باستدراجها لحرب محدودة؛ فتم استهداف السفارة الإيرانية، واغتيال الرئيس في حادث مروحية مدبر، واغتيال إسماعيل هنية وسط طهران، ثم مهاجمة المنشآت النووية في حزيران 2025، في حرب قصيرة شاركت فيها أميركا.

لكن قبل شن العدوان الكبير كان لازما حل مشكلة ارتفاع أسعار النفط، أو انقطاع إمداداته فيما لو أغلقت إيران مضيق هرمز، حتى لا تنشأ أزمات اقتصادية، وقد تمثل الحل باعتقال رئيس فنزويلا مادورو، وتوقيع اتفاقية إذعان مع النظام الجديد، لضمان تعويض أي نقص من خلال النفط الفنزويلي، وتوفير أمان نفطي يلبي حاجات أميركا. صحيح أن هذه الخطوة قامت بها أميركا، ولكن التحريض الإسرائيلي لم يقصّر.

بعد قطع الأذرع صار ممكنا ضرب الرأس، حيث شنت إسرائيل وأميركا هجمات منسقة على إيران بدأتها بضربة قُتل فيها أغلب الصف القيادي بما فيهم خامنئي وكبار مساعديه. ولكن، حتى في هذه الحرب تبدو أهداف أميركا غير أهداف إسرائيل، فأميركا تبحث عن صيغة تفاهم مع أي قيادة إيرانية قابلة بشروطها، بينما تريد إسرائيل تدمير المقدرات الإيرانية: المشروع النووي، والصواريخ الباليستية، والقدرات العسكرية، والعلمية، وكل ما تعتقد أنه يشكل تهديدا إستراتيجيا، ولو بعد سنين طويلة. تماما كما فعلت في سورية.

النقلة الأخيرة بعد الحرب، وربما أثنائها، هي توفير كافة الشروط وتذليل العقبات وتهيئة الظروف أمام الشعب الإيراني، ليقوم بنفسه بإزاحة النظام..

مارس 01، 2026

العدوان على إيران


توجيه ضربات إيرانية لخمس دول عربية يُعد اعتداءً سافرا على سيادة تلك الدول، خاصة وأن الأهداف لم تقتصر على القواعد الأميركية، فقد شملت منشآت مدنية ومناطق سكنية، وهذا مُدان، لكن الاعتداء على إيران أكثر سفوراً ويتوجب إدانته في المقام الأول.. بصرف النظر عن موقفنا من النظام الإيراني.

وعند الحديث عن حق الشعوب في تقرير مستقبلها، وتطلعها للحرية، وتخلصها من الاستبداد فإن ترامب ونتنياهو آخر مخلوقين في الكوكب يمكن لهما أن يتحدثا في هذا الشأن، ليست أميركا ولا إسرائيل من يحدد معايير الخير والشر، فهما أكثر نظامين في العالم خاضتا حروبا وعدوانا خلفت ملايين الضحايا، هما الخطر الحقيقي والأول على السلم العالمي.

إيران (الدولة والشعب) ليست عدوا لنا، ومشكلتنا مع النظام تحديدا، لأنه نظام قمعي استبدادي تسلط على شعبه أولاً، ولأن مشروعه التوسعي أضر بالمنطقة العربية، وكل منطقة تغلغل فيها حوّلها إلى خراب، وجعل منها مجرد أذرع موالية وأدوات يسيّرها وفقاً لمصالحه، وعلى حساب مصالح شعوب المنطقة، وربما أخطر ما فعله النظام الإيراني إطلاق الطائفية من قمقمها، وتفتيت المنطقة لدرجة خدمت إسرائيل بأكثر مما كانت تتمنى.

لم يكن صراع إيران مع أميركا صراع حق وباطل، على مدى 46 سنة تقاسم النظام مع أميركا الأدوار، خاصة بعد حرب الخليج الأولى وبداية التغلغل الإيراني في العراق، حتى هيمن عليه، كذلك التخادم في إسقاط طالبان وفق مبدأ تقاسم مناطق النفوذ، لتتمدد إيران بعدها إلى أربع مناطق عربية أخرى خدمة لمشروعها في تبوؤ صدارة الإقليم، فعلت كل ذلك تحت شعار "مقاومة الإمبريالية" و"الشيطان الأكبر"، و"دعم المقاومة".. وفي الحقيقة لم يكن مشروع إيران مشروع مقاومة، بل مشروع هيمنة في مواجهة مشروع هيمنة آخر. ولم تكن صديقة للشعب الفلسطيني، بل إنها أكثر من أضر بقضيته، وأحدثت الانقسام.. إيران مجرد نظام يسعى وراء مصالحه الخاصة وحسب.

