أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

أغسطس 21، 2026

تحالف مريب

 شاع في الأوساط الإعلامية نبأ قيام تحالف انتخابي سيضم حماس، والجهاد الإسلامي، والتيار الإصلاحي في فتح (دحلان)، والجبهة الشعبية، والمبادرة الوطنية.. لم يتأكد الخبر حتى الآن، ومع ذلك قيام مثل هكذا تحالف يستدعي العديد من الأسئلة والاستنتاجات:

مبدئيا، تحالف طرفين أو أكثر لأغراض انتخابية أو سياسية أمر طبيعي ومشروع، وحتى لو كان بينها تاريخ من العداوات، ففي عالم السياسية الكثير من المحرمات تغدو مباحة، ولا توجد عداوات دائمة ولا صداقات دائمة، بل مصالح متغيرة.. ولكن، هذا النوع من التحالف إن صمد لفترة من الزمن، فإنه سرعان ما سيتفكك وينهار، نظرا لحجم الهوة ونوعية التناقضات بين أطرافه، ولو صمد إلى ما بعد الانتخابات (وأشك في ذلك) فمن شبه المؤكد أنه سيتلاشى بعدها، وستعود الأطراف إلى صراعاتها واصطفافاتها السابقة..

للجبهة الشعبية تاريخ حافل من التمنع السياسي بدءأ من تمنعها الانخراط في معركة الكرامة، مرورا بمقاطعتها لعديد من دورات المجلس الوطني، واستنكافها الدخول في السلطة والحكومة على مدار العقود الماضية، وحتى مقاطعتها الانتخابات أحيانا.. فلماذا وما هو دافعها الانخراط في هذا التحالف؟

تاريخياً، للجهاد الإسلامي موقف ثابت ومعروف يمتنع فيه عن المشاركة في أية انتخابات، أو الدخول في النظام السياسي، حتى أنه لا يعترف بمنظمة التحرير.. فلماذا الآن قبِل المشاركة في الانتخابات؟ هل يعني ذلك أنه سيعترف بمنظمة التحرير، وبالتزاماتها السياسية! وسيوافق على اشتراطات المجتمع الدولي..

المبادرة الوطنية تنظيم يساري منبثق عن حزب الشعب (الحزب الشيوعي سابقا)، يتبنى المقاومة السلمية والمفاوضات، وسبق لقائده المشاركة في اجتماعات مع أطراف إسرائيلية، ما يعني أنه يؤمن بفكرة التعايش والحل السلمي والحوار مع الطرف الآخر.. كيف ولماذا تحول فجأة إلى حزب ثوري يدعو للكفاح المسلح ويمجّد الصواريخ والقذائف؟ ويتنبى خطاب حماس دون تحفظ!

أما التناقض الأبرز، والذي يستدعي ألف سؤال؛ تحالف تيار دحلان مع حماس! فعندما قامت حماس بالانقلاب 2007، قال قادتها عبر تسجيلات موثقة أنها لا تعادي فتح، ولا السلطة.. مشكلتها فقط مع دحلان، الذي وصفته بالخائن والفاسد وقائد كتائب الموت... اليوم سيتحالف الطرفان! هل يعني ذلك تلقائيا أن حماس تتحالف مع "الخائن" و"الفاسد"؟ أم أن دحلان أعلن توبته وصار وطنياً؟ أو أن حماس كانت تكذب حينها؟ حتى لو تجاوزنا عن ذلك، لماذا سيتحالف الطرفان الآن، وكلنا يعرف مرجعية كل طرف!

أبناء التيار الإصلاحي، خاصة من سكان غزة، والذين يحمّلون حماس مسؤولية الكارثة الكبرى التي حلت بالقطاع، وطالما توعدوها بالمحاسبة ودفع الثمن، أو على الأقل دعوا لإقصاء الحركة.. وبالمثل أبناء حماس الذين تربوا لسنوات على أن دحلان خائن وفاسد.. السؤال: كيف سينتخب كل طرف الطرف الآخر؟ كيف سيواجه نفسه أمام المرآة؟

لو نظرنا لخلفية ومرجعية كل طرف، والجهة الداعمة له، والتي يمثلها وينفذ أجنداتها.. سنجد كلٌ من: إيران، تركيا، قطر، الإمارات.. وهذه الدول بينها ما صنع الحدّاد؛ تنافس على الإقليم، وصراع سياسي قديم، ولدى كل دولة توجهاتها ومصالحها وأهدافها.. وبالطبع من يمثلها في الساحة الفلسطينية.. لماذا التقت هذه الدول هذه المرة؟ ولأي غرض؟ وهل فعلا ستلتقي سياسيا وإستراتيجياً؟ وإلى أي مدى؟ وماذا بشأن علاقاتها مع الولايات المتحدة؟ والدور الإسرائيلي، واشتراطاته؟

إجابات العديد من تلك الأسئلة واضحة، ولكن السؤال الأخير فعلا محير.. وإذا أضفنا سؤالا عن دور مصر واستضافتها لقاءات أطراف التحالف، سنزداد حيرة.. وربما نعيد النظر في الاستنتاجات السابقة؛ فتقريبا ينظر الجميع إلى أن هذا التحالف هدفه الإطاحة بالرئيس عباس، أو بدرجة أعمق الإطاحة بفتح، فتحت ذريعة إنهاء التفرد في النظام السياسي الذي يقوده أبو مازن، هل المقصود إنهاء تفرد فتح، وإنهاء قيادتها للسلطة؟ خاصة وأن هؤلاء جميعا تجمعهم خصومة فتح منذ زمن بعيد.

