حسناً، كرة
القدم مصدر سعادة وبهجة، ووسيلة تسلية وتشويق محببة، وتمثل شكلا راقيا للتنافس بين
الشعوب بدلا من الحروب.. ولكن كرة القدم مثل أي ظاهرة في الكون لها أوجه متعددة، وليست
كلها إيجابية؛ فإذا كانت توحّد الشعوب فإنها تفرق الشعب الواحد حين تتعصب كل منطقة
لناديها، وإذا كانت تمنع الحروب فقد أشعلت حربا ذات مرة (بين السلفادور وهندوراس
1969)، كما تسببت مباريات لكرة القدم بكوارث مؤسفة راح ضحيتها عشرات المواطنين،
ربما آخرها مأساة مباراة فريقي المصري والأهلي سنة 2012 التي راح ضحيتها 76 مواطنا،
وحادثة مباراة ليفربول ونوتنغهام عام 1989 حيث توفي 97 مشجعاً بسبب التدافع
والاختناق، وفي إندونيسيا اقتحمت الجماهير الملعب سنة 2022، مما دفع الشرطة لإطلاق
قنابل الغاز، وتسبب التدافع بوفاة أكثر من 130 شخصا.. وغيرها الكثير.. لكنها تبقى
مجرد حوادث منفصلة، سواء كانت مقصودة، أو بسبب التدافع وعنف المشجعين.. وهذا ليس
موضوعنا.
معارضو كرة
القدم، ممن لا تروق لهم هذه اللعبة يقولون إنها "مؤامرة ماسونية" لإلهاء
الشعوب.. لكنّ كرة القدم ليست اختراعا لشخص، أو ابتكارا ظهر فجأة واكتسح العالم..
بل هي أيضا مثل أي ظاهرة طبيعية نشأت ضمن بدايات متواضعة ومرتبكة (في إنجلترا)، ثم
مع مرور الوقت انتشرت حول العالم كلعبة مسلية.. وفيما بعد جرى تنظيمها وتأطيرها،
وما زالت "الفيفا" تراجع قوانينها وتحدّثها وتدخل عليها تحسينات
وتغييرات معينة..
لكنّ نفي سمة
المؤامرة عن كرة القدم وبطولاتها المتعددة، لا يعني أن هذه اللعبة لا يجري توظيفها
سياسيا من قبل الحكومات، أو استغلالها ماليا من قبل القوى الرأسمالية..
يُقدر حجم
الاستثمار في كرة القدم بعشرات المليارات من الدولارات سنوياً،
في كأس العالم 2026، يُتوقع أن يضخ المونديال ما يزيد عن 80 مليار دولار في
الاقتصاد العالمي، في حين تستهدف "الفيفا" إيرادات تتخطى 9 مليارات
دولار، وحجم رهانات يتجاوز 50 مليار دولار. الكل يستثمر في هذه اللعبة بدءا من
الشركات العملاقة حتى مقهى الانشراح..
أما عن
التوظيف السياسي، فكل دولة تسعى للوصول إلى نهائيات كأس العالم، لأسباب متعددة،
منها استخدامها كقوة ناعمة، وأداة للترويج السياحي، أو حتى للإعلان عن حضورها،
فمثلا تفاجأ العالم بوجود دولة اسمها كوراساو، مساحتها 444 كلم مربع، وعدد سكانها 160 ألف نسمة، ولولا
مشاركتها في المونديال لظلت منسية ومجهولة..
التوظيف الأهم
والأخطر لكرة القدم هو سعي الأنظمة والحكومات لخلق ما يُعرف ب"المواطن
المستقر"، أي المواطن الذي يخضع للسلطة بالكامل، وجعله راضيا وقانعا
بوضعه البائس، وبالتالي إخضاع وتكييف المجتمع بأكمله مع الواقع السياسي
والاقتصادي دون قدرة أو رغبة منه في الاعتراض والتمرد، حيث تنجح
السلطات الدكتاتورية والفاسدة خاصة في دول
العالم الثالث، في خلق المواطن المستقر من خلال آليات معينة؛ أولها
الأسرة، ثم المدرسة، ووسائل الإعلام الرسمية، وأخيرا الوضع الاقتصادي.. وحتى يظل
المواطن مستقرا ومتقبلا للوضع تستخدم السلطة ثلاث ضوابط: إشغال المواطن بلقمة
العيش، توظيف الدين سياسيا وشعبويا، وأخيرا توفير وسائل التسلية والسلوان.. وأهمها
وأكثرها انتشارا كرة القدم.
