أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

أغسطس 13، 2026

حول مشاركة حماس في الانتخابات

 

أصدرت حماس بيانا أكدت فيه أنها ستشارك في الانتخابات القادمة (نوفمبر) ودعت جمهورها لتجديد بياناتهم في السجل الانتخابي.. وهنا انقسم الشارع بين من يقول: هذا حقها، ومن واجب السلطة إتاحة المجال لها، وأن الديقراطية تقتضي مشاركة الجميع، والوحدة الوطنية تتطلب عدم إقصاء أي طرف.. مقابل من يقول إن حماس جلبت نكبة للشعب الفلسطيني، وتسببت مغامرتها في دمار غزة واحتلالها، ومن الواجب محاكمة قادتها، ومن أوجد الانقسام، وتسبب بكل هذا الخراب، لا مكافأتهم وإعادتهم للسلطة مرة ثانية ليجلبوا نكبة جديدة..

وهنا أود تسجيل الملاحظات التالية:

أولاً: من وجهة نظري الشخصية سأنحاز للرأي الثاني، وما زلت مقتنعا بأن حماس ليست حركة وطنية فلسطينية، بقدر ما هي امتداد تنظيمي لجماعة الإخوان المسلمين، تسيطر على بقعة جغرافية تمثل آخر تطبيق لأيديولوجية الإخوان، وهي منخرطة في لعبة المحاور الإقليمية بما يتعارض مع المصلحة الوطنية، متقلبة بين ولائها لإيران، أو لتركيا أو لقطر، بل إنها قدمت أوراق اعتمادها مرة لواشنطن (تصريحات خالد مشعل)، ومرة لحماية المستوطنات (تصريحات أبو مرزوق)، وأنها رفضت تسليم القطاع للسلطة الوطنية، وقبلت بتسليمه للوصاية الدولية ولمشروع ترامب.. فضلا عن خطابها المتعالي فوق جراح الغزيين، والمنفصل عن الواقع.. هذا موقفي الشخصي الذي عبرت عنه بالتفصيل والأدلة في كتابين: "بوتوريه لحماس 2017"، و"طوفان الأقصى 2026"، ولا ألزم برأيي أحداً، ولا أنزع الوطنية عن أحد.. من هو مقتنع بغير ذلك فليتفضل وينتخب حماس أو حلفائها.

ثانياً: في أول انتخابات رئاسية وتشريعية 1996 أصدرت حماس بيانا دعت فيه لمقاطعة الانتخابات، واعتبرتها من مخرجات أوسلو السيئة التي تكرس الاحتلال.. بعد عشر سنوات وبعد انسحاب إسرائيل من القطاع واستشعار حماس قوتها الجماهيرية دخلت الانتخابات، وما كان محرماً صار واجباً وطنياً! ثم حكمت قطاع غزة منذ 2007، وطوال هذه الفترة لم تجرِ أية انتخابات، ومنعت انتخابات البلديات والجامعات والنقابات، وظلت تماطل وتضع الشروط في موضوع السجل الانتخابي لتعطيل تنظيم الانتخابات التشريعية.. اليوم، وعلى ضوء النتائج الكارثية للحرب، هل تنبهت لأهمية الانتخابات؟ أم ستتخذ منها وسيلة للعودة إلى الميدان؟  

ثالثاً: وضعت السلطة شرطاً للترشح: الاعتراف بمنظمة التحرير والقبول بقرارات الشرعية الدولية.. معتقدة أنها بذلك ستتجنب معضلة صعود قوى سياسية غير مقبولة دوليا، لتفادي إعادة الحصار وتكرار ما حصل في انتخابات 2006.. وطالما أن حماس ستشارك في الانتخابات فهذا يعني قبولها هذه الشروط، وبالتالي هل نحن أمام حماس التي عرفناها ببرنامجها وشعاراتها وسياساتها؟ أم أمام حماس جديدة بنسخة مطورة متكيفة مع قواعد اللعبة الدولية، ومتخلية عن معظم أيديولوجيتها السابقة؟ سنحصل على إجابات واضحة عندما تعلن عن قائمتها وبرنامجها.

رابعاً: دستوريا لا يحق للسلطة منع أي جهة من الترشح للانتخابات طالما استوفت الشروط القانونية، وبالتالي إذا تكيفت حماس مع هذه الشروط من حقها المشاركة في الانتخابات والانخراط في الحياة السياسية.. وطالما ارتضينا الديمقراطية.. وهنا تثور عدة أسئلة: هل شعبنا جاهز للديمقراطية، ومتفهم لها؟ الديمقراطية ليس باختزالها في صندوق الانتخابات، بل بوصفها برنامجا متكاملا يشمل المعارضة والتعددية والاختلاف وتقبل الآخر.. هل اتعظنا من تجربة 2006؟ هل منا من يرغب بنسخ تجربة غزة، وتدمير الضفة؟ هل ما زالت شعارات "الإسلام هو الحل"، و"التغيير والإصلاح" التي وعدت بها حماس في 2006 هل ما زالت صالحة للاستهلاك؟ هل تقنع أحدا بعد كل ما جري ويجري؟ هل من الضروري تجربة ما هو مجرب؟