قد يكون الهدف من الإعلان عن هذا التحالف ممارسة ضغط إعلامي على الرئيس لإخافته من نتائج الانتخابات، مما يدفعه إلى إلغائها، أو تأجيلها ريثما تتوفر ظروف أحسن لحماس. أو ممارسة ضغوطات سياسية على السلطة وفتح لدفعها تقديم تنازلات لهذه الفصائل المتحالفة. سواء تنازلات جماعية تخص الكل. أو تنازلات تخص كل فصيل على حدة بما يناسب احتياجاته. أو أنه تحالف مصلحي مبني على فرضية أن دحلان بوسعه أن يكون جسر القبول الدولي لمشاركة حماس بالنظام السياسي الفلسطيني، خاصة بعد تعهدها بتسليم سلاحها، ونيتها التحول إلى حزب سياسي..

السؤال الأهم، هل هدف التحالف الحالي الاكتفاء بالمشاركة لخوض الانتخابات؟ أم الذهاب باتجاه تولي قيادة السلطة؟

إذا كانت الإجابة نعم، سنفتح مجموعة أسئلة جديدة:

قبل الأسئلة، سأتجاوز عن كل مقولات "مصلحة الشعب"، و"مصلحة القضية"، و"الوحدة الوطنية"، و"ضرورة التغيير"، و"استعادة الديمقراطية"، و"الإصلاح والتغيير".. كلها مقولات جميلة، ولا خلاف عليها من حيث المبدأ.. لكنني متشكك جدا، ربما إلى درجة اليقين، أن أطراف التحالف والدول الداعمة له تؤمن حقيقة بهذه الشعارات، وأنها صادقة في نيتها تجاه مصلحة الشعب والقضية والوطن.. هذه لعبة باتت مكشوفة.. وأخشى أن تكون تمهيدا لتقاسم المصالح بين دول الإقليم خاصة في غزة، في إطار خطة ترامب لإعادة الإعمار.

لنفترض جدلا أن التحالف فاز بأغلبية وشكّلَ حكومة، ماذا سيكون برنامجها السياسي والنضالي؟ هل ستتبنى نهج المقاومة بصيغتها المعروفة؟ على أي أساس ستقدم أوراق اعتمادها لأميركا وللمجتمع الدولي حتى تنال اعترافهم وقبولهم؟ لأنه في حال عدم قبولهم ستكون تهمة الإرهاب جاهزة، وستتعرض لحصار خانق.. وفي هذه الحالة إما أن تفشل، أو ستواجه مصير السلطة الحالي بحيث تكون عاجزة عن توفير حتى أنصاف الرواتب.. هل ستقول لا لصفقة القرن، وتواجه ترامب؟ وهل ستتحايل على قضية مخصصات ذوي الأسرى والشهداء، وعلى قضية تغيير المناهج، وغيرها من مطالب المجتمع الدولي تحت مسمى الإصلاح.. بماذا ستختلف عن السلطة الوطنية الحالية؟ هل تدرك أطراف التحالف أن منهج وعقلية المعارضة لا تصلح لإدارة السلطة وحماية مصالح الشعب ومستقبلهم؟

المفارقة أن إعلان التحالف سيعمل ضده؛ أبناء التيار الإصلاحي سيرفضون انتخاب حماس، لأنهم غاضبون مما تسببت به في غزة.. وأبناء حماس سيرفضون التصويت لتيار دحلان لاعتبارات قديمة، وبسبب علاقات الإمارات مع إسرائيل. أما بقية الأطراف فلا تتمتع بقاعدة جماهيرية.. من جهة ثانية قد يستثير هذا التحالف حمية أبناء فتح، حين يرون حركتهم تتعرض لخطر وجودي، فيتحدون ويستنهضون قواهم الكامنة..

لمن أقرأ؟

 

تمرّ البلاد في محنة قاسية، في غزة يعيش الناس بين القصف والحصار والغلاء، يبيتون في خيم بائسة، يزيد بؤسها موجات الحر المتلاحقة، وأسراب البعوض، وقطعان الجرذان.. في الضفة عربدات المستوطنين، وأزمة البنزين، وأزمة الشيكل، وأنصاف الرواتب.. وفي الأفق تلوح تباشير تغييرات لا نعرف في أي اتجاه ستكون..

نشرات الأخبار تدعو للإحباط، الإذاعات المحلية تنتقي أغاني مملة، تدفعني لتغيير المحطة فوراً، أشعر بالزهق، أبحثُ، مثل كل مواطن، عن أي شيء يخرجني من دائرة الهموم والأحزان، أي شيء ينسيني الواقع، أترقب رسالة تأتي من عالم الغيب تحمل أنباء سارة.. أنظر إلى هاتفي النقال على أمل أن يأتيني بمكالمة تعيد لي توازني، أو خبر مفرح، أو مفاجأة غير متوقعة.. يرن الهاتف إشعارا بتلقي رسالة، يخفق قلبي متفائلا بأنها رسالة من البنك: تم إيداع راتبك كاملا، ياله من حلم جميل، طيب على الأقل نصف راتب.. فإذا بها رسالة من وكالة وفا: الاحتلال يقصف تجمعاً في خانيونس، ورسالة أخرى: المستوطنون يعتدون على مزارع في طوباس.. بقية الرسائل: إشعارات من الاتصالات، ومن مصلحة المياه، ومن شركة الكهرباء بضرورة دفع الفواتير المستحقة..  

افتح "الواتس اب": "غروبات" من كل نوع، عشرات الرسائل جميعها منسوخة عن بعضها، مقاطع فيديو لمؤثرين يتلاعبون بأعصابنا ويستخفون بعقولنا، أخبار مفبركة، صور بالذكاء الاصطناعي، ونظريات مؤامرة.. أغادر الصفحة وفي كل مرة أعاهد نفسي ألا أعود إليها.. ولكني أعود من باب التياسة..

