رواية جديدة
للشاعر الفلسطيني يوسف الشايب حملت عنوان
"مستحيل il" (منشورات المتوسط، 160 صفحة، 2026)، قرأتها في جلسة
واحدة دون ملل، وتلك بنظري أولى علامات نجاح أي عمل أدبي، أي أن تستمتع بقراءته،
وهذا ما حصل معي، رغم أني لم أستوعبها تماماً، أو أشكلت عليَّ بعض الرموز، لكن
بالمجمل هي رواية شيقة، لغتها عالية، سلسة وغير متكلفة، وتكاد تخلو من الأخطاء
اللغوية والنحوية والجمل التركيبية الشائعة.. لكنها مبدئيا تفتح سؤالين للنقاش،
الأول: لا أعرف إلى أي مدى تنطبق عليها معايير الرواية، وفقا لقواعد التجنيس
الأدبي؟ الإجابة متروكة للقراء والنقاد، من جهتي رأيتها أقرب لنص حر بلغة شاعرية
مرهفة وأسلوب نثري، أو نص سردي تجريبي يتجاوز الحدود المألوفة للتجنيس الروائي،
هذا لا يقلل من شأنها، فمن قال أن الرواية أرقى قيمة أدبية من القصة أو الخاطرة أو
النثر؟
الثاني: النص
مفرط في الرمزية، لدرجة يصعب فهمها في كثير من المقاطع.. وهذا السؤال يفتح سؤالين:
لمن نكتب؟ وما هي رسالة الأدب وقيمته إذا لم يكن قابلا للفهم من قبل العامّة؟ لمن
نكتب هذا سؤال يحتمل عشرات الإجابات، ولكل كاتب جمهوره ومريديه، أما عن قيمة
ورسالة الأدب فعلى الأقل ثمة جوابين حاضرين: الأدب موجه للناس العاديين على اختلاف
مستوياتهم التعليمية والثقافية، وهذا يستدعي أسلوبا مبسطا ولغة بمستوى قريب من
الناس، خاصة لمن أراد توصيل رسالة أو لمن يحمل مشروعا ثقافيا خاصا به.. أو هو موجه
للنخبة، أي بأعلى معايير اللغة وبأقصى درجة من البلاغة، وهنا يستخدم الكاتب أفضل
ما عنده من مهارات إبداعية وصيغ بلاغية.. وقد نجمع بين الأسلوبين، فنكتب بلغة
بسيطة غير معقدة مع رفع مستوى البلاغة من حين إلى آخر لنرفع من خلالها الذائقة
العامة ونرتقي بالقراء قليلا.. صعوبة النص ليست بالضرورة عيباً، والغموض ليس بالضرورة
علامة على العمق، الرمزية يجب أن تكون قابلة للتأويل، لا أن تتحول إلى حاجز يفصل النص
عن قارئه.
يبدو أن يوسف
الشايب اختار الأسلوب الثاني، وطبعا هذا من حقه، بل أراها شجاعة وجرأة منه في
التجريب، وتمردا على ما يمكن وصفه تجاوزا كلاسيكيات الرواية.. فما قرأته في
"مستحيل il" أسلوب
غير مطروق وغير معتاد في الأدب العربي، على الأقل في حدود ما أعرف، وضمن تجربتي
القرائية الخاصة.. هذا ابتكار جديد ومدهش، وللحقيقة نال إعجابي، وأعترف بأنني سأحاول
خوض تجربة مماثلة في نص قادم..
الرواية تدل
أيضا على حصيلة ثقافية واسعة وحس إنساني متقدم لدى لكاتب، وهذا الشرط الثاني لتميز
أي عمل أدبي، خاصة الرواية والقصة.. رواية "مستحيل il" ليست
سهلة، وتتطلب التركيز، كما أنها تستفز الكثير من الأسئلة والنقاشات، وهذا دور
الأدب عموماً.
قيمة الرواية من
ناحية فنية أنها طورت إمكانات السرد الفلسطيني باتجاه تجريبي تخيلي أشبه بالفنتازي
يتحرك بين الأزمنة، يستخدم لغة أدبية بأسلوب جديد حداثي في التعبير عن الرواية
الوطنية الفلسطينية، بتوظيف التقنيات الرقمية ومفاهيم العصر السيبراني كمادة لبناء المفارقات الساخرة،
وتخيل شكل المستقبل، دون أن يفقد صلته بالجغرافيا والذاكرة والتراث. فما فعله
الشايب أنه نقل التجربة الفلسطينية إلى فضاء رقمي متخيل باستعارة
أدوات المستقبل، دون أن يتخلى عن جذوره التاريخية والجغرافية، فهو لا يعتمد
على الحكاية التقليدية المتسلسلة، بل يوظف الوثائق والقصاصات والهوامش والرموز وتعدد الأصوات والرواة. وهنا تكمن
جرأة المشروع.