خامساً: عماد برنامج حماس ومبرر وجودها وأهم شعاراتها التي بناء عليها حظيت بهذه الجماهيرية: "المقاومة"، أي مقارعة الاحتلال بالمواجهات العسكرية والكفاح المسلح (صواريخ، أنفاق، قاذفات، كتائب وألوية عسكرية..).. على ضوء السنوات الثلاث الأخيرة هل يمكن الاستمرار بهذا النهج؟ الإجابة القاطعة لا.. ليس رفضا للعنف المسلح، بل لأن خيار المواجهة المسلحة وصل خاتمته بطريق مسدود بحيث صار متعذرا (لأسباب سياسية وجغرافية ولوجستية عديدة)، ولأن هذا الخيار ثبت فشله في حرب الإبادة، وتأكيدا على ذلك منذ سنة كاملة الاحتلال متواجد مباشرة في القطاع، وقد قتل نحو 1200 فلسطيني منهم قادة بارزون في القسام، ومع ذلك لم تطلق حماس طلقة واحدة، لم تنفذ أي عملية، بل إنها وافقت على تسليم سلاحها.. ليس هذا وحسب فقد كانت النتيجة الأخطر من حرب الإبادة أن خيار المقاومة بحد ذاته (خاصة في غزة) صار مستبعدا ومتعذرا أكثر من أي وقت سابق، صار عبئا لا يمكن تحمله.. السؤال هنا: طالما أن حماس لم تعد قادرة على ممارسة المقاومة، وستسلم سلاحها، ماذا سيكون عماد أيديولوجيتها القادمة؟ وكيف ستواصل المقاومة المسلحة؟ أم ستعتمد المقاومة السلمية (التي طالما سخرت منها)؟ أم ستجرب حظها في أكتوبر جديد ومغامرة جديدة؟

سأنهي باقتباس من بعض ما كتبه د. تيسر عبد الله المقيم في غزة: "البعض يقول على الرغم من كل الذي جرى في غزة، إسرائيل تعاني من عزلة. والمقاومة انتصرت..

أنا ليس لدي مشكلة إن كنت ترى الاحتلال يعاني من عزلة وأن المقاومة انتصرت.. ولكن لدي ألف اعتراض، وسأصنفك مباشرة ضمن أعدائي حين تقول: "على الرغم من كل الذي حدث في غزة.."، وكأنّ ملف غزة انتهى.. في هذا الطرح اختزال فاضح وإهانة شديدة لدماء الغزيين...

الذي جرى في غزة لم يكن طبخة فاصوليا انحرقت وتخلصنا منها.. ما جرى في غزة لم ينته بعد. ولا يزال جرحا مفتوحا، ينزف دما إلى الآن دون توقف..

ما جرى في غزة يحتاج محاسبات ومراجعات..

ما جرى في غزة أمهات ما زلن يبحثن عن أبنائهن.. أطفال بُترت أطرافهم يبحثون عن أمل أو علاج، شبان ضائعون في الشوارع، يتامى، ثكالى، أرامل، جوعى، مرضى، مفقودون تحت الردم، معتقلون يموتون جوعا وذلاً، بقايا جثث مجهولة الهوية. مئات الآلاف يشوون في لهيب الخيام، حياة مشلولة، مدن كاملة مسحت عن وجه الأرض، آلاف القصص التي لم تروَ بعد.

ما جرى في غزة ليست صفحة وطويت. ما جرى هو نقطة البداية التي لا يمكن تجاوزها في أي تحليل، أو برنامج انتخابي.

من يرى أن ما جرى ويجري في غزة يمكن اختصاره بكلمتين في بودكاست أو دعاية انتخابية فهو مجرم متطفل على دمائنا، لم يشعر يوماً بنا. ولم يكن يوماً منا".

أغسطس 09، 2026

الإعـلام الإرهـابي

 

بين الإعلام والإرهاب علاقة تبادلية المنفعة والحاجة؛ فأي جماعة تمارس الإرهاب لا بد وأن تعتمد على الإعلام، خاصة إذا أرادت توصيل رسالتها بأسرع وأكفأ طريقة، وحتى  تعمم الخوف وتنشر الذعر، لتثبيت سيطرتها في أماكن تواجدها، وردع خصومها وأعدائها.. أما وسائل الإعلام فتسعى للاستفادة من أجواء القلق والاضطراب التي تنشأ عن الهجمات الإرهابية. وفي لعبة تبادل المصالح يحصل الإرهابيون على دعاية مجانية، والإعلام يستفيد مالياً..

التداخل بين ما هو سياسي وما هو إعلامي ليس بالأمر الجديد، لكنه في قطر أشد وضوحا، وقد بات سمة الجزيرة والظروف التي أنجبتها ومصادر تمويلها ودورها الوظيفي. حيث منح التوظيف الذكي والمدروس للإعلام دولة قطر قوة فعالة مكّنها من لعب أدوار أكبر بكثير من حجمها الطبيعي، وحققت عبر قناتها أهدافا إستراتيجية لم تكن لتقدر على تحقيقها بالسياسة.

ومع تولى وضاح خنفر إدارة الجزيرة توضح وجهها الإخواني أكثر، فكرياً وثقافياً وتحريرياً، حتى أن أغلب كوادرها ينتمون إلى جماعة الإخوان.

ومن الأمور المثيرة للانتباه علاقة الجزيرة المريبة مع تنظيم القاعدة، وقدرة مراسليها على الوصول إلى أماكن التنظيم والتحدث مع قياداته، الأمر الذي استعصى على بقية القنوات الإعلامية، وبثها تسجيلات للظواهري وبن لادن، الأمر الذي جعل البعض يتهمونها أنها تقدم دعما خفيا للإرهاب.