يرن الهاتف بإشعار جديد، هذه المرة رسائل الماسنجر، وكالعادة: "جمعة مباركة"، وأدعية معدة بالفوتوشوب، والأغرب منشورات سبق أن منحتُها إشارة إعجاب حتى يعرف أصحابها أنني قرأتها فلا يرسلوها على الخاص..

أفتح صفحتي على فيسبوك لمتابعة أية ردود فعل على مقالي، فإذا بجميع الإشعارات: فلان وفلان وفلان ذكروك مع المتابعين، أي دعوة منهم لقراءة منشوراتهم.. حسناً.. أقرأها بسرعة وأوزع عليهم "لايكاتي" بسخاء، وقلوب حب أحيانا..

لنأتي إلى الجَد؛ أظلُّ أقلّب صفحات الفيس على عجل، قافزاً عن الدعايات، ومتجاوزا مقاطع الريلز، وممتعضا من أغلب المنشورات، وممتعضا أكثر من التعليقات.. أتحمل هذا العذاب بانتظار ما سينشره بعض الأصدقاء والكتّاب والإعلاميين، الذين أقرأ كل ما ينشروه باهتمام بالغ، حتى عندما يغيبون لفترة، أفتش عنهم.. سأذكر بعضا منهم، وبترتيب عشوائي، لا يعني تفوق أحدهم على الآخر، فكلهم مبدعون..

البداية طبعاً مع زوجتي الغالية خلود، ولأن شهادتي بها مجروحة سأكتفي بالاعتراف بأن الكثير من مقالاتي مستوحاة من أفكارها الإبداعية..

الصديق عماد الأصفر؛ أقرأ كل ما ينشره بنهم، يكتب بأسلوب السهل الممتنع، بنظرة ثاقبة، وبوصلة وطنية إنسانية لا تخطئ..

عامر بدران؛ لا أفوّت شيئا مما يكتبه، يمزج ببراعة بين السخرية والتحليل العميق، والثقافة الواسعة بأسلوب ساحر يستحضر أمثلة من التاريخ ويضعها في قلب الحاضر.

الإعلامي محمد دراغمة: من وجهة نظري الشخصية أعده أحد أكفأ الإعلاميين في الساحة الفلسطينية، يوجز تقريره بأقل الكلمات وأكثرها وضوحا، دون ثرثرة، بمهنية عالية دون أن يتخلى عن وطنيته وفلسطينيته.

عصمت منصور: أنتظر ما يبثه وما يكتبه لأعرف بالضبط أين ستتجه الأمور، هو لا يكتف بالشرح العميق والتحليل الصائب، بل يحرضنا جميعا على التحرك والمبادرة، بالمعايير الوطنية والأخلاقية، ولأنه صادق يتحمّل كل الأذى من الذباب الإلكتروني، ومن الصفحات الصفراء.

زملائي كتّاب "الأيام"، أقرأ لهم جميعاً، ولكن باهتمام خاص أتابع مهند عبد الحميد، أصدق وأوضح صوت فلسطيني متنور وإنساني، وأكرم عطا الله، بتحليلاته الواعية وبروحه الوطنية المنحازة لفلسطين.. بعيداً عن السياسة، في مجال النقد أقرأ خربشات عادل الأسطة، وتحليلات أحمد زكارنة.. وجميع القطع الأدبية الرائعة للمبدع زياد خداش بمفارقاتها المثيرة ودلالاتها المدهشة..

أترقب مقالات الرفيق عبد المجيد حمدان، لما تحملها من عمق تاريخي وفلسفي يضعها في قلب الحالة الفلسطينية، وأمير داوود، وخالد سليم لقلمهما الرشيق والمحبب..

من غزة: د. تيسير عبد الله: بمفرده، وبإمكانيات بسيطة، وفي ظروف في منتهى القسوة استطاع أن يخلق حالة غير عادية، يعمل بكفاءة وكالة أنباء، يحلل بعمق ورؤية ثاقبة، ويكتب بنبض صادق، يحمل آلام ومعاناة الغزيين..

د. فضل عاشور: بذهنية تقدمية، وبكل وضوح وسلاسة يجمع بين العلم والتحليل النفسي (بحكم تخصصه) وقضايا التحرر والنضال الوطني.

د. رياض عواد: من وعيه العميق وحسه الإنساني، ومن تجربته الشخصية المؤلمة يشخّص حال غزة وواقعها.

أكرم الصوراني: بقلمه الساخر، وبنبضٍ يفيض بمعاناة التجربة، يدعونا أن نسخر من مأساتنا وأن نتعظ منها..

أمين عابد: يكتب لفلسطين ولغزة ولفتح بقلبٍ مضرج بالمعاناة، وبجسدٍ مثخن بالجراح، وبأصابع كسّرتها طغمة حاقدة، يكتب بحب وإخلاص..

من غزة أيضا أتابع بشغف واحترام كل ما يكتبه إبراهيم إبراش، وجميل عبد النبي، وهالة حسين، وأمجد أبو كوش، ومحمد التلباني، وماجد هديب، ومحمود جودة، وشجاع الصفدي، وسامية الغصين، وفداء زياد، ونعمة حسن.. وفي الحقيقة ما زلت متعجبا كيف يكتبون هذه الإبداعات وهم في قلب جحيم الحرب يكتوون بتداعياتها!

من الأردن الشقيق: أتابع باحترام منشورات الناشط هاشم العامر، والشاعر مروان البطوش.. وأحييهم على شجاعتهم في التصدي للغوغاء، وتفنيدهم للإعلام المضلل..

إذا أردت أن يكون وقتك على الفيس مفيداً وممتعاً، تابع أيٍ من هؤلاء.. ولن تندم.

طبعاً، هناك أسماء وازنة غفلتُ عنها دون قصد، أو لم يتسع المقال لذكرها، أعتذر لهم..

