أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

سبتمبر 01، 2026

الدين السياسي


يمكن النظر للدين في أحد معانيه الأولى والأكثر نقاءً، بوصفه علاقة وجدانية بين الإنسان والمطلق، وحتى مع تطور الأديان ظل معناه الخالص والبريء علاقة وجدانية بين الإنسان وخالقه.. هكذا نشأ؛ وهكذا ظل في مراحله الجنينية والمبكرة: ارتعاشات عاطفية، توسلات شعورية، رجاء وأدعية، مناجاة، تأملات، خلاص فردي، خوف من المجهول.. بشّر به نبي أو فيلسوف، صدّقه وتبعه البسطاء والباحثون عن النجاة والسلام الداخلي، ثم كبرت هذه الجماعة، ومع مرور الزمن نشأ منها وعلى هامشها جماعات وقوى لها أغراض أخرى، أقحمت أهدافها الدنيوية في صلب الدين، وشيئاً فشيئاً بدأت بالابتعاد التدريجي عن جوهر الدين ورسالته الخلاصية الروحية، ليتحول إلى أيديولوجيا وسياسة..

والدين السياسي الذي تشكل لاحقا لم يكن مجرد حضور الدين في المجال العام، ولا مشاركة المتدينين في السياسة، بل تشكل بعد تحويل الدين من تجربة إيمانية وأخلاقية إلى أيديولوجيا للسلطة، ومن الإنسان المؤمن إلى عضو في كتلة سياسية، ومن الإيمان المجرد إلى أداة للحشد والتمييز والصراع.

أي أنه بمجرد أن تم الخلط بين الدين والسياسة تحول إلى دين جمعي، وصار هوية قومية للأديان المحلية، أو أيديولوجيا للأديان العابرة للحدود.. ثم صار أداة بيد السلطات لهندسة المجتمع والتحكم به، ولحماية مصالح الطبقات المهيمنة.. طبعا على حساب الفقراء والعامّة. وقبل الفقراء والعامّة كان الدين نفسه هو الضحية الأهم؛ فقد براءته وطهرانيته..

على مدار القرون الماضية استخدمت القوى الإمبريالية الدين لخدمة أهدافها التوسعية، في تجنيد شعوبها وتحريضهم وتبرير ممارساتهم الشريرة واللاإنسانية، وفي تبرير وتسهيل سيطرتها على الشعوب المحتلة، ولنهب خيراتها..

ومنذ مطلع القرن العشرين برزت نسخة مطورة من الدين السياسي، استخدمتها السلطات والقوى الإمبريالية التي تدعمها، وأنشأت الجماعات الدينية بأشكالها (أحزاب، ميليشيات مسلحة، قوى قبلية وطائفية) وراحت توظفها ضمن مخططات معدة بخبث وعناية.. وصارت تلك الجماعات أدوات تستخدمها السفارات الأجنبية، وأجهزة المخابرات الدولية والمحلية، ودخلت على الخط كل مكونات المجتمع: شيوخ القبائل، زعامات الطوائف، مراكز القوى، التكتلات الاقتصادية والقوى التجارية، الأحزاب السياسية، وكل فرد لديه طموح شخصي أو مآرب خاصة (سواء خيّرة أم شريرة).. كل هؤلاء استخدموا الدين وأسقطوا عليه تأويلاتهم الخاصة، ووظفوه بما يخدم توجهاتهم، واستثمروا فيه، واستغلوا أتباعه (سواء أصواتهم في صندوق الانتخابات، أم أرواحهم في الصراعات السياسية وفي العمليات الانتحارية).. وما يجمع تلك الفئات أيضا إصرارها على زج الدين بالسياسة ورفض إعادته إلى بيئته وحاضنته الأولى: الإنسان الفرد.. لماذا؟

حين يكون التدين فردياً وحراً وواعياً لا يعود بوسع القوى المتصارعة الاستفادة من الدين، أو بعبارة أخرى من جمهور المتدينين.. كيف؟

