من الأشياء
التي طالما حيرتني في الكتب والأفلام التاريخية مسألة اختيار مواقع الحروب
والمعارك.. إذا استثنينا المعارك والغزوات التي كانت تغير فيها قبيلة على أخرى في
عقر دارها، والحروب التي كانت تتجه فيها الجيوش الغازية إلى المدن والقلاع فتدك أسوارها
أو تحتلها.. سنجد حروبا ومعارك كثيرة كانت بعيدة جغرافيا عن التجمعات السكانية،
وخارج المدن..
خذ مثلا في
التاريخ الإسلامي غزوة بدر وأُحد وحنين.. أو معارك الجمل وصفين ومعاهدة الصلح في
مؤتة.. أو معركة حطين وعين جالوت..
في غزوة الأحزاب
هاجمت قوات قريش المسلمين في المدينة المتحصنين خلف الخندق.. في غزوات بني النضير
وبني المصطلق وغيرها هاجم المسلمون أعداءهم في عقر دارهم.. هنا الوضع طبيعي وليس
فيه ما يستدعي السؤال بخصوص موقع الاشتباك، أما في غيرها من المعارك لا بد أن
نتساءل: كيف ولماذا تم اختيار موقع المعركة؟
هل تمت
المراسلة بين الأطراف المتحاربة، وتم الاتفاق على اختيار الموقع؟ مثلا شو رأيك عند
جبل أحد موقع مشرف وإطلالة جميلة؟ أو عند بئر بدر حتى نتمكن من سقي الإبل والخيل؟ أو
دعنا نختار موقعا وسطاً حتى نختصر الطريق على الجنود، ونوفر الكثير من أعلاف الخيل؟
طيب، لنفترض أن
الجيشين اتفقا على موقع معين، ووصل الجيش الأول إلى الموقع وأخذ ينتظر وصول الجيش
الثاني، ما الذي يجعل الجيش الثاني يلتزم بموقع المعركة؟ ماذا لو غدر بالجيش الأول
وتوجه مباشرة إلى مساكن وتجمعات العدو المدنية، وأخذ الأطفال عبيدا والنساء سبابا؟
وبذلك يحسم المعركة دون خسائر.. قد يجيب البعض أن النخوة والشهامة العربية وأخلاق
الفروسية تمنعه من الغدر، وتلزمه بالمواجهة برجولة وشجاعة.. طيب أين كانت تلك
القيم النبيلة حين يغير الجيش على مرابض العدو دون سابق إنذار؟ أليست الحرب خدعة؟
كما أن هذه الإسئلة مطروحة إزاء كل ما يتعلق بحروب وغزوات الأقوام الأخرى من روم
وفُرس ويونان وعجم وغيرهم.. هل هي النخوة البيزنطية والشهامة الزرادشتية والشجاعة الإغريقية؟
اعتدنا في الأفلام
التاريخية على مشهد منازلة قائد الجيش لنظيره قبل بدء المعركة، أو فارس مغوار من
الطرف الأول مقابل فارس آخر في مبارزة بالسيوف بانتظار من سيقتل الآخر.. لماذا يظل
الجيش منتظرا (في وضعية الطيران) يتفرج على قائده وبانتظار مقتله ليصيح غاضباً
متوعداً ثم يبدأ بالقتال؟ فروسية أيضاً؟!
في غزوة تبوك
زحف جيش المسلمين من المدينة شمالاً مسيرة شهر.. وكان عددهم بضعة آلاف.. لماذا بقي
جيش الروم في انتظارهم وهم الأكثر عددا ولم يقطعوا عليهم الطريق؟
سؤال آخر:
لماذا في عهد الإمام علي انتقل الصراع فجأة من نطاق الحجاز والجزيرة العربية إلى
العراق والشام؟ وكيف تضاعفت أعداد الجيوش مرة واحدة من بضعة آلاف إلى عشرات الآلاف؟
ولماذا تم اختيار موقع أذرح جنوب الأردن لعقد المفاوضات الشهيرة بين أبو موسى الأشعري
وعمرو بن العاص لإنهاء معركة صفين التي جرت على ضفاف الفرات شرق سورية؟
من المشاهد
المحيرة أيضا، قائد الجيش وهو يمتطي صهوة جواده ويخطب في صفوف المقاتلين، ويحرضهم
على المواجهة، ويردد أبياتا من الشعر، أو مقولة مقدسة، أو يعلن عن خطة المعركة
وكيفية انتشار الفرق والفرسان والرماة.. السؤال: كيف يصل صوته إلى الجنود في
الصفوف الخلفية والبعيدة؟ يعني مثلا في وقتنا الراهن نكون في ندوة ثقافية في صالة صغيرة
مغلقة ويبدأ الضيف بالحديث وبمجرد أن يتعطل الميكروفون نبدأ بالصراخ: صوت صوت.. مش
سامعين.. كيف كان القادة زمان يخاطبون التجمعات العامة دون ميكروفونات وسماعات؟ ما
تقللي صدى الصوت، وهندسة البناء، والمسافة المحسوبة بين الجدران.. نتحدث عن لقاءات
كبيرة وحاشدة في ساحات مفتوحة..
مسألة أخرى:
قديماً لم تكن تقنية التصوير معروفة، ولأن السلطان مقيم في قصره ولا يختلط بالعامة،
سيعيش الآلاف من شعبه ويموتون دون رؤيته ومعرفة شكله ومعالم وجهه.. ماذا لو قام
شخص ما بارتداء زي فخم وأحاط نفسه ببضعة فرسان وذهب إلى بلدة نائية وقال لهم أنا
السلطان؟ أو أرسل مندوبا إلى دولة مجاوره وأعلن عليها الحرب؟؟ أليس ذلك ممكنا على
الأقل نظريا، طالما أن البشرية عرفت كل أشكال النصب والاحتيال.
سؤال آخر محير:
عندما كانت جيوش المسلمين تصل إلى البلاد المفتوحة، كانوا يرسلون وفدا إلى ملكها
ويخبرونه أنه أمام ثلاث خيارات: اعتناق الإسلام، أو دفع الجزية، أو القتال.. وأمام
الدولة ثلاثة أيام فقط لتقرر وتختار.. كيف يغير شعب بأكمله دينه خلال ثلاثة أيام؟ أو
على الأقل يعلن قبوله المبدئي بدخول الدين الجديد، على أن يفهمه ويتعلمه لاحقاً..
وكيف سيعمم الملك الخبر على عموم الشعب؟ وهل سيأخذ برأيهم؟ مع تذكر أنه في تلك الأزمنة
لم تكن وسائل التواصل السريع قد ظهرت بعد، وأي خبر أو مسألة تحتاج أسابيع وأشهر
حتى تعمم على الجميع.. في وقتنا الراهن مثلا لو نشبت مشكلة بين سكان عمارة على تنظيف
بيت الدرج ستحتاج أسابيع وربما سنوات لحلها..
هذه مجرد أسئلة
للتفكر، وليست للتشكيك برواية معينة، بل للبحث عن إجابات علمية غير تلك التي
نشاهدها في الأفلام.. مع قناعتي بأن معظم من كتبوا التاريخ تلاعبوا به وفق أهوائهم
ومصالحهم.. لذلك، نحن بحاجة للتفكر والتمحيص في أصغر التفاصيل، لأنها هي التي تكشف
هشاشة الرواية، أو تثبتها..