أغسطس 20، 2026

جينات وكتالوجات متوارثة

قبل نحو 300 ألف سنة انفصل عن «الرئيسيات العليا»، نوع جديد سيعرف لاحقًا باسم «الإنسان العاقل»، وعلى مدى أجيال متلاحقة توارث جينات الهروب من الخطر. فقد كانت الأخطار في تلك الحقبة السحيقة تحيط به من كل جانب؛ وكان تقريباً من أضعف الكائنات التي عاشت آنذاك. فلم يكن سريعاً كالفهد، ولا مفترساً كالأسود، ولا قوياً كالدببة، ولا رشيقاً كالسعادين. لم تكن لديه أنياب كالذئاب، ولا درع كالسلحفاة، ولا فراء كالخراف، ولا مخالب كالنسور. لا يمتلك سمًّا كالأفاعي، وليس بوسعه التخفي كالحرباء، ولا هو ضخم كالفيلة. لم يكن قادراً على مجاراة الحيوانات في كثير من خصائصها التي تساعدها على البقاء؛ لذلك عاش "رميا" و"جامعا للثمار" لفترة من الزمن، قبل أن يمتلك مهارات الصيد.

وبالرغم من كل نقاط الضعف تلك، فإنه امتلك ميزات انفرد بها، جعلته قادراً على النجاة من كل تلك الأخطار: الذكاء، والذاكرة، والقدرة على التكيف، والتعاون، والتواصل، والتخطيط، والمرونة الغذائية.

وفي رحلته الطويلة نحو التطور والانتشار في ربوع الكوكب، تعلم كيف يصنع الأدوات ويستخدمها، وكيف يروض النار، خلال تلك الأزمنة توارث جينات الخوف؛ الخوف من الوحوش، ومن المرتفعات، ومن العتمة، ومن الجوع والأوبئة الغامضة وموجات الصقيع والحر المتعاقبة.. كانت تلك المخاطر تعني شيئا واحداً: الموت..

وبعد أن عرف كيف يعيش في شكل مجموعات متعاونة فيما بينها، إُضيف خطر جديد على قائمة الخوف: الخوف من المجموعات البشرية الأخرى المنافسة.. فقد كانت الموارد شحيحة، والمواجهات بين تلك المجموعات تخضع لمعادلة صفرية، إما البقاء أو الفناء.. ونظرا لقسوة الظروف آنذاك كان ذلك الإنسان البدائي عنيفاً، عدوانياً، متأهبا على الدوام..

وحين اجترح أول ثورة معرفية، وطور أساليب التواصل، واجترح اللغة، وشكّل الأسرة، ومن ثم القرية وحتى نشوء الـمُلكية ظلت علاقته بنفسه وبالآخرين وبمحيطه الخارجي خاضعة لعوامل وظروف قاسية، وأُضيف للخوف صفات أخرى: الغضب، والحسد، والجشع، والأنانية، والشك، وظلت تلك الصفات تتأصل وتتعمق مع نشوء الحضارات ونظام الإقطاع، وصولا للرأسمالية.. وأضيفت إليها سمات الاستغلال والقسوة.

طوال تلك الأزمنة ظلت الصفات والجينات المتوارثة تخضع لعوامل البيئة، والقدرة على التكيف، وفي إطار الغرائز البدائية، أي في الأنظمة الانفعالية في الدماغ، ولكن بعد الثورة الزراعية ثم الصناعية بدأ يخضع لعوامل أخرى مهمة: العوامل الثقافية؛ بما فيها الدين والقيم والأعراف.. وصارت تلك جزءا من تكوينه النفسي ومن وعيه لذاته..

الطفل لا يرث «جينًا ثقافيًا» يحدد له معايير الصواب؛ الجينات تؤثر في بنية الدماغ، وفي الاستعدادات، وتكوين الهرمونات، والطباع، والاستجابات الانفعالية، لكن السلوك الإنساني نتاج تفاعل بالغ التعقيد بين الجينات والبيئة والتعلم والثقافة والتجربة الفردية.

بمعنى آخر، لدى الإنسان استعدادات تطورية وأنظمة عصبية وانفعالية تشكلت تحت ضغوط الانتخاب الطبيعي، يعبّر عنها بالتعلم والثقافة..

إذا تناولنا الموضوع من ناحية أخرى، بمسار مواز للمسار الغرائزي طوّر الإنسان منظومة أخلاقية مبكرة، كان هدفها بداية درء المخاطر وتجنب الخسائر وتنظيم حياة المجموعات البشرية الأولى، فكان مثلا تحريم القتل (أو عدم الإسراف به) لأنه سيؤدي إلى خسائر في مقدرات القبيلة البشرية وسيضعفها في مواجهة القبائل الأخرى. ثم تحريم العلاقات الجنسية داخل الأسرة الواحدة، ثم تحريم السرقة والتعدي على ممتلكات الغير.. كانت تلك لغرض تلبية حاجاته الأساسية.

ومع تطور وسائل الإنتاج، واستبعاد خطر المجاعة بسبب وفرة الموارد، ومع الاستقرار في مجتمعات ثابتة، بدأت المجتمعات النووية بالتشكل وصار ضروريا لها الاتفاق على المزيد من النظم الأخلاقية لضبط شؤون المجتمع، وصار لكل قبيلة أو قرية زعيما، ومن حوله طبقة حاكمة، وصار ممكنا توثيق تلك النظم الأخلاقية والاتفاق عليها، ما مهد لنشوء الدول والحضارات والأديان والقوانين والدساتير.. وصار الإنسان أقل ميلا للعنف، وأكثر تهذيبا.. لكن هذا المسار التطوري لم يلغِ العنف؛ بل جعله أقل فردية وأكثر تنظيماً.