هنا ستعوّض
وسائل التسلية (كرة القدم ومتابعتها) حاجات المواطن النفسية غير الملباة، والتي
حرم منها، وبدلا من انشغاله في قضايا الغلاء، والبطالة، والفقر، وتردي الخدمات
الصحية والتعليمية، وفساد الطبقة الحاكمة، وغياب العدالة الاجتماعية، والقمع
السلطوي، والسياسات الاقتصادية التي ترهق المواطنين، وسياسات الدولة الخارجية التي
تتعارض مع الدستور وإرادة الشعب.. وحقوق المواطَنة والانتخابات والمشاركة السياسية..
كل هذه القضايا تصبح ثانوية أو مغيّبة، أو محرمة.. ويجري استبدالها بالانشغال بكرة
القدم..
في الدول
المتقدمة والديمقراطية ينشغل المجتمع بكرة القدم بكل شغف، ويتابع كل شخص تقريبا منتخبه
الوطني أو ناديه المفضل بكل حماسة.. الوقت والجهد والمال الذي ينفقه في متابعة
المباريات لا ينسيه حقوقه ومطالبه وواقعه.. حتى لو أرادت الدولة توظيف الرياضة
لخلق "المواطن المستقر" لا تستطيع.. فالآليات الديمقراطية تحول دون ذلك..
المشكلة ليست
في كرة القدم، ولا في الرياضة عموما، ولا في المباريات والبطولات ومتابعتها.. المشكلة
في وعي المواطن لحقوقه وواجباته، وحين يوظف هو نفسه كرة القدم كأداة قمع وإلهاء
ذاتية.. وحين يتعامل معها كبديل مريح ينسيه واقعه المزري.. أنظر مثلا كيف تعامل
الجمهور العربي مع المنتخبات العربية التي قدمت أداء متواضعا في المباريات وفشلت
في إحراز أي نصر؛ تعامل معها بكل قسوة، وفـرّغ مكنونات غضبه فيها، اعتبرها السبب في
تردي الأوضاع، والمسؤولة عن الإحباط واليأس الذي يخيم على المجتمع..
منذ قرون ومجتمعاتنا
العربية تعيش أوضاعا مزرية.. الناس، الأهالي، الأفراد.. الكل محبط ويشعر بالهوان
والضعف وانسداد الأفق.. لكن أحدا لا يريد التفتيش عن الأسباب الحقيقية.. نمارس
الهروب ونفتش عن أسباب وهمية وحلول وهمية.. في المونديال كان كل مواطن يتابع لاعبي
منتخبه بحثا عن أي خطأ، يقرعهم وكأنه في قرارة نفسه يحملهم مسؤولية ألف سنة من
الانحدار والتراجع والهزائم.. يشتمهم بغضب لعله يجد ضالته في الشتم ولتنفيس حالة
الاختناق.. حتى تحول شعورنا بالإحباط والعجز إلى وحش مخيف يريد افتراس كل من يتحرك أو يحاول أو يبادر..
نعم، كرة
القدم جميلة وممتعة.. لكن المنتخبات القوية لا تأتي جزافا، وانتصاراتها لا تأتي بالدعاء..
هي حصيلة تطور المجتمع والدولة، ونتاج جهود مضنية وناجحة في كافة القطاعات.. باختصار
هي صناعة متكاملة، وقطاع قائم بذاته.. ومن العبث فصلها عن سائر قطاعات الدولة
والمجتمع، أو اعتبارها بديلا مريحا وسهلا عن الانشغال بالعلم والتكنولوجيا
والثقافة والتنمية.. لذا ليست مصادفة أن تحتل الدول المتطورة صدارة المونديال كل
مرة..