أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

أبريل 30، 2026

سجل أميركا الديمقراطي

 

منذ تأسيسها عام 1776 وحتى الآن خاضت الولايات المتحدة  أكثر من 400 حرب وتدخل عسكري في مختلف أنحاء العالم، تخلفت عن خوض حروب في 17 عاماً فقط، أي أنها قضت 93% من عمرها في الحروب والصراعات. منها 96 حرباً وعدواناً مباشرا، والبقية خاضت فيها عمليات عسكرية وأمنية وتورطت في صراعات وحروب أهلية عبر أدواتها ووكلائها، فضلا عن دعمها العشرات من الانقلابات العسكرية في بلدان مختلفة.

من أبرز الحروب التي خاضتها في المائة سنة الأخيرة: الحرب العالمية الثانية، والحرب الكورية (1950-1953)، وحرب فيتنام (1955-1975)، وحرب الخليج الأولى (1991)، وحرب الخليج الثانية (2003)، وحرب الصومال (1991-1994)، وحرب البوسنة/ صربيا (1994)، والحرب على أفغانستان (2001-2021)، والحرب على ليبيا (2001)، والحرب على إيران (2024-2026). وتحت عنوان الحرب على الإرهاب خاضت حروبا في اليمن، والصومال، وسوريا، وليبيا..

إضافة لحروبها المباشرة، مارست واشنطن أسلوب التدخلات العسكرية والأمنية لدعم أنظمة أو إسقاط أخرى، وقد شهدت أميركا اللاتينية أكبر عدد من تلك التدخلات، وعملت على ذلك وفق "مبدأ مونرو"، الذي أعلنه الرئيس الأميركي جيمس مونرو عام 1823.. ويعني ببساطة الوصاية على أميركا اللاتينية، بوصفها الحديقة الخلفية للبيت الأبيض، ونصّ المبدأ على منع الدول الأوروبية من توسيع نفوذها الاستعماري في الأميركتين، واعتبر أي محاولة من هذا النوع عملا عدائيا ضد واشنطن. وبناء عليه زادت توسعها الإقليمي في القرن التاسع عشر، فاستولت على 55% من الأراضي  المكسيكية. وفي العام 1904 طوّر الرئيس ثيودور روزفلت مبدأ مونرو إلى ما عُرف بـ"مبدأ روزفلت"، أي ممارسة النفوذ العسكري والإطاحة بالأنظمة، ولم يعد الأمر يقتصر على الطابع الدفاعي، فمنحت أميركا نفسها حقّ التدخل في شؤون الدول الأخرى، وبسطت سيطرتها على عدد من الدول، من بينها: بورتوريكو التي بقيت مستعمرة أميركية، وحاولت مع نيكاراغو وهاييتي  والدومينيكان  وكوبا.

وتورطت في عمليات عسكرية وأمنية؛ فدعمت ومولت انقلابات عسكرية لاستبدال زعماء يساريين بأنظمة يمينية فاشية؛ في البرازيل دعمت قائد الجيش أومبرتو برانكو، لتنفيذ انقلاب عسكري أطاح بالرئيس جواو غولارت عام 1964، وفي تشيلي دعمت انقلاب الديكتاتور بينوشيه عام 1973 ضد الرئيس المنتخب سلفادور أليندي، وفي الأرجنتين دعمت الجنرال خورخي فيديلا للإطاحة بالرئيس المنتخب إيزابيل بيرون عام 1976، وفي نيكاراجوا مولت عصابات الكونترا ضد الرئيس أورتيغا حتى عام 1990. وفي غواتيمالا دعمت الدكتاتور  كارلوس أرماس للإطاحة بالرئيس المنتحب أربينز عام 1954. وفي العام 1989 نفذت عملية عسكرية لاعتقال رئيس بنما آنذاك نوريغا. وفي العام 2004 دعمت انقلابا أطاح بالرئيس الهاييتي جان أريستيد المنتخب وأجبرته على مغادرة البلاد.

في فنزويلا، وبعد عدة محاولات فاشلة لدعم إنقلابات ضد الرئيس هوجو تشافيز، قامت في العام 2026 باعتقال الرئيس نيكولاس مادورو. لكن ترامب هذه المرة أعلنها بصراحة أن الهدف هو الاستيلاء على نفط فنزويلا.. فلم يعد بوسع الإدارة الأميركية تسويق حججها القديمة: محاربة الشيوعية، ومكافحة الفساد وتجارة المخدرات..

وكانت المخابرات الأميركية قد مولت انقلابا في إيران عام 1953 ضد الرئيس الوطني مصدّق، لصالح نظام الشاه الدكتاتوري، وفي كوريا الجنوبية دعمت نظام "بارك تشونغ هي" العسكري الاستبدادي خلال الحرب الباردة. وفي الفيليبين دعمت نظام فرديناند ماركوس الفاسد والمستبد.

أنفقت الإدارة الأميركية ترليونات الدولارات على حروبها، علما أن تكلفة حربها الأخيرة على إيران كافية لوحدها لحل أزمة الجوع في العالم، لو أنها أنفقت تلك المليارات على مشاريع إنسانية. الأهم والأخطر في حروبها أنها خلفت ملايين الضحايا من القتلى المدنيين، وتسببت بملايين الإعاقات والعاهات الجسدية والنفسية، وشردت شعوبا بأكملها، وتسبب بدمار مخيف.