ثمة أخطاء كارثية اقترفها النظام الإيراني قادت إلى هذه النتيجة الحزينة والفاجعة، أولها اعتقاده أن الصمت الأميركي والدولي على تمدده كأنه إقرارٌ بدوره الإقليمي الجديد، وتوهمه أن هذا يمنحه تفويضا مفتوحا، وربما لأنه لم يقرأ جيدا التغيرات الجوهرية التي أصابت بنية النظام الدولي الجديد..

في هذا النظام ظهرت ثروات وموارد جديدة صارت عصب الصناعة والتكنولوجيا الحديثة وثورة المعلوماتية، وهناك حرب تجارية طاحنة بين أقطاب دولية تقتضي صراعا على الممرات المائية والموانئ والطرق التجارية وسلاسل الإمداد، وثمة قنوات وطرق بحرية وبرية جديدة، ومشاريع عملاقة، ومناطق استثمار جديدة يجري إقامتها، كل ذلك يشترط السيطرة على موارد الطاقة وحقول الغاز وضمان تدفقها، بأدوات جديدة أبرزها التكنولوجيا والأمن السيبراني.. والأهم هناك دول وفواعل شبه دولانية تقف وجه عثرة أمام هذا التحول الدولي الهادر، وبالتالي لا بد من إزاحتها وتحييدها.. في القلب منها إيران، وأذرعها الميليشياوية.

ما يعني أن كل نظام وكيان سياسي لا يكيّف دوره الوظيفي ومكانته ضمن هذه المعادلات ستجري إزاحته.. فما تأسس على الظروف السابقة لم يعد ملائما، وكل عملية تخادم لها تاريخ صلاحية. ربما فنزويلا آخر مثال.

الخطأ الكارثي الآخر، تمثل في الخطاب السياسي والإعلامي؛ خطاب التهديد والوعيد، والإدعاء بامتلاك القوة الجبارة، والمفاجآت الصاعقة.. والكارثة أن النظام نفسه صدّق هذا الخطاب! وهذا منشؤه خطأ أكبر؛ وهو الفهم الخاطئ والمشوه ل"مفهوم القوة"، والاعتقاد أن القوة في عدد الصواريخ ومدياتها.. وفي المعنويات العالية وحشودات الجماهير والتظاهرات المليونية، وفي خطاب العنتريات..

عند لحظة الحقيقة تقع الفاجعة.. الواقع السياسي لا يجامل، ولا يعبأ بالنوايا ومقولات الحق ينتصر وإرادة الشعوب والتضحيات المستحقة.. في لحظة الحقيقة يتكشف كل شيء، وتنهار كل الإدعاءات الزائفة والمتوهمة، وينتصر فقط من يمتلك عناصر القوة الحقيقية.

إسرائيل تمتلك الكثير من عناصر القوة الحقيقية وليس كلها، لكن العناصر الناقصة (وهي كثيرة وبالغة الأهمية) تعوضها أميركا، والتحالف الدولي..

مشكلتنا في العالم العربي أننا نقترف الأخطاء ذاتها؛ خطاب التهديد والوعيد، ووهم القوة.. نبالغ، ونصدق مبالغاتنا! ولم نقدر بشكل علمي وإستراتيجي مدى قدرات أعدائنا..

قبل النكبة استخف الخطاب العربي بالمشروع الصهيوني، وصفه بِ"عصابات اليهود"، "، و"شذاذ الآفاق"، فحلت النكبة.. ثم توعد خطابنا بصواريخ القاهر والظافر، وبإلقاء إسرائيل في البحر، فحلت النكسة..

في العام 1990 هدد صدام بحرق نصف إسرائيل، وصدقنا أن العراق يمتلك رابع جيش في العالم، ولديه المدفع العملاق والكيماوي المزدوج.. ثم سقط العراق..

كما تباهى حزب الله بأنفاقه وصواريخه وما بعد حيفا، التي ستجعل إسرائيل غير قابلة للحياة، وأن ميزان الردع بات محسومًا، وأنه غيّر قواعد اللعبة.. ثم انهار الحزب.. ومعه محور المقاومة..

أما حماس فتوهمت أن صواريخها وأنفاقها وقذائف الياسين قادرة على قلب المعادلة، وصدقت "وعد الآخرة"، و"وحدة الساحات"، ووعدت بالمفاجآت الكبرى فهاجمت دولة نووية بطائرة شراعية وبكبات تويوتا، فكانت النكبة الأكبر.