حين يكون الدين والتدين علاقة حصرية بين الإنسان وربه؛ علاقة روحية وجدانية قائمة على الحب الإلهي، عبارة عن صلوات وابتهالات، وأدعية للنجاة وطلب الرزق، ومناجاة في جوف الليل، علاقة يرى من خلالها الإنسانُ ربه رحيما محبا كريما متسامحا عطوفا.. في تلك الحالة يصلي ويشتغل، يصوم ويفطر، يصيب ويخطئ، يذنب ويستغفر، يتعامل برفق مع هشاشته وضعفه الإنساني، لا يدعي الملائكية، منسجم مع فطرته، ينعم بالسكينة والطمأنينة، لا يتدخل في شؤون غيره وحياتهم الخاصة، لا يعنيه إن كان جاره مسلما أم مسيحيا، المهم أن يلقوا بعضهم بوجه بشوش، لا يضيره إن كان أستاذه بوذيا طالما يقدم له العلوم النافعة، أو كان صديقه علمانياً، أو قريبه ملحداً.. المهم أن يتعامل الجميع مع بعضهم باحترام، وأن يلتزموا بالقانون، وألا يضروا بالبيئة..

حينها سيتحرر من عقدة الخوف (من عذاب القبر، ومن جحيم الآخرة)، ومن عقد الشعور بالذنب، وبهذا التحرر لن يستطيع أحد أن يستغله، لا حزب، ولا طائفة، ولا سلطة.. أنت سيد نفسك، وعقلك سيدك..

حين يكون التدين جمعياً، يتحول إلى هوية جمعية مغلقة ومنظمة سياسياً، وينشأ غالباً مركز قوة يسعى إلى تنظيم المشهد والتحكم به وتسييره.. وهذا المركز أو تلك الجماعة تعتمد أساسا على الأتباع، كلما زاد عدد الأتباع زادت قوتها وحضورها.. ويمكن للأتباع، في ظروف الخوف والاستقطاب والتعبئة، أن يتحولوا إلى جموع تفقد تدريجياً استقلالها النقدي، وتستبدل حكم الفرد بعقل الجماعة، في هذه الحالة تتراجع فرداينة الشخص ويضمحل استقلاله، لدرجة أنه سيلغي عقله، ويدمجه مع عقل الجموع.. الجموع التي يحركها قائد أو زعيم أو سلطة.. وهكذا بدون وعيك تصبح أداة بيد الغير..

الأداة الثانية هي التخويف؛ التخويف من الرب المنتقم الجبار، ومن تهمة الخروج عن الجماعة، ومن تهمة شق الصف، وتهمة إثارة الفتنة، وتهمة التكفير والتخوين.. والخوف يعني الطاعة والخضوع والتسليم دون اعتراض..  

هذا الخوف الكامن يزدهر في النفوس الملتاعة والقلقة والمرتجفة، التي تئن تحت وطأة الفقر والعوز والظلم الاجتماعي، وتكتوي بلهيب القمع السلطوي، وفي النفوس المحتارة التي تتذبذب بين الأفكار المتناقضة والتيارات المتنافسة والقوى المتصارعة.. وهذا ما يمهد الطريق لتلك الجماعات لتكوين الجموع؛ حيث تمنحها اليقين (النفسي والفكري) والملاذ الآمن والحماية.. فيتمسك الفرد أكثر بالجماعة.. ويمكن للجموع، حين تُدار بالخوف والهوية المغلقة، أن تنتج التعصب، ويمكن للتعصب في ظروف معينة أن يتحول إلى تطرف وعنف، فيتحول العنف من أداة للتخويف إلى قيمة عليا بحد ذاتها.. لذلك تجد في مجتمعات القطيع تمجيدا لكل مظاهر القوة والعنف: السلاح، الذكورة، العصبية، إطلاق الرصاص في الهواء وعلى الخصوم..

المشكلة ليست في اجتماع المؤمنين، فالدين عرف منذ بداياته الطقس الجماعي والمجتمع، بل في اللحظة التي تزعم فيها الجماعة احتكارها الحقيقة، وتتحول إلى سلطة على ضمير الفرد، ويصبح الانتماء إليها شرطاً للإيمان، والطاعة لها شرطاً للنجاة.