أما الانقلابات التي دعمتها ومولتها فقد ألحقت أضرارا جسيمة بالمجتمعات المحلية، إذ عانت من فترات طويلة من الفوضى وانعدام الأمن والاستقرار والقمع السياسي والصعوبات الاقتصادية. فضلا عما تسببت به من صراعات وحروب أهلية أعقبت الانقلابات وأدت إلى تمزيق النسيج الاجتماعي، وخضوعها لحكومات عسكرية دكتاتورية، كانت دوما تلغي الدستور، وتقمع الحريات، وتصفّي الحركات اليسارية وقوى المعارضة، وترتكب انتهاكات مروعة لحقوق الإنسان، شملت مقتل واعتقال وإعدام مئات الألوف من المواطنين وزجهم في السجون دون محاكمات وتعرضهم للتعذيب الوحشي والتغييب القسري.

في دعمها للانقلابات استخدمت المخابرات الأميركية أسلوب حشد القوى الشعبية في مظاهرات واحتجاجات مناهضة للحكومات، وتمويلها وتحريك وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي لنشر معلومات غالبا مشوهة ومنقوصة تتعلق بالحكومات حول موضوعات حقوق الإنسان والديمقراطية والحريات والفساد، بما يثير غضبا وحراكا جماهيريا ضد الدول المستهدفة. وبعد تشويه صورة الأنظمة المستهدفة والتحريض ضدها، تستخدم الاقتصاد ونظام العقوبات والحصار، أو المساعدات، والشركات الكبرى ومراكز الأبحاث، وتتحالف مع الأحزاب اليمينية والفاشية ورجال الأعمال، وبعض القادة الشعبويين.

ظلت الولايات المتحدة تخوض حروبها المباشرة وغير المباشرة تحت حجة الحرب الباردة ومناهضة الشيوعية، أو بحجة نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان! أو بحجة مكافحة الإرهاب والحركات الأصولية! وحتى بحجة "التهديدات المستقبلية المحتملة"؛  لكن المحرك الحقيقي لحروبها هو طبيعتها الاستعمارية المتوحشة، ولأنها أقامت نظامها السياسي بالعنف وعمليات التطهير العرقي، وبنت نظامها الاقتصادي على العبودية، تستخدم القوة لتأكيد تفوقها، ولحماية مصالحها وتأمين مناطق نفوذها، وتحتاج الحروب للهروب من أزماتها الداخلية.  

بغض النظر عن كل القيم التي كانت تزعم أنها تمثلها؛ أميركا الدولة الوحيدة في التاريخ التي استخدمت السلاح النووي ضد المدنيين، ولديها أضخم سجل حافل بالقتل والدماء والحروب والانقلابات العسكرية.. وظلت الإدارة الأميركية تتجاهل ممارسات الأنظمة القمعية والفاسدة التي تحالفت معها، بل وقدمت لها الدعم والمؤازرة، طالما أنها خاضعة لسياساتها.

كيف لدولة بهذا التاريخ  العنيف أن تسوق مزاعم واهية ومكشوفة تدحضها كل الوقائع والتقارير الإخبارية.. والإدعاء أنها صديقة للشعوب وتدافع عن حرياتهم، وتريد لهم الخير؟!

أمريكا هي الطاعون، والطاعون أمريكا..

أبريل 24، 2026

بين الطب الحقيقي والطب البديل، وضياء العوضي

 

ارتبط المرض والاستشفاء بالإنسان منذ أو وُجد، وكل الشعوب القديمة مارست الطب بشكلٍ ما؛ في عصور ما قبل التأريخ وجد الإنسان ضالته في استخدام بعض الأعشاب، ومع التجربة وتراكم المعرفة ميّز بين الضار والنافع..

طور المصريون القدماء أساليب متقدمة في الاستشفاء، وقد وُجدت برديات تشرح بالتفصيل عمليات التشريح والعلاج، وبعض الأمراض النسائية، ومشاكل الحمل، وطب الأسنان، وتجبير العظام.. وقد تميزت بخلوها تقريباً من المعتقدات السحرية، كما مارس الطب المصري القديم عمليات جراحية دقيقة، وأوجدوا غرفا لعزل المرضى، وسجلات لمتابعة المريض..

كما طورت الحضارت اليونانية الطب بمنهج علمي لدرجة أنَّ أبو قراط حمل لقب "أبو الطب"، وما يزال الأطباء حتى اليوم ملتزمون بقَسَمه.. 

في الصين وُجدت سجلات طبية تعود لقرنين قبل الميلاد، تعرض تخصصات دقيقة كطب الأطفال، والعيون، وأمراض القلب، والعلاج بالإبر. وكانت الدولة تجري امتحانات لتأهيل الأطباء في أوائل القرن الأول الميلادي.

امتدت مساهمة العلماء المسلمين في مختلف مجالات العلم والطب في العصر الذهبي الإسلامي (800-1100م)، مستفيدين من المعرفة التي تركها الأطباء والعلماء اليونانيين والرومان ومطورين لها. وقد اشتهر منهم ابن سينا والرازي وابن النفيس وابن الهيثم وغيرهم الذين كتبوا في علم وظائف الأعضاء، وطب العيون، وعلم الأجنة، وعلم النفس..  

شهدت العصور الوسطى تراجعا مروعاً في الطب حتى وصل أسوأ مراحله، خاصة في أوروبا؛ كان متوسط عمر الفرد 35 عاماً، ومعدل وفيات الأطفال حديثي الولادة نحو 20% والكثير من النساء يمتن أثناء الولادة، ومات الملايين نتيجة عدوى يمكن تفاديها مثل الجذام والجدري والطاعون، كان الطبيب يكتفى بالأعشاب، وبعض الوصفات البدائية.