حاولت الجزيرة إظهار بن لادن بطلا، ودأبت على ترويج مقتطفات من خطاباته وهو يردد "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب"، وظلت تضخم أخبار "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب"، وتغطي عملياتهم التفجيرية في السعودية، وتصف بن لادن بالمجاهد العالمي، وقد استضاف ياسر أبو هلاله منظر القاعدة أبو محمد المقدسي ملهم تفجيرات الرياض لمنحه الفرصة لتبرير ما حدث، وقدمه على أنه صاحب فكر معتدل! واستمرت كذلك حتى انتقال القوات الأمريكية من السعودية إلى قاعدة العيديد في قطر، بعد ذلك لم نعد نسمع أخبار "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب"، ولا المطالبة بخروج القوات الأمريكية، بل إن الجزيرة أنتجت فيلم اسمه اللعب بالنار، قالت فيه أن بن لادن والقاعدة صناعة أمريكية سعودية مشتركة.

وظلت الجزيرة تلمع القيادات الإخوانية أو المرتبطة بالجماعات الجهادية كما حدث في وصفها للزرقاوي كبطلٍ للمقاومة، وحامي للسُنّة، وفي تغطيتها لمقتله (2006) خصصت موجة مفتوحة تصاحبها موسيقى حزينة، كما لو أن الأمة فقدت حينها قائدا عظيما!

وحينما استولت حماس على قطاع غزة (2007)، تحولت الجزيرة إلى بوق لسلطة حماس تغطى وتعظّم كل ما تقوم به. وفي (2013) عرضت فيديو ليوسف القرضاوى، يحرض فيه على قتل المصريين بعد خروجهم على محمد مرسى لعزله.

من اللافت لأي مراقب أن الجزيرة تتجنب استخدام مصطلح إرهابي، في تغطيتها للعمليات التفجيرية الموجهة ضد مدنيين، وتستخدم وصف عناصر مسلحة، أو معارضة، أو ثوار.. كما حدث مثلا في هجوم داعش على معسكر للجيش المصري في سيناء، وعندما تقدم شخصيات متهمة بالإرهاب فإنها تعرف عليهم بأوصاف مثل ناشط، قيادي..

ولمراسلي الجزيرة أدوارا أخرى تتجاوز كونهم صحافيين، فهم ينشطون في مناطق الصراع ويتحركون بحرية في معاقل طالبان وداعش والقاعدة والنصرة، واللافت أن تلك الجماعات لا تعتبرهم أشخاصا خطرين عليها، بل على العكس، تختارهم لبث بياناتها وتسريب المشاهد الحصرية معهم.

وقد واجه بعض مراسلي الجزيرة تهم دعم الإرهاب، منهم تيسير علوني، وسامي الحاج، ومحمود حسين، وأحمد زيداني.

وأكد مدير الجزيرة الإنجليزية السابق محمد فهمي، أنَّ مسئول الإعلام لحركة طالبان كان المسئول الفعلي عن مكتب الجزيرة في كابول.  

مراسل الجزيرة الأشهر أحمد منصور لا يخفِ علاقته بالإخوان، فقد بدأ مشواره الصحفي في مجلة المجتمع، الناطقة باسم الإخوان في الكويت، وعمل مراسلا للمجلة في أفغانستان أثناء الحرب الأهلية، ومراسلا لمجلة الجهاد، المتحدثة باسم "مكتب خدمات المجاهدين" الذي أسسه في الثمانينات كل من عبد الله عزام وبن لادن. وفي كتبه يصف المسلحين الأفغان بالمجاهدين، ويبدي إعجابه بهم.

حين التقى أحمد منصور مع الجولاني (أحمد الشرع) في أيار 2015، وصفه بالقيادي، وامتدح انتصارات جبهة النصرة، واستنكر تصنيفها على أنها إرهابية، ولم ينسَ شكر الجولاني لأنه رفض مقابلة عشرات الصحافيين، وقبِل فقط بمقابلته. لم يحاول منصور تفنيد أخطاء الجبهة، أو طرح الأسئلة التي يتناقلها الناس. بل ظهر موافقاً على كل ما يقوله الجولاني، ولم يعترض على النزعة الطائفية في كلامه، فبينما كان الجولاني يتحدّث عن "ضرورة اعتراف الدروز بأخطائهم العقائدية، وإشراكهم بالله، وأن عليهم التوبة وإصلاح عقيدتهم"، كان منصور يتحدّث عن حماية جبهة النصرة للدروز والمسيحيين، قائلاً: "تفاجأت وأنا أمشي في بعض المناطق المحررة عن وجود قرى درزية ومسيحية أنتم من يحميها".

كان همّ منصور ردّ التهم الموجهة ضد الجبهة، حتى قبل أن يتكلم الجولاني، قائلا: "أنتم في جبهة النصرة لم تفرضوا شيئاً على النصارى، ولم تأخذوا النساء سبايا كما يروّج الإعلام الغربي"، متجاهلاً ما قاله الجولاني عن إجبار النصارى المقتدرين على دفع الجزية عند إقامة حكم إسلامي في المنطقة.

لم تكن أسئلة منصور كما اعتاد طرحها على ضيوفه، فجاءت سلسة ناعمة، بل إنه كان يملي على الجولاني ما يقول، مثلا يسأل منصور: أنتم في جبهة النصرة لم تعتدوا على الكنائس ولا على القرى النصرانية؟ فيجيبه نعم، ويسترسل دون مقاطعة، ثم يسأله: أنتم لم تعتدوا على القرى الشيعية؟ فيجيبه نعم، وهكذا، وبشكل واضح كان يعطيه مساحة كافية لتبييض صفحته وتلميع صورته والترويج لأفكاره.

