بعد أن بدأ نوع جديد ينفصل عن
«الرئيسيات العليا»، وأخذ ينتصب على قدميه ويستخدم الأدوات، سيُعرف لاحقًا باسم
«الإنسان العاقل» Homo sapiens،
وعلى مدى نحو مليوني عام، توارثت أجيال متلاحقة من ذلك الإنسان جينات الهروب من
الخطر. فقد كانت الأخطار في تلك الحقبة السحيقة كثيرة جداً، وتحيط به من كل جانب؛ وكان
تقريباً من أضعف الكائنات التي عاشت آنذاك. فلم يكن سريعاً كالفهد، ولا مفترساً
كالأسود، ولا قوياً كالدببة، ولا رشيقاً كالسعادين. لم تكن لديه أنياب كالذئاب،
ولا درع كالسلحفاة، ولا فراء كالخراف، ولا مخالب كالنسور. لا يمتلك سمًّا
كالأفاعي، وليس بوسعه التخفي كالحرباء، ولا هو ضخم كالفيلة. لم يكن قادراً على
مجاراة الحيوانات في كثير من خصائصها التي تساعدها على البقاء؛ لذلك عاش "رميا"
و"جامعا للثمار" لفترة من الزمن، قبل أن يمتلك مهارات الصيد.
وبالرغم من كل نقاط الضعف تلك، فإنه
امتلك ميزة انفرد بها، جعلته قادرًا على النجاة من كل تلك الأخطار: الذكاء.
وفي رحلته
الطويلة نحو التطور والانتشار في ربوع الكوكب، وخلال آخر مائتي ألف سنة تعلم كيف
يصنع الأدوات ويستخدمها، وكيف يروض النار، خلال تلك الأزمنة توارث جينات الخوف؛
الخوف من الوحوش، ومن الأفاعي، ومن المرتفعات، ومن العتمة، ومن الجوع والأوبئة
الغامضة وموجات الصقيع والحر المتعاقبة.. كانت تلك المخاطر تعني شيئا واحداً:
الموت..
وبعد أن عرف كيف
يعيش في شكل مجموعات متعاونة فيما بينها، إُضيف خطر جديد على قائمة الخوف: الخوف من
المجموعات البشرية الأخرى المنافسة.. فقد كانت الموارد شحيحة، والمواجهات بين تلك
المجموعات تخضع لمعادلة صفرية، إما البقاء أو الفناء.. ونظرا لقسوة الظروف آنذاك
كان ذلك الإنسان البدائي عنيفاً، عدوانياً، متأهبا على الدوام..
وحين اجترح أول
ثورة معرفية، وطور أساليب التواصل، واجترح اللغة، وشكّل الأسرة، ومن ثم القرية وحتى
نشوء الـمُلكية ظلت علاقته بنفسه وبالآخرين وبمحيطه الخارجي خاضعة لعوامل وظروف
قاسية، وأُضيف للخوف صفات أخرى: الحسد، والجشع، والأنانية، والشك، وظلت تلك الصفات
تتأصل وتتعمق أكثر مع نشوء الحضارات ونظام الإقطاع، وصولا للرأسمالية.. وأضيفت إليها
سمات الاستغلال والقسوة والغضب.
طوال تلك الأزمنة
ظلت الصفات والجينات المتوارثة تخضع لعوامل البيئة، والقدرة على التكيف، وفي إطار
الغرائز البدائية، أي في العقل الباطني (المنطقة الحوفية من الدماغ).. ولكن بعد
الثورة الزراعية ثم الصناعية بدأ يخضع لعوامل أخرى مهمة: العوامل الثقافية؛ بما
فيها الدين والقيم والأعراف.. وصارت تلك جزءا من تكوينه النفسي ومن وعيه لذاته..
من ناحية أخرى،
وبمسار مواز طوّر الإنسان منظومة أخلاقية متكاملة، كان هدفها بداية درء المخاطر
وتجنب الخسائر في الأرواح وتنظيم حياة المجموعات البشرية الأولى، فكان مثلا تحريم
القتل (أو عدم الإسراف به) لأنه سيؤدي إلى خسائر في مقدرات القبيلة البشرية وسيضعفها
في مواجهة القبائل الأخرى. ثم تحريم العلاقات الجنسية داخل الأسرة الواحدة، ثم
تحريم السرقة والتعدي على ممتلكات الغير.. كانت تلك لغرض تلبية حاجاته الأساسية..