مع أن الطب الشعبي والاستشفاء موغل في القِدم، وقد تطور من جيل إلى آخر؛ إلا أنَّ قطيعة حصلت ما بينه وبين الطب الحديث، الذي يرفض الاعتراف به، تحت مسمى "الطب البديل"؛ بمعنى أنك لن تجد في الصيدلية عبوات ميرمية، وزيزفون وبابونج (ستجدها في السوبرماركت أو عند العطّار)، ولن يكتب لك طبيب مختص وصفة حبّة البركة لعلاج السرطان، أو نبتة الخرشوف لعلاج التهاب الكبد، ولن تسمع عن مؤتمر علمي محترم عن العلاج بالزنجبيل، أو بذور الكتان..

قد تكون هذه الأعشاب وتلك الوصفات مفيدة للصحة، ولديها قدرات علاجية معينة، لكن الطب الحديث لا يعترف بها، وفي أحسن الأحوال ينصح بها خبراء التغذية لما تحتويه من عناصر وفيتناميات ومضادات أكسدة.. أي في إطار التوعية والوقاية وتحسين أنماط الحياة الصحية..

يعتمد الطب الشعبي على الخبرات الشخصية، قد تناسب عشبة معينة شخصاً ما، ولا تناسب غيره، كما أن الوصفات الشعبية عمومية وغير دقيقة من حيث التراكيز والكميات، ولم تخضع لتجارب واسعة، ولا تتضمن إحصاءات موثقة ومعتمدة.. خلافا للأدوية الحديثة التي تتطلب تجارب عملية على حيوانات ثم بشر، وتحليل النتائج، وتحديد تركيز المادة الفعالة، وكيفية حفظ وأخذ الدواء، وتفاعله مع الأدوية الأخرى، وما هي الأعراض الجانبية المحتملة.. وهذه التجارب تستغرق سنوات طويلة، وتكلف مبالغ طائلة، ويتم اعتمادها من قبل مؤسسات رسمية متخصصة.

النقلة النوعية في مسيرة تطور الطب حدثت بعد اكتشاف الجراثيم واكتشاف الدورة الدموية.. قبل ذلك لم يعرف الأطباء السبب الحقيقي لأغلب الأمراض، وماذا يحدث داخل الجسم.. وكان المداوون يلقون باللوم على الأرواح الشريرة، والخطايا، والجن، وبشكل غامض على القذارة والتلوث. أو خوارق الطبيعة، أو الحظ والنجوم، وفي أحسن الأحوال المداواة بالأعشاب التي أثبت الطب الحديث نجاح بعضها، ولكن بشكل نسبي.

النقلات الأهم حدثت مع تطور علوم التشريح، وابتكار اللقاحات والتطعيم، واكتشاف التخدير، واستخدام الأشعة السينية التي ساعدت الأطباء على التشخيص وتحديد العلاج، وإجراء العمليات الجراحية تجرى في ظروف معقمة وباستخدام القفازات.

ومع اكتشاف الفيروسات، والفيتامينات، والعناصر المعدنية، وعلاقة الغذاء بالصحة، ودور الهرمونات، والأمراض الوراثية.. ومع تطور أدوات الكشف والفحص مثل الفحوصات المخبرية والتصوير بالأشعة، وتطور الأجهزة والمعدات الطبية.. يمكن القول أنه بذلك ظهر الطب الحديث.

حاليا، أي شخص يمرض يتجه للطبيب المختص، الذي سيتعرف على أعراض المرض بمقارنتها مع ما تعلمه في الكتب، ثم يطلب فحوصات دم، بول، هرمونات.. ليتعرف على حالة المريض بشكل أدق.. وقد يطلب صورة تلفزيونية أو بالأشعة المقطعية.. إلى أن يصف الدواء المناسب وطريقة العلاج الصحيحة..  

مع أننا في القرن الحادي والعشرين، ما زال البعض يلجأ للمشايخ والسحرة والمشعوذين لكتابة الحُجُب والتعاويذ والأدعية، خاصة فيما يتعلق بالأمراض النفسية والعقلية والعصبية..

قبل أيام انتشر على وسائل التواصل خبر وفاة طبيب اسمه "ضياء العوضي"، وقال أنصاره بأنه تعرض للتصفية من قبل شركات الأدوية.. كانت أول مرة أسمع به، وبمجرد أن عرفت أنه مؤثر مشهور، ولديه ملايين المتابعين حتى توقعت أنه نصّاب.. لأن الأطباء الحقيقيون ومن يقدمون مادة علمية رصينة لا يحظون بملايين المتابعين.. وبعد أن قرأت عنه واطلعت على بعض ما نشره تأكدت أن ظني كان صحيحاً.

في المحتوى الذي قدمه تجاوز العوضي كل أسس ونظريات الطب والتغذية التي أنتجتها الجامعات والمراكز البحثية، وصار يروج لأفكار غريبة مثل الامتناع عن الأدوية، واستبدالها ببعض الأغذية التي سماها "الطيبات"، منها السكر... وطالب مرضى السكري بالتوقف عن أخذ الأنسولين، وغيرها من النصائح التي تسببت بحالات وفاة "مسجلة"، ومئات الحالات التي وصلت للمستشفيات وهي على حافة الموت..

نال شهرة واسعة، وكان الناس يصدقونه بسبب حضوره القوي على وسائل التواصل، ولأنه كان يتحدث بثقة مطلقة، مغلفا كلامه بهالة دينية، مهاجما شركات الأدوية والمؤسسات الرسمية.. وهذا الأسلوب الأمثل لجلب المعجبين والمتابعين.. خاصة الفقراء الذين يعجزون عن شراء أدويتهم، والبسطاء الذين ينخدعون بمعسول الكلام، والناقمين على السلطات والدولة والشركات الاحتكارية.. وأصحاب نظريات المؤامرة المقتنعين بأن شركات الأدوية تمتنع عن نشر دواء حقيقي للقضاء على أمراض مزمنة مثل السكري والضغط والسرطان حتى تظل تجارتهم رائجة..