ومع نشوء المدنية ارتقى الإنسان بمسلكه وطرق تفكيره وبعلاقاته، وصارت العوامل الثقافية أكثر تأثيرا وتعكس نفسها على التكوين النفسي والعاطفي والاجتماعي وتحل شيئل فشيئا مكان الغرائز البدائية، وصولا إلى الإنسان الحديث منشئ الحضارات المتطورة والتكنولوجيا والقوانين العصرية وفي مقدمتها قوانين حقوق الإنسان..

إذاً؛ نمت الحضارة الإنسانية في خطين متوازيين، خط الغرائز البدائية، وخط العوامل الثقافية، كانا يتعارضان مرة، ويلتقيان مرة.. فإذا كان جميع البشر تقريبا ورثوا تلك الجينات البدائية (العنف، الغضب، الخوف، الشك، العدوانية، القسوة، الأنانية..)، كما توارثوا سمات (التعاطف والحب.. )؛ فإن كل تكتل بشري موجود حاليا ورث كتالوج ثقافي مشترك (الأخلاق بشكلها الأساسي)، وكتالوج ثقافي محدد ومميز يختلف بين تكتل وآخر، تبعا لمسار التطور الاجتماعي لذلك التكتل.. ولكن ليس كل تحديث ثقافي يعد تقدماً أخلاقياً بالضرورة.

بعبارة أخرى: ورث الإنسان قابلية التعاون وقابلية الصراع معاً، ليأتي دور الثقافة والمؤسسات والظروف لتحدد أيهما يُستثار ويصبح أكثر تأثيراً.

للتوضيح: إذا كنت بالغاً عاقلاً وتظن نفسك تمتلك أفضل الصفات الأخلاقية، وتتبع الدين الصحيح، وتنتمي للطائفة الناجية، سليل عرق أصيل، وخيارات وتوجهاتك صائبة.. هنا لا أناقشك إن كان ظنك بنفسك صحيحا أم لا، ولا أناقش صوابية خياراتك وتوجهاتك، وأخلاقية قيمك وتقاليدك.. أريد أن أقول لك أنك توصلت إلى أغلب تلك القناعات بدون أدنى جهد منك، ببساطة أنت ورثتها عن أسلافك الأولين.. تصرفاتك التلقائية وانفعالاتك الغرائزية تنفيذ آلي لكتالوج جيني كُتب في زمن سحيق على شريط الDNA، في كل سنة كان يُضاف سطرا جديدا، حتى تكوّن "الجينوم" البشري الحالي، وعلى مستوى أكثر تقدما؛ ما تفكر به، وما تتصرفه، وقراراتك اليومية تطبيق لكتالوج ثقافي كُتب قبل آلاف السنين، والطبعة التي تشتغل عليها حضرتك كتبها أجدادك قبل بضعة مئات من السنين ربما أكثر أو أقل تبعا لنوع القرار والحكم والتوجه الحالي..

فإذا كنا كبشر لا نختار نقطة انطلاقنا، لكننا نستطيع أن نختار ما إذا كنا سنستمر في السير منها أم سنراجعها. وإذا كنا لا نختار جيناتنا، ولا لغتنا، ولا العصر ولا البيئة التي نولد فيها، لكننا نستطيع أن نراجع ونقيّم وننقد كل ما ورثناه..

وهنا تكمن معاني الإنسانيته والتفرد والتميز وحرية الاخيتار..

هناك مجتمعات استحدثت كتالوجها الثقافي الخاص بما يتناسب مع مسارات العصر المتسارعة، وهناك مجتمعات بقيت أسيرة ومقيدة بكتالوجاتها الثقافية القديمة.. وهناك أشخاص منقادون وراء مجتمعاتهم وفق نظام القطيع، وأشخاص خرجوا عن قطعانهم.. هناك أشخاص وعووا طبيعة غرائزهم البدائية وهذبوها، وهناك أشخاص فشلوا في ذلك، وظلوا بدائيين في مسلكهم وتفكيرهم. وهنا ستنشأ معضلة أخرى: قد يظن الشخص أنه تحرر من الكتالوج الثقافي، لكنه قد يكون ببساطة انتقل إلى كتالوج آخر..

لو أخذنا مجتمعاتنا العربية الحالية مثالاً، لنفهم ونقيّم منظوماتها القيمية وأعرافها وتقاليدها ومسلكها وعلاقاتها الخارجية ونظرتها للعالم ولنفسها، وطرائق تفكيرها، ووعيها لذاتها.. سنجد أجزاء كبيرة منها تطبق كتالوج أُعد قبل نحو ألف سنة، كل جيل ينسخه حرفيا بأمانة ودقة، وكل من حاول الخروج عنه، أو التشكيك به، أو المطالبة بتطويره. كان يجري تكفيره ونبذه وقذفه بأبشع التهم.. 

أغسطس 19، 2026

خطاب الأوهام، وخطاب التشفي

 

قبل أيام اعتقل الجيش الإسرائيلي أفرادا من الشرطة الفلسطينية في بيت لحم أثناء قيامهم بإحدى المهات الأمنية.. على الفور امتلأت الصفحات الصفراء والمنصات المشبوهة بالتعليقات الشامتة والساخرة، وتساءل آخرون بسذاجة: إذا كانت الشرطة غير قادرة على حماية نفسها، فما الجدوى منها؟ إذا السلطة غير قادرة على حماية شعبها عليها الرحيل..

قبل التعليق على الموضوع، لننتقل مباشرة إلى خبر آخر حدث في الأسبوع نفسه.. جيش الاحتلال يعتقل عقيدا من الشرطة التابعة لحماس من داخل منزله في غزة.. قابل الخبر صمتٌ مطبق من تلك الصفحات المشبوهة.. وشماتة رخيصة من بعض الجهات المعادية لحماس..

