أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

فبراير 21، 2026

استحقاقات المؤتمر الثامن لفتح

 

سيُعقد المؤتمر الثامن لحركة فتح في أيار من هذا العام، أمرٌ في غاية الأهمية، خاصة في ظل نتائج الحرب العدوانية على غزة، والتي انتهت بهزيمة عسكرية وسياسية أدت إلى تعقيد المشهد الفلسطيني وتأزمه، حيث فقد الفلسطينيون ولأول مرة منذ انطلاقة الثورة قدرتهم على فرض رؤاهم، وتحديد مساراتهم، والتأثير في مجريات الأحداث، أو حتى الاعتراض. بمعنى آخر فقدوا قرارهم المستقل، الذي بات بيد أميركا وإسرائيل والوسطاء الدوليين.

وقد استغلت واشنطن وتل أبيب نتائج الحرب، بصفتهما الطرف القوي والمهيمن، لاستكمال مخططات تصفية القضية الفلسطينية، وفرض حل سياسي يتوافق مع توجهات اليمين الإسرائيلي.. قطاع غزة سيكون تحت تصرف الولايات المتحدة، وبالتوافق مع إسرائيل، وسنحتاج سنوات طويلة لتغيير هذا المشهد.. في الضفة الغربية ستتواصل عمليات قضم الأرض والتهجير البطيء، وستزداد الضغوطات على السلطة الوطنية، لجعلها ترضخ وتتخلى عن أي دور سياسي وطني، وتحويلها إلى مجرد إدارة خدمات.

أداة الضغط على السلطة تمثلت في "الإصلاحات" المطلوبة منها، أو المفروضة عليها، وهنا تكمن أهمية إجراء الانتخابات الداخلية وعقد المؤتمر الحركي لفتح، فالإصلاحات وإن كانت مطلبا أميركيا ودوليا، إلى أنها قبل ذلك مطلبا وطنيا، تأخر تنفيذه.. وأمامنا فرصة لاستعادة المبادرة الفلسطينية، أي بجعل الإصلاحات شأنا داخليا ومصلحة وطنية، نجريها بأنفسنا، وهنا لا توجد جهة قادرة على استنهاض الجماهير، وحمل حمل عبء الملف الفلسطيني والتمثيل الدولي، وترميم شبكة علاقات إقليمية ودولية، سوى حركة فتح. بإرثها الوطني، ومكانتها وشعبيتها. لكن الحركة بوضعها الحالي غير مؤهلة لهذه المهمة، إلا إذا أجرت إصلاحا داخليا بنفسها، بما يشمل عملية مراجعة ونقد ذاتي، وتجديد الصفوف القيادية الأولى.. بهذا المعنى لن يكون المؤتمر الثامن حدثًا تنظيميًا عابرًا، بل هو اختبار وجودي لفتح، يتطلب منها أن تتجاوز مرحلة امتصاص الصدمة، وإدارة التوازنات، وتقليل الخسائر إلى مرحلة النهوض، وتقديم رؤية وطنية شاملة وواضحة، تقوم على استنهاض طاقات الشعب الفلسطيني، وترتيب البيت الداخلي، واعتماد برنامج سياسي يقوم على المواجهة والمقاومة الشعبية السلمية، واستعادة ثقة الجماهير بالمشروع الوطني.

فتح الوحيدة المؤهلة لمهة إنقاذ الوطن، أقول هذا ليس من باب التعصب التنظيمي، بل لأن فتح الجهة الوحيدة المنظمة التي ما زالت تحظى بشعبية وشرعية وطنية، وما زال برنامجها صالحا لقيادة المرحلة، لأنه يتمتع بأهم سمات تؤهله لذلك: المرونة السياسية بروح وطنية مسؤولة، والحيوية والقدرة على صهر التناقضات الداخلية واستيعاب الجميع، تلك السمات التي انضجتها تجربة طويلة ومريرة معززة بالدماء والتضحيات..

وأكرر أن المؤتمر يشكل فرصة تاريخية ثمينة؛ ولكن حتى لا يكون المؤتمر مجرد مهرجان انتخابي، يتوجب عليه تفادي أخطاء المؤتمرات السابقة، حين كان يتم اختيار الأعضاء (الذين سينتخبون القيادة) بعقلية إقصائية تُبقي على الموالين وتستبعد الكفاءات الوطنية. هذا أولاً.

وثانياً: لا نريد من المؤتمر خطابات مكررة عن الثوابت والعناوين والقضايا السياسية والوطنية، ولا نحتاج تحليلا للوضع الراهن، ولا دروسا تاريخية عن الاستعمار والتهويد والتهجير والصمود والمقاومة، هذه كلها مهمة، لكن الأهم اعتماد خطة فعلية، عنوانها الأوسع: إستراتيجية وطنية شاملة، تتضمن خارطة طريق مرحلية قائمة على التخطيط المدروس، ووضع آليات عمل، وجداول زمنية، تشرك الشباب والمرأة وكافة فئات المجتمع، وتستوعب التغيرات التي طرأت على النظام العالمي، ومعطيات العصر، وأدواته الحديثة..