وكما تستغل الجماعات الدينية أتباعها وصولا إلى العنف، فإن السلطات تقوم بالدور ذاته حرفيا: تستغل الدين وتحارب به خصومها بكل عنف، وبذلك يفتتح الطرفان دوائر العنف التي لا يمكن التحكم بها فيما بعد..

من ناحية أخرى يسهم التدين الجمعي (السياسي) بخلق ظاهرة جديدة في المجتمعات الدينية: ظاهرة التدين الشكلي (النفاق)، حيث يكون الدين مهيمنا على كافة مظاهر الحياة العامة والخاصة، ويكون التدين قيمة اجتماعية تعطي صاحبها الحظوة والحضور والفرص والاحترام والهيبة، وتجنبه اللوم والتقريع وخطر التهم الجاهزة.. فيصبح ضروريا إبراز مظاهر التدين (الشكلانية المتعلقة بالهيئة والملابس وترديد العبارات الدينية).. وهنا يصبح استغلال الدين على المستوى الفردي، وتعمم ظاهرة النفاق والتدين الشكلي على نطاق أوسع، وبتداعيات سلبية أشد خطورة، حتى نجد أنفسنا أمام دين جديد، لا علاقة له بالدين الأصلي إلا بالاسم والمظاهر. 

أغسطس 28، 2026

لغز الأديرة المنعزلة وعلاقتها بمكة المكرمة


في رحلة عائلية إلى وادي القلط على مقربة من أريحا، سلكنا طريقاً متعرجاً بانحناءات حادة، تحيط بها التلال من كل الاتجاهات. بعد نصف ساعة شعرنا كما لو أننا دخلنا الوادي المفقود، ازدادت وعورة الطريق، وازدادت معها عزلة المكان، إلى أن وصلنا مدخل الدير؛ ثلاثة أقواس حجرية باسقة، تقف على رأس منحدر حاد، شعرنا أننا انتقلنا إلى عالم آخر دفعة واحدة؛ منظر من النوع الذي لا يُنسى: إلى الشمال والغرب ثمة وادٍ سحيق ينحدر إلى الأسفل بقوة، في الجهة المقابلة تماما، ينتصب جدار صخري مهيب، بارتفاع يزيد عن المئة متر، في هذا الفضاء السابح بين الجبلين، وعلى كتفي الوادي لا تجد سوى الصمت مؤكداً على عذرية المكان، وعلى تواصله مع الزمن السحيق.. في وسط هذا الجدار الصخري، ينتصب دير "القديس جورج"، في منظر بديع يحبس الأنفاس، ويضفي على المشهد سحر الغموض.. أول ما تراه تتساءل بعفوية: كيف بُني هذا الدير؟! وأي فنان قدّه من الصخر!؟ ولماذا هذا المكان الذي تعزله عن العالم ممرات وعرة لا تسلكها إلا الضواري والطيور الجارحة!؟ من يسكن هذا الدير؟! وكيف وصلوا هنا أصلاً !؟

أثار الموضوع اهتمامي فشرعتُ بالبحث لأجد أنه ليس الوحيد من نوعه، على الأقل هنا في فلسطين وحسب القائمة المعدة لليونسكو يوجد 73 موقعاً شبيهاً. أشهرها "دير القرنطل" غربي أريحا (تأسس سنة 480 م)، و"دير القديس مار سابا" بالقرب من العبيدية (تأسس سنة 483 م)، وأقدمهم "دير القديس خارِيتون" (تأسس سنة  330 م).

قبل بناء تلك الأديرة، مع نهايات القرن الثالث الميلادي، أخذ النساك المسيحيون يتجهون إلى برية القدس وأريحا؛ فوجدوا في وادي القلط ما يبحثون عنه: العزلة، الصخور والكهوف، ومصادر المياه، فأنشأوا شبكة من الأديرة في الصحراء بين القدس وأريحا والبحر الميت تحولت مع مرور الوقت إلى مجتمع موازي يضم الكهوف، والكنائس، وخزانات المياه، ومخابز، وحدائق صغير يزرعون فيها بعض الخضروات، وحجرات للنسخ والكتابة، ومكتبات، وطرقاً تربط الأديرة ببعضها. ولم يكن اختيار تلك المواقع مصادفة معمارية أو جغرافية، بل هي ظاهرة تاريخية بدأت من مصر وانتقلت إلى فلسطين وسورية وآسيا الصغرى وإيطاليا، وحتى إثيوبيا، تعود جذورها إلى القرنين الثالث والرابع الميلاديين، ثم بلغت ازدهارها في القرنين الخامس والسادس.