قبل حرب إيران هذه طالما هدد النظام بمحو إسرائيل خلال أيام، زاعماً أن لديه قدرات كاسرة للتوازن، وسيرد بقوة لا يمكن تخيلها.. وما حصل أنه تلقى ضربة قاصمة في اليوم الأول، وتبين أنه مخترق، ولم يعالج ثغراته الأمنية كما يجب، وأن أزماته الداخلية أعمق بكثير من تحمله حربا بهذا الحجم.. 

المشكلة ليست في أن إيران وأذرعها بلا سلاح؛ بل لديها ترسانة، المشكلة في الخطاب المتوهم الذي يتجاوز دائمًا الواقع، وقدرة التحمل الفعلية.

الأهم من امتلاك السلاح امتلاك اقتصاد قادر على الصمود، وتكنولوجيا متطورة، وشعب متحد داعم، وتخطيط إستراتيجي خالي من الشعارات، يعيد تعريف معنى القوة. الخطاب التعبوي لا يقود بالضرورة إلى النصر، بل يكشف هشاشة النظام، بمجرد أن يُختبر في لحظة الحقيقة، حينها يفتضح الفرق بين الردع النظري والقدرة الواقعية..

ما جرى وتكرر خلال العقود الماضية: خطاب تهديد، وتضخيم متوهم للقوة، بما يؤدي دوما إلى رفع سقف توقعات الجماهير، حتى تُصدم بالنتيجة، ثم يُعاد تدوير التجربة. وفي كل دورة جديدة يخيب أمل الجماهير، وتتعمق أزمتها النفسية، ومع ذلك، يبدو أننا لا نريد أن نتعلم الدرس.


فبراير 27، 2026

الشعوب، أم الأنظمة؟

 

لو انتشر مقطع فيديو يدّعي أن شخصاً ما اغتصب طفلة ثم قتلها، ستجد جميع التعليقات تقريبا تطالب بإعدامه، أو الانتقام منه بأبشع الطرق.. لكن الدولة تفعل شيئا آخر، تعتقل المتهم وتحقق معه، وتعرضه على المحكمة، وتعطيه فرصة الدفاع عن نفسه، وتوكيل محامي، وحينها سيفهم القاضي القضية من مختلف جوانبها، ويتفحص الأدلة والقرائن وأقوال الشهود ويستعين بمعاونيه، ويرجع للقانون، ويطبق الحكم الذي رآه عادلا.. قد يجد المتهم مذنبا، وقد يجده بريئاً.. المهم أن هذا الأسلوب حقق أكبر قدر من العدالة.. ولو تُرك الأمر للجمهور لأحرقوا المتهم ومعه أهله خلال نصف ساعة.. 

لو قام شخص ما بالتحريض ضد جماعة معينة (من الأقليات مثلا) واتهمهم بأن يقومون بأفعال شاذة، أو يعتنقون أفكارا ضلالية، أو أنَّ أحد أبنائهم اقترف جرماً معيناً.. على الفور ودون تأنٍ سيقوم الأهالي بمهاجمة تلك الجماعة وحرق بيوتهم أو طردهم منها.. ولو قام محرض آخر وهاجم فيلما سينمائيا مثلا، أو كتاباً معيناً، أو مفكراً ما.. أيضا ستثور الجماهير الغاضبة وقد تحرق الكتاب، أو تقتل المفكر، أو تخرج بمظاهرات عنيفة.. وبوسعك ضرب ما لا حصر له من أمثلة شبيهة، وذكر حالات من هذا النوع حصلت فعلاً في مختلف دول العالم..

الدولة، حتى لو كانت قمعية ومتخلفة وفاسدة.. تظل أرحم من جماهير الغوغاء.. وبالتأكيد أفضل من الفوضى وانعدام الأمن..

الجماهير عموما عاطفية، تتأثر بسرعة، تصدق كل قصة خاصة إذا كانت تناسب توجهاتهم، لأنها بطبعها تمارس التحيز المعرفي، وعندما تصبح الحشود كبيرة تختفي فردانية الشخص لصالح الجماعة التي سيذوب فيها، وينساق وراءها، لدرجة أنه سيلغي تفكيره وشخصيته دون أن يشعر بذلك.. الجموع الغفيرة عادة ليس لديها وقت للتفكير والتمحيص والتدقيق، ليس لديها عقلية نقدية واعية ومتأنية، وهي أصلا لا ترغب بذلك.. تنحاز لموروثها الثقافي وللعادات والقيم التي نشأت عليها (بغض النظر عن مدى صحتها)، تنصاع طواعية لشيخ القبيلة، أو زعيم الطائفة (أو لأي خطيب مفوه، أو مؤثر حتى لو كان فناناً عديم الموهبة)..