وعندما كان يتباكى على ضحايا القصف الأمريكي في الفالوجة تناسى أن الطائرات القاصفة إنما كانت تقلع بالقرب من مكتبه في الدوحة وبتسهيلات من رب عمله!!

يمكن تفهم حاجة الصحافي في الاهتمام بالعمليات الإرهابية، باعتبارها سبقاً صحفياً، ومادة تستحق الاهتمام، وأنّ مقابلة القيادات لمنحهم الحق في التعبير عن آرائهم، وحق الجمهور في معرفة أفكارهم، المشكلة في عدم خلق توازن بين هذه العناصر. ومشكلة الجزيرة انحيازها المكشوف للإخوان، وفي غياب الموضوعية، وفي نوعية الرسالة السياسية التي تريد إيصالها للناس، وفي الترويج لأفكار التطرف، وعمل دعاية للجماعات الإرهابية.

أغسطس 08، 2026

الدور العربي في الثورة الفلسطينية، بين الإسناد والصدام


لم تكن الثورة الفلسطينية شأنًا فلسطينيًا محضًا؛ بل كانت واحدة من أكثر تجارب التحرر الوطني التي تجاوزت حدود الجغرافيا، ونظرًا إلى البعد القومي للقضية الفلسطينية، ومكانتها العميقة في الوجدان والعقل العربي فقد تشكلت الثورة في فضاء عربي واسع، احتضنها سياسياً وشعبياً وثقافياً، وشارك فيها آلاف العرب، بعضهم بالدعم والإسناد، وبعضهم بالانخراط المباشر في صفوفها مقاتلين وكوادر ومثقفين وفنانين وإعلاميين.

ولهذا فإن تاريخ الثورة لا يخص الشعب الفلسطيني وحده، بل هو جزء من تاريخ عربي مشترك؛ تاريخ شارك في صنعه مقاتلون عرب ضحوا بحياتهم، ومثقفون حملوا الفكرة، وأدباء منحوا الثورة لغتها، وفنانون قدموا أغنيتها وصورتها، وجماهير عربية رأت في فلسطين قضيتها ومرآة أحلامها في التحرر والكرامة والاستقلال.

حفظت الكتب والمراجع أسماء القيادات المشهورة، وبقيت أسماء آلاف المتطوعين العرب مجهولة، أو محفوظة في ذاكرة التنظيمات التي انتموا إليها، تنتظر من يجمعها ويوثقها.

لم يكن دور الأشقاء العرب مقتصراً على التعاطف أو الإسناد السياسي والدعم المالي، بل تجاوز ذلك إلى توفير بيئة كاملة لنمو الثورة الفلسطينية وتطورها. ففي الخمسينيات والستينيات، وفرت الكويت وسائر دول الخليج بيئة آمنة احتضنت الجاليات الفلسطينية، وأتاحت لها التحرك السياسي والتنظيمي وعقد الاجتماعات وبناء العلاقات التي أسهمت في تهيئة الظروف التي سبقت الانطلاقة.

في بيروت، صدرت نشرة "فلسطيننا"، وهي من المنابر المبكرة التي نشرت فكر الثورة ومضامينها وأهدافها، وحثت الشبان على الالتحاق بها. وفي سورية، وجد الفدائيون مساحة واسعة للعمل والتنظيم. وكان معسكر الهامة من أبرز مواقع التدريب التي ارتبطت بتاريخ الثورة، كما فتحت المدن السورية أبوابها أمام الفصائل الفلسطينية لإقامة المكاتب والمقرات، وتحولت سورية، في مرحلة معينة، إلى إحدى أهم ساحات احتضان العمل الفلسطيني.

أما الأردن، فله خصوصية استثنائية بحكم الجغرافيا والديموغرافيا والتداخل العميق بين الشعبين الفلسطيني والأردني. كانت الأغوار قاعدة مهمة للعمل الفدائي، واحتضن أهلها المقاتلين، وعندما اندلعت معركة الكرامة أسند الجيش الأردني الفدائيين بسلاح المدفعية والدبابات، بقيادة الفريق مشهور حديثة.

أما لبنان، فكان من أكثر البلدان التصاقاً بالثورة الفلسطينية. مثّل الجنوب الحاضنة الشعبية للمقاومة ودفع أهله الثمن من أمنهم واقتصادهم ودماء أبنائهم. هناك، نشأت مناطق ارتبط اسمها بالوجود الفدائي، مثل "فتح لاند، و"الفاكهاني"، وكانت بيروت مركزاً سياسياً وإعلامياً وثقافيًا للثورة، ومكانًا احتضن فصائل المقاومة والصحافة والثقافة والفكر والفن. وفي سنوات الحرب الأهلية وقفت القوى الوطنية اللبنانية إلى جانب القوات الفلسطينية في مواجهة القوى الانعزالية والاجتياحات الإسرائيلية. تكفي الإشارة إلى قيادات وطنية مثل كمال جنبلاط، ومحسن إبراهيم، ومعروف سعد، وغيرهم من الشخصيات والقوى التي رأت في القضية الفلسطينية جزءاً من معركة التحرر العربي، كما كان حضور شخصيات دينية وفكرية لبنانية، مثل هاني فحص، تعبيراً عن اتساع التأييد الشعبي والفكري للمقاومة الفلسطينية.