اقتحام قوة إسرائيلية لأي منطقة في فلسطين أمر لا يدعو إلى الشماتة، وقيامها باعتقال أي فلسطيني (عسكري أو مدني) ليس موضوع مزايدة.. وليست علامة على حالة ضعف الفلسطيني، فالاحتلال يمثل قوة غاشمة جبارة مقتدرة.. وكل فلسطين خاضهة له.. هذه المعلومة البديهية تغيب عن تفكير البعض أو يتجاهلها عمداً حين يريد النيل من خصومه السياسيين.. وهذا أقل ما يُقال عنه: وضاعة وخسة.

في الحروب بين الدول المستقلة والتي لديها جيوش يقع في أسر العدو جنودا وضباطا، وهم بزيهم العسكري وبأسلحتهم.. هذا يحدث منذ أن عرفت البشرية الصراعات والحروب، ولا أحد يقول عمن وقع في الأسر جباناً، ولا يطالب الدولة بالرحيل لأن جنودا لها وقعوا أسرى..

لكن هنا في فلسطين، كل شيء مختلف! مع أن الفلسطينيين شعب أعزل، وليس لديه جيش..

كل من يُعتقل أو يستشهد هو فلسطيني أولاً، بغض النظر عن الفصيل الذي ينتمي إليه، وكل قطرة دم تُسال، وكل ساعة تُهدر في المعتقل، وكل بيت يُهدم، وكل مؤسسة تنهار هي خسارة فلسطينية.. ومكسب للعدو.. والشماتة هنا ما هي إلا نذالة وطريقة تفكير بدائية..

أفراد الأجهزة الأمنية هم أبناؤنا وإخوتنا.. والأجهزة الأمنية لها دور وظيفي محدد: حماية السلم الأهلي، وإنفاذ القانون، وتنظيم شؤون المجتمع، وحمايته من العابثين.. وهذا دور مهم وحيوي وخطير وحاسم في حياة الشعوب، ليس هنا في فلسطين وحسب، بل في كل دول العالم.. أما حماية الشعب من العدو الخارجي ومن التهديدات الأمنية الآتية من قبل طرف خارجي فهي مهمة الجيوش، لا الأجهزة الأمنية.. ونحن ببساطة ليس لدينا جيش، ولم يزعم أحد بامتلاكه.. السلطة كما هو حال الشعب تحت الاحتلال، ولم يقل أحد في يوم ما أننا تحررنا وطردنا المحتل..  

السلطة مسؤولة عن الشعب، إذا عجزت عن حمايته بالقوة العسكرية، فعليها حمايته بتجنب تعرضه للخطر، أي بالسياسية والدبلوماسية والإعلام، ومواصلة النضال والمقاومة الشعبية بالوسائل والأدوات التي لا تعرضه لخطر الفناء والإبادة والتهجير.. إذا قصرت في هذا المجال علينا مساءلتها ومحاسبتها.. أما دعوات المواجهة العسكرية وفتح حرب مع إسرائيل، فهي دعوات إن لم تكن مشبوهة، فهي ساذجة وعاطفية، ولن تجلب لنا سوى الخراب والمزيد من الهزائم.. وآن لنا أن نستفيق من سكرة الشعارات والخطاب الشعبوي غير المسؤول..  

اجتياحات الجيش، وعربدة المستوطنين، والاغتيالات والاعتقالات.. أمر مؤلم ومربك، ويضعنا جميعا في دائرة الخطر المباشر.. وهذا يتطلب منا التصدي والمواجهة.. لكن مع أهمية هذا الموضوع، إلا أن المقال يناقش أمرا آخر.. هو الخطاب والعقلية التي أوصلتنا إلى هذه الحالة.

خطاب فتح (والسلطة)، وطريقة تفكيرها، يفتقر للمنهجية، ويغيب عنه التخطيط الإستراتيجي، دون مراجعات ونقد ذاتي.. كل شيء عندها ارتجالي.. وهذا الموضوع ناقشناه مطولا.. سأتحدث بتخصيص أكثر عن طريقة التفكير في الخطاب التنظيري المنفصل عن الواقع.. خطاب بيع الأوهام.

الخطاب الذي قامت عليه حماس يرتكز على الأيديولوجيا.. وهي منظومة مغلقة لا تسمح بالمراجعة والنقد. حيث جميع المدخلات تؤدي إلى المخرجات ذاتها، المعدة مسبقا. وهذه ليست ممارسة سياسية، بل عقيدة لا تعترف بإمكانية الخطأ.

السياسة تقوم على التصورات الواقعية، وتأخذ بالاعتبار موازين القوى، ومعطيات اللحظة التاريخية والآفاق الممكنة، وهذه جميعها عوامل متحركة ومتغيرة، وعندما يعتمد الحزب على الأيديولوجيا سيواجه المتغيرات بعقلية جامدة ماضوية، وحينها يصطدم بالواقع الجديد، ويفشل. ولتبرير فشله يحتاج إلى خصم آخر يعلق عليه أسباب فشله. وكلما سقط التبرير، يخترع تبريرا آخر وشماعة جديدة، أو يراهن على معطى آخر، المهم عنده إبقاء صورة أيديولوجيته وشعاراته كما هي، وتجنب أي مساءلة، والتهرب من تحمل أي مسؤولية. الكل مخطئ ومتخاذل ومتآمر.. أما شعاراته فهي صائبة دوما وأبداً!!

حماس ظلت تتصرف وتفكر بصفتها ميليشيا مسلحة، حتى عندما حكمت القطاع لم تتصرف بمنطق إدارة الدولة... الميليشيا تستطيع أن تغامر دون تفكير بالعواقب؛ فهي لا تدفع أثمان الانهيار والدمار، والهزيمة. تقامر بكل شي ما عدا خطابها وأيديولوجيتها وشعاراتها، لأنها تستطيع ترميم ما لحق بها من دمار بسهولة: تحميل المسؤولية لطرف آخر، والحديث عن الخذلان والمؤامرة والتنسيق الأمني..