تلك طبيعة الجماهير بشكل عام، قد تقل تلك السمات في المجتمعات المستقرة والمتطورة، لكنها لا تختفي كليا. والأكيد أنها تكون أوضح وأشد كلما كان المجتمع متخلفا وقبليا، أو قليل التعليم، أو يعاني من أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية.

في المحصلة الجماهير عبارة عن مجموع أفراد، والفرد معرض للخطأ، من البديهي أن ينحاز لعواطفه ونزواته ومصالحه في المقام الأول، وفي التجربة العملية نلاحظ مثلا أنه سينتخب ابن عشيرته أو ابن طائفته حتى لو علم علم اليقين أنه فاسد ومرتشي.. وسيدافع عن قبيلته، أو عن زعيمه بتعصب حتى لو كان على حساب المجتمع.. الفرد يجب القانون فقط حين يكون لصالحه، ومستعد لمخالفته كلما تعارض مع مصالحه، أو كلما سنحت له الفرصة، حتى على مستوى مخالفة قوانين السير التي صُممت لسلامته وسلامة الآخرين.

لهذه الأسباب، منذ تشكل الأسرة والمجتمعات البدائية، ابتدعت البشرية الأعراف والقيم التي تضبط سلوك الفرد والجماعة، فحرّمت كل ما يهدد سلامتها (القتل، السرقة، التعديات..) ومع مرور الوقت وتطور المجتمعات تطورت تلك الأعراف والقيم إلى منظومة قوانين ودساتير تضبط نظام الحكم، وفي العصر الحديث ومع نشوء الدولة الوطنية تبنت كل دولة ما يناسبها منها.

هل هذا يعني أن الدولة معصومة عن الخطأ؟ بالتأكيد لا.. الدولة قد تكون شريرة، وتخوض الحروب ضد جيرانها، وتمتهن كرامة مواطنيها.. بالمناسبة الشعوب أيضا تطالب بالحروب وتتحمس لها، خاصة إذا لم تجرب ويلاتها ولم تختبر تفاصيلها المؤلمة.. وإذا قادتها ووجهتها نخب شعبوية انتهازية.

الدولة هي أيضا بشكل ما مجموع أفراد يشكلون الطبقة الحاكمة، وهؤلاء سينحازون أيضا لمصالحهم، لذا ستجد في كل نظام ثغرات قانونية، واستغلال للسلطة، وقمع، وفساد، ومراكز قوى متصارعة، وسوء تخطيط، وضعف في الرقابة.. والنظام نفسه قد يعمد إلى تفريغ قيمه وقوانينه وهياكله من مضامينها ومقاصدها النبيلة، فيتحول البرلمان إلى قاعة صراخ لخطباء شعبويين فاسدين، وقد يفسد القضاء، وتتحول الحكومة وأجهزتها الأمنية إلى عصابة لصوص..

تتدرج تلك المثالب وتتباين بين المجتمعات، ما بين نظم استبدادية قمعية فاسدة متخلفة (مجتمع ديستوبي).. إلى مجتمعات فيها قدر معقول من العدالة والنظام ودرجة مقبولة من التطور.. إلى مجتمعات تحقق قدرا أكبر من معايير الإنسانية وحقوق الإنسان والمواطَنة والعدالة الاجتماعية..  

في كل الأحوال لا يمكن لأي مجتمع أن يستقر ويتطور ويستجيب لمطالب شعبه دون نظام مستقر، أي دون حكومة وقوانين وسلطات تشريعية وقضائية وتنفيذية، ودون أجهزة أمن.. ولا يمكن له أن يصل إلى تلك المرحلة المنشودة دون شعب واعي، متحرر من عقلية الطائفة والقبيلة، ودون مواطن منتمي ومسؤول..

لحد الآن لم يصل أي مجتمع لمستوى المدينة الفاضلة، ولا يمكن ذلك، فاليوتوبيا مجرد حلم إنساني قد لا نحققه يوما ما.. لكن ما يمكن تحقيقه هو مجتمع آمن مستقر تتحق فيه العدالة (النسبية)، ورفاهية المواطن، وتُصان فيه حقوقه وكرامته وحريته (بالقانون وليس بالواسطة ولا بمزاجية الحاكم)، وتُصان حقوق الأقليات (بالقانون وليس بعقلية التسامح).. وهذا لا يمكن تحقيقه إلا بالديمقراطية.. أي بنظام يتبنى الديمقراطية الشاملة، بما تقتضيه من تداول سلمي للسلطة وفق انتخابات دورية منتظمة تجدد دماء النظام، فيه مساءلة ومحاسبة ورقابة صحافية ومجتمعية وبرلمانية، وفصل بين السلطات.. نظام يقوم على مبدأ المواطَنة..

