أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

يونيو 18، 2024

بين الجسرين.. أريحا، أولاً.. قصة قصيرة


الخروج من الضفة الغربية، سواء بغرض السفر لأي دولة أخرى، أو لزيارة الأهل في الأردن، أو القدوم إليها عن طريق الجسر يختلف عن أي سفر آخر حول العالم، بمجرد وصولك الجسر تنتابك مشاعر جديدة ومختلفة تعجز عن وصفها أي لغة، مهما حوت من مفردات ومهما بلغت درجة بلاغتها، فالإجراءات هنا لا مثيل لها في أي مطار أو ميناء أو نقطة حدود بين دولتين.

"الجسر" نقطة العبور الوحيدة في العالم التي تشترك في إدارته سلطة وطنية ودولة مستقلة وكيان غاصب، ولذلك حمل ثلاثة أسماء: معبر الكرامة، وجسر الملك حسين، وجسر ألنبي.. على أية حال، لا أحد يهتم بالتسمية، فالكل يقول عنه "الجسر"، وما هو مهم السؤال الشائع: الجسر فاتح، أم مغلق؟

عندما عبرتُ الجسر أول مرة قبل ثلاثين سنة قادما من الأردن اكتشفتُ أشياء كثيرة ومدهشة، ومن بينها أنه يمكنني حمل ما أشاء من متاع، وبقدر ما أستطيع، لا يوجد ميزان يحدد لك وزنا معينا كما هو الحال في المطارات، وجدتُ مسافرين يحملون أشياء غريبة: حصيرة، كرسي، جالونات ماء وعصير وزيت، غمّاز سيارة، لوحة فنية مساحتها متر مربع، ومقلدة بالطبع، كان المسافر يتأبطها في محاولة منه لإيصالها سالمة. وفيما بعد اكشتفت أن متاع المغادرين يختلف عن متاع القادمين، فالمغادرون يحملون عادة تنكات زيت، وزيتون، وعصير مركز، وممكن أيضا قطين وزبيب وخبز طابون، بالإضافة لمتاعهم الشخصي.. أما القادمون فيحملون الحُصر، وعبوات حليب نيدو، وجبنة كيري، وكروزات دخان، ومعسل أرجيلة، بالإضافة لمتاعهم الشخصي، والذي قد يحتوي هدايا و"سوفينير" بحسب البلد القادمين منه.

الحقائب على الجسرين من كل جنس ولون وماركة وحجم، مكدسة فوق بعضها، وعلى كل حقيبة "شريطة" من لون معين لتمييزها عن سائر الحقائب، وسرعان ما ستكتشف أن الحقائب يغلب عليها لون واحد أو لونين، وكذلك الشرايط المربوطة بها. في موسم الحج والأيام المخصصة للمعتمرين ستجد مئات الجالونات من مياه زمزم، وجميعها عبوات شفافة ومن نفس الحجم، وعلى كل جالون كُتب اسم صاحبه.. والغريب أنهم حريصون على عدم اختلاط الجالونات! أما في موسم الزيتون فلا بد أن يتسرب الزيت من إحدى التنكات، فتتحول الأرضية إلى ساحة تزلج.

وطبعا لا يحمل الجميع حقائب السفر المعروفة، فقد يضع المسافر متاعه في خريطة قماش، أو كيس بلاستيك، أو يحملها كما هي، أو يلفها بحبل، والغريب أن الإسرائيليين اعتادوا الأمر، أو تكيفوا معه مرغمين!

وصلنا الجسر الأردني، وبعد أن دفعتُ ثمن تذاكر "باص الجت" ورسوم الحقائب دلفت إلى القاعة، فوجدت الناس يتجهون إلى طاولة تكدست فوقها مجموعة كبيرة من بطاقات بيضاء، والجميع يسأل: "مين معه قلم؟" أخذتُ بطاقة وبدأت أعبئ البيانات، ثم وقفت في طابور لتفحّص جواز السفر وختمه، كان موظف الجوازات بشوشا على غير العادة، هكذا سمعتهم يقولون، ثم خرجتُ من الصالة فوجدت الحقائب متناثرة في كل مكان، حملتُ حقيبتي وأودعتها في جوف الحافلة، وقد لاحظت أن الآخرين يتجهون قبل ذلك إلى السوق الحرة، والذي أغلب بضاعته سجائر من جميع الأنواع، لم ننتظر طويلا فسرعان ما امتلأت الحافلة بالركاب، وانطلقنا، وكم كانت دهشتي أننا تجاوزنا الجسر الذي يعبر نهر الأردن، دون أن أنتبه له، وبعد توقف ساعتين بلا حراك، انطلقت الحافلة واجتازت أول كيلومتر، طلب منا السائق أن ننزل من الحافلة جميعا، ونترك كل أغراضنا على مقاعدنا، ثم صعد جندي إسرائيلي وألقى نظرة سريعة على الحافلة، ثم أمرنا أن نعود مرة ثانية إلى مقاعدنا، وقد أخذ كل راكب يتفقد ما تركه على مقعده، وأغلبها كروزات دخان.