ولكن لماذا بنيت تلك الأديرة على قمم الجبال، وفي أكثر الأماكن وعورة وعزلة؟

الأسباب متعددة ومتداخلة؛ العزلة تعني الهروب من العالم، أو الانسحاب من المجتمع.. والعزلة تعني أيضا الزهد، حيث كان الناسك يبتعد عن المدينة والسلطة والمغريات اليومية، ليكرس حياته للصلاة والتأمل، بهذا المعنى لم تكن الصحراء أو الجبل مجرد منظر جميل؛ كانت أداة روحية. إضافة لوجود رابط بين جغرافيا المكان والنصوص الدينية. فمثلا في المخيال المسيحي المبكر، الصحراء هي المكان الذي ذهب إليه موسى، وعاش فيها الأنبياء.. دير القرنطل ارتبط بتجربة المسيح الأربعينية.. عموماً أراد الرهبان أن يكونوا قريبين من الأماكن المقدسة، أي أن اختيار البرية حمل معنى دينياً قائماً بذاته.

أما اختيار الأماكن الوعرة؛ ربما لأن الراهب لا يريد فقط أن يكون بعيداً عن الناس؛ بل أراد أن يكون الوصول إليه صعباً وشاقا وخطرا، سواء من قبل اللصوص، أو من قبل السلطات الحاكمة خاصة في فترات الاضطهاد الديني، أو من قبل الجيوش الغازية، لذا اختيرت مواقع الأديرة بحيث لا يمكن الوصول إليها إلا بممرات صغيرة ومنزلقات خطرة، أو باجتياز وادي سحيق وضيق، لكن بعد أن صارت المسيحية الدين الرسمي للإمبراطورية الرومانية لم يعد اضطهاد المسيحيين هو التفسير الوحيد؛ أصبحت العزلة نفسها قيمة دينية؛ فالصمت صلاة، وصعوبة الوصول اختبار للإرادة.

وهذا يفتح سؤال جديداً: ألا يتعارض اختيار المواقع الصعبة والنائية للأديرة مع مهمة التبشير، التي تقتضي تسهيل وصول المؤمنين للدير؟

قد يكون الجواب أن للدير مهمات تختلف عن الكنيسة، فالدير للعزلة والتأمل، حتى أن بعض الأديرة تجمد فيها الزمن، كانت في البداية فردية أي "ناسك منفرد" يعيش وحده في كهف أو صومعة، إلى أن وضع "باخوميوس" في مصر نموذجاً للرهبنة الجماعية في القرن الرابع، بحيث يعيش الرهبان معاً وفق نظام وقواعد مشتركة. وأصبحت تجمعات النساك والصوامع أساسا لما يسمى اللافرا، حيث يعيش الرهبان منفردين معظم الوقت لكنهم يجتمعون للصلاة والمناسبات الدينية.

لكن ظاهرة الأديرة النائية والمنعزلة لم تقتصر على فلسطين، سنجدها بكثرة في مصر، وسورية، وتركيا، وفي أثيوبيا حيث توجد كنيسة تعد الأخطر من نوعها في العالم، من حيث إمكانية الوصول إليها، إذ تحتاج مهارات خاصة في التسلق، وأي خطأ بسيط يكلف المؤمن حياته.

إذاً، بدأت الرهبنة كحركة منعزلة عن العالم، لكنها انتهت إلى صناعة عالم جديد؛ فبعض الكنائس بدأت بوصفها كهوفا للنساك ثم توسعت وتحولت إلى منشآت دينية أكبر.. وهنا يجب أن نتذكر أنّ الرهبان لم يكونوا يعيشون في فضاء مثالي؛ بل كانوا يتعاملون مع السلطات الحاكمة، والإمبراطوريات، والضرائب، والقبائل، والحروب، والحجاج، والسلطات الدينية، وأحيانًا كانوا يملكون نفوذاً سياسياً.. والأهم لديهم أسرارهم الخاصة.