للديمقراطية مثالب عديدة وثغرات ونقاط ضعف، فهي لا ولم تضمن اليوتوبيا يوما ما، لكنها أفضل نظام حكم عرفته الإنسانية حتى اليوم، ولا تقوم الديمقراطية إلا حين يؤمن بها الشعب ويتبناها فكرا وممارسة، في البيت والمدرسة قبل الشارع والمجتمع..وقبل صندوق الانتخابات.

العلاقة الجدلية بين الشعب والنظام موضوع معقد ومتشابك وهو أعمق وأشمل من تناوله في مقال، لذا هي مجرد أفكار عامة، قابلة للنقاش. 

فبراير 23، 2026

مسلسلات رمضان


من بين الأشياء المحببة لي في الشهر الفضيل؛ متابعة المسلسلات العربية، وهي عادة أتوقف عنها تماما بعد رمضان، هذه السنة تزخر الشاشة بالعديد من المسلسلات الجيدة، التي تستحق المشاهدة، ولأني لم أتمكن من الإطلاع عليها جميعها سأكتفي بجولة سريعة، مع التأكيد على أن مسلسلات أخرى جيدة لم تتح لي فرصة متابعتها. وأيضا سأكتفي بالحديث عنها من زاوية الفكرة والمضمون، دون نقدها أو تحليلها فنيا، لعدم تخصصي، ولأن تلك الأعمال لم تنتهِ بعد، ومن المبكر الحكم عليها.

كالعادة، تتنافس الدراما السورية والمصرية على صدارة الشاشة واستحواذ المشاهدين، ومن الملاحظ أن الدراما السورية تناولت الحياة السياسية للنظام المخلوع، بتسليط الضوء على جرائمه واستبداده وفساده وسجونه.. وهذا أمر متوقع، ولم يكن متاحا سابقا، باستثناء مسلسل عُرض في رمضان الماضي حمل عنوان الجنرال، وتحدث بجرأة غير معهودة عن نظام بشار الأسد.

المسلسل الأول، وهو من نوع الدراما التشويقية واسمه "مولانا"، بطولة تيم حسن ومنى واصف، تحدث بشكل غير مباشر عن فساد النظام، لكن فكرته الأساسية تتمحور حول شخصية جابر "تيم حسن" الذي سيتقمص دور "سليم" الذي كان ينتظر الأهالي عودته لإعادة الأمل والحياة لقريتهم، فيخلعون عليه لقب "مولانا"، وهنا سيُظهر العمل أهمية الشخصية القيادية خاصة إذا اكتسبت بُعدا روحيا ودينيا وقبلياً، ويبيّن قدرتها على تجميع الجماهير وتوحيدهم واستنهاض طاقاتهم من أجل تخليصهم من قمع وفساد الثكنة العسكرية (في إشارة للسلطة الحاكمة).  

مسلسل "الخروج إلى البئر" و"سجون الشيطان" تناولا بشكل مباشر وواضح عنف النظام السابق وبطشه في مراكز التحقيق وفي السجون بالذات سجن صيدنايا الشهير، وفساد كبار الضباط في جمع الثروات وتلقي الرشاوى من أهالي المعتقلين..

كنت قد قرأت رواية القوقعة لمصطفى خليفة، التي تحدث فيها بالتفصيل عن يومياته في السجن في حقبة حافظ الأسد على مدى 13 سنة، وحينها انتابتني نوبات ذعر ورعب لشدة وهول ما قرأت.. ومع كل ما تضمنته من أهوال وفظائع، إلا أن خليفة أشار في مقابلة معه أن كل معاناة المعتقلين في تلك الحقبة الرهيبة قد تكون فسحة مقارنة مع ما جرى في سجون بشار الأسد..

وأنا أتابع الحلقات الأولى من المسلسلين، ومثل كل مشاهد تتحول تلك المشاهد التخيلية التي تتركها الرواية إلى مشاهد بصرية مباشرة وواضحة، وهذه مهمة الكاميرا والسينما عموما، بما لا يترك مجالا أو حاجة للتخيل.. بل تشعر بأن ما يجري في المعتقل من ضرب وتعذيب واغتصاب وإهانات.. وكأنه أمامك مجسداً بلا رتوش، مع أن الأعمال التلفزيونية عموما لا تحتمل تصوير كامل المشهد، ومع ذلك جزء بسيط أكثر من كافي..