أما ثالثاً: ضرورة إجراء مراجعة نقدية شجاعة لمجمل تاريخ القضية والحركة الوطنية، ومساءلة جريئة وأمينة تستهدف الفساد ومحاسبة من سرق المال العام، ومعالجة توريث الوظائف، واحتكار المناصب والمشاريع، وتجيب على  أسئلة الشارع: لماذا فشل النظام السياسي الحكومي في إدارة أمور الوطن ومتطلبات الصمود والثبات، ولماذا عجزت الحركة الوطنية جمعاء عن التخلص من الانقسام، وبناء شكل من أشكال الوحدة الفلسطينية.

رابعاً: التخلص من منطق المصالح والقبيلة والاستزلام، ما يعني إعادة الاعتبار للقواعد والكوادر المهمشة أو التي همشت نفسها، والعودة للأطر التنظيمية، والاهتمام  بالنقابات، والاتحادات، ومجالس الطلبة والمرأة، والفلاحين، والعمّال، والعمل الاجتماعي الشبابي والطوعي، واستقطاب المفكرين والمثقفين والعلماء، وذوي الكفاءة، والأهم استقطاب كل المعارضة واحتواؤها.

بعد ذلك المسارعة إلى إجراء انتخابات عامة، وهي بحد ذاتها فرصة وبيئة مناسبة لتفعيل الحياة السياسية للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات كشعب واحد؛ مما يعزز الهوية الوطنية، ويقوي مكانة منظمة التحرير ويجدد شرعيتها سياسيا وشعبيا، لاستعادة دورها ومكانتها بما يمنع تجاوزها سواء من قبل أطراف فلسطينية أو من قبل جهات إقليمية. وبالتالي هي دعوة لاستنهاض الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، والاستقواء به كحالة وطنية متماسكة، بعد أن تراجع الحضور الفلسطيني وتقلص إلى الحالة التي تمثلها السلطة والوطنية والداخل المحتل.

في مقال للصديق عدنان ملحم، قال فيه: "إن التجربة التاريخية للحركات الثورية التي استلمت الحكم في العالم أظهرت أنها تخلت عن مضمونها الثوري، وتماهت مع السلطة، وتحولت إلى أجهزة أمن قمعية، وطبقات وأثرياء، وتنكرت لبرامجها وابتعدت عن شعوبها. وحركة فتح لم تنجُ من هذه الخطيئة، فقد تورطت في مزايا الحكم والنفوذ.. لذا ليس أمامها اليوم سوى خيارين: أن تعود حركة تحرر وطني خالصة، بهياكل مستقلة، وبوصلة واضحة، وخطاب مجتمعي جامع؛ بمؤتمرات وأقاليم ومكاتب حقيقية فاعلة، وصناديق اختيار شفافة، بعيدا عن شراء الذمم والولاءات، بعدالة ومساواة وشفافية، تأخذ في الاعتبار تدافع الأجيال والحاجة للتجديد بالطاقات الشابة.  

أو التحول الصريح إلى حزبٍ حاكم بلا ثورة، أما المنطقة الرمادية، فهي الطريق الأسرع لخسارة الاثنين معًا. وربما على مسافة عقدين من الزمان ستذوب أو تختفي أو تنقسم أو تتحول إلى غير ذاتها".

فبراير 18، 2026

البنوك، واحترام الوقت

 إذا ذهبتَ إلى أي بنك لإنجاز أية معاملة ستخسر من وقتك ساعة على الأقل، وأحياناً ساعات، ومثلك عشرات المواطنين الذين ينتظرون دورهم بفارغ الصبر، الغريب أنَّ البنك خصص عددا من الموظفين لتسهيل معاملات المواطنين وإنجازها بالسرعة الممكنة، هذا العدد يصل أحيانا إلى أكثر من عشرة موزعين على "كاونترات"، ومع ذلك يحصل التأخير دائماً!

السبب أن "كاونتر" واحد أو اثنين فقط يشتغلون والبقية لا تشتغل، إما أن يكون الكاونتر فارغا لسبب ما، أو أن الموظف منشغل بمعاملات بنكية داخلية.. وهكذا يقع ضغط العمل على موظف واحد أو اثنين، وبالتالي يتأخر الدور، ويخسر كل مواطن وقته في الانتظار، بمعنى أننا نهدر سنويا ملايين ساعات العمل.

لا أحد يحتج، إلا نادراً، ولو احتج سيجيب مدير البنك بأن عدد الموظفين غير كافي، أو أنهم منشغلون بمتابعات بنكية داخلية. في الحالتين ما ذنب المواطن؟ لماذا يدفع المواطن ثمن التأخير؟ يستطيع البنك تفريغ جميع موظفي الكاونتر لإنجاز معاملات المراجعين، وبذلك لا يتأخر أحد، وهذا يقتضي جعل العمليات البنكية الداخلية تتم داخل البنك في مكاتب خاصة، ينجزها الموظف على راحته، دون ضجيج.. أو تعيين موظفين جدد، لدى البنك الإمكانيات، فالبنوك تحقق أرباحا بملايين الدولارات سنويا. على الأقل يساهمون بحل جزء من البطالة..

لا نحسد البنوك على أرباحها، فهذا مبرر وجودها، بل نتمنى لها مزيدا من الأرباح والازدهار، لأن البنوك القاعدة الحصينة والأهم لبنية الاقتصاد الوطني، وازدهارها ينعكس إيجابا عليه.. وطالما قدمت البنوك مساهمات مجتمعية وإنسانية ووطنية.. موضوعنا هنا هو احترام الوقت.. 