وصلنا الجسر الإسرائيلي، ترجلنا من الحافلة، لنجد حقائبنا منثورة على الرصيف أيضا، فأخذ كل مسافر حقيبته، ثم مشينا في ممر ضيق يتسع لشخص واحد، ممر متعرج وملتف على شكل متوازي مستطيلات لضمان ألا يتعدى أحد على دور الآخر، إلى أن وصلنا أول نقطة تفتيش، كان يقف أحد العمال ويتحدث بالعربية، ينظم الدور ويردد تعليمات التفتيش والعبور مثل آلة تسجيل: شيلوا القشاطات، واشلحوا الساعات، وحطوا المصاري هون ويشير إلى الصندوق البلاستيكي.. كان الطابور طويلا، والجو حارا وخانقا، والجميع في عجلة من أمره، وعندما وصل الدور عند سيدة خمسينية يبدو أنها ستدخل البلاد لأول مرة، فسألته هل يزمّر الجهاز على محفظة النقود، فأجابها بالنفي، ومن ارتباكها وضعت المحفظة في الصندوق ونسيت أن تنزع قلادتها، فأطلق الجهاز صوتا مدويا، جعل الجميع يضج بالاحتجاج.. قلنالك يا حجة اشلحي الذهب وحطيه في العلبة اعملتي العكس!

ثم وقفنا في طابور آخر لختم الجواز، وطابور آخر لتفقد الختم، ونقطة تفتيش أخرى لفحص الجواز، ثم نقطة أخرى للتفتيش والجمارك.

كنت أحمل حقيبة مليئة بالكتب، فقد قررت أن أنقل مكتبتي الصغيرة، وكنت مرعوبا من فكرة مصادرتها، والأشد رعبا أن يطّلع موظف الأمن الإسرائيلي على عناوين الكتب فيحيلني إلى المخابرات، ومن هناك إلى السجن.. حملتُ الحقيبة وكان واضحا أنها ثقيلة، وأدخلتها في جهاز الأشعة الكاشفة، وقلبي يخفق بشدة، ندمت حينها على هذه المغامرة غير الضرورية، لكن الحقيبة مرت بسلام، هكذا تهيأ لي، حتى نادتني مجندة ترتدي زيا عسكريا ضيقا جدا وعلى كتفها بندقية M16، وقد أدركت حينها أنني وضعت نفسي في ورطة، فسألتني إذا كنت قد حضّرت الحقيبة بنفسي، وأن أحدا لم يُدخل فيها شيئا، وأنني أعرف كل محتوياتها ومسؤول عنها.. فقدمت لها الإجابات النموذجية المرضية، فقال لي مع السلامة، هكذا بكل بساطة.

خرجتُ إلى الساحة، لأجد نفسي دفعة واحدة في فلسطين، لأول مرة سأطأ هذه الأرض المباركة، كنت أنوي أن أسجد وألثم الأرض تعبيرا عن فرحي، لكني وجدت أن الأرض كانت عبارة عن ساحة مزفلتة، شديدة الحرارة، وفكرة من هذا النوع وسط هذا الازدحام ستكون مضحكة، فقررت إلغائها وطردها من رأسي.

بعد تكرار سفري عبر الجسر اكتشفت حيلا كثيرة للتسريع من الإجراءات وتجاوز الدور، وشراء الوقت.. اكتشفتُ أن العمال العرب (وأكثرهم من أريحا) يعرفون العبرية بطلاقة، ويحاولون مساعدة المسافرين، ولكن كل شيء بثمن، وبحسب المبلغ الذي تدفعه تحصل على خدمة أفضل، وتختصر على نفسك الكثير من الوقت. ثم اكتشفت أن سائقي الباصات أيضا يقدمون خدمات مدفوعة الأجر لأي مسافر مستعجل، شريطة أن يكون معه حقيبة صغيرة، حينها سينقله من باصه إلى أول باص وقد يفصل بينهما عشرين باص، وبالتالي سيختصر أربع إلى خمس ساعات أو أكثر، وربما عشرة، بحسب الظروف..