مع تلك الأجزاء البسيطة من الصورة ستدرك تماما إلى أي مدى الإنسان العربي مقموع ومقهور ومهان ومذلول ومرعوب.. وبلا قيمة.. وإلى أي مدى من الانحطاط والتوحش والفساد وصلت بعض الأنظمة العربية (وبالتأكيد في العديد من دول العالم).. هنا نظام بشار مجرد صورة ومثال عما جرى في العالم العربي خلال العقود الماضية، بل خلال تاريخنا الطويل.

كنت أريد كتابة مقال مخصص عن هذا الموضوع، ولم أجد سوى الشتائم وأقبح في قاموس اللغة العربية من مفردات، ولم أفلح في ضبط أعصابي، فتوقفت عن الكتابة.. وسأكتفي بنقل صورة تخيلية لمـُشاهد افتراضي سيشاهد هذه المسلسلات، وسيقرأ مثل تلك الروايات ربما بعد عشرين سنة أو مائة سنة، أتخيله سيقول أولاً: شكرا وحمدا لله أني لم أعش ذلك الزمان، ثم سيسأل: كيف لعائلة واحدة أن تخطف سورية وبلاد الشام ومعها بلاد العرب خمسون سنة كاملة؟! ثم سيشتمنا بعد ذلك، سيتهمنا بالجبن والتخاذل والتواطؤ لأننا عشنا مع هؤلاء الوحوش ولم نفعل شيئا، بعضنا سكت، وبعضنا صفق لهم، وبعضنا أمدهم بالرجال والسلاح والدعم العسكري.. أي عارٍ وأي خزيٍ سيجلل تلك النظم الدكتاتورية ومؤيدوها..

المسلسل الآخر الذي يستحق المتابعة "صحاب الأرض"، وهو إنتاج مصري، بطولة منة شلبي، وإياد نصار وكامل الباشا وغيرهم، بالمناسبة منة شلبي لم تكن تمثل بقدر ما أظهرت مشاعر حقيقية، عبرت عنها بصدق وأداء فني مقتدر لتُظهر مدى حب وتعاطف المصريين والشعوب العربية لفلسطين، وتضامنهم مع شعبها.. أما إياد نصار، فقد برع في تجسيد شخصية الفلسطيني بعصبيته وتصرفاته وتفاعله العفوي في أجواء الحزن المشحونة بالرعب والترقب..

المهم أن المسلسل يقدم وثيقة تاريخية بصرية عن حرب الإبادة، من زاوية الضحية، أظهر وحشية الاحتلال وجبروته وجرائمه من قتل المدنيين والأطفال واستهداف المنشآت المدنية بما فيها المستشفيات حتى سرقة الجثامين.. وبيّن المسلسل أن الحرب كانت فعليا ضد المدنيين، فهم الضحايا والهدف والغاية من الحرب، وهم من دفع الثمن الأكبر.. لذا من البديهي أن تعترض إسرائيل على المسلسل وأن تهاجمه وتتهمه بالمبالغة، وأنه تناول الحرب من زاوية متحيزة..

ليس في العمل أي مبالغة، بل بالعكس، ما حصل فعليا أفظع بكثير مما عُرض في المسلسل، وأي نشرة اخبار تضمنت مشاهد أشد ترويعا.. ومع أن الإخراج والتمثيل والتصوير متقن بشكل جيد، إلا أن الوجع والقهر والخوف والمعاناة التي كابدها أهل غزة أكبر من كل مشهد وأعمق من أي حوار ويصعب على أي عدسة أن تفيه حقه. ومع ذلك العمل مهم جدا، وقيمته أنه مترجم وسيجعل كل العالم يفهم الحقيقة.. وإذا كان العمل متحيزا، فهو متحيز للإنسانية وللحقيقة التاريخية.