مشكلة مجتمعاتنا العربية عموماً عدم تقدير قيمة الوقت، ولا أتحدث هنا عن الحياة الشخصية للفرد، وكيف يستغل وقته، أو يهدره،، هذا شأنه الخاص.. الحديث عن ثقافة "قيمة الوقت"، ودور المؤسسات ونظرتها وكيفية تعاملها مع هذه القيمة.. هذه معضلة تعاني منها مجتمعاتنا العربية: إهدار الوقت، والنظر له باستخفاف، وكأنه بلا قيمة، وعندما نهمل الوقت نهمل التنظيم.. في هذه الحالة الزمن هو الماضي التليد ننظر له بتمجيد وعلى أنه المخلص والمنقذ، وطبعا بفكر ماضوي.. الحاضر ساكن تماما، بلا فعل ولا تقدم.. المستقبل مصدر قلق.. كل شيء مؤجل، أو مُقدّر ومكتوب، وربما كان ذلك من بين أهم أسباب تخلفنا..

نخسر كل يوم ساعات ثمينة.. نهدرها مجانا، أو رغما عنا.. نقف لساعات في الطوابير، أو في زحمة السير، وفي الانتظار.. أو لأن الموظف المخول بالتوقيع غائب في ذلك اليوم، ولا يوجد بديلا عنه.. على معبر الكرامة نهدر يوما كاملا لعبور بضعة أميال.. وهذا الوقت كافي لأن تصل إلى الصين في الأحوال الطبيعية.

الوقت، والالتزام بدقة المواعيد في آخر سلم اهتماماتنا، على سبيل المثال نقول: موعدنا بعد صلاة العصر، أو سأزورك في المساء، أو نلتقي غدا صباحا.. هنا هامش الوقت يمتد لساعات، وإذا تم تحديد موعد دقيق من النادر أن يلتزم به أحد، والحجة حاضرة: أزمة السير، الحواجز، تأخرت في النوم.. وإذا أخبرك أحدهم أنه سيصل خلال خمس دقائق فإنه يقصد ساعة.. عادي جداً: على إيش مستعجل! الدنيا مش رح تطير!

في العام 1999 شاركتُ في دورة تدريبية في اليابان، قبل أربعة شهور من السفر أرسلتْ لي وكالة "الجايكا" البرنامج التفصيلي للدورة مكون من عشر صفحات، تضمن مواعيد المحاضرات وأماكنها وأسماء المحاضرين وتخصصاتهم، ومواعيد زيارة المصانع والمختبرات والجامعات والمراكز المتخصصة وبعض المؤسسات الأهلية.. توزعت الأنشطة على العديد من المدن اليابانية، ما يعني السفر لمسافات طويلة بالمواصلات العامة، كما شمل البرنامج فقرات منوعة مثل رحلات سياحية وبرامج ترفيهية ولقاءات مع الأهالي..

كل نشاط مذكور تضمن بيانات دقيقة ومفصلة بالأماكن والمواقيت والأسماء، مدة الدورة أربعة شهور.. وأنا أقرأ البرنامج لفت انتباهي أنه من المقرر في يوم الأحد في الأسبوع الثاني تنظيم حفل ترفيهي في قاعة معينة، ومكتوب تفاصيل الحفل، ومنها في الساعة 8.55 أغنية المطرب المصري حكيم "الود ده حلو"..

كان بوسعهم كتابة "فقرة غنائية" وخلص، أو "أغنية عربية"؛ لكنهم لا يتركون شيئا للصدفة أو للاحتمالات.. المهم أن أكثر من مائة نشاط مختلف تم تنفيذها حرفياً وفق المخطط بهامش خطأ في التوقيت لا يتجاوز الدقيقتين..

بالعودة إلى واقعنا، ومن باب الإنصاف والموضوعية بعض مؤسساتنا الوطنية نظمت الوقت بطريقة ممتازة، مثلا في دائرة السير تستطيع تجديد رخصة القيادة، أو رخصة السيارة في غضون دقائق، كذلك في دوائر الأحوال المدنية.. ستحصل على جواز السفر، أو شهادة الميلاد، وغيرها في وقت قياسي، وبشكل مريح.. هذا جهد مشكور..

قيمة الوقت مرتبطة بقيمة الإنسان.. عندما نحترم ونقدر قيمة الإنسان، سنحترم وقت هذا الإنسان، وقيمة حياته، وكرامته، ومستقبله، وصحته.. والعكس صحيح.. وبمناسبة الحديث عن الصحة، تبذل وزارة الصحة جهودا مشكورة على تنظيمها آلية استقبال المراجعين خاصة في أقسام الطوارئ.. رغم أنه بإمكانها اختصار بعض النقاط.. المشكلة لدى العديد من الأطباء في العيادات العامة، حيث يمنح كل مريض من دقيقة إلى خمس دقائق على الأكثر.. وهذه فترة قصيرة جدا، ولا تكفي لتشخيص الحالة بشكل دقيق.. حتى أن بعض الأطباء لا يكلفون أنفسهم عناء القيام عن مقاعدهم، وفحص المريض ومعاينته بشكل مباشر.. يكتفي ببضعة أسئلة، ثم كتابة الوصفة.. صحيح أن الطبيب يقابل في اليوم الواحد أكثر من مائة مريض.. لكن أي تشخيص غير دقيق، أو أي خطأ بسيط قد يتسبب بمضاعفات خطيرة.. في المقابل بعض الأطباء يعطون كل مريض وقته اللازم، من التشخيص والفحص وتقديم الشرح والنصائح.. لكنهم قلة للأسف.