قبل هذه الظاهرة بقرون، كان "الأسينيون" قد لجأوا للأماكن المعزولة هروبا من اضطهاد السلطات الدينية الرسمية، والأسينيون جماعة يهودية، ذات نظام ديني صارم انفصلوا عن التيار الديني السائد بسبب خلافات عميقة حول الشريعة، والكهنوت، واختبئوا في موقع خربة قمران في القرن الثاني قبل الميلاد (هناك عُثر على مخطوطات البحر الميت، التي تعد أهم وثيقة مكتوبة في التاريخ). ويُقال أنَّ بعض أفراد جماعة قمران فروا إلى قلعة متسادا غرب البحر الميت عندما اقتربت جيوش الرومان في القرن الأول الميلادي.

إذا اتفقنا أن العامل المشترك بين تلك الأديرة هو انعزالها، وبعدها عن الطرق التقليدية، وصعوبة الوصول إليها.. فهل هذا ينطبق على مكة المكرمة؟ من حيث أنها تقع في منطقة نائية، بعيدة عن طرق التجارة الدولية، يصعب الوصول إليها، ولا تتمتع بعوامل الجذب التاريخية، فليس فيها زرع ولا أشجار، ولا نهر ولا بحيرة، وبعيدة عن البحر، وأمطارها شحيحة، ومناخها قاسي وحار.. فلماذا وكيف صارت منشأ الإسلام؟

في البحث في هذا الموضوع الشائك سنواجه أسئلة محيرة تربك العقل..

توصلنا إلى أن العامل المشترك بين الأديرة التي ظهرت في القرون الميلادية الأولى هو انعزالها، وبعدها عن الطرق التقليدية، وصعوبة الوصول إليها، وأن السبب الأهم إلى جانب الاعتكاف والتأمل هو إيجاد مكان آمن.. وتساءلنا إن كان هذا ينطبق على مكة المكرمة؟ من حيث أنها تقع في منطقة نائية، بعيدة عن طرق التجارة الدولية، يصعب الوصول إليها، ولا تتمتع بعوامل الجذب التاريخية.

يقول العديد من الباحثين والمؤرخين أن اسم مكة لم يرد في الخرائط الجغرافية التي ظهرت قبل القرن السابع الميلادي، ولم يرد في سجلات التجار، ولا في نقوش ومسلات الدول المجاورة.. غابت عن موسوعة بليني الأكبر في القرن الأول التي دَوَّن فيها حواضر العرب وطرقهم. وغابت عن خارطة بطليموس في القرن الثاني التي ذكر فيها خمسين موقعاً من مدن وأسواق ومحطات قوافل. وعن خريطة بوتنجر الرومانية، التي وثقت طريق التجارة في الإمبراطورية. كما غاب ذكرها في الشواهد الصخرية من نقوش سبئية ومعينية ولحيانية وثمودية، أَرَّخَت لِلمُدُن والأسواق والممالك والحروب في شتى بقاع الجزيرة العربية. ولم يوجد لها ذكر في المصادر الحبشية أو البيزنطية أو الفارسية.   

هذا الغياب يبدو غريبا عند مقارنته بحضور مدن مثل تدمر والبتراء، أو يثرب والطائف، أو القدس وبصرى وصنعاء وعدن.. لا اسم لمكة، ولا موقعها، ولا وصفها كمركز ديني تضم أهم معبد في الجزيرة العربية، ويُنسب تأسيسها للنبي إبراهيم، وكانت محطة للتجارة الدولية.. والأغرب أن موقع مكة نفسها لم يُعثَر فيه على بقايا أثرية تعود إلى فترة ما قبل الإسلام، خلافا لكل المدن القديمة التي تضم طبقات أثرية شاهدة على ماضيها. وما يزيد من تعقيد السؤال أن السلطات السعودية منعت كل أعمال التنقيب، وبنت بنية تحتية حديثة، فوق ما يُفترض أنه يضم الأطلال والآثار القديمة، واستبدلتها بشوارع وساحات وبنايات ضخمة، بحيث صار العثور على أي قطعة أثرية شبه مستحيل.