مع أنه كان يبيع الأوهام، إلا أن ذلك لا يبرئ تاريخ الطب من ممارسات وأخطاء كارثية، ولا سجلات شركات الأدوية التي تجني ثروات طائلة على حساب المرضى.. ولكن، لو كان الأمر مجرد تجارة، فلماذا قضت شركات الأدوية على أمراض مستعصية كانت تفتك بملاىيين البشر؟

أبريل 22، 2026

ألغام على طريق المؤتمر الثامن لحركة فتح

 

ينعقد المؤتمر الثامن لحركة فتح في ظروف بالغة الخطورة وشديدة التعقيد،  حيث تمر فلسطين والإقليم والعالم بأسره في مرحلة انتقالية تاريخية بين عالم قديم يتداعى فيه كل شيء تقريبا: القيم والمفاهيم والخرائط الجيوسياسية وموازين القوى، وآخر يتشكل في ظل الحروب، دون أن تتّضح ملامحه بعد، فيما تراوح مكانة القضية الفلسطينية في سلّم الأولويات الدولية بين مد وجزر، وتقف السلطة الوطنية على شفير الهاوية.

لذا، لن يكون هذا المؤتمر مجرد استحقاق تنظيمي، بل سيشكل نقطة مفصلية في تاريخ الحركة الوطنية سيتحدد على ضوئها مستقبل القضية الفلسطينية.. ذلك لأنّ "فتح" تشكل العمود الفقري للحركة الوطنية الفلسطينية، ولأنها في الوقت نفسه، أحد مصادر أزمتها.. وكلما كانت فتح قوية وحيوية كانت القضية الفلسطينية بخير.. وكلما أصابها الوهن وتراجعت، تراجعت معها القضية..

سيواجه المؤتمر الثامن تحديات خطيرة جدا، لدرجة أن البعض اعتبر أن انعقاد المؤتمر في ظل هذه الظروف خطيئة، وقد يعرضها لخطر لكارثة كبرى، أو للانشطار والتشظي، أو الاندثار.. لكن المسؤولية الوطنية التي طالما تفاخرت فتح بتحملها تقتضي منها المواجهة، وحسم الخيارات، وعدم التهرب..

سيكون أمام المؤتمر العديد من القضايا الحساسة والخطيرة، والتي تحتاج موقفا واضحا، على أن تأتي الإجابات محصلة نقاش مسؤول وناضج، وليست نتيجة إملاءات من قبل القيادة المتنفذة.

القضية الأولى: مستقبل التسوية السياسية، مع انسداد الأفق السياسي، وهيمنة اليمين الصهيوني وتصعيد مشروعه الاستيطاني التوسعي، الرافض لأي تسوية، والمناهض لفكرة الدولة الفلسطينية، بل الساعي بخطى حثيثة لتصفية القضية الفلسطينية دون حلها، ووضع الشعب الفلسطيني أمام خيارين: إما البقاء كعمّال ومستخدمين ومواطني درجة ثالثة دون أية حقوق سياسية، أو المغادرة والهجرة.. ومن يرفض الخيارين سيلاقي القمع والاضطهاد والسجون والاغتيالات.. وما يزيد من تعقيد المشهد الانحياز السافر للإدارة الأميركية، والذي تجاوز محددات السياسية الخارجية الأميركية التقليدية.. وتراجع مكانة القضية الفلسطينية في الأجندة الدولية خاصة مع اشتعال العديد من الحروب في الإقليم والعالم..

السؤال السياسي يرتبط تلقائيا بقضية أخرى بالغة الأهمية؛ وهي إعادة تعريف المشروع الوطني، والذي على ضوئه ستتم صياغة البرنامج السياسي والكفاحي للحركة، وتحديد الخيارات المتاحة واللازمة.. وهذا يحتاج بالضرورة تحديد موقف واضح من المقاومة: هل المطلوب مقاومة مسلحة؟ وبأية أدوات؟ أم مقاومة شعبية سلمية؟ وكيف نعيد ثقة الشارع بهذا الخيار؟ وكيف نستنهضه من جديد؟ مع تقديم كشف حساب بما تم إنجازه في المرحلة السابقة في سياق الكفاح الدبلوماسي والقانوني والإعلامي وعلى الساحة الدولية، وكيف أُديرت كل تلك العملية، خاصة تجاه حرب الإبادة التي تعرض لها أهلنا في غزة، وماذا قدمت الحركة لهم..

القضية الأُخرى التي ربما تفجر المؤتمر، هي الموقف من حماس: والإجابة على أسئلة من نوع: لماذا أخفقت فتح (وحماس) في إنهاء الانقسام؟ والتوصل إلى حد مقبول من تحقيق شكل ما من الوحدة الوطنية؟ وهل المطلوب استيعاب حماس، وإعادتها للحاضنة الوطنية؟ أم تركها لمصيرها وتحمُّل مسؤولية سياساتها وخياراتها منذ الانقلاب وحتى اللحظة الراهنة؟ خطورة مثل هذه الأسئلة وجود مجموعة أو تيار من "المركزية" و"الثوري" مؤيدون لخيارات حماس وعلى رأسها هجمات 7 أكتوبر، وامتناعهم عن توجيه أي لوم أو نقد لحماس، حتى مع إصرارها على التفرد في تقرير مصير ومستقبل غزة! في مقابل موقف الشارع الغزي، والموقف الوطني عامة الذي يرى أن حماس جلبت الانقسام، وأصرت عليه، وما زالت تسير في الاتجاه المعاكس لمصلحة القضية والوطن، وأنها تسببت بنكبة جديدة أشد وأقسى من نكبة ال48.