سنصير شعبا ذات يوم، عندما نثمّن قيمة الإنسان، ونقدر قيمة الوقت..

فبراير 14، 2026

ساعة يوم القيامة

 

قبل أسبوعين، أعلنت المديرة التنفيذية لنشرة علماء الذرة، أنّ 85 ثانية فقط تفصلنا عن منتصف الليل. ومنتصف الليل يعني نهاية العالم وفناء البشرية، وفق "ساعة يوم القيامة"، وهي عداد دقيق، أو مؤقِّت بمقياس معين، ابتدعته مجموعة من علماء الطاقة النووية في العام 1947، في جامعة شيكاغو وممن عملوا في مشروع مانهاتن النووي، تديرها منظمة علمية اسمها "نشرة علماء الذرة" وتجتمع دوريا، لحساب مدى قرب انتهاء البشرية، حيث يمثل منتصف الليل لحظة وقوع الكارثة الكبرى التي ستدمر كوكبنا.

جاءت فكرة "ساعة يوم القيامة" من تشبيه مجازي يقوم على فرضية أنه فيما لو تم ضغط تاريخ كوكب الأرض منذ نشأته حتى اليوم في عام واحد، فهذا يعني أن أول أشكال الحياة بدأت في أوائل آذار من العام، والكائنات متعددة الخلايا ظهرت في تشرين الثاني، والديناصورات في أواخر كانون الأول، أما البشر فقد ظهروا في الساعة 11:30 من مساء ليلة رأس السنة.

وإذا ما قارنا تاريخ الأرض الطويل (4.7 مليار سنة) بعمر البشرية (200 ألف سنة) وطبقنا الرقمين على تلك الساعة، سندرك مدى قصر مستقبلنا المثير للشفقة. فنحن لا نملك سوى دقائق معدودة حتى منتصف آخر ليلة لنا على كوكبنا، لنشهد نهاية العالم.

هذه الدقائق المعدودة قد تعني مئات أو آلاف السنوات إذا ما سارت الأمور بشكل طبيعي، وقد تعني بضعة سنوات ليس إلا، وبحسب الخبراء يؤثر على هذا العدّاد الدقيق والمخيف عدة عوامل؛ وهي التهديد النووي، والتغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والهندسة الوراثية، والأسلحة البيولوجية، وهشاشة الثقة بالنظام العالمي، وأخيرا دونالد ترامب. وإضافة اسم ترامب ليس مزحة، هو تهديد حقيقي لمستقبل العالم.

عندما بدأ العلماء بقياس ساعة يوم القيامة، حددوا 7 دقائق متبقية من عمر البشرية، على ضوء تعرض اليابان لقنابل ذرية، وتداعيات الحرب العالمية الثانية، في العام 1953 خفضوا الرقم إلى 2.5 دقيقة على ضوء اختراع القنابل الهيدروجينية، تأرجحت الساعة بين صعود وهبوط على ضوء تطورات الحرب الباردة، وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي تم تمديد الرقم إلى 17 دقيقة.. وهي أطول فترة عكست تفاؤل العلماء بمستقبل العالم. ثم تم تقليص الرقم إلى بضعة دقائق مع التغير المناخي وظهور الذكاء الاصطناعي، قبل أسبوع تم تخفيض الرقم إلى 85 ثانية فقط، وهي أقصر مهلة خلال العقود الثمانية الماضية، أي منذ اختراع الساعة؛ بسبب المخاطر النووية المتصاعدة (الحرب الروسية الأوكرانية، الصراع السياسي والتجاري بين الصين وأميركا وأوروبا، تهديدات الحرب على إيران)، وتصاعد أزمة المناخ والاحتباس الحراري، والسباق غير المنظم نحو الذكاء الاصطناعي.

فكرة ساعة يوم القيامة ليست من نمط نظريات المؤامرة، هي مؤشر على جدية المخاطر التي تهدد العالم، وتحذير عام لحث قادة الدول على اتخاذ إجراءات عاجلة للحد من هذه المخاطر.

لو استعرضنا أهم ثلاثة معايير اعتمدتها "ساعة يوم القيامة" وهي: التهديد النووي، والتغير المناخي، والاستخدام غير المنضبط للذكاء الاصطناعي، سنخلص إلى نتيحة تلخصها عبارة واحدة "الغباء البشري"، فهذه العوامل من صنع البشر، وبالتالي الإنسان المعاصر هو المتهم الأول.

لقد قتلت قنبلة هيروشيما 70 ألف إنسان في يوم واحد، وقد بلغ وزنها 13 ألف طن ت.ن.ت، اليوم تمتلك الدول النووية آلاف القنابل النووية (روسيا وأميركا تمتلكان أكثر من 11 ألف قنبلة)، تبلغ قدرة القنبلة النووية الحالية 15 مليون طن ت.ن.ت، وإذا ما نشبت حرب نووية عالمية فإنها قادرة على قتل 100 مليار إنسان، أي 15 ضعف عدد سكان الأرض.