كنت أروي قصة سفري الأول وتفاصيل عودتي للوطن للحاج أبو أرشد، وقد مضى عليها ثلاث عقود، بينما كنا في استراحة أريحا، نجلس بجوار بعضنا ونراقب المارة والناس والموظفين والعمّال، كانت الساعة التاسعة صباحا، وأمامنا ساعات كثيرة في انتظار أن يأتي دورنا لصعود الحافلة لاستكمال طريقنا إلى عمّان.. كان رقمي 1390، بينما الرقم الحالي من 101 إلى 150.

تبسم أبو أرشد حتى بانت نواجذه، وقال بفضول: يعني حضرتك من العائدين؟

-      نعم صحيح. عدت من أيام اتفاق غزة أريحا أولاً..

-      أتذكر تلك اللحظات، حين أدرك رابين فجأة أن أريحا مدينة ملعونة، وعليهم الانسحاب منها فوراً! وأتذكر حينها ظهرت دراسات تاريخية تنفي قصة اجتياح يوشع لأريحا وقتل سكانها، وأن الرب أمسك الشمس وأخّر مغيبها حتى ينهي جيش يوشع مذبحته المروعة.. والصحيح أن أريحا كانت متهدمة قبل ذلك التاريخ بمئات السنين..

-      رابين انسحب من أريحا، وأبو عمار أصر أن تكون نقطة انطلاقه إلى عموم الضفة الغربية.. هي أريحا فعلا بوابة الوطن..

-      أي بوابة يا رجل؟ إذا أول ما تطلع من أريحا ستجد أمامك يافطة عملاقة مكتوب عليها "سرقة التيار الكهربائي حرام شرعاً".. والحمد لله إنها غير مترجمة، يعني فضايحنا على المستوى الداخلي فقط.. تخيل يا أخي لو كنت تدخل فلسطين أول مرة، أو كنت سائحا، وبمجرد وصولك إلى بوابة الوطن تقرأ هذه العبارة! ماذا سيكون انطباعك عن الشعب الفلسطيني؟

لم أتمالك نفسي من الضحك، رغم الحر الشديد والحالة العصبية التي كنت عليها، فرحت أمسح العرق عن جبيني، وأتذمر من الأزمة والضوضاء ومشقة الانتظار.. فتلفت أبو أرشد نحوي مبتمسا، وقال بثقة مفرطة: كل هذه الإجراءات المعقدة والصعبة التي تراها الآن، لا شيء لو قارنتها بسفر أيام زمان.. قال جملته بحسم، وسكت، منتظرا مني تلهفي واستغرابي، وسؤالي له: معقول؟ هل يوجد ما هو أصعب من هذا!

وبالفعل سألته دون تردد: معقول؟ وهل يوجد إجراءات أصعب من هذه!

-      دعنا نحضر كوبي قهوة، ونتحدث على رواق، لأن الموضوع طويل.. قال كلمة طويل، وقد مد الياء إلى آخرها في إشارة واضحة بأن ما سيقوله شيق ويحتاج جلسة هادئة.. وأمامنا كل الوقت اللازم والكافي لسماعها، وحتى لسماع قصة أبو زيد الهلالي..

وأثناء توجهنا إلى الكافتيريا سألني بفضول: ما هو أكثر شيء لفت انتباهك هنا في الاستراحة، أو على الجسرين الأردني والإسرائيلي؟

-      في الواقع، أمور كثيرة تسترعي الانتباه، الازدحام، الفوضى والنظام في الوقت ذاته، كثرة الإجراءات، واستبدالها من حين إلى آخر، لدرجة أنك بعد أن تعتقد أنك صرت خبيرا في إجراءات السفر، تكتشف تعليمات جديدة، وتبدأ بسؤال الآخرين عنها، فيظنون أنك تسافر أول مرة..

-      هذا صحيح، وبما أني سافرت ألف مرة، أستطيع أن أزيدك من الشعر بيتاً.

-      تفضل، وهات ما عندك.

-      في كل مرة أنهي إجراءات الجسر سريعا تتأخر حقائبي، أو تضيع!

-      وماذا أيضا؟

-      ورغم أني سافرت ألف مرة، لم يسعفني الحظ مرة واحدة أن أكون المسافر رقم واحد، ولم يصدف ولا حتى مرة واحدة أن صعدت في الباص الأول! وهذه من عجائب الجسر الكثيرة!

انتظر مني سؤاله: وماذا أيضا؟ لكني آثرت السكوت، وهو بدوره لم يصبر، فبادر بالقول: منذ زمن بعيد توقفتُ عن السفر من طيز الصبح، فقد اكتشفت أن الأزمة الخانقة تبدأ صباحا وتكاد تنتهي مع ساعات الظهر. ولكن حتى حين أصل الاستراحة متأخرا سيصيبني ما أصاب القوم المبكرين، سأنتظر حتى يمتلئ الباص بركاب متأخرين مثلي، ثم سننتظر جميعا مرة ثانية وصول الحقائب.. يعني التأخير حاصل في جميع الأحوال.