بالمثل، ولكن بدرجة أقل تحديد موقف واضح وصريح من دحلان، وما يسمى التيار الإصلاحي، وكيفية إعادة الاعتبار لقطاع واسع وعريض من المستنكفين والمهمشين من أبناء الحركة.

من أبرز القضايا الخطيرة التي يتوجب طرحها، موضوع الأسرى والشهداء، من ناحية إيقاف رواتبهم، ومخصصات أهاليهم، تحت ضغوضات وتهديدات إسرائيلية وأميركية وأوروبية بل وعربية.. وفي السياق ذاته قضية تغيير المناهج، ووقف ما يُسمى التحريض الإعلامي، والاستجابة للضغوطات الدولية المفروضة على السلطة تحت مسمى "إصلاحات".

وأيضا طرح ملفات الفساد: المحسوبيات، وتعيين السفراء واحتكار المناصب العليا في السلطة وتوريث الوظائف، ومحاسبة من سرق المال العام، وكيفية إدارة الهيئات والمؤسسات والمشاريع، ولماذا تعطلت الانتخابات كل هذه السنين، سواء الانتخابات الحركية في الأقاليم، أم انتخابات الاتحادات والنقابات والانتخابات البلدية والتشريعية والرئاسية.. وهذا الملف يرتبط عضويا بملف المراجعات العامة، الذي يجري التهرب منه بأساليب ملتوية سنة بعد أخرى.. أي إجراء مراجعة نقدية شاملة لتاريخ الحركة الوطنية من ناحية سياسية وتنظيمية وإدارية، بل وحتى مراجعة الشعارات والمفاهيم والمصطلحات التي سادة طوال العقود الماضية..

المراجعة النقدية تتطلب بالضرورة مراجعة وتقييم أداء اللجنة المركزية والمجلس الثوري وقادة الأقاليم في كل ما يخص القررات والمخططات التي اعتمدها المؤتمر السابع.. ما هي المنجزات، والإخفاقات؟

حساسية الموقف وخطورته تكمن في وجود تيارات وتوجهات متباينة ومتعددة وأحيانا متناقضة بين أعضاء المؤتمر.. وهذا سيسخّن النقاش.. صحيح أن تلك سمة "فتح" الأزلية، وطالما استفادت منها في تصليب موقف الحركة واستيعاب كل تلك التناقضات وصهرها في بوتقة الحركة.. لكن خطورة الملفات المطروحة تتطلب مرونة وتفهم ونقاش موضوعي من الجميع، وإلا تحول المؤتمر حقا إلى كارثة.

الإجابة على تلك الأسئلة وغيرها وتحديد موقف واضح مسألة في غاية الأهمية حتى لا يتحوّل المؤتمر (كما حصل في مؤتمرات سابقة) إلى كرنفال انتخابات ومناسبة لتوزيع المناصب والمكاسب.. أي لنجعل منه محطّةً للتقييم والمراجعات وتجديد الدماء والطاقات، وبالتالي إنقاذ الحركة واستنهاضها من جديد.

أبريل 20، 2026

على عمر الستين

 

يوم أمس وفي طريقي إلى العمل لتوقيع أوراق التقاعد، وقد بلغت الستين عاما، انتابتني مشاعر متضاربة وأنا أتأمل الشوارع والأرصفة، مع صوت فيروز سرحت في خيالات بعيدة، وغصتُ في أعماق الذاكرة مسترجعاً ومستشعراً عبق البدايات بكل صخبها وعنفوانها، لأقارنها مع النهايات بحساباتها الباردة والقاسية.

تذكرتُ يوم عودتي إلى الوطن مع أفواج العائدين قبل ثلاثين عاما.. قبل ذلك في المنفى، كانت قد تكونت في أذهاننا صورة متخيلة للوطن، صورة مثالية، بأبهى ألوانها وأفخم معانيها.. صورة صنعتها الأشواق وشكّلها الحنين وصاغتها أغاني العاصفة.. كنتُ أظن أنه بمجرد أن تطأ قدمي أرض الوطن، سأقبّل تربته.. لكن ذلك لم يحصل؛ فما أن أنهيتُ معاملات دخول الجسر، ونزلتُ من الحافلة.. نظرتُ للأرض؛ فوجدتها ساحة معبدة بالإسفلت، مثل أي شارع آخر، وفوق ذلك كانت قد تعرضت لساعات من لهيب الشمس.. فعدلت عن الفكرة.. وانشغلت بفكرة أين سأبيت هذه الليلة؟

كانت مئات العائلات قد أتت إلى أريحا لاستقبال أقاربهم العائدين، يعانقونهم بحرارة ثم يستقلون سياراتهم ويمضون في طريقهم إلى بيوتهم بكل شوق.. ولما فرغت الساحة من العائدين والمستقبلين، وبقيت وحيدا، جائتني عائلة من جبع جنين وسألتني إلى أين ستذهب؟ فقلت لهم لي صديق في طوباس سيسعد بزيارتي في هذه الساعة المتأخرة من الليل، فحملوني معهم مشكورين إلى بيت صديقي معاوية، ومن هناك بدأت مرحلة جديدة..