تاريخيا، أهلكت الحروب ملايين البشر، وما زالت تقتل كل دقيقة مئات الأرواح البريئة، وتقصف أحلام الناس، وتهدم بيوتهم، وترسم لهم صورة قاتمة عن المستقبل. حتى لو توقفت الحروب أو توارت قليلا، فإن سباق التسلح يكمل المهمة دون رحمة.

فيما يتعلق بالتغير المناخي، فقد تبين أن نشاط البشر كان من بين أهم أسباب هذا التغير، ونقصد به النشاط الصناعي والتجاري والعمراني وما ينجم عنه من غازات وملوثات وأضرار بيئية، وهي في أغلبها صناعات غير منضبطة، ولا تحقق الشروط البيئية، غايتها تحقيق الأرباح الفاحشة لكبار الأثرياء حول العالم. وهذه ستكون تأثيراتها وخيمة، على شكل كوارث "طبيعية"، ومجاعات، سينجم عنها موجات هائلة من الهجرة واللجوء والحروب الأهلية.

أما السباق المحموم في مجالات الذكاء الاصطناعي فإذا ما تواصل على هذا النحو سيكون مصدر تهديد جدي وخطير، سواء تداعياته الخطيرة في الحرب التجارية بين أقطابه الكبار، خاصة الصين، والولايات المتحدة، وآثارها الاقتصادية والاجتماعية التي تهدد العالم بأسره.. أو في سياق التطورات والاختراعات التي تظهر كل يوم، دون ضمانات، ودون رؤية مستقبلية بمعايير إنسانية، في كل ما يتعلق بتقنيات الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والهندسة الوراثية، ووسائل التواصل والاتصالات.

مستقبل البشرية مفتوح على كل الاحتمالات، ومسيرة التطور ماضية بلا توقف، وقد يصل الإنسان إلى مستوى من الذكاء والقوة والتمكن بحيث يظن نفسه إلها، لكن هذا الإنسان رغم ذلك، سيظل متخبطا في حيرته وضياعه، وغير راضٍ عن كل النظريات العلمية والفلسفية والأيديولوجية التي طرحها لإعطاء معنى وقيمة لحياته وجدوى لوجوده، المشكلة أنه اعتاد الإفساد والتدمير ضد بني جنسه وشركائه في الأرض من مخلوقات أخرى وضد بيئته، وليس هنالك ما هو أخطر من آلهة مستهترة غير راضية، ولا تعرف ماذا تريد بالضبط.

اخترع الإنسان أسلوبين للتدمير الذاتي هما: الحرب، والاعتداء على البيئة، ولذلك فإن النهايات التي تنتظره مفجعة وحزينة، ولكن هذه الصورة القاتمة لمصير الحياة يقابلها صورة مشرقة، ولكن تشكّلها يتطلب أن يعي الإنسان دوره في الطبيعة، وأن يرتقي بأخلاقه وسلوكه إلى مستوى المسؤولية، فيتخلى عن عقيدة القتل والحروب، وأن تكف الشعوب عن استغلال بعضها، وأن يوظف ذكاءه لتحقيق رفاهيته ومواجهة التحديات العديدة التي تضع مصيره على المحك، وأن يتعايش بنو البشر بمحبة وسلام، وأن يشكروا خالقهم عز وجل على نعمة الأرض ونعمة الحياة، وإلا كان ذكاؤهم هو بالفعل "هدية الطبيعة المسمومة".

فبراير 11، 2026

الإستراتيجية الإسرائيلية في أربع مراحل

 

يمكن رصد أربعة تحولات في الإستراتيجية الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني ورؤيتها لحل الصراع؛ بدأت الإستراتيجية الأولى بعد النكبة، فتعاملت مع من بقي من الفلسطينيين بنوع من الإهمال، باعتبارهم مجرد قوى عاملة رخيصة، ومجرد أقلية هامشية أقل تحضرا من اليهود، وكان عددهم نحو 180 ألف نسمة، لكنها شددت القيود على تحركاتهم ومعيشتهم، وتعاملت معهم بعنصرية.. ومع ذلك يعتبر اليمين الصهيوني أن تلك  الإستراتيجيةكانت أكبر غلطة اقترفها جيل المؤسسين، حيث عجزوا عن طردهم كليا. اليوم بلغ عددهم قرابة2.1  مليون نسمة، ويمثلون حوالي 21% من إجمالي السكان، ومنهم نخبة مثقفة ونشطة، وعلى درجة عالية من التعليم والكفاءة المهنية، ولديهم كتلة مهمة في الكنيست. وصاروا أهم معضلة ديموغرافية تهدد مستقبل إسرائيل.

كانت الضفة الغربية وقطاع غزة خارجة كليا عن نطاق الاحتلال، ولولا سلسلة أخطاء كارثية اقترفتها الأنظمة العربية لما حصلت النكسة.. بعد النكسة وجدت إسرائيل نفسها أمام معضلة ديموغرافية أكبر وأخطر من سابقتها، فقد انتهت الحرب بسرعة، ولم تتمكن إسرائيل من القيام بعمليات تهجير كما حصل في النكبة. وهنا بدأت الإستراتيجية الثانية.