-      طيب، هناك سؤال يحيرني، وبما أنك سافرت ألف مرة ربما ستعرف الإجابة.

-      تفضل شو سؤالك؟

-      لماذا يحمل كل مغادر معه ميرمية، وزعتر، وعصير الزهراء، وزيت زيتون؟؟

-      أهلنا في الأردن يحبون ريحة البلاد..

-      يعني، ليس تحت شعار "اللي ببلاش كثّر منه"؟

-      لا، طبعا، مستحيل.. قالها مع ابتسامة ماكرة..  ثم أضاف: وبمجرد أن تركب تاكسي في عمّان ويشتم ريحة الميرمية والزعتر سيعرف فورا أنك قادم من الضفة، وحينها تتغير معاملته..

-      للأحسن، أو للأسوأ؟

-      بحسب السائق، وأنت وشطارتك..

كنا نتحدث في الكافتيريا جالسين تحت المروحة السقفية مباشرة لننعم ببعض الهواء البارد، وحتى نطرد الذباب، وقد دخّن كل منا سيجارتين في ربع ساعة، وبعد أن تناولنا قهوتنا عدنا إلى مقاعدنا، لنستأنف مراقبتنا للناس والمسافرين.. الصالة مليئة بالنساء وكبار السن والأطفال، الذين يتقافزون من حولنا مثل القردة، أو يدخلون في نوبات بكاء متتالية أو متداخلة وكأنهم في مسابقة.. أما الكبار ففي كل دقيقة يخرج أحدهم هاتفه النقال ويقول للطرف الثاني على الخط: هينا وصلنا الاستراحة وقدامنا ساعتين.. وبعد فترة يعاود الاتصال: وصلنا عند جسر اليهود، وصلنا عند الجسر الأردني، ختمنا الجواز، ركبنا في التاكسي، وتكون تلك آخر مكالمة، حيث تنقطع شبكة الجوال، وربما حينها يستعين بهاتف السائق ليتصل على شخص آخر، ويبدأ بإعطائه إحداثيات تحركاته: هينا وصلنا وادي شعيب، وصلنا السلط، رح نيجي عن طريق صويلح.. علما بأنه قد يسافر إلى المكسيك أو نيوزلندا ويعود ولا يتصل بأحد.. 

يشير أبو أرشد إلى شخص ما يقترب من شباك الجوازات ويتحدث مع الشرطي الفلسطيني بصوت مرتفع غير آبه بردات فعل الناس، ويقول له متصنعا ابتسامة: بسلّم عليك العقيد أبو منير، هو جارنا وصاحبنا.. يضحك بمفرده، ويطلب منه غير مكترث بسمعة الشرطي وموقفه بين زملائه: ياريت تقدر تطلعني في أول باص.. يقول أبو أرشد بسخرية: يا أخي إحنا شعب شفاف حتى في طلب الواسطة!

-      طيب إذا مستعجل في شي اسمه VIP  يدفع سبعين دولار ويوفر على نفسه مشقة الانتظار وإحراج الواسطة!

-      فعلا تخيل، مقابل سبعين دولار تجتاز كيلومتر واحد، وهو أغلى وأربح كيلومتر في العالم! عرفوا كيف يستثمرون في معاناة الناس ويحولوها إلى بيزنس..

-      برأيك، وبما أنك سافرت ألف مرة، أيها أريح: السفر ذهابا أم إيابا، صيفا أم شتاءً ، صبحا أم مساء؟

-      لا فرق، الجسر يوحّد الأوقات والفصول والناس.. السفر والكرامة والراحة خطوط متوازية لا تلتقي أبدا على الجسر.

-      يعني كله أَخرى من بعضه..

ونروح في موجة ضحك.. تتبعها فترة صمت، دون أن نتوقف عن مراقبة الناس والمسافرين والموظفين وحتى سائقي السرفيس.. وكنت بين كل فينة وأخرى أتحسس جيبي، وأتأكد أن جواز السفر ما زال هناك ولم يغادر من تلقاء نفسه، حتى لاحظ أبو أرشد ذلك، فقال ساخرا: لا بأس، هذه عادة فلسطينية مكتسبة، ولا يمكن تغييرها.. على الأقل أنت تضع جوازك في جيبك، أغلب هؤلاء المسافرين والمسافرات، حتى لا يزعل منا أهل الجندر، يضعون الجواز والتصريح وشهادة الميلاد والهوية وتذاكر الباص وضريبة الخروج، وربما عقد الزواج وعقد إيجار البيت، وفواتير الكهرباء كلها في مغلف شفاف، وعندما يصل شباك الجوازات يبدأ باستخراج وثائقه غالبا سيفشل في العثور على التصريح..