في البدء لم يكن لدي بيتٌ يُؤويني، وجيوبي خاوية تمامًا، وكنت أبيت في المعسكر وبيوت الأصدقاء معاوية وأنيس، أنتظر بلهفة عودة زوجتي، وأمضي الوقت وأنا أكتشف الأشياء والأماكن وأقرأ وجوه الناس، لم أكن أعرف ماذا أريد بالضبط، هل سأبقى ضابطًا في الأمن الوطني، أم سأعمل مهندسًا زراعيًّا، أم موظفًا في إحدى الوزارات؟ وأين سنسكن وكيف سنعيش؟

هذه الأسئلة، جميعها، كانت تتقزم أمام حقيقتين في غاية الروعة والجمال: أنّني مع حبيبتي خلود على أرض الوطن، وأنّنا معًا بكامل حريتنا الشخصية، سنعيش الواقع بتفاصيله، وسنبني حلمًا سقفه السماء، وسنعيد ترتيب الكون كما تشتهي قلوبنا، ولكن على مهل.. وهذا ما كان.

مع مرور الوقت تأكدت أنني لن أقابل شيئا ما، أو كائنا حيا اسمه الوطن.. صرت أكتشف أن هذا الوطن يشبه كل البلدان؛ فيه محلات تجارية فاخرة، وأخرى متواضعة، وأرصفة نظيفة، وأخرى محفّـرة، وسيارات مرسيدس وهونداي، وحقول بامية وحدائق، ومعامل طوب.. وهذا الوطن ليس كله خَضارٌ مدهش، كما هو في الصور، فيه مناطق جرداء، ومزابل، ومطبات.. ناسه مثل سائر البشر، فيهم الطيبون والأشرار.. الشمس ساعة الغروب تشبه الشمس في كل البلاد التي زرتها؛ تراها وتحس بجمالها حسب حالتك النفسية..

مع ذلك، كنتُ مفعما بالأمل، ومتحمساً، ولدي طاقة مدهشة، وأحلام مجنونة.. حلمتُ بوطن حر، مهما صغرت مساحته، وطن جميل، له عَلم وحيد.. هواؤه نقي، لا تلوثه قنابل الغاز، نمشي في شوارعه دون خوف، نبتسم بوجه الشرطي الذي لا تتعدى مسؤولياته تنظيم حركة المرور.. وطنٌ لا يلقي أحد نفاياته من شباك سيارته.. فيه كل الطوائف، ولكن لا أحد يفكر بالطائفية.. تُحترم فيه الأديان، ولكن دون وجود لرجال الدين.. فيه عشرات الأحزاب التي لا يغلّب فيها حزبٌ مصالحه على مصالح البلد.. والعشائر ليست أكثر من مجرد نسب، أو لقب.. المدارس بلا منهاج رتيب، حيث بوسع المدرّس أن يلقي النكات على تلاميذه، والتلاميذ يركضون بصخب في ساحات المدرسة.. والجامعات لا تخرج إلا من يبتدع بحثا مبتكرا.. والتأمين الصحي متاح للجميع.. والطبيب لا يعتقد أنه أذكى من المرضى.. والمدير يعد قهوته بنفسه، والوزير يمشي بلا مرافقين، والرئيس بلا موكب.. والوظائف بلا واسطات.. والتلفزيون لا يمتدح الحكومة.. ولا أحد يتحرش بالفتيات.. والانتخابات تجري بمواقيت لا تخضع لمزاج أحد.. الموظف لا يضطر لمجاملة مديره.. والمزارع لا يخشى انحباس المطر.. وعامل النظافة يلقى احترام الجميع.. الضريبة الوحيدة على المواطن أن يزرع شجرة..

وطنٌ يتأهل ولو مرة واحد لنهائيات كأس العالم.. ويفوز بميدالية ذهبية في الأولمبياد.. وطن بلا هراوات، ولا محسوبيات.. وطنٌ، بإمكان أي أحد أن يشتمه، أو يحبه.. وأن يرقص في شوارعه ولا أحد يزدريه..

مع كل الخيبات، والإخفاقات، ومع هذا الواقع البائس؛ ما زلت أحلم بهذا الوطن.. ولا أخطط لمغادرته..

بهذا اليوم، أُنهي خدمة دامت 35 سنة، خمسُ سنوات على كادر منظمة التحرير، ثم ضابطا في الأمن الوطني، ثم موظفا في السلطة الوطنية.. كان لي شرف المساهمة في وضع اللبنات الأولى منذ الحكومة الأولى، حين أسسنا مع الراحل الكبير أبو علي شاهين ومجموعة من الزملاء والزميلات وزارة التموين، التي ستندمج لاحقا مع وزارتي الصناعة والتجارة لتصبح وزارة الاقتصاد الوطني، ملتحقا بالإدارة العامة لحماية المستهلك..

أسسنا بهمّة زميلات وزملاء أفاضل مختبرا متخصصا بفحص الأغذية والمشروبات والمواد الاستهلاكية، وشاركنا بصياغة العديد من القرارات والقوانين وأنظمة الجودة والنشرات الإرشادية والمذكرات التفسيرية وغيرها مما يلزم لوضع أسس بنية تحتية إدارية تواكب أحدث الأنظمة.. ولا أزعم أننا حققنا كل شيء، فقد ارتكبنا الكثير من الأخطاء، ووقعنا في عثرات لا تُحصى.

كانت رحلة مهنية أعتز بكل تفاصيلها، واجهنا فيها تحديات جسيمة، منها ما نجحنا في تخطيها، ومنها ما أخفقنا أمامها.. ضمن بيئة عمل غنية بالكفاءات، تعلمت من زملائي الكثير، وتشاركنا معاً أجمل الذكريات.

أغادر موقعي الوظيفي، في مرحلة بالغة الصعوبة والتعقيد؛ حيث يعيش أهلنا في غزة مأساة رهيبة بكل تفاصيلها، وفي الضفة الغربية يتواصل إرهاب المستوطنين، ويشتد الحصار على السلطة حتى يكاد يخنقها، والموظفون منذ أكثر من أربع سنوات يتقاضون أشباه رواتب، تُقضم رواتبهم شيئاً فشيئاً حتى بلغت الربع..