ومع تطور
وسائل الإنتاج، واستبعاد خطر المجاعة بسبب وفرة الموارد، ومع الاستقرار في مجتمعات
ثابتة، بدأت المجتمعات النووية بالتشكل وصار ضروريا لها الاتفاق على المزيد من
النظم الأخلاقية لضبط شؤون المجتمع، وصار لكل قبيلة أو قرية زعيما، ومن حوله طبقة
حاكمة، وصار ممكنا توثيق تلك النظم الأخلاقية والاتفاق عليها، ما مهد لنشوء الدول
والحضارات والأديان والقوانين والدساتير.. وصار الإنسان أقل ميلا للعنف، وأكثر
تهذيبا..
ومع نشوء
المدنية ارتقى الإنسان بمسلكه وطرق تفكيره وبعلاقاته، وصارت العوامل الثقافية أكثر
تأثيرا وتعكس نفسها على التكوين النفسي والعاطفي والاجتماعي وتحل شيئل فشيئا مكان الغرائز
البدائية، وصولا إلى الإنسان الحديث منشئ الحضارات المتطورة والتكنولوجيا
والقوانية العصرية وفي مقدمتها قوانين حقوق الإنسان..
إذاً؛ نمت
الحضارة الإنسانية في خطين متوازيين، خط الغرائز البدائية، وخط العوامل الثقافية،
كان يتعارضان مرة، ويلتقيان مرة.. فإذا كان جميع البشر تقريبا ورثوا تلك الجينات
البدائية (العنف، الغضب، الخوف، الشك، العدوانية، القسوة، الأنانية..) طبعا إلى
جانب الجينات البدائية التي تشترك فيها جميع الكائنات الحية (الجنس، التكاثر، إشباع
الجوع، البقاء..)، فإن كل تكتل بشري موجود حاليا (المجتمعات، الطوائف، أتباع الأديان..)
ورث مجموعة من الجينات الثقافية المشتركة (الأخلاق بشكلها الأساسي)، لكنه ورث
جينات ثقافية محددة ومميزة تختلف هنا وهناك بين تكتل وآخر، تبعا لمسار التطور
الاجتماعي لذلك التكتل..
بعبارات أُخرى:
إذا كنت بالغاً عاقلاً وتظن نفسك أنك تمتلك أفضل الصفات الأخلاقية، وتتبع الدين
الصحيح، وتنتمي للطائفة الناجية، سليل عرق أصيل، تتمثل القيم الأخلاقية الراقية، وخيارات
وتوجهاتك صحيحة وصائبة.. هنا لا أناقشك إن كان ظنك بنفسك صحيحا أم لا، ولا أناقش
صوابية خياراتك وتوجهاتك، وأخلاقية قيمك وتقاليدك.. أريد أن اقول لك أنك توصلت إلى
هذه القناعات بدون أدنى جهد منك، ببساطة أنت ورثتها عن أسلافك الأولين.. كل ما
تفكر به، وما تتصرفه، وقرارات اليومية تنفيذ آلي وحرفي لكتالوج جيني كُتب قبل
مليوني سنة على شريط الDNA، في كل سنة
كان يُضاف سطرا جديدا، حتى تكوّن "الجينوم" البشري الحالي، هذا ما على
مستوى التصرفات التلقائية وانفعالاتك الغرائزية، وعلى مستوى أكثر تقدما؛ أنت فعليا
تطبق كتالوج ثقافي كُتب قبل عدة آلاف من السنين، والطبعة التي تشتغل عليها حضرتك
كتبها أجدادك قبل بضعة مئات من السنين ربما أكثر أو أقل تبعا لنوع القرار والحكم
والتوجه الحالي..
هناك مجتمعات
استحدثت كتالوجها الثقافي الخاص بما يتناسب مع مسارات العصر المتسارعة، وهناك مجتمعات
بقيت أسيرة ومقيدة بكتالوجاتها الثقافية القديمة.. وهناك أشخاص منقادون وراء
مجتمعاتهم وفق نظام القطيع، وأشخاص خرجوا عن قطعانهم.. هناك أشخاص وعووا طبيعة
غرائزهم البدائية وهذبوها، وهناك أشخاص فشلوا في ذلك، وظلوا بدائيين في مسلكهم
وتفكيرهم.
لو أخذنا
مجتمعاتنا العربية الحالية مثالاً، لنفهم ونقيّم منظوماتها القيمية وأعرافها
وتقاليدها ومسلكها وعلاقاتها الخارجية ونظرتها للعالم ولنفسها، وطرائق تفكيرها،
ووعيها لذاتها.. سنجد أنها تطبق كتالوج أُعد قبل نحو ألف سنة، كل جيل ينسخه حرفيا بأمانة
ودقة، وكل من حاول الخروج عنه، أو التشكيك به، أو المطالبة بتطويره. كان يجري
تكفيره ونبذه وقذفه بأبشع اتهم..