-      ربما هذه العادة عند كبار السن أكثر، أغلب المسافرين المتمرسين يرتدون حزاما من نوع خاص يستوعب كل الوثائق المطلوبة، وغير المطلوبة، ولا يمكن نزع إبزيمه بسهولة، وهؤلاء هم الأكثر تكيفا مع كل مستجدات وإجراءات الجسر المتغيرة دوما..  

-      ومع ذلك تراهم يتفقدون أحزمتهم كل نصف ساعة مرة، ويتحسسون أيضا مقدار استدارة كروشهم.

-      ما الحكمة من وراء كل هذه الإجراءات؟ سألتُ أبو أرشد لعله يكشف لي سرا طالما حاولت فهمه.

-       لا تجتهد ولا تحاول أن تفهم، هذه حكمة لا يعرفها إلا الضالعين في العلم، فحتى لو أُلغي إجراء ما، أو أُضيف إجراء آخر، واستحدثوا مثلا شباكا يجبر كل مسافر على شراء طاقية، وآخر يجبره على شراء كيلو تمر، فإن القائمين على الجسر لن يفصحوا عن الحكمة من وراء ذلك، ولكن المسافرين سيعترضون، سيكتفون بالشتم سرا، ثم سيعتبرون الإجراء روتيني وسيقفون في طوابير منتظمة، والمهم ألا يحاول أحد تجاوز الآخرين، ويبقى الدور سالكاً.

نروح في موجة ضحك جديدة، ونعود للمراقبة، فيقترح عليّ أبو أرشد أن نترك مقاعدنا فقد تيبست ظهورنا من طول الجلوس، وفعلا رحنا نتمشى في الممر الضيق بين المقاعد، ، وكنتُ أطالع وجوه الناس، وحركاتهم، وأحاديثهم.. لم يصدف أن رأيت أحدهم يحمل كتابا أو مجلة أو جريدة.. الكل قلق ومنشغل، ويتصبب عرقا.

-       ألا تلاحظ أن الجميع يصرخ وينتقد ويشتم ويزاحم على الدور؟ سألني ابو أرشد، وقبل أن أجيبه، أضاف: راقبهم عندما نصل الجسر الإسرائيلي، وانظر كيف يتحولون إلى مؤدبين وراضين، وبالكاد تسمع احتجاجا.. ثم راقبهم عند الجسر الأردني، كيف يصبحون متملقين وراضخين..

صارت الساعة الرابعة عصرا، حين أتى دورنا لصعود الحافلة التي ستقلنا إلى الجسر الإسرائيلي، وقبل أن نصل "كاونتر" الجوازات، أشار أبو أرشد إلى رجل أربعيني معه طفلان وقال: مثل ما أنا شايفك، هذا الرجل ناسي يعمل تصريح لأولاده.. وبالفعل، وصل الأب إلى الكاونتر وهمس في أذن الضابط: بسلّم عليك العميد أبو ضياء.. ولكن الواسطة لم تنفعه واضطر للرجوع إلى مكتب التصاريح..

مشت بنا الحافلة خمس دقائق، حتى وصلنا أول حاجز إسرائيلي، نزلنا من الحافلة، وعرضنا أوراقنا الثبوتية على موظف الأمن، وتوجهنا إلى حافلة ثانية، وانطلقنا من جديد، وبعد ربع ساعة توقفنا عند حاجز مشروع العلمين، وهناك استمر وقوفنا قرابة الساعتين، كل وقفاتنا وتأخيرنا وانتظارنا رهن بإشارة صغيرة من إبهام مجند إسرائيلي، بحجة الضرورات الأمنية، أو بحسب مزاجه.. ولحسن الحظ ظل أبو أرشد معي، فقد كانت لقصصه أثرا طيبا في تخفيف وعثاء السفر والوقوف والانتظار بلا معنى..

أشار أبو أرشد بإصبعه إلى الحقول المجاورة المزروعة بالباذنجان والقرنبيط وحقول الموز الممتدة، وقال ضاحكا: هذه هي الحمّامات العامة أيام زمان..

ضحكت لضحكته وقد أدرك أنني لم أفهم مغزى قوله، فقال موضحا: ألم أقل لك سابقا أنَّ كل هذه الإجراءات المعقدة والصعبة التي تراها الآن، لا شيء لو قارنتها بسفر أيام زمان؟ وقبل أن أجيبه أضاف: سأحدثك الآن عن سفر أيام زمان..

ورغم أني كنت في مزاج سيء، إلا أني كنتُ بشوق لسماع قصته، ولو تأخر في سردها كنت سأطلب منه ذلك، لكنه بادر بنفسه..