خلال تلك السنوات تغير العالم جذريا مرات عديدة، وكل شيء انقلب رأساً على عقب، والحروب أفسدت حياتنا.. نتنياهو يعربد، وترامب يتوعد، ومضيق هرمز مغلق.. مع كل ذلك ما زلنا صامدين فوق أرضنا..

أغادر الوظيفة الرسمية بالعودة الأجمل والأهم: للبيت والعائلة، معاً سنبني عالمنا الخاص، وسنفتح كل المضائق والآفاق.. بالحب والأمل سننهي كل المراحل السابقة، وسنبدأ بأُخرى جديدة..

أبريل 10، 2026

جورج أورويل يظهر من جديد

 

تضمن منهاج التوجيهي لمادة اللغة الإنجليزية فصلا عن الرواية الشهيرة "مزرعة الحيوان" للأديب الإنجليزي جورج أورويل، ولا غرابة في ذلك، فقد أرادت وزارة التربية توجيهها لمهاجمة ونقد الاتحاد السوفييتي، والقول بأن الثورات الشيوعية والاشتراكية تنتهي بتآكلها من الداخل، ويلتهمها أصحابها.. وفي هذا جانب كبير من الصحة، فجورج أوريل أقر بأن روايته تنقد التجربة السوفييتية، لكن ما غاب عن المنهاج أن كل الثورات الشعبية على الظلم انتهت كذلك، وتحولت إلى نظم ديكتاتورية..

سأعيدكم إلى أجواء الرواية، تمهيدا لعقد مقاربة مع واقعنا الحالي، لنرى كيف استنسخت النظم والثورات العربية والعالمية نموذج مزرعة الحيوان، وطبقته حرفيا.. بدءأ من الاتحاد السوفييتي وإيران، مرورا بكل النظم العربية، وآخرها نظام "الجولاني"، وانتهاء بالأحزاب السياسية التي ادعت المعارضة، والميليشات المسلحة التي ادعت المقاومة..

كتب أورويل "مزرعة الحيوانات" سنة 1945، وروايته الثانية 1984 سنة 1949، والروايتان تستشرفان المستقبل، وتكشفان بتنبؤ واضح أنماطا من الحكم الشمولي تقوم على توظيف التكنولوجيا والتضليل الإعلامي للتسلط على الشعوب، كما لو أن الكاتب زار المستقبل واطلع عليه.

تُظهر رواية "1984" كيف يقوم النظام الاستبدادي (Big brother) بتزييف الواقع، وتغيير المعاني، وإرساء قواعد الخوف السياسي، وتحويل اللغة إلى أداة للاستلاب والسيطرة، واستخدام القهر والتنكيل لاستعباد الفرد من داخله، وتدجينه، ومصادرة إنسانيته وتفكيره وجعله جزءاً من القطيع.

أما "مزرعة الحيوان" فتكشف الوجه الحقيقي للإستبداد المختبئ خلف شعارات الثورة، وتبين كيف تتحول الثورة إلى وحش إستبدادي تلتهم نفسها ومبادئها وشعاراتها، وكيف تعيد إنتاج القهر والاستبداد بأقنعة جديدة. مع إنها وُلدت من رحم الشعب وحملت حلم التحرر والمساواة!

تدور أحداث الرواية حول مزرعة يملكها إنسان فاسد ومستبد يضهد الحيوانات (القيصر)، فيقوم الخنزير العجوز ميجر (لينين) بإلقاء خطبة تبث الأمل بين الحيوانات بأن الثورة ستخلصهم من الظلم، وستحقق لهم حلم المساواة والعدالة.. وبعد وفاته تقوم الثورة وتنجح في طرد مالك المزرعة والاستيلاء عليها، ويتولى قيادتها ثلاثة خنازير.

يتهم الخنزير نابليون (ستالين) شريكه الخنزير سنوبول (تروتسكي) بأنه متآمر فيفر من المزرعة خوفا على حياته. ثم يستخدم الكلاب للتخلص من بقية المعارضين، وينصّب نفسه حاكما مطلقا، ويؤسس نظاما ديكتاتوريا فاسدا، فيستحوذ على أرباح المزرعة، تاركا بقية الحيوانات تعاني الجوع والحياة الشاقة.

يقوم نابليون بدعوة أصحاب المزارع المجاورة (العالم الخارجي المعادي) على مأدبة لعقد اتفاق تجاري. وفي هذه الأثناء كانت الحيوانات تراقب الاجتماع من الشبابيك، دون أن تستطيع التمييز بين من هو الخنزير ومن هو الإنسان.

بالتعرف على بقية شخصيات الرواية، سنجد الخنزير الأصغر "سكويلر" يمثل الإعلام ودوره في الكذب وتبرير القمع وتجميل الواقع وتزويره وإعاد تعريف المصطلحات.. الغراب "موسى" هو المؤسسة الدينية التي تؤدي دوراً رئيسا في تثبيت الإستبداد، عن طريق تأثيرها الروحي والفكري والديني، واستغلال حاجة الناس للأمل، وحديثها الدائم عن الجنة الموعودة، لتُنسي الحيوانات الكادحة واقع بؤسها وحياتها الحاضرة القاسية، وتخدر وعيها بالأوهام فيقبلوا الإستبداد مقابل وعد بالخلاص.

الكلاب هي أجهزة القمع، تمارس دورها دون اعتراض للتخلص من المعارضة.. الأغنام، هي قطيع الجمهور الذي يمارس دوره في الهتاف والتصفيق، ورفض أي صوت ناقد أو متعقل.. الحصان بوكسر يمثل القوى العاملة، التي تكدّ بشرف وإخلاص وتثق بالقيادة ثقة مطلقة.. الحمار بنجامين، الصامت دوما، يمثل السكوت عن الظلم، والسلبية، واليأس من إمكانية التغيير.