تمثلت الإستراتيجية الثانية بمحاولات دمج وتوطين الفلسطينيين على جانبي الخط الأخضر، ففتحت الحدود وسهلت التنقلات والوصول إلى مناطق الداخل، في إطار سعيها لتدجين العقل الفلسطيني وتطويعه وكيّه لتكريس حالة التطبيع والتعايش مع الاحتلال بإعادة الحياة الطبيعية في الأراضي المحتلة، والإيحاء للعالم بليبرالية الاحتلال وديمقراطيته. الأمر الذي تطلب تنظيم انتخابات بلدية بهدف إقامة سلطة احتلال تتستر بالعمل من خلف البلديات التي ستُمنح صلاحيات إدارية واسعة، وستتعاون مع الحكم العسكري بشكل أوثق، وتفويض تلك القيادات سلطة تمثيل الفلسطينيين، ليكونوا بديلا عن منظمة التحرير الفلسطينية؛ فيتحول الاحتلال إلى ظاهرة غير مرئية، مع تحسين الظروف الاقتصادية للسكان. إضافة إلى الهدف الأمني الذي سيحققه الحكم العسكري آنذاك من خلال فلسفة قائمة على عدم دفع المواطنين إلى العمل السري، وإبقائهم تحت المراقبة بحيث يمكن ضبطهم والسيطرة عليهم.

وهذا الهدف مرتبط بفكرة استعمارية مفادها أن القوى المحلية يمكن ترويضها والسيطرة عليها واستخدامها والتعامل معها باعتبارها جزءا من المنظومة الاستعمارية الاحتلالية، خلافا للقوى الخارجية (منظمة التحرير) التي يصعب تحقيق أو ضمان النقاط السابقة في التعامل معها. في هذه الحالة فإن حصر القضية مع القوى المحلية يعني إبقاء القضية الفلسطينية في إطارها المحلي الضيق، باعتبارها مشكلة سكانية، بينما التعامل مع منظمة التحرير سيعطي للقضية الفلسطينية بُعداً دولياً، باعتبارها قضية سياسية وطنية تستوجب حلولا سياسية جذرية، مثل قضية حق العودة، وحق تقرير المصير، وإقامة دولة مستقلة.

فشلت تجربة الانتخابات البلدية بعد أن أفضت إلى فوز الكتل المؤيدة لمنظمة التحرير، وسقوط القوى التقليدية التي كانت متقبلة للاحتلال، ترافق ذلك مع استلام الليكود للسلطة، الذي حمل رؤية وسياسة مختلفة عن سلفه حزب العمل، وتقوم على التضييق والقمع والاستيطان، وبشكل أكثر سفورا، فقامت السلطات بحل البلديات واعتقال رؤسائها، وإبعاد العديد من القيادات الميدانية.

التطور الأهم الذي فرض على إسرائيل تغيير إستراتيجيتها تمثل في الانتفاضة الأولى، بعد الفشل في فرض صيغة حكم ذاتي (لا يفضي إلى دولة)، ومع ذلك دامت محاولات الدمج حتى العام 1991، فبعد حرب الخليج الأولى مباشرة بدأت الإستراتيجية الثالثة والتي تمثلت بالفصل بين "إسرائيل" و"الأراضي المحتلة"، أي الفصل بين الشعبين. فشددت الحراسة على الخط الأخضر، وأقامت الحواجز وصار التنقل بحاجة إلى تصاريح..

بعودة حزب العمل للحكم عادت إسرائيل لصيغة الانفصال ولكن عبر حكم ذاتى موسع مع السيطرة على الأمن والموارد.. فجاء اتفاق أوسلو الذي مثّل لإسرائيل حلا معقولا (أو مؤجلا) للمعضلة الديموغرافية في الأرض المحتلة، وبالنسبة للفلسطينيين خطوة (أو مغامرة) نحو التحرر والاحتلال. لكن هذا الحل لم ينجح، وبدأت معالم انهياره بفشل مفاوضات كامب ديفيد 2000، والتي أدت إلى الانتفاضة الثانية..

اليوم، بصعود وهيمنة اليمين الصهيوني وبعد حرب الإبادة على غزة، ومع استشعار إسرائيل أنها في كامل عنفها وجبروتها أخذت تتبع إستراتيجية جديدة لحل الصراع جذريا؛ وهي تغيير معالم غزة جغرافيا وديموغرافيا وسياسيا وبالقوة العسكرية المباشرة، في الضفة الغربية تسريع التغلغل الاستيطاني وتفكيك الكيانية السياسية الممثلة للقضية (السلطة الوطنية)، وإعادة تجريب ما فشلت به سابقا: القضاء على المجتمع الفلسطينى، ومصادرة أكبر جزء ممكن من الأرض بصورة متسارعة عن كل المراحل السابقة، وممارسة التهجير البطيء للفلسطينيين، تمهيدا لاستيطانها بلا سكان أو بالحد الأدنى منهم، الذين سيكونوا مجرد أقلية "سكانية" بلا مؤسسات ودون قيادة وطنية وبلا تمثيل سياسي.

كل السياسات السابقة (الدمج، وكي الوعي، والحكم الذاتي، والانفصال، والضم، والتغلغل، والقوة الغاشمة، والحلول الأمنية..) فشلت، والسبب الأهم لفشلها هو بقاء الشعب الفلسطيني فوق أرضه، وهذا أقوى وأهم عامل قوة بيد الفلسطينيين، إضافة للعامل الثاني الذي لا يقل أهمية: وجود تمثيل سياسي جامع للفلسطينيين يحظى بشرعية شعبية ودولية، وطالما أنّ إسرائيل عاجزة عن طرد الفلسطينيين وإلغاء كيانيتهم السياسية ستظل تحصد الفشل.  