-      شوف يا عزيزي، من ال67 ولغاية ما أتت السلطة، كان السفر قطعة حقيقية من العذاب، ولا يُقارن بالعذاب الذي تراه الآن.. فأولا حتى تسافر تحتاج تصريح من الإدارة المدنية، وهذا ليس سهلا ولا مضمونا، ومعظم الأحيان ستكون مجبرا على التودد لأحد الجواسيس ورشوته بمبلغ مالي، حتى تحصل على التصريح، وبالمناسبة، التصريح كان غالي جدا، أكثر من مائة دينار على الشخص، في الوقت الذي كان فيه راتب الأستاذ أقل من ذلك، بمعنى أن العائلة إذا قررت السفر عليها بيع قطعة أرض، أو أخذ قرض من البنك. والمشكلة أن البنوك لم تكن تمنح قروضا.

لم تظهر علي علامات التعجب، فلم أتفاجأ بهذه المعلومة، ولكني كنت قد نسيتها تماما. وحتى يبهرني أبو أرشد أكثر أضاف:

-      كان الانتقال من الضفة الغربية إلى الشرقية يحتاج يوما كاملا في أحسن الأحوال، وهذه حالات نادرة جدا، ومعظم الأحيان كان يحتاج من يومين إلى أربعة أيام بلياليها.. وربما أكثر.

-      معقول؟! يعني كان الناس ينامون في الاستراحة؟

-      أي استراحة؟ لم تكن وقتها أي استراحة، كانوا يقضون كل وقتهم داخل سيارات الجسر.. وكانت من نوع مرسيدس تتسع لسبعة ركاب غير السائق.

-      معقول؟ أكاد لا أصدق!!

-      من حسن حظك أني ريحاوي، ومولود وعايش في هذه المدينة، وأعرف كل قصص الجسر والسفر قديما وحديثا، وما سأقوله لك أغرب من الخيال، لكني عشته بنفسي، وأتذكره تماما.. ألم أقل لك إني سافرت ألف مرة؟

-      والله شوقتني أعرف.

-      كانت ذروة الأزمة تبدأ في حزيران، حيث تبدأ العطلة الصيفية، ويتدفق طلبة التوجيهي وطلبة الجامعات في الخارج، والعائلات التي تريد زيارة أقاربها في عمّان، والشبان الذين يريدون تأجيل التجنيد الإجباري، والمغتربين في دول الخليج، والتجار وغيرهم.. وهؤلاء مكدسون في طابور طويل للسيارات يصل أحيانا إلى 8 كلم وأكثر، يبدأ من دوار البلدية أول شارع عمان، وينتهي هنا عند مشروع العلمين.. ولك أن تتخيل المشهد!

-      فعلا معاناة وشيء رهيب..

-      وكان هذا أيضا يتزامن مع موسم الذباب، كان الذباب ينطلق في أسراب مخيفة تحيل حياتنا إلى كابوس.. كانت درجات الحرارة تصل إلى 45 وأكثر، وبما أن الذباب لا يتحمل هذه الحرارة المرتفعة فكان يترك كل هذه الحقول الواسعة ويأتي ليزاحم الناس في الظل، ويزيد من معاناتهم..

تخيلت المشهد المرعب، حينما تكون محشورا في سيارة لأيام متواصلة بين الحر الشديد والذباب والانتظار وإذا كان أحد الركاب ثقيل الظل ستكتمل دائرة الجحيم..

-      هي بالنسبة لهم معاناة وجحيم، ولكنها بالنسبة لنا شيء آخر..

-      كيف يعني، لم أفهم قصدك؟

-      هل تعرف ماذا يعني أن تقع مدينة على خط القوافل التجارية، كما كنا ندرس في كتب التاريخ؟

-      يعني أن تزدهر وتصبح مهمة.. ولكن أين هو خط القوافل التجارية، وطريق الحرير؟ وما دخل أريحا في الموضوع؟

-      أريحا بلدة طيبة وأناسها مسالمون، في العادة لا نعترض على من يحكمنا، تخيل أننا حتى اليوم نغني في الأعراس للملك حسين، وكنا أول من احتضن السلطة.. المهم كيف نستفيد من كل مرحلة، وأن نعيش..

-      هذا شيء طبيعي، ومشروع..

-      ذلك الطابور الطويل جدا من السيارات كنا نراه فرصة، نرى المسافرين مجرد زبائن محتملين، أو مجبرين على شراء خدماتنا..

