إذا ذهبتَ إلى أي بنك لإنجاز أية معاملة ستخسر من وقتك ساعة على الأقل، وأحياناً ساعات، ومثلك عشرات المواطنين الذين ينتظرون دورهم بفارغ الصبر، الغريب أنَّ البنك خصص عددا من الموظفين لتسهيل معاملات المواطنين وإنجازها بالسرعة الممكنة، هذا العدد يصل أحيانا إلى أكثر من عشرة موزعين على "كاونترات"، ومع ذلك يحصل التأخير دائماً!
السبب أن
"كاونتر" واحد أو اثنين فقط يشتغلون والبقية لا تشتغل، إما أن يكون
الكاونتر فارغا لسبب ما، أو أن الموظف منشغل بمعاملات بنكية داخلية.. وهكذا يقع
ضغط العمل على موظف واحد أو اثنين، وبالتالي يتأخر الدور، ويخسر كل مواطن وقته في
الانتظار، بمعنى أننا نهدر سنويا ملايين ساعات العمل.
لا أحد يحتج،
إلا نادراً، ولو احتج سيجيب مدير البنك بأن عدد الموظفين غير كافي، أو أنهم
منشغلون بمتابعات بنكية داخلية. في الحالتين ما ذنب المواطن؟ لماذا يدفع المواطن
ثمن التأخير؟ يستطيع البنك تفريغ جميع موظفي الكاونتر لإنجاز معاملات المراجعين،
وبذلك لا يتأخر أحد، وهذا يقتضي جعل العمليات البنكية الداخلية تتم داخل البنك في
مكاتب خاصة، ينجزها الموظف على راحته، دون ضجيج.. أو تعيين موظفين جدد، لدى البنك
الإمكانيات، فالبنوك تحقق أرباحا بملايين الدولارات سنويا. على الأقل يساهمون بحل
جزء من البطالة..
لا نحسد
البنوك على أرباحها، فهذا مبرر وجودها، بل نتمنى لها مزيدا من الأرباح والازدهار،
لأن البنوك القاعدة الحصينة والأهم لبنية الاقتصاد الوطني، وازدهارها ينعكس إيجابا
عليه.. وطالما قدمت البنوك مساهمات مجتمعية وإنسانية ووطنية.. موضوعنا هنا هو
احترام الوقت..
مشكلة مجتمعاتنا العربية عموماً عدم تقدير قيمة الوقت، ولا أتحدث هنا عن الحياة
الشخصية للفرد، وكيف يستغل وقته، أو يهدره،، هذا شأنه الخاص.. الحديث عن ثقافة
"قيمة الوقت"، ودور المؤسسات ونظرتها وكيفية تعاملها مع هذه القيمة.. هذه
معضلة تعاني منها مجتمعاتنا العربية: إهدار الوقت، والنظر له باستخفاف، وكأنه بلا
قيمة، وعندما نهمل الوقت نهمل التنظيم.. في هذه الحالة الزمن هو الماضي التليد
ننظر له بتمجيد وعلى أنه المخلص والمنقذ، وطبعا بفكر ماضوي.. الحاضر ساكن تماما،
بلا فعل ولا تقدم.. المستقبل مصدر قلق.. كل شيء مؤجل، أو مُقدّر ومكتوب، وربما كان
ذلك من بين أهم أسباب تخلفنا..
نخسر كل يوم
ساعات ثمينة.. نهدرها مجانا، أو رغما عنا.. نقف لساعات في الطوابير، أو في زحمة
السير، وفي الانتظار.. أو لأن الموظف المخول بالتوقيع غائب في ذلك اليوم، ولا يوجد
بديلا عنه.. على معبر الكرامة نهدر يوما كاملا لعبور بضعة أميال.. وهذا الوقت كافي
لأن تصل إلى الصين في الأحوال الطبيعية.