فى هذه اللحظة إسرائيل فى ذروة قوتها وجبروتها وغطرستها، وتعتقد أنها أمام فرصة تاريخية لن تتكرر، بالتالي هي متجندة تماما لانجاز إستراتيجية سحق وتحطيم الكيانية الفلسطينية، لكنها حتما ستفشل، فالفلسطينيون أكثرا وعياً وأكثر تجذرا في الأرض، والعالم لن يقبل بهذه الغطرسة الإسرائيلية، وثمة تحولات كبيرة وعميقة في المنطقة وفي بنية النظام الدولي، ستسحب البساط من تحت أقدامهم. وحركة التاريخ تمشي للأمام.

ما يفعله اليمين الإسرائيلي أنه يلعب في الوقت الضائع، في محاولات يائسة لتصعيب الموقف، وتعقيد المشهد، وتثبيت حقائق ومنجزات على الأرض، بالقوة الغاشمة، لجعل حياة الفلسطينيين أصعب، وأشبه بالجحيم، ودفعهم للهجرة..

منطق القوة والعربدة والظلم يدوم لفترة، لكنه يسقط دائما.. ويرتد على صاحبه، حتى يخنقه ببطء.. لذلك ليس أمام إسرائيل سوى إنهاء الاحتلال والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني.

فبراير 09، 2026

ثقافة الشعارات


مع تصدع الدولة العثمانية وظهور علامات انهيارها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ظهر مفهوم "الجامعة الإسلامية" الذي ارتبط بالخلافة العثمانية بقصد حمايتها والحفاظ على وحدة كيانها بوصفها دولة جامعة للمسلمين. وبالتركيز بشكل أساسي على التحدي الخارجي الأوروبي الهادف إلى تفتيت الدولة العثمانية، تمهيدا لاحتلال المناطق التي كانت تحت حكمها. وقد ارتبط هذا المفهوم بالشيح جمال الدين الأفغاني.

ومع انهيار الدولة العثمانية ظهر مفهوم آخر ارتبط بالشيخ محمد عبده، وهو مفهوم "التقريب بين المذاهب"، بالتركيز بشكل أساسي على التحدي الداخلي، والمتمثل تحديداً في تنامي ظواهر الطائفية والتعصب والتباعد بين أتباع المذاهب الإسلامية. من الناحية التاريخية، حل مفهوم "التقريب" مكان مفهوم "الجامعة الإسلامية"، واكتسب شهرة أوسع مع أنه امتداداً له، واستمراراً للنهج الفكري والإصلاحي نفسه. فطرح محمد عبده القومية الوطنية المصرية بدلاً من "الجامعة الإسلامية" الشاملة، مؤكدا على وحدة أهل الوطن الواحد (من كافة الأديان والطوائف) في مواجهة الاستعمار، مطوّراً فكره نحو الوطنية بعيداً عن الرابطة الدينية العابرة للحدود، داعياً إلى التوفيق بين الإسلام وقيم الحداثة والعصر.

ما يعنينا من هذه السرد التاريخي الموجز أن تلك التجربة انتهت بالفشل، فقد خضعت كافة دول المنطقة تقريبا لهيمنة الاستعمار المباشر، ومع انتصاف القرن العشرين، حلت النكبة بفلسطين، وتم تكريس واقع التجزئة. وتلك كانت أهم الأسباب الخارجية لفشل أول تجربة إصلاح وتنوير عربية، أو أول محالة نهوض، أما أسباب الفشل الداخلية فهي كثيرة، ولا مجال لذكرها هنا، لكن نشوء جماعة الإخوان المسلمين كان من أبرزها، جيث طرحت الجماعة فكرا دينيا سلفيا ماضويا مغايرا لأفكار الإصلاح والتجديد، وهذه الجماعة اكتسبت شعبية كبيرة، وانتشرت في عموم العالم الإسلامي، مدشنة مرحلة جديدة من "الإسلام السياسي".

في الحقبة الاستعمارية اندلعت العديد من الثورات العربية لمقاومة الاستعمار (عبد القادر الجزائري، عمر المختار في ليبيا، عبد الكريم الخطابي في المغرب، أحمد عرابي في مصر، عز الدين القسام في فلسطين، ثورة العشرين في العراق..) ومن جهة أخرى تشكلت العديد من الأحزاب سواء لمقاومة الاحتلال، أو لمواجهة مخططات التجزئة مثل حزب البعث، والأحزاب الشيوعية، والحزب القومي السوري الاجتماعي وغيرها..

أيضا انتهت تلك الحقبة على واقع جديد لم يحقق طموحات الشعوب في الانعتاق والحرية والتقدم؛ فإن نجحت الأقطار العربية في التحرر ونيل الاستقلال، إلا أن واقع التجزئة قد تكرس تماما، بكل ما عناه بعد ذلك من تبعية للغرب، وتعثر محاولات النهوض والتقدم، وتحول تلك النظم إلى نظم استبدادية، تنتهك كرامة الإنسان.

ردا على هذا الواقع المزري والمخيب للآمال ظهرت مع بداية الخمسينيات ثلاث تيارات سياسية وفكرية.. التيار القومي بشقيه الناصري والبعثي، والذي ازدهر في تلك الفترة وتولى السلطة في أكثر من قُطر.. التيار الإسلامي الذي بدأ عوده يشتد ويتوسع مع مطلع السبعينيات.. والتيار اليساري الذي ظل معارضا ومقموعا وعلى الهامش، مع إنه على المستوى النظري والفكري كان منتشرا بقوة.