-      تقصد فنادق ومطاعم المدينة؟

-      أي فنادق؟ وأي مطاعم؟ هؤلاء مجبرون على المكوث في سياراتهم، ولا يستطيعون مغادرتها، وعلينا نحن بدورنا إيصال الفنادق والمطاعم إليهم. سياراتهم التي تتحول إلى أفران شواء ساعات الظهيرة.

-      أرجوك أوضح قليلا..

-      كنا نحن أولاد أريحا نبيعهم كل شيء.. وقد تعلمنا كيف نوزع الأدوار بيننا، ونستفيد منهم حتى الرمق الأخير، فمثلا أنا كنت تخصص ساندويتشات، كانت أمي توقظني قبل شروق الشمس، وتعد لي عشرات الساندويتشات؛ لبنة، تطلي، زيت وزعتر.. وقبل أن أتجه لمدرستي أقوم بجولة على السيارات وأبيعها كل ما لدي.. وكان كل ولد له تخصص، مثلا أحدهم يبيع الماء البارد، وهذه أكثر تجارة مربحة وتصلح في كل الأوقات، وغيره يبيع الشاي والقهوة، وآخر يبيع الجرائد، أو السجائر، أو ساندويتشات الكباب ساعات المساء، أو التمور، أو الفواكه، أو البوظة، بعضهم كان يعد طبخات من كل نوع ويبيع الأطباق ساخنة وقت الغداء.. كل ما يخطر ببالك، وما هو ضروري وغير ضروري، حتى الأدوية كنا نبيعها، هذا غير الخدمات..

-      خدمات مثل ماذا؟

-      يعني مثلا سيدة تسأل عن الحمّامات، فنرشدها إلى حقول الموز وبين أشجار النخيل.. لا تستغرب، عند نداء الطبيعة لا فرق بين ذكر وأنثى، الكل ملزم بتلبية النداء، يمكن تأجيل الموضوع ساعة ساعتين، ولكن في نهاية المطاف لا بد من قضاء الحاجة..

-      حتى من الشخة تستفيدون؟

-      وهناك خدمة أخرى، ومهمة جداً.. فكنا نطوف على طابور السيارات، خاصة في المقدمة، ونبحث عن سيارة فيها متسع لراكب أو أكثر، فأحيانا يعود بعض الركاب إلى مدنهم وقراهم بعد أن تعبوا ويئسوا من طول الانتظار، وهنا نرجع إلى مؤخرة الطابور، ونقوم ببيع الراكب إلى تلك السيارة، يعني نختصر عليه 400 سيارة مثلا، ما يعادل يومين انتظار، وهذه من الصيدات الثمينة والنادرة.

كنت أستمع لمحدثي، وأتخيل مقدار المعاناة، وحجم الأهوال التي سيتكبدها كل من فكر بالسفر، وكيف خلقت هذه المعاناة عالما موزايا، استفاد منه الطرفان..

-      وكان آنذاك مسار آخر خاص بالشاحنات، فقد كانت سلطات الاحتلال تفرض على سائقي الشاحنات التي تنقل بضائع من وإلى الأردن، وخاصة البرتقال، تفرض عليهم تجريد "تابلو" السيارة وحجرة القيادة من كل شيء، حتى تسهل عليهم عمليات التفتيش، فتتحول حجرة القيادة إلى هيكل حديدي مفرغ تماما، بالكاد فيه مقود ومقعد بدون فرش، و"تابلو" دون عدادات وساعات.. وكان ممنوع عليهم حمل أي شيء سوى البضاعة المسجلة، وبالتالي سيحتاجون كل شيء: أكل، ماء، عصائر، مسليات..

-      ألا توجد خدمات مجانية لوجهه تعالى؟

-      صحيح، خدمة إيداع الأمانات، فقد كان كثير من تجار غزة، والخليل ونابلس يأتمنون عائلات ريحاوية يعرفونها، فيتركون عندهم قبل سفرهم أشياءهم الثمينة: مصاغ ذهب، مبالغ نقدية، وثائق.. يسافرون مطمئنين ويعودون بعد عام أو أكثر فيجدون أماناتهم كما هي..

قبل أن يكمل أبو أرشد قصصه الشيقة عن سفر أيام زمان، كانت حافلتنا قد تلقت إذنا بالتحرك، وبالتالي سنصل خلال عشر دقائق إلى المحطة التالية: محطة عبده، حيث تنتظرنا حقائبنا، وهناك جحيم آخر، إذا لم تكن مستعدا للمزاحمة واستخدام قواك البدنية فستتأخر ساعات إضافية، هذا إذا وجدت حقيبتك سالمة معافاة؟

وستكون المحطة قبل الأخيرة الجسر الإسرائيلي.. وهناك الجحيم الملطف بالكونديشن، واحتمالات إرجاع أي شخص بحجة المنع من السفر، أو الاستدعاء لغرفة المخابرات والتحقيق..