الوقت،
والالتزام بدقة المواعيد في آخر سلم اهتماماتنا، على سبيل المثال نقول: موعدنا بعد
صلاة العصر، أو سأزورك في المساء، أو نلتقي غدا صباحا.. هنا هامش الوقت يمتد
لساعات، وإذا تم تحديد موعد دقيق من النادر أن يلتزم به أحد، والحجة حاضرة: أزمة
السير، الحواجز، تأخرت في النوم.. وإذا أخبرك أحدهم أنه سيصل خلال خمس دقائق فإنه
يقصد ساعة.. عادي جداً: على إيش مستعجل! الدنيا مش رح تطير!
في العام 1999
شاركتُ في دورة تدريبية في اليابان، قبل أربعة شهور من السفر أرسلتْ لي وكالة
"الجايكا" البرنامج التفصيلي للدورة مكون من عشر صفحات، تضمن مواعيد
المحاضرات وأماكنها وأسماء المحاضرين وتخصصاتهم، ومواعيد زيارة المصانع والمختبرات
والجامعات والمراكز المتخصصة وبعض المؤسسات الأهلية.. توزعت الأنشطة على العديد من
المدن اليابانية، ما يعني السفر لمسافات طويلة بالمواصلات العامة، كما شمل
البرنامج فقرات منوعة مثل رحلات سياحية وبرامج ترفيهية ولقاءات مع الأهالي..
كل نشاط مذكور
تضمن بيانات دقيقة ومفصلة بالأماكن والمواقيت والأسماء، مدة الدورة أربعة شهور..
وأنا أقرأ البرنامج لفت انتباهي أنه من المقرر في يوم الأحد في الأسبوع الثاني
تنظيم حفل ترفيهي في قاعة معينة، ومكتوب تفاصيل الحفل، ومنها في الساعة 8.55 أغنية
المطرب المصري حكيم "الود ده حلو"..
كان بوسعهم
كتابة "فقرة غنائية" وخلص، أو "أغنية عربية"؛ لكنهم لا يتركون
شيئا للصدفة أو للاحتمالات.. المهم أن أكثر من مائة نشاط مختلف تم تنفيذها حرفياً
وفق المخطط بهامش خطأ في التوقيت لا يتجاوز الدقيقتين..
بالعودة إلى
واقعنا، ومن باب الإنصاف والموضوعية بعض مؤسساتنا الوطنية نظمت الوقت بطريقة
ممتازة، مثلا في دائرة السير تستطيع تجديد رخصة القيادة، أو رخصة السيارة في غضون
دقائق، كذلك في دوائر الأحوال المدنية.. ستحصل على جواز السفر، أو شهادة الميلاد،
وغيرها في وقت قياسي، وبشكل مريح.. هذا جهد مشكور..
قيمة الوقت
مرتبطة بقيمة الإنسان.. عندما نحترم ونقدر قيمة الإنسان، سنحترم وقت هذا الإنسان، وقيمة
حياته، وكرامته، ومستقبله، وصحته.. والعكس صحيح.. وبمناسبة الحديث عن الصحة، تبذل
وزارة الصحة جهودا مشكورة على تنظيمها آلية استقبال المراجعين خاصة في أقسام
الطوارئ.. رغم أنه بإمكانها اختصار بعض النقاط.. المشكلة لدى العديد من الأطباء في
العيادات العامة، حيث يمنح كل مريض من دقيقة إلى خمس دقائق على الأكثر.. وهذه فترة
قصيرة جدا، ولا تكفي لتشخيص الحالة بشكل دقيق.. حتى أن بعض الأطباء لا يكلفون
أنفسهم عناء القيام عن مقاعدهم، وفحص المريض ومعاينته بشكل مباشر.. يكتفي ببضعة
أسئلة، ثم كتابة الوصفة.. صحيح أن الطبيب يقابل في اليوم الواحد أكثر من مائة
مريض.. لكن أي تشخيص غير دقيق، أو أي خطأ بسيط قد يتسبب بمضاعفات خطيرة.. في
المقابل بعض الأطباء يعطون كل مريض وقته اللازم، من التشخيص والفحص وتقديم الشرح
والنصائح.. لكنهم قلة للأسف.
سنصير شعبا
ذات يوم، عندما نثمّن قيمة الإنسان، ونقدر قيمة الوقت..