وعندما خرجت الثورة الفلسطينية من بيروت عام 1982، لم ينتهِ حضورها العربي، ولم تجد نفسها بلا مكان. انتقلت قيادة منظمة التحرير إلى تونس، التي تحولت إلى وطن ثانٍ وملاذاً للقيادة الفلسطينية ومؤسسات المنظمة في مرحلة شديدة التعقيد. فيما واصلت دول عربية أخرى تقديم الدعم السياسي والدبلوماسي والمالي، واستضافت مصر والجزائر دورات للمجلس الوطني الفلسطيني.

منذ بدايات الثورة، التحق بها أشقاء عرب من لبنان وسورية والأردن والعراق واليمن والكويت ومصر وغيرها. بعضهم حمل السلاح، وبعضهم شارك في العمليات الفدائية، وبعضهم عمل في التنظيم والإعلام والخدمات اللوجستية، ومنهم من استشهد أو وقع في الأسر. من الكويت التحق الشيخ فهد الأحمد الصباح بصفوف حركة فتح وشارك في العمل الفدائي، ومن الأردن نايف حواتمة، أحد أبرز قادة اليسار الفلسطيني وأمين عام الجبهة الديمقراطية، إلى جانب مئات من أبناء الكرك والطفيلة والسلط وإربد ومعان الذين التحقوا بمختلف فصائل منظمة التحرير.

من مصر الدكتور رؤوف نظمي ميخائيل (محجوب عمر)، وسمير غطاس (محمد حمزة)، ومن العراق قيس السامرائي، أبرز القيادات العربية في صفوف اليسار الفلسطيني والجبهة الديمقراطية، الذي ارتبط اسمه بالبرنامج المرحلي.

لم تكن البندقية وحدها سلاح الثورة، فقد دخلت فلسطين إلى الأغنية العربية، وحضرت الثورة في الشعر والموسيقى والمسرح والملصق واللوحة. وأسهم فنانون عرب في تحويل الثورة من حدث سياسي وعسكري إلى حالة وجدانية وثقافية عابرة للحدود.

أجمل الأغاني الوطنية والثورية التي ألهمت الثوار والمقاتلين وحرضت الجماهير قدمها فنانون عرب؛ من لبنان مارسيل خليفة وأحمد قعبور وجوليا بطرس، من مصر الشيخ إمام، ومن سورية سميح شقير..

على الجبهة الثقافية والفكرية والأدبية والإعلامية كان الحضور العربي مميزاً ووازناً؛ فقد تحولت الثورة الفلسطينية إلى قضية كبرى في الأدب العربي الحديث، ووجد فيها كتاب وشعراء ومفكرون مجالًا للتعبير عن أسئلتهم حول الحرية والمنفى والاحتلال والمقاومة والهزيمة والنصر. من الأردن برز مثقفون وكتّاب وشعراء منهم غالب هلسه، ونزيه أبو نضال، وأمجد الناصر، وميشيل النمري، وتيسير سبول، ومؤنس الرزاز.. من لبنان المفكر أنيس النقاش والشعراء خليل حاوي وشوقي بزيغ، من سورية كتب نزار قباني أجمل قصائده في مديح فتح، وفي وصف حصار بيروت والخروج منها، كما  قدم مخرجون سوريون أعمالا درامية مهمة عن الكفاح الفلسطيني حولت القضية من حدث سياسي إلى دراما إنسانية وفنية؛ المخرج هيثم حقي قدم مسلسل "عز الدين القسام"، وحاتم علي أخرج "التغريبة الفلسطينية"، وكان الفنان التشكيلي السوري نذير نبعة هو من صمّم شعار "العاصفة". كما برز ممدوح عدوان وسعد الله ونوس ممن كتبوا للمقاومة الفلسطينية وأسهموا في إعلامها الثقافي.

في المدارس والجامعات، وفي النقابات والأحزاب، وفي الصحافة والسينما والمسرح والأغنية، وفي المظاهرات والمهرجانات والكتب والمقالات، ظلت فلسطين حاضرة، وجزءاً من الحياة اليومية للمواطن العربي.

عند الحديث عن الدور العربي في الثورة، تبدو العلاقة معقدة ومتداخلة، حكمتها ظروف سياسية وعسكرية وإقليمية متغيرة، ولا يمكن اختزال الدور العربي في مواقف الحكومات وحدها؛ فعلاقة الثورة الفلسطينية بالأنظمة العربية مرت بمراحل من الدعم والاحتضان، لكنها عرفت أيضًا الخلاف والصدام والضغط والملاحقة، ووقعت صدامات دامية في بعض المراحل. وتلك كانت من أبرز عوامل ضعف الثورة وتراجعها وحالت دون انتصارها، وهذه التناقضات تجعل هذا التاريخ أكثر تعقيدًا  ولا يمكن حصره في رواية أحادية بخط مستقيم. 

أغسطس 02، 2026

الأشياء كما تبدو في الظاهر

 

أحد الأصدقاء سألني لمَ لم تكتب في الشأن السوري، عن الشرع، والسلفية والمذابح بحق الأقليات وعودة القمع السلطوي.. الأمور صارت واضحة، وما بختلفوا عليها اثنين.. أجبته: رغم أهمية الموضوع، ومحبتي العميقة للسوريين، وموقفي المعارض للسلفية.. لم أكتب، لأن الأمور الظاهرة ليست كما هي في الحقيقة، وأفضّل التروي قليلاً..

لم تعجبه إجابتي، فانتقل إلى طلبه الثاني: لازم تكتب عن اعتداءات المستوطنين، وعربدتهم، وكيف السلطة عندها 70 ألف مقاتل مسلح واقفة تتفرج ولا تدافع عن شعبها! كمان الأمور الأمور هون واضحة والصورة ما بدها شرح..