الفلسطينيون شعب عظيم في كل شيء، وقد أثبتوا حضورهم في كل محفل ونادي، باستثناء الجسر، وما يتصل به كالسوق الحرة وشباك التذاكر والمزاحمة عند مداخل الباصات، وتبدل سلوكهم عند كل محطة، فحتى سائقو الباصات يفعلون كل شيء قانوني وغير قانوني، لكنهم عند محطة "اللنبي" يلتزمون بالقوانين، ويقودون حسب التعليمات.

 قبل أن نصل الجسر الأردني، قال لي أبو أرشد: مثل ما أنا شايفك، سيصعد إلى الباص جندي أو ضابط، وسيبدأ بالمناداة على مجموعة أسماء، وهؤلاء يحظون بتوصية من واسطة مهمة، ومن المفترض أن يتلقوا خدمات أفضل.. وبالفعل دخل ضابط صف برتبة عريف وبدأ ينادي: وليد الحسنات، علي المصري، حسنية الفاعوري.. والغريب أن هذه الأسماء غير موجودة، وفي المرة الوحيدة التي "زبطت" من بين عشرات الأسفار السابقة، كانت هذه المرة حسنية موجودة، لكنها امتنعت عن النزول، ربما خافت، أو شعرت بالإحراج، أو لأن كان معها سبعة من أهلها ومعارفها.. حاولت تقنعهم، ولكن مع تأخر صدور الإذن بنزول جميع الركاب بدأ الكل يصيح بهتاف جماعي: إنزلي يا حسنية، انزلي يا حبيبتي إنتي ورفقاتك، انزلوا وخلصونا.

ختمنا الجوازات، وأنهينا التفتيش، وبقي أمامنا المحطة قبل الأخيرة، والتي ما أن وصلتها تذكرتُ أنني لا أحمل ربع دينار الذي ندفعه رسوم مرور الحقائب، يا إلهي في كل مرة أنسى هذه المحطة، أنقذني ابو أرشد المتمرس في شؤون السفر، ودفع عني المبلغ مشكورا.. خرجنا معاً إلى الساحة نجر حقائبنا وآخر رمق من ابتساماتنا المرهقة، تصافحنا بحرارة وتبادلنا العناق على وعد بلقاء قريب، كانت وجهتي عمان، أما أبو أرشد فكانت وجهته الزرقاء، ولكن كلانا تحول إلى "شوال" يُباع ويُشترى بين مجموعة من السائقين لا تعرف أيهم عمومي وأيهم خصوصي؟ الكل يقول: سيارتي مكندشة، وبوصلك لباب البيت.

في طريق العودة للوطن، المعاناة من نوع آخر، وهذا التنوع لإضفاء مزيد من التشويق والإثارة لكل مسافر، فبعد أن تنهي طوابير الباصات، وطوابير الركاب، والتفتيش، والجوازات، وتدفع تذكرة باصات عبد الحي شاهين، وبمجرد أن تصعد الحافلة، وتقول الحمد لله خلصنا، وتهم بالاتصال بأهلك حتى يحضروا الغداء، حينها يبدأ كل من في الباص بإخراج كروزات الدخان التي اشتروها من السوق الحرة، ثم يفرطوها إلى باكيتات ويحشون بها جيوبهم على أساس أنها للاستخدام الشخصي، ويبقون على كروزين فقط، لأن هذا هو العدد المسموح به لكل راكب، وما زاد عن ذلك يوزعها الأبوان على أطفالهما، وغالبا سيتبقى كروزات إضافية لم يجدوا لها حلا، فيبدؤون بالطلب من أي شخص لمعاونتهم على حملها حتى تجاوز حاجز الجمارك. وأحلى ما في الموضوع أنهم جميعا لا يتوقفون عن ترديد الآية الكريمة "وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون".  

أعود لعادتي الأثيرة، أتفقد جواز سفري، وأطمئن أنه ما زال في جيبي، ولم يغادر، أطالع الأختام فأقرأ صفحته الأخيرة الممهورة بعبارة: "هذا الجواز ذو شأن عظيم".. فعلا هو ذو شأن عظيم، عبارة عصية على الوصف، لأنها أصلا عصية على الفهم. تغادر أريحا معتقدا أن الجسر أسوأ تجربة، فتلاقيك الحواجز الثابتة والطيارة، وأزمة قلنديا، وما هو أسوأ من كل ما سبق: معبر رفح على سبيل المثال، حينها تتأكد أن الوضع كان من الممكن أن يكون أكثر سوءاً.[i]



[i] تفاصيل المعاناة على الجسر عن صفحة الصديق الكاتب عماد الأصفر، بتصرف.