وستجد من يساعدها في ترميم صورتها وإنكار هزيمتها: "المثقف المشتبك"، وهو بحسب الكاتبة هالة حسين: "المثقف الذي يتعامل مع السياسة كما لو كانت امتحانًا للأخلاق، لا إدارةً لموازين القوى. يقيس الدولة بمعيار المثالية المجردة، ويطالبها بأن تتصرف كما لو أنها ميليشيا، وليست مسؤولة عن شعبها، ولا عن استقراره، ولا عن مستقبله. ولهذا يصبح، من حيث يقصد أو لا يقصد، المثقف العضوي للميليشيا؛ لأنه يطالب الدولة بأن تتخلى عن منطق الدولة، وأن تتبنى منطق التنظيم العقائدي".

وتضيف: "الدولة تتصرف بمسؤولية وعقلانية وبخيارات قد لا تعجب الشعب، ليس لأنها أقل أخلاقًا، أو أقل وطنية من الميليشيا، بل لأنها أكثر مسؤولية، وتفكر في المستقبل. فالدول تُحاسَب على النتائج قبل النوايا، وعلى ما تحققه لشعوبها قبل ما ترفعه من شعارات. أما الميليشيا، فلا تحتاج إلى شيء من ذلك، يكفيها أن تحتكر اللغة الأخلاقية، وأن تحول كل فشل إلى تهمة موجهة لغيرها، وكل كارثة إلى دليل جديد على صحة خطابها. وفي هذه اللحظة، لا يعود الشعار أداةً لفهم الواقع، يصبح وسيلة للهروب منه. مشكلة الخطاب الشعبوي أنه يخلط بين ما يُقال للتعبئة والحشد، وبين ما يُطرح باعتباره برنامجًا سياسيًا قابلًا للتفاوض والتنفيذ".

مقولات عديدة طرحها الخطاب الشعبوي لتقريع السلطة وشيطنتها على مدى عقود، مثل: "غزة تحررت بالمقاومة والضفة مقيدة بأوسلو"، "غزة عصيّة على الاجتياح والضفة مستباحة"، "الجيش لن يجرؤ على الاجتياح البري"، "سيغرق في رمال غزة".. لم تكن أكثر من بيع للأوهام، لكنها ساهمت في إيصالنا إلى الهزيمة.

الخيارات الوطنية لا تُقاس بالشعارات، بل بما تتركه للشعب من أرضٍ وحياة وفرص وقدرة على الصمود.. والسؤال الأهم: كيف نصمد فوق أرضنا؟

أغسطس 15، 2026

استطلاعات رأي

 

كلما اطلعت على استطلاع رأي جديد في الساحة الفلسطينية ازددت قناعة بأنها استطلاعات غير دقيقة، ولا تعكس توجهات الشارع الحقيقية، ليس بسبب ما يُقال عن مراكز الأبحاث التي تصدرها؛ بأنها مراكز غير مهنية، وذات توجهات أيديولوجية، ولها أجندات، وبعضها مدفوعة الأجر، وتستطيع توجيه نتائج الاستطلاع بحسب ما تريد، من خلال عينات غير ممثلة، ومن خلال التلاعب بطريقة صياغة الأسئلة، وبعض الاستطلاعات كانت معدة بنتائجها مسبقا.. ربما كل ما ذكر صحيحا، وربما فيه بعض المبالغة وبعض التجني.. لكن السبب في عدم الثقة بنتائج الاستطلاعات هو الجمهور المستَطلَع نفسه..

في البلدان المتقدمة وذات التراث الديمقراطي تكون استطلاعات الرأي دقيقة بنسبة خطأ بحدود 5% وربما أكثر أو أقل قليلا، ذلك لأن تلك المجتمعات مستقرة سياسيا واقتصاديا وأمنيا، وفيها فرز طبقي وسياسي واضح، وفيها حرية تعبير، وتجربة ديمقراطية طويلة وممتدة، والناس معتادون على استطلاعات الرأي.. ومع ذلك فإن استطلاعات الرأي تعبر عن فترة محددة، وتتغير مؤشراتها من يوم إلى آخر.

 في فلسطين (وأغلب المجتعات العربية) الصورة مختلفة كليا، المجتمع غير مستقر، وغير آمن، وتحت الاحتلال، وتحت وطأة أزمة اقتصادية خانقة، مع انسداد الآفاق السياسية، وليس لدينا تراث ديمقراطي ثري وتجربة متراكمة، والجماهير غير معتادة على الممارسات الديمقراطية كالانتخابات، واستطلاعات الرأي، وغيرها،، الناس تحكمها توجهاتها العاطفية والمزاجية، وتؤثر فيها مجموعة كبيرة من العوامل الداخلية والخارجية الضاغطة، وهذه العوامل أغلبها متناقض ومتعارض فيما بينها؛ لذا من الطبيعي أن تكون إجابات المستطلعين لا تعبر حتى عن ذواتهم، لأن طريقة التفكير رغائبية وموجهة (سياسيا وأيديولوجيا)، ومتأثرة البروبوغاندا الإعلامية التي تضخ في رؤوسهم بقوة وكثافة.. حتى الطبقة المثقفة حين يتم استطلاع رأيها تفكر وتجيب تحت تأثير نفس العوامل، بل إنها تعطي نتائح مضللة وغير دقيقة أكثر من الطبقات الشعبية البسيطة وغير المثقفة!!  

استطلاعات الرأي جزء مهم من أي تجربة ديمقراطية، لكنها شأنها شأن الديمقراطية نفسها لا تنضج إلا بالممارسة ومراكمة التجربة والتقييم والاستفادة من الأخطاء..