حسنا، دعنا نشكك بصحة كل ما ورد بهذا الشأن، فغياب الدليل لا يعني تأكيد العدم، لنترك السؤال معلقا حتى تظهر أدلة أركيولوجية، أو إجابات منطقية.. ولكن هذا يفتح سؤالا جديدا إجابته لا تحتاج دليل: كيف نشأت مدينة مركزية بهذا الحجم في بيئة مجافية لا تتوفر على شروط نشوء وتطور المدن؟

تاريخيا: جميع الحضارات القديمة نشأت على ضفاف البحيرات والأنهار أو على شواطئ البحار، حيث يُعد توفر مصادر وفيرة من المياه شرطا أساسياً.. ومع ذلك قد تنشأ بلدات صغيرة أو قرى في أي مكان يحتوي على بئر أو جدول صغير.. والمنطق التاريخي يقتضي أن أي مدينة حتى تزدهر وتغدو مركزا تجاريا تحتاج للماء والغذاء والطريق السالك، وهي مقومات لا تملك مكة منها شيئاً. المياه شحيحة تقتصر على عدة آبار (أشهرها زمزم)، والبئر بدون معدات متطورة لنقل المياه لا يمكنه خدمة سوى عدد قليل من السكان. بالنسبة للغذاء، فمن المعروف أن تربة مكة غير خصبة، ولم تظهر فيها البساتين والحقول حتى أن القرآن الكريم وصفها "بوادٍ غير ذي زرع".. ولا تحيط بها سلسلة قرى زراعية بحيث تؤمّن حاجاتها الغذائية.. وفوق ذلك أمطارها شحيحة، ومناخها قاسٍ وحار. أما بخصوص الطريق السالك، مكة تقع في وادٍ مسدود جغرافياً، في منطقة جبلية وعرة، وليست نقطة عبور طبيعية، وطُرُق التجارة تمر عادة عبر ممرات سهلة وسهول مفتوحة وقرب خطوط السواحل، والتجار يبحثون عن ممر آمن يوصلهم لوجهتهم، وغير مضطرين لدخول مسالك وعرة وصعبة.

إذاً، كيف ظهرت مكة، وصارت منشأ الإسلام؟

ورد اسم "مكّة" صراحةً في القرآن الكريم مرة واحدة فقط، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ (الفتح 24). لكن مكّة وردت في القرآن بأسماء أخرى، منها: "بَكَّة": ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران 96). وأمّ القرى: ﴿وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ (الأنعام 92).

كما وردت في الأحاديث الشريفة والسيرة النبوية والعديد من المصادر الإسلامية المبكرة بشكل لا لُبس فيه. لكني هنا لا أشكك بوجود مكة قبل الإسلام.. إنما أستعرض وجهة نظر مؤرخين وباحثين طرحوا أسئلة تحتاج إجابات.. ومشكلة هؤلاء أنهم يتبنون المنهج التاريخي العلمي الذي لا يعتمد النصوص الدينية كدليل، إلا إذا كانت مخطوطات أصلية. فيقولون إن أول مرة ورد اسم مكة في مصدر غير إسلامي كانت في منتصف القرن السابع الميلادي، أي بعد ظهور الإسلام بنحو 50 سنة وأكثر.

واعتراض هؤلاء الباحثين  أن كل ما جاء عن مكة قبل الإسلام في النصوص الإسلامية المبكرة كُتِبَ بعد مئة وخمسين إلى مئتي سنة من ظهور الإسلام، فابن إسحاق أول من وثّق السيرة النبوية  كتبها بعد قرن ونصف، وابن هشام نقحها بعد قرنين، ولا يوجد مصدر واحد مُعاصِر للأحداث المروية. هذه الفجوة الزمنية تحتاج إلى إجابات لردمها.