صحيح أنَّ المأساة ما زالت حاضرة في الذاكرة ولم تتحول بعد إلى ماض يمكن تأويله، وأهل غزة ليسوا بحاجة إلى من يروي لهم ما عاشوه، وما زالوا يعيشونه، وذاكرتهم مثقلة بالألم.. لكن المسلسل لا يقدم نفسه بوصفه منافسا للخبر، أو شاشة أخرى تعيد بث المأساة كما تفعل المحطات الإخبارية، أو مجرد مرآة صامتة تعكس الوقائع.. وإنما بوصفه أداة كشف لا مجرد تمثيل، يقدم وثيقة تاريخية تقاوم النسيان، وتعطي الخبر قيمة ومعنى، وتحوله إلى مشهد حي يتنفس، وهنا لا يعود المتلقي مجرد متفرج سلبي مشبع بالصور المؤلمة، بل يتحول إلى جزء من الواقع، وقد مُنح موقعا أخلاقيا داخل الحدث ووسط الخراب، فيحفزه ألمه وتأثره  ليفكر ويسأل ماذا أفعل؟ وكيف أقاوم؟ وهذا ما لم تفعله نشرات الأخبار، التي اختزلت الحرب بمشاهد مسيّسة ومؤدلجة منتقاة بعناية، وأقصت البعد الإنساني وبالتالي ألغت إمكانية الفعل والتأثير.


فبراير 21، 2026

استحقاقات المؤتمر الثامن لفتح

 

سيُعقد المؤتمر الثامن لحركة فتح في أيار من هذا العام، أمرٌ في غاية الأهمية، خاصة في ظل نتائج الحرب العدوانية على غزة، والتي انتهت بهزيمة عسكرية وسياسية أدت إلى تعقيد المشهد الفلسطيني وتأزمه، حيث فقد الفلسطينيون ولأول مرة منذ انطلاقة الثورة قدرتهم على فرض رؤاهم، وتحديد مساراتهم، والتأثير في مجريات الأحداث، أو حتى الاعتراض. بمعنى آخر فقدوا قرارهم المستقل، الذي بات بيد أميركا وإسرائيل والوسطاء الدوليين.

وقد استغلت واشنطن وتل أبيب نتائج الحرب، بصفتهما الطرف القوي والمهيمن، لاستكمال مخططات تصفية القضية الفلسطينية، وفرض حل سياسي يتوافق مع توجهات اليمين الإسرائيلي.. قطاع غزة سيكون تحت تصرف الولايات المتحدة، وبالتوافق مع إسرائيل، وسنحتاج سنوات طويلة لتغيير هذا المشهد.. في الضفة الغربية ستتواصل عمليات قضم الأرض والتهجير البطيء، وستزداد الضغوطات على السلطة الوطنية، لجعلها ترضخ وتتخلى عن أي دور سياسي وطني، وتحويلها إلى مجرد إدارة خدمات.

أداة الضغط على السلطة تمثلت في "الإصلاحات" المطلوبة منها، أو المفروضة عليها، وهنا تكمن أهمية إجراء الانتخابات الداخلية وعقد المؤتمر الحركي لفتح، فالإصلاحات وإن كانت مطلبا أميركيا ودوليا، إلى أنها قبل ذلك مطلبا وطنيا، تأخر تنفيذه.. وأمامنا فرصة لاستعادة المبادرة الفلسطينية، أي بجعل الإصلاحات شأنا داخليا ومصلحة وطنية، نجريها بأنفسنا، وهنا لا توجد جهة قادرة على استنهاض الجماهير، وحمل حمل عبء الملف الفلسطيني والتمثيل الدولي، وترميم شبكة علاقات إقليمية ودولية، سوى حركة فتح. بإرثها الوطني، ومكانتها وشعبيتها. لكن الحركة بوضعها الحالي غير مؤهلة لهذه المهمة، إلا إذا أجرت إصلاحا داخليا بنفسها، بما يشمل عملية مراجعة ونقد ذاتي، وتجديد الصفوف القيادية الأولى.. بهذا المعنى لن يكون المؤتمر الثامن حدثًا تنظيميًا عابرًا، بل هو اختبار وجودي لفتح، يتطلب منها أن تتجاوز مرحلة امتصاص الصدمة، وإدارة التوازنات، وتقليل الخسائر إلى مرحلة النهوض، وتقديم رؤية وطنية شاملة وواضحة، تقوم على استنهاض طاقات الشعب الفلسطيني، وترتيب البيت الداخلي، واعتماد برنامج سياسي يقوم على المواجهة والمقاومة الشعبية السلمية، واستعادة ثقة الجماهير بالمشروع الوطني.

فتح الوحيدة المؤهلة لمهة إنقاذ الوطن، أقول هذا ليس من باب التعصب التنظيمي، بل لأن فتح الجهة الوحيدة المنظمة التي ما زالت تحظى بشعبية وشرعية وطنية، وما زال برنامجها صالحا لقيادة المرحلة، لأنه يتمتع بأهم سمات تؤهله لذلك: المرونة السياسية بروح وطنية مسؤولة، والحيوية والقدرة على صهر التناقضات الداخلية واستيعاب الجميع، تلك السمات التي انضجتها تجربة طويلة ومريرة معززة بالدماء والتضحيات..