ولأن الشرح يطول، قصصتُ عليه قصة حدثت مع صديقي الدكتور عامر بدران، وتصلح مثالا للتوضيح:

أثناء زيارته لمنزل أقاربه في "طبربور" طلبت منه خالته توصيلها إلى منزل شقيقتها الجديد في "القويسمة"، ولأنه لا يعرف العنوان استعان بتقنية GPS. أثناء الطريق كان المجيب الآلي بصوت أنثوي ناعم يقول بين فينة وأخرى: بعد 50 متر توجه نحو اليمين، خذ المسرب الأيسر، بعد الإشارة الضوئية أدخل أول طريق فرعي، أمامك مطب.. كانت خالته صامته وتراقب، فسألته باستنكار: مين هاي اللي بدلك عالطريق؟ فأجابها: هاي موظفة مهمتها إرشاد السائق إلى العنوان المطلوب.. فسألت باستنكار مضاعف: ومين هاي الموظفة؟ ومن وين بتعرفها؟ فأجاب ما بعرفها، هي على الأغلب مقيمة في الهند.. فقالت: شكلك بتتخوث عليّ، فأقسم أغلظ الأيمان أنه جاد.. فسألت بتعجب واستنكار: يعني موظفة في الهند بتعرف وين بيت خالتك، وانت ما بتعرف!! يا عيب الشوم..

المهم، في الظاهر: إمرأة مجهولة ساعدت الدكتور عامر على توصيل خالته الأولى من طبربور إلى بيت خالته الثانية في القويسمة، وفي الآخر وصلوا بسلام.. بالنسبة للخالة: الدكتور عامر ما بعرف يوصل بيت خالته، والموظفة بتعرف أكثر منه، وهذا عيب، وهذه الموظفة ممكن تكون صاحبته وهو مخبي الموضوع..

بالنسبة للدكتور: من الصعب عليه الشرح، والقول أن تلك الموظفة مقيمة في مكان ما على هذا الكوكب، ربما تكون مجرد صوت بتقنية الذكاء الاصطناعي، والفكرة برمتها مجرد تقنية تكنولوجية حديثة، تقوم على نظام الملاحة بالاعتماد على الأقمار الصناعية لتحديد المواقع الجغرافية بدقة.. فقرر مسايرة خالته على أمل أنه تتعود على هذه التقنية مع الوقت، وفي الحقيقة حتى الدكتور عامر (وأنا، وأغلب القراء) لا نعرف بدقة التفاصيل الفنية والهندسية لهذه التقنية، نعرف ما يكفينا للاستفادة من هذه الخدمة المهمة.

من الصعب على شخص غير متعلم، وغير مواكب لتقنيات العصر فهم موضوع ال GPS، سيكون بحاجة لمعرفة تقنيات الذكاء الاصطناعي، وقبل ذلك معرفة ما هو الإنترنت، وما هي الأقمار الصناعية، وفهم نظام الطرق، وأنظمة السير.. إلخ، وعليه قبل ذلك فهم كيف بدأ هذا المسار وكيف تطور بدءأ من اكتشاف الكهرباء والموجات الكهرومغناطيسية قبل 150 سنة، مرورا باختراع التلغراف والهاتف وصولا إلى اختراع الكمبيوتر والهواتف الذكية وعشرات التفاصيل المهمة..

إذن، سواء في موضوع ال GPS أو غيره، للوصول إلى حكم صائب، وتشخيص دقيق، وتقديم إجابة صحيحة وأمينة يتوجب البحث والتعمق في الموضوع ومعرفة أدق التفاصيل التي رافقت مسيرة تطور متراكمة امتدت على مدى عشرات السنين.. عدا ذلك، ستكون أية إجابة أو تعقيب مجرد فتي متسرع وهراء، وانعكاس لما يبدو في الصورة الظاهرة، أي ما بدا في المشهد الأخير، بعد عزله عن سياقاته التاريخية..  

ولكن، من قال إننا نسعى لمعرفة حقيقة الأمور، وأننا نتوسل الوصول للحقيقة المجردة، أو نحاول الفهم؟ هذا لا يحصل عادة، في 99% من الحالات نكتفي بالمشهد الأخير، أو بسماع جملة معينة، أو نتأثر بنبرة الصوت، ومظهر المتحدث، وقربه منا، وبحسب طبيعة علاقتنا به.. ثم نطلق أحكامنا بخفة، تماما على طريقة سؤال الخالة الاستنكاري: "موظفة في الهند بتعرف وين بيت خالتك، وانت ما بتعرف!! يا عيب الشوم..".

هذا ما تدركه جيداً وسائل الإعلام الموجهة، وتشتغل عليه.. تعرف أن المستمع لا يهمه الحقيقة، حتى لو أوهم نفسه بذلك.. تعرف أن الأغلبية لا تبحث ولا تدقق ولا تتعب نفسها بالتفكير وإجراء المقاربات.. وتعرف مدى سهولة إيقاع المستمع في فخ المغالطات المنطقية. تعرف أن المشاهد سيتأثر بما يُعرض عليه من صور، وتحديدا ما تضعها له داخل الإطار المقصود، بمعزل عن السياقات الأخرى.. تعرف أن الخطاب الشعبوي بجمع زباين أكثر، ولايكات أكثر، ومشاهدين أكثر.. تراهن وسائل الإعلام الموجهة على قِصر ذاكرة الجمهور، وتأثره باللحظة الراهنة، وأنها تستطيع توجيهه بحسب أجنداتها وسياساتها..