هل تستطيع قصة عبد الله ابن الزبير ردم تلك الفجوة؟ في السردية التاريخية بحسب هؤلاء الباحثين: بعد مقتل الحسين بن علي سنة 61 هجرية صار ابن الزبير أبرز معارض سياسي للحكم الأموي؛ فهرب من بطش الحجاج، ومعه الحجر الأسود، ولجأ إلى مكة (التي كانت قرية صغيرة آنذاك) وجعل منها مركزا دينيا يستقطب الحجيج.. هنا نجد أن مكة وفرت له مكانا يصلح للاختباء أكثر من كونه طريقا تجاريا مفتوحا ومعروفا.. وفي تكملة القصة قصف الحجاجُ الكعبةَ وهدمها وقتل ابن الزبير في مكة سنة 73 للهجرة.. ثم وجد ابن اسحاق وابن هشام والواقدي في مكة مكانا مناسبا للسيرة النبوية، حيث لا شهود عايشوا تلك الفترة يمكنهم تفنيد أجزاء منها..  

طبعاً، أنا لا أتبنى هذه الأطروحة، وليس بوسعي دحضها.. إنما أعرض عليكم أسئلة عالقة تحتاج نقاشا عقلانيا هادئا مدعما بالأدلة المادية.. وبالذات حول الصورة التقليدية لمكة قبل الإسلام، كمركز تجاري دولي ضخم على طريق البخور، ومركز ديني معروف على نطاق واسع.

بالمناسبة، في الجزء الرابع من "المفصل" خصص جواد علي فصلاً بعنوان "مكة المكرمة"، ناقش فيه موقعها ووصفها وتاريخها.. واعتمد على البلاذري والطبري والمسعودي، إضافة إلى القرآن، وكان واعياً ومدركا لمشكلة غياب مكة في المصادر غير الإسلامية المستقلة.


أغسطس 23، 2026

ناخبين ومرشّـحين

 

اعتاد الناخب الفلسطيني (والعربي عموماً) على منح صوته في صندوق الاقتراع وفق معيارين: ينتخب قريبه أو ابن عشيرته بغض النظر عن مؤهلاته وصفاته.. أو ينتخب كتلة الحزب الذي ينتمي إليه أو يؤيده، وأيضا بغض النظر عن الأسماء والبرامج.. لنفترض أن هذه الشريحة لا تمثل الأغلبية، لنأخذ الشريحة الأوسع التي تحسم خيارها في اللحظة الأخيرة، هؤلاء ينتخب معظمهم بمنطق المناكفة، بمعنى أن الناخب لا يقرأ برنامج الحزب أو القائمة التي يعوّل عليها، أو التي يحمل تجاهها مشاعر السخط والإحباط ويذهب مباشرة للجهة الأخرى، أي أنه يُنزل عقوبة بحق الجهة التي يعاديها أو التي خيبت أمله وينتخب منافسها.. هذا حدث فعليا في انتخابات التشريعي 2006..

هذه العقلية تنسحب أيضا على المرشحين أنفسهم، فنجد بعض الكتل الانتخابية تتموضع على الجانب الذي يداعب عواطف الجمهور، وهنا لا تقدم الكتلة نفسها بوصفها صاحبة برنامج مستقل وواضح بقدر ما تطرح نفسها في مواجهة الخصم (الذي تعتقد أن الجمهور ساخط عليه) وكأنها تعرف عن نفسها من خلال هوية النقيض. بعبارة أخرى ستختار الكتل خصمها قبل أن تبلور برنامجها المستقل وتقدم وعودها للناخبين، وقبل أن تختار الحليف.

بإسقاط هذه الفرضية على الحالة الفلسطينية الراهنة سنجد أن ما يغري الكتل السياسية للترشح هو إحساسها بحالة السخط ومشاعر إحباط الجمهور من السلطة ومن فتح، معتقدة ومراهنة على أن غضبها من السلطة سينصب مباشرة لصالحها، بوصفها البديل. لذا، سنلاحظ قريبا جدا أن برامج ووعود المرشحين ستركز بصورة أساسية على نقد وتشخيص أخطاء السلطة (مع المبالغة والتضخيم إذا لزم الأمر، وغالبا سيلزم)  والتركيز على إخفاق مشروعها السياسي وعلى الأرجح لن يقدموا تصورات عملية للحل، سيكتفون بعبارات غامضة ومطاطية وشعارات فضفاضة تداعب العواطف.