وأكرر أن المؤتمر يشكل فرصة تاريخية ثمينة؛ ولكن حتى لا يكون المؤتمر مجرد مهرجان انتخابي، يتوجب عليه تفادي أخطاء المؤتمرات السابقة، حين كان يتم اختيار الأعضاء (الذين سينتخبون القيادة) بعقلية إقصائية تُبقي على الموالين وتستبعد الكفاءات الوطنية. هذا أولاً.

وثانياً: لا نريد من المؤتمر خطابات مكررة عن الثوابت والعناوين والقضايا السياسية والوطنية، ولا نحتاج تحليلا للوضع الراهن، ولا دروسا تاريخية عن الاستعمار والتهويد والتهجير والصمود والمقاومة، هذه كلها مهمة، لكن الأهم اعتماد خطة فعلية، عنوانها الأوسع: إستراتيجية وطنية شاملة، تتضمن خارطة طريق مرحلية قائمة على التخطيط المدروس، ووضع آليات عمل، وجداول زمنية، تشرك الشباب والمرأة وكافة فئات المجتمع، وتستوعب التغيرات التي طرأت على النظام العالمي، ومعطيات العصر، وأدواته الحديثة..

أما ثالثاً: ضرورة إجراء مراجعة نقدية شجاعة لمجمل تاريخ القضية والحركة الوطنية، ومساءلة جريئة وأمينة تستهدف الفساد ومحاسبة من سرق المال العام، ومعالجة توريث الوظائف، واحتكار المناصب والمشاريع، وتجيب على  أسئلة الشارع: لماذا فشل النظام السياسي الحكومي في إدارة أمور الوطن ومتطلبات الصمود والثبات، ولماذا عجزت الحركة الوطنية جمعاء عن التخلص من الانقسام، وبناء شكل من أشكال الوحدة الفلسطينية.

رابعاً: التخلص من منطق المصالح والقبيلة والاستزلام، ما يعني إعادة الاعتبار للقواعد والكوادر المهمشة أو التي همشت نفسها، والعودة للأطر التنظيمية، والاهتمام  بالنقابات، والاتحادات، ومجالس الطلبة والمرأة، والفلاحين، والعمّال، والعمل الاجتماعي الشبابي والطوعي، واستقطاب المفكرين والمثقفين والعلماء، وذوي الكفاءة، والأهم استقطاب كل المعارضة واحتواؤها.

بعد ذلك المسارعة إلى إجراء انتخابات عامة، وهي بحد ذاتها فرصة وبيئة مناسبة لتفعيل الحياة السياسية للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات كشعب واحد؛ مما يعزز الهوية الوطنية، ويقوي مكانة منظمة التحرير ويجدد شرعيتها سياسيا وشعبيا، لاستعادة دورها ومكانتها بما يمنع تجاوزها سواء من قبل أطراف فلسطينية أو من قبل جهات إقليمية. وبالتالي هي دعوة لاستنهاض الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، والاستقواء به كحالة وطنية متماسكة، بعد أن تراجع الحضور الفلسطيني وتقلص إلى الحالة التي تمثلها السلطة والوطنية والداخل المحتل.

في مقال للصديق عدنان ملحم، قال فيه: "إن التجربة التاريخية للحركات الثورية التي استلمت الحكم في العالم أظهرت أنها تخلت عن مضمونها الثوري، وتماهت مع السلطة، وتحولت إلى أجهزة أمن قمعية، وطبقات وأثرياء، وتنكرت لبرامجها وابتعدت عن شعوبها. وحركة فتح لم تنجُ من هذه الخطيئة، فقد تورطت في مزايا الحكم والنفوذ.. لذا ليس أمامها اليوم سوى خيارين: أن تعود حركة تحرر وطني خالصة، بهياكل مستقلة، وبوصلة واضحة، وخطاب مجتمعي جامع؛ بمؤتمرات وأقاليم ومكاتب حقيقية فاعلة، وصناديق اختيار شفافة، بعيدا عن شراء الذمم والولاءات، بعدالة ومساواة وشفافية، تأخذ في الاعتبار تدافع الأجيال والحاجة للتجديد بالطاقات الشابة.  

أو التحول الصريح إلى حزبٍ حاكم بلا ثورة، أما المنطقة الرمادية، فهي الطريق الأسرع لخسارة الاثنين معًا. وربما على مسافة عقدين من الزمان ستذوب أو تختفي أو تنقسم أو تتحول إلى غير ذاتها".