هذا بشكل عام، وبالتأكيد هناك استثناءات.. لكن الاستطلاع الأخير مهزلة بكل المقاييس.. وأخطر ما فيه أنه أُريد منه التعبير عن الموقف الفلسطيني تجاه الانتخابات التشريعية المزمع عقدها في تشرين ثاني المقبل. المركز الذي نفذ الاستطلاع نشر بوست ملون يظهر خمس نتائج: 79% يرون السلطة عبء، 70% يطالبون عباس بالاستقالة، 40% لن يشاركوا في الانتخابات، 70% يرون أن الانتخابات لن تكون نزيهة، 44% يتوقعون تأجيل الانتخابات.

 المعارضون للسلطة وخصومها تداولوا البوست فرحين به، لأنه استهواهم وجاءت نتائجه داعمة لانتقاداتهم للسلطة.. وهذا حقهم دون تردد. وهنا لدي بعض الملاحظات:

معظم الاستطلاعات تستثني صوت الغزيين، إما عن قصد، أو بسبب صعوبة الأمر، وحتى لو أجريت في داخل القطاع، فإن النتائج لن تكون دقيقة ولا تعكس حقيقة الأوضاع، لأن الظروف المعيشية هناك غاية في الصعوبة، وكل شخص يعاني من أزمات نفسية وعاطفية وضغوطات من كل اتجاه، وفي حيرة من أمره، والمستقبل لديه غامض ومخيف، وفي ذهنه عشرات الأسئلة، وهذا سيؤثر على توجهاته، ومع ذلك يجب الاستماع لأصوات الغزيين وإتاحة الفرصة لهم للتعبير عن آرائهم.. والصعوبة الأهم في اختيار العينات المستطلعة من داخل القطاع، خاصة مع المخاطر الأمنية على جانبي الخط الأصفر.

الجهات التي تنفذ استطلاعات الرأي تمارس ثلاث أخطاء منهجية، الأول: اختيار أسئلة معينة واستبعاد أخرى لا تقل أهمية، الثاني: في تصميم الأسئلة بحيث تكون موجهة بهدف حصر الإجابات باتجاه معين، وكأنها تستخلص الإجابة التي تريدها، والشخص المستطَلع حتى لو تنبه للأمر ليس أمامه سوى خانات محددة مسبقا وعليه الاختيار. الثالث: عند عرض النتائج تركز على ما تريده وتتجاهل ما لا يتوافق مع توجهاتها. أو تعرض النتيجة بطريقة مضللة موجهة، مثلا في الاستطلاع الأخير 40% لن يشاركوا في الانتخابات، وهذا يوحي للقارئ بأن الناس ستقاطع الانتخابات، لأنها غير راضية ومحبطة.. مع أن النتيجة نفسها تقول 60%  سيشاركون في الانتخابات، وهذه نسبة جيدة جدا حتى في مقياس الدول الديمقراطية.

كما تم تجاهل مقياس شعبيه حماس في قطاع غزة، وانخفاضها بشكل كبير، للتمويه على حقيقه غضب الشارع الفلسطيني من توريطه في السابع من أكتوبر والنتائج الكارثية التي نتجت عنه.

الاستطلاع يقول 70% يطالبون عباس بالاستقالة.. المفترض أن الاستطلاع مخصص للانتخابات التشريعية، بالتالي يجب أن تتركز الأسئلة عليها، مثل هذا الخطأ لا نجده في استطلاعات الرأي في الدول المتقدمة، لكن هنا ولأن الاستطلاع موجه جرى إقحام عباس في الأسئلة لإعطاء إيحاءات معينة للجمهور؛ فعباس يمثل السلطة ومنظمة التحرير وحركة فتح، ولديه سياسات وتوجهات معينة، وبالتالي الاستفتاء ليس على شخص عباس، بل على كل ما يمثله، وهنا المغالطة.. مثلا أنا شخصيا لن أنتخب عباس حتى لو ترشح لرئاسة جمعية خيرية، لسبب واحد وبسيط؛ أنه أخذ فرصته كاملة، وآن له أن يستريح، وصار لزاما علينا أن نقدم الفرصة لغيره.. وربما هذا الموقف ينسحب على كثيرين غيري، فالموضوع ليس استفتاء على فتح أو على التوجهات السياسية بقدر ما يتعلق الأمر برئيس بلغ التسعين من عمره..

المقصود هنا أن خطورة الاستطلاعات ليس في أخطائها المنهجية وأنها قد تظهر أرقام ونتائج غير صحيحة، الخطورة هنا في الرسائل الضمنية المشفرة التي يوحي بها الاستطلاع، وطريقة عرضه، وبالتالي تأثيراته على سير الانتخابات المقبلة، وتوظيف النتائج الظاهرة إعلاميا ودعائيا من قِبل الأطراف المتنافسة.

مغالطة أخرى: 79% يرون السلطة عبء، و70% يعتقدون أن الانتخابات لن تكون نزيهة، وفي الوقت نفسه 60% سيشاركون في الانتخابات! هذا دليل على ارتباك المستطَلعين، أو على طريقة تصميم الأسئلة. وهنا لا يظهر للجمهور الفرق بين من يرى السلطة عبء، وبالتالي يجب إسقاطها (وهذا توجه سياسي لليمين الإسرائيلي بالمناسبة)، وبين من يرى وجود أخطاء وفساد وترهل وضعف ومحسوبيات... وبالتالي سيطالب بإصلاح الأخطاء ومكافحة الفساد.. والفرق هنا كبير جدا. لكن من لديه أهدافا سياسية مخفية ويمارس دعاية ديماغوجية سيتعمد إخفاء هذا الفرق.