بمقاربة أحداث الروايتين وشخصياتهما على واقعنا المعاصر، سنجد تطابقا مدهشا، ولأن المقال لا يتسع لذكر كل حالة بالتفصيل، بوسعك التخيل وعقد المقارنات.. ضع مكان "نابليون" أي زعيم معروف، وبدلا من "سكويلر" أي ناطق إعلامي أو محلل سياسي في "الجزيرة"، وبدلا من المزرعة ضع أي نظام من العالم الثالث..

بعد أن كانت الثورة تستمد شرعيتها من مقولاتها وشعاراتها ووعودها صارت تستمدها من السماء، فتحولت إلى شرعية إلهية مطلقة (الحركات الدينية)، ثم تحولت إلى سلطة ثيوقراطية، وأصبحت الطاعة ملزمة، والمخالف كافر، والنقد فتنة.. أو تستمدها من شعاراتها التي ستفسرها وفقا لمصالحها وتوجهاتها الجديدة (الثورات الوطنية). ومع مرور الوقت واصطدامها بالواقع وبعد سلسلة إخفاقات وهزائم ستبدأ بترديد مقولات النصر الإلهي الموعود، وضرورة الصبر والتضحية، والشهادة. أو بترديد الشعارات القومية القديمة..

في الواقع كل سلطة وفي خضم الثورة كانت تجّهز بصمت آلة القمع والدعاية، حيث ستبرر فشلها وهزائمها بالحديث عن العدو الخارجي (الغرب الصليبي، أو المؤامرة الكونية)، والعدو الداخلي (المرجفين والمنافقين) أو (الثورة المضادة، وأعداء الوطن)، وستستخدمان الخطر الخارجي ذريعة لإسكات كل صوت معارض أو منتقد، أو محتج.

ستحتكر السلطة السلاح والأمن فتتحول مباشرة إلى الاستبداد والقمع، ثم ستبدأ باحتكار تأويل الشعارات والمصطلحات من خلال لعبة إعادة تفسيرها: نحن وحدنا من يمتلك الحقيقة، نحن من نمثل السماء، نحن الشرعية الثورية.. تلك الشرعية ستتحول إلى أبدية وكانها شيك على بياض، وهنا سيتداخل الدين مع السلطة مع السياسة مع الامتيازات بما يشكل مزيجا معقدا وصلبا يصعب اختراقه.

يبدأ الإعلام بشيطنة القائد الذي أطيح به وكأنّ المشكلة كانت محصورة بشخصه وليس في بنية النظام، ثم التخويف من العودة للنظام القديم، وعدم وجود بديل، وهكذا تبدأ عمليات التخدير والتأقلم والتدجين مع الواقع الجديد..

وبعد أن شعر الجميع بنشوة الانتصار، وتعلقوا بالأمل، سيُصدمون بالواقع، وأنَّ لا شيء تحسّن، وكل الوعود جرى التراجع عنها، فيخفت الأمل تدريجيا حتى يُصاب الناس بالتبلد واليأس، ويبدأ المجتمع بالتفكك.. وتنتشر مظاهر الطوابير الممتدة، وأحزمة البؤس، وتحول الناس إلى كتّيبة تقارير ومندوبين بتجسسون على بعضهم البعض في مجتمع تملؤه الريبة والانتهازية..

وهنا تزدهر لعبة الإعلام؛ فتحت وطأة هذا الواقع المرير سيكون المجتمع جاهزا لتصديق أي شعار يخفف وطأة الألم عنه، ويمنحه بعض العزاء أو خيطا من الرجاء (الغامض).. باختصار سنكون أمام وجه جديد للاستبداد، بشعارات مختلفة..

بالعودة للرواية، أراد أورويل أن يثبت لنا أن الإستبداد لم يكن قوة خارجية، بقدر ما هو بذرة كامنة في كل نظام، أو في بنية المجتمع نفسه، أو هو صفة كامنة في النفس البشرية.. وهذه البذرة تنمو وتلك الصفة تتحول إلى سلوك عادي من خلال تغييب الوعي والتلاعب بالأفكار والمسميات.

الزعيم الذي بدأ مناضلاً مخلصا لشعارات الثورة لم يأتِ من الخارج، بل من نواة الثورة نفسها، ثم تسلل الإستبداد إلى عقله أمام إغراء السلطة والقوة والامتيازات، ثم إلى محيطه والطبقة الحاكمة، ثم إلى الجماهير عبر الأفكار المشوهة، والتضليل والخوف.

الاستبداد لا يحتاج إلى جيوش وأجهزة أمنية، بل فقط إلى رواية جميلة، ومتحدث بارع يفرغ اللغة والأفكار من معانيها، ويحولها إلى أداة قهر ومخدرات لتبرير الفشل. فشعار "كل الحيوانات متساوية" عُدّل بخفة، ليصبح: "لكن بعض الحيوانات أكثر مساواة من غيرها".. تلك الإضافة الطفيفة تختصر إنحراف الثورة، حين تتحول المبادئ إلى شعارات تبرر الفشل وتجمّل الظلم.

كل ثورة لا تقدر قيمة الإنسان تتحول إلى وحش. وكل ثورة تفقد النقد والمساءلة تتحول إلى نقيض مشوه لكل ما نادت به، فالخطر لا يجسده الطاغية بشخصه، بل يجسده غياب المؤسسات، والقطيع الذي يتنازل عن حريته مقابل الأمان، وكل شخص يتنازل عن حقه في التفكير التعبير والاختلاف.