مشكلة هذا النهج أنه لا يقوم على مبدأ "ماذا نريد؟"، وما هو برنامجنا المفصل، بل يراهن على توجهات الشارع المثقلة بذهنية "ماذا لا نريد".. هذا النهج في حال نجاحه يؤدي فقط إلى إسقاط الخصم، دون ضمانات وتفكير وتصور لما هو بعد إسقاطه. لأن إسقاطه في الحقيقة هو الهدف.

طبعا، التخوفات من إسقاط السلطة تدل على ذهنية سطحية، ربما تعوزها الذكاء؛ فهل يُعقل أن الكتل السياسية (المعارضة للسلطة) ستشارك في الانتخابات، وتتحمل أعباءها، ثم تنجح، وتسيطر على البرلمان، وحينها ستقول: هذه سلطة فاشلة، ونعلن انسحابنا واستقالتنا!! إذا الهدف هو السيطرة على السلطة، وهذا هدف مشروع، إذا كان القصد منه الإصلاح ومعالجة العيوب، وإجتراح سياسة جديدة تقود إلى مخرج وانفراج..

وهنا، بصفتي ناخب، قبل أن أقرر لمن سأمنح صوتي، سأفكر ملياً، وسأدرس برامج ومقترحات الكتل المتنافسة، وسأطرح عليها سؤالا مركزيا: إذا كان سخط الشارع على السلطة بسبب انغلاق الأفق السياسي وعدم التوصل إلى دولة بعد 30 سنة من أوسلو، وبسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية، وأزمة الرواتب والبطالة، وبسبب عجزها عن التصدي للاعتداءات المستوطنين، وعجزها عن تقديم ما يلزم لغزة، أثناء العدوان وبعده.. وبسبب ما يُقال عن الفساد والمحسوبيات.. أمام النقاط السابقة، ماذا ستقدم؟ ما هو برنامجك التفصيلي وآليات العمل؟ بماذا بالضبط ستختلف عن السلطة؟ وما هو الشيء الذي ستقدمه وعجزت عنه السلطة، أو تلكأت عن تنفيذه؟

وإذا أضفنا أسئلة تتعلق بالموقف من حماس، ومن تسليم السلاح، الإصلاحات المطلوبة من السلطة، شكل العلاقة مع  إسرائيل، وأميركا، ودول الإقليم.. هل لدى الكتل المتنافسة إجابات واقعية ومنطقية تختلف عن وتتقدم على موقف السلطة الحالي؟

باعتقادي أن الإجابة الوحيدة التي قد تحمل قدرا من الواقعية والصدق ما يتعلق بموضوع مكافحة الفساد، عدا ذلك سندخل في دوامة الشعارات، والمزايدات، والوعود المثالية.. التي ستصطدم بصخرة الواقع عند أول اختبار.

علماً، أن معظم الشعارات التي نطلقها بخفة ونصدقها بسذاجة تحتاج لتنفيذها مقدرات الجيش الأحمر.. وتذكّر دائما أم منطق المعارضة يختلف كليا عن منطق الحكم، وفي تجربتنا العربية حين تصل المعارضة للحكم تكون أسوأ من سابقتها..

بالمناسبة، ندرك تماما أن المجلس التشريعي مقيد بصلاحيات معينة، وله دور وظيفي محدد، عدا عن المحددات التي تقيد السلطة نفسها، ونعرف حدود الإمكانيات الفلسطينية، والضغوطات المسلطة على السلطة والشعب.. لذا لا أطالب الكتل الانتخابية بوعود لإيجاد حلول لتلك المعضلات.. وكل كتلة تقدم وعودا من هذا النوع سأعرف أنها تكذب وتزاود، أو أنها غير مدركة لطبيعة دورها.. لكن من حقي أن أعرف تصورات وموقف ورؤية كل مرشح من هذه النقاط..

الوعود التي سأطالب بها تنحصر في: العمل على استصدار قوانين وسن تشريعات معينة (سأتحدث عنها لاحقاً)، ومراقبة أداء الحكومة، ومحاسبتها، وتكثيف العمل في مكافحة الفساد واجتثاثه، وحث الحكومة على تحسين أدائها في التعليم والصحة والبنية التحتية ومشاريع التنمية والاهتمام بالشباب وإنصاف المرأة، وانتظام الرواتب، وصرف مستحقات الموظفين.. ويخلف عليكم..