قيمة الرواية
من حيث المحتوى أنها تناولت القضية الفلسطينية (روايتنا الوطنية) من منظور إنساني
بحت، جمعت بين النكبة والمخيم والجدار والمنفى والمقاومة وصورة الإنسان الفلسطيني
واختزلتهم جميعا في رموز، الابتكار الجديد تمثل في الرؤية الاستشرافية لمستقبل
بعيد، بأسلوب تخيلي تتداخل فيه الأزمنة وتختلط مع الأمكنة، بالترميز والسخرية
والحيل البلاغية ولعبة تبديل الأحرف، واستخدام أشياء بسيطة وتحميلها دلالات مركزية؛
مثل المرآة، والسمكة والمفتاح والراديو والحفرة لتصبح شواهد على حياة افتراضية وأحيانا
مستحيلة.
من أجمل
التشبيهات مشهد المفتاح الصدئ: "الصدأ ليس فساداً للمعدن، بل أرشفة للزمن، كل
ذرة أكسيد هي شاهدة على زمن الغياب"، هنا يتحول الصدأ من علامة على تآكل
المعدن إلى سجل للانتظار، ويغدو شاهداً على طول المنفى واتساعه.
في مشهد استشرافي
آخر يصف فيه لحظة انهيار جدار الفصل العنصري: "في العام 2072، سقط الجدار، لم
يسقط بانفجار، بل بتفكيك هادئ ومنظم، باشره سكان قلنديا كعمل من أعمال الصيانة
المنزلية لإزالة قطعة أثاث قبيحة لم تعد لها وظيفة، تبخر الشبح في ضوء النهار،
وانكشف الأفق، لم يكن جميلاً كما في الأساطير، بل كان أفقاً عادياً مغبرّاً
ومملوءاً بالمستودعات الصناعية، كانت الحقيقة أقل شاعرية من الحصار"..
"أزال حسن وخالد آخر قطعة إسمنت، ونظرا إلى الفراغ الحقيقي، لم يعد هناك سجن
ليقاوَم، بل فضاء ينتظر أن يُملأ".. هنا لا يجرد الشايب الفلسطيني من صورة
البطل، بل ينزله من علياء الأسطورة التي أثقلته إلى أرض الواقع كإنسان عادي يريد
بلدا عاديا يعيش فيه دون أن يكون مضطرا للصمود والتضحية، فكل ما ينتظره أفق عادي
ومستقبل عليه أن يملؤه.. وهنا تظهر فارقة أدبية
جميلة: سقوط الجدار ليس لحظة انتصار أسطورية، بل عمل عادي يقول إن التحرر الحقيقي جزء
من الحياة اليومية.
كثرة العناوين
الفرعية حتى داخل الصفحة الواحدة تبطئ إيقاع القراءة، كذلك تكرار بعض المقاطع
والتوصيفات، وأحيانا شعرت أن الشخصيات لا تمتلك استقلالاً نفسياً، وكأنها تتحدث
جميعها بصوت الراوي. أيضا لم يتضح لي تماما من الذي غطى الجدار بالمرآة؟ معرفة
الفاعل مهمة، لأنها ستحمل دلالات مختلفة، صحيح أن المرآة ستعطي نتيجة خادعة في
أغلب الحالات، إما توسعة الأفق الضيق أصلا، أو برؤية الفلسطيني المحاصَر لذاته،
وكأن الاحتلال يستوطن عقله، لا أرضه وحسب. كما أن اختزال القضية والصراع في المخيم
والجدار والمنفى غير مقبول (ربما الرواية مخصصة لهذه الجوانب) لأن القضية
الفلسطينية والصراع والعدو أكثر من ذلك بكثير.. هذه التجربة تفتح أفقاً لمشروعات روائية
أخرى تستكشف جوانب مختلفة من الواقع الفلسطيني.
في الرواية بعض
المواقف تحتاج تركيزا عاليا لفهمها، وليس شرطا أن نتفق معها، مثلا تحول بلاغة
الصمت والسكوت إلى خطاب مقاوم، وأن يصبح الغياب موقفاً.. وهذه أطروحات تحتاج نقاشا
مستفيضا.. لذا يبدو أن الرواية تحتاج قراءة ثانية متأنية..