الأسهل على كل شخص (مستمع، أو مشاهد، أو قارئ) التوصل للنتيجة بسرعة دون المرور بخطوات التفكير العلمي، لأن التفكير يتطلب مجهودا مضنيا ويستنزف طاقة كبيرة، لذا يقوم دماغه بربط المعلومة الجديدة (الخبر، التعليق، الصورة..) بما هو مخزن في ذاكرته (الأحكام المسبقة) فإذا تطابقت سره ذلك وأراحه وبالتالي صدّقها وانحاز لها بتلقائية.. وإذا تعارضت رفضها على الفور.. وهذا ما يسمى الانحياز المعرفي.

من السهل على كل شخص اتهام الآخرين وإطلاق الأحكام بحقهم ، وتحميلهم المسؤولية، وتصنيفهم.. هذا لا يتطلب تفكيرا، وأريح للدماغ، وللضمير، إذ أنه يعفي صاحبه من تحمل أي مسؤولية، ومن تبعاتها، ويوهمه بأنه تطهري، وثورجي، وأنجز ما عليه..

ومن الصعب علينا تشغيل أدمغتنا على نحو أمين وصائب، والتخلص من التفكير العاطفي والرغائبي، وتجنب الوقوع في شراك المغالطات المنطقية.. لذا المشكلة ليست في مدى صحة الخبر أو دقة المعلومة.. المشكلة في طرق تفكيرنا، وكيفية التعاطي مع الخبر.

صحيح أن الإعلام وثورة المعلوماتية ساعدت كثيرا في نشر الوعي، وتعميم المعرفة وو إلخ، ولكن في الوقت نفسه قامت الكثير من وسائل الإعلام الموجهة بأقذر عملية تضليل وغسيل دماغ للجمهور العربي بالذات منذ زمن الحمام الزاجل، وحتى عصر الخوارزميات الرقمية..  

يوليو 29، 2026

ما هو المشروع الوطني الفلسطيني؟

 لو سألت عددا من المواطنين عن ماهية المشروع الوطني الفلسطيني، وما هي الجهة التي تجسده؟ ستحصل على إجابات متعددة ومتباينة، بكلمات عمومية ذات طابع شعاراتي، تدل على فهم ضبابي.. وللأسف لا يوجد كتيب معتمد يشرح بالتفصيل ماهية المشروع الوطني، فضلا عن تباين فهمه عند السياسيين والمثقفين، ولدى الفصائل الوطنية..  

بدايةً؛ من حق كل شعب (وواجبه) أن يمتلك مشروعا وطنيا يحدد من خلاله مرجعياته وأهدافه وطموحاته وآليات تحقيقها، وثوابته الوطنية، وكيفية مواجهه التحديات الخارجية. وأن يتفق على القواسم المشتركة التي تتجاوز النزعات والهويات ما قبل الوطنية. من هنا، لا بد أن يكون للفلسطينيين مشروعا وطنيا، كشرط أساسي لتحقيق أهدافهم الوطنية، وبدونه ستكون كل نضالاتهم وتضحياتهم حرثاً في البحر..

في تجارب الشعوب التي لا تخضع لاحتلال المشروع الوطني تجسده الدولة المستقلة، ويتم التعبير عنه من خلال الهوية الوطنية والدستور، ومؤسسات الدولة ورموزها المعنوية، ومن خلال برامج الأحزاب والقوى الوطنية (الحاكمة والمعارضة).. ولكن عندما تغيب الدولة – كما هو حال فلسطين - ويصبح الوطن كهوية وثقافة مهدد وجوديا؛ يصبح المشروع الوطني ضرورة وجودية، وينتفي مبرر وجود إيديولوجيات عابرة للوطنية، وفي حالة وجود أحزاب وحركات في إطار حركة التحرر فعليها توطين أيديولوجياتها وإستراتيجياتها ضمن ثوابت المشروع الوطني.

وعند صياغة المشروع الوطني يجدر التمييز بين ما هو وطني، وما هو سياسي؛ بالرغم من تداخل المفهومين؛ الوطني أكثر عمقا وأبعد مدى، بينما السياسيى محكوم بمعطيات اللحظة التاريخية والمعطيات الراهنة والقدرة على المناورات السياسية..

في البعد الوطني، يقوم المشروع الوطني الفلسطيني على ثلاث مرتكزات، هي: وحدة الشعب الفلسطيني، الانتماء لفلسطين أولاً، وضرورة إبراز الهوية الوطنية الفلسطينية كنقيض مركزي للمشروع الصهيوني.. وهذه المرتكزات الثلاثة (الوطن، الشعب، الهوية) تمثل المنظومة الوطنية الجامعة لكل أبناء الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، وتقوم على ثلاثة مرتكزات: وحدانية تمثيل منظمة التحرير لكل الشعب الفلسطيني كإطار وطني جامع. الثاني: ضرورة النظر إلى المصالح والتصورات السياسية المتباينة للمجموعات الفلسطينية في أماكن تواجدها على أساس التكامل لا التناقض. والثالث تخليص القضية الفلسطينية من التجاذبات الإقليمية، ومن لعبة المحاور، ورفض أية أجندات أجنبية، حتى لو كانت بحجة دعم فلسطين.

وجوهر المشروع الوطني الفلسطيني هو الكفاح من أجل حق تقرير المصير، والتحرر من الاحتلال، وتحقيق الاستقلال الوطني، وإقامة الدولة الفلسطينية، وضمان حق العودة أو حل قضية اللاجئين، وبناء المجتمع الفلسطيني المدني التقدمي، وفقا لما نصت عليه وثيقة الاستقلال، واستنادا للثوابت الوطنية التي حظيت بالإجماع الوطني.