تلك التيارات الثلاثة تتناقض فكريا وسياسيا، ما يجمعها أنَّ تجاربها انتهت بالفشل والإخفاق؛ التيار القومي بدأ بالتراجع بعد النكسة ثم انقلاب السادات، وتصارع جناحي البعث السوري والعراقي والمآلات الحزينة التي انتهت إليها الثورة الجزائرية مع العشرية السوداء. التيار اليساري تلقى ضربة قاصمة بتفكك المنظومة الاشتراكية وانهيار الاتحاد السوفييتي.. التيار الإسلامي بدأ بالتراجع مع ارتدادات ثورات الربيع العربي، وفشل جميع تجاربه في كافة المناطق التي سيطر عليها، أو حكمها، وفشل شعاراته الانتخابية عندما وضعت على المحك.. وانتهاء بتراجعه في تونس ومصر ومحاصرته من قبل دول المنطقة، ثم ظهور داعش ومشتقاتها، ولعل الضربة القاضية تمثلت في حرب غزة.

باختصار، كل تلك الثورات والأحزاب والتجارب والتيارات هُزمت، وانتهت بالفشل.. فقد أخفقت في تحقيق أهدافها، وتكشف نزوعها نحو السلطة بمجرد استلامها الحكم، ولم تقدم أي نموذج ناجح لا في الحكم ولا في إدارة الصراع، وتحولت إلى دكتاتوريات قمعية، ونظم رجعية، والأهم أنَّ هشاشة شعاراتها تكشفت بمجرد اختبارها على أرض الواقع..

ما يعنينا في هذه المعالجة السريعة أن تلك القوى انتهت فعليا، أو تراجع حضورها، أو صار بعضها مجرد ذكرى تاريخية.. لكن شعاراتها بقيت حاضرة.. ومؤثرة، بل وتشكل عصب الفكر والحراك الاجتماعي والسياسي في المنطقة العربية عموما !!

السؤال: كيف لشعارٍ ثبت فشله، أو تبين خواؤه، ولم ينجح في الاختبارات العملية.. كيف له أن يظل حاضرا ومؤثرا في الذهنية العربية؟ هل لأن الشعار ساحرا لدرجة الخديعة؟ أم لأنه اقترن بزعيم كاريزمي؟ أو لأنَّ حركة واعدة مضحية حملته؟

الإجابة تكمن في فهم سيكولوجية الجماهير العربية، وفي طبيعة ثقافتهم، ولا حاجة هنا لتفكيك تلك الشعارات وتفنيدها؛ فهي شعارات جميلة في الغالب، وبراقة، ومصاغة بلغة فصيحة، وهي ملائمة تماما للخطابات أمام الحشود.. فالأزمة ليست في الشعار نفسه، فثمة شعارات طُرحت آنذاك وكانت صائبة وصحيحة تماما.. وهنا تتضح إجابة أخرى، تتمثل في جمود العقل العربي عند النص أو الشعار، والتعامل معه كصنم وتابو، وأنه غير قابل للتغير بتغير الأزمان، وبالتالي سلبه حيويته وقدرته على التطور والتكيف مع المتغيرات.

العقلية العربية عموما "نَصّـية" تقدس النص، وتتبعه حرفيا، وتعتبره معيارا وبديلا عن النقد والتفكير.. وهي أيضا ذات ثقافة سمعية، وتفكر بعواطفها.. مجروحة في كرامتها، ومهزومة في وجدانها، مقموعة فعليا من قبل الأنظمة البوليسية، ومن قبل جماهير الغوغاء وربما بدرجة أشد..

مسلسل الهزائم العسكرية والأزمات السياسية والاقتصادية التي عصفت بالعالم العربي، أوجدت طبقات من الفاسدين، ومن البنى الفوقية المستبدة (سلطات الحكم وتحالفها الأوليغارشي)، كما أوجدت قوى معارضة فاسدة وفاشلة ومرتبطة بالخارج ومرتهنة لبرامج وأجندات مغتربة عن الواقع.. مقابل جماهير مغيّبة، محاصَرة، مقموعة، تعاني البطالة والفقر والتهميش.. جماهير حائرة، وعاجزة عن الرد، وعن الفعل الحقيقي، تكافح بكل تعب من أجل قوتها اليومي..

لكن هذه الجماهير تتوق لحريتها، وتحلم بكرامتها المسلوبة، وتعض على جراحها بألم مكبوت.. مشكلتها أنها عوضا عن التفكير النقدي تعلقت بتلك الصورة الوردية التي خلقتها تلك الشعارات البراقة.. وظلت محكومة لها، وأسيرة لصداها المحبب على السمع، فخلقت لنفسها عالما موازيا مثاليا، لكنه منفصل عن الواقع.  

ثقافة الشعارات أوجدت جماهير غير مؤثرة، حتى لو تحركت وصرخت وتظاهرت وملأت الساحات، لأنها مسلحة بشعار تجاوزه التاريخ، ولم يعد صالحا للاستهلاك. باختصار؛ لأن ثقافة الشعارات حوّلتها إلى مجرد ظاهرة صوتية.