هذا المشروع يتضمن دعم صمود وكفاح الفلسطينيين داخل الخط الأخضر أمام السياسات العنصرية الإسرائيلية. وتعزيز ثبات الفلسطينيين في الضفة الغربية (بما فيها القدس) والقطاع، وعدم السماح بتكرار النكبة ومأساة التهجير، وتعزيز كفاح فلسطينيي الشتات وحقهم في العودة، ومشاركتهم السياسية وانحراطهم في النضال السياسي على قاعدة شعب واحد، وممثل شرعي وحيد، أي منظمة التحرير.

تقوم فلسفة هذا المشروع على اعتبار المرحلة التي يمر بها الفلسطينيون منذ تفجر الصراع هي مرحلة تحرر وطني، وذلك بسبب الخصوصية الوطنية للقضية الفلسطينية، وعلى ضوء فهم الدور الوظيفي للكيان الإسرائيلي، وبسبب طبيعة الصراع وركائزه الحقيقية، بالتالي أدوات الكفاح يجب أن تكون وطنية، من خلال حركة تحرر بمحتوى وأسلوب وطني، تلتقي من خلالها كافة القوى والشرائح الفلسطينية على برنامج واحد وهدف مركزي، هو التحرير والعودة؛ لذا، لا يجوز وجود أكثر من مشروع وطني، حتى لا تتصارع هذه المشاريع مع بعضها.

يعتمد المشروع الوطني على المقاومة لتحقيق أهدافه، والمقاومة هنا أسلوب وأداة وليست هدفا بحد ذاته، ولا تقتصر على المواجهة العسكرية والكفاح المسلح، بل المقاومة الشاملة بكافة أساليبها وأنماطها، شريطة أن تتناسب مع قدرات الشعب ومع معطيات اللحظة الراهنة وموازين القوى.

والمشروع الوطني في جوهره يعني بقاء الفلسطيني في حالة مقاومة دائمة وصدام وتشابك يومي مع الاحتلال، لكنه يمتد لما هو أبعد من ذلك، يجب أن يتضمن برنامجا وطنيا شاملا (سياسي اقتصادي اجتماعي ثقافي)، يتوافق مع طبيعة الكيان الفلسطيني الذي نناضل من أجل تحقيقه، بحيث يكون برؤية تقدمية تحررية، على أسس ديمقراطية، يسمح بتداول السلطة سلميا، ويسعى لبناء دولة مدنية مؤسّساتية تلتزم بالقانون والدستور، وتعامل جميع مواطنيها بعدالة دون تمييز (دولة المواطَنة)، وليس فيها أي شكل من أشكال الحكم الثيوقراطي أو الاستبدادي أو الوراثي، وتضمن هذه الدولة حقوق الأقليات، وحرية العبادة، وحرية الفرد وحقوقه المدنية والشخصية، وتحترم المرأة، وتلتزم بالشرعية الدولية، وتقيم علاقاتها مع العالم على أساس حُسن الجوار ووفق المواثيق والمعاهدات الدولية.

ولا بد أن يُبنى المشروع الوطني على أسس إنسانية، بحيث يكون الإنسان ركنه الأساسي وجوهره وغايته وهدفه الأسمى، ورفض استرخاص دمه، والتعاطي معه بوصفه قرباناً، أو وقودا للمعارك. وأي جهة أو سلطة ستحمل المشروع الوطني يجب أن تكون بوصلتها المستقبل، وأن تسعى لبناء نظام قضائي عادل، وحوكمة شفافة ونزيهة، وصحافة حرة، ومنظومة صحية متطورة، ونظام تعليمي حداثي، وبنية تحتية عصرية.. وهذه ليست مجرد خدمات بلدية، بل هي في صلب المشروع الوطني، والاستخفاف بها يعني الاستخفاف بقيمة الحياة والناس والمجتمع والمستقبل.

عندما كان المشروع الوطني واحدا موحدا في إطار منظمة التحرير، حققت الثورة أهم إنجازاتها؛ حيث حولت الفلسطينيين من جموع لاجئين إلى شعب يناضل لنيل حريته واستقلاله، وأحيت القضية وطرحتها بقوة في الساحة الدولية، وانتزعت اعتراف العالم بالمنظمة ممثلا شرعيا للشعب الفلسطيني. وعندما تشظّى المشروع الوطني، حصل الانقسام، وتراجعت القضية الفلسطينية إلى أدنى مستوياتها.

اليوم، يعاني المشروع الوطني الفلسطيني من أزمة الانقسام، وتآكل الشرعيات، وعدم تجديد الهيئات القيادية، ومن انسداد الآفاق أمام خياراته المعتمدة.. وبعد أكثر من ستين عاما على انطلاقتها لم تنجز الثورة غايتها، ولم تحقق التحرير الذي وعدت به؛ بل وأصابها الوهن والترهل، وتراجعت عن بعض أهدافها، وغيرت كثيرا في إستراتيجياتها... ربما لأنها تعمل في ظل ظروف بالغة التعقيد والصعوبة، وتخوض أصعب وأطول صراع في التاريخ، ضمن موازين قوى مختلة بالكامل لصالح العدو.. لكن لا بد من الاعتراف بوجود أخطاء ذاتية قاتلة، وغياب نهج المراجعات والنقد الذاتي والمساءلة والمحاسبة.

الحديث يطول، وبحاجة لمزيد من التوسع..