يمكن النظر للدين
في أحد معانيه الأولى والأكثر نقاءً، بوصفه علاقة وجدانية بين الإنسان والمطلق، وحتى
مع تطور الأديان ظل معناه الخالص والبريء علاقة وجدانية بين الإنسان وخالقه.. هكذا
نشأ؛ وهكذا ظل في مراحله الجنينية والمبكرة: ارتعاشات عاطفية، توسلات شعورية، رجاء
وأدعية، مناجاة، تأملات، خلاص فردي، خوف من المجهول.. بشّر به نبي أو فيلسوف، صدّقه
وتبعه البسطاء والباحثون عن النجاة والسلام الداخلي، ثم كبرت هذه الجماعة، ومع
مرور الزمن نشأ منها وعلى هامشها جماعات وقوى لها أغراض أخرى، أقحمت أهدافها
الدنيوية في صلب الدين، وشيئاً فشيئاً بدأت بالابتعاد التدريجي عن جوهر الدين
ورسالته الخلاصية الروحية، ليتحول إلى أيديولوجيا وسياسة..
والدين
السياسي الذي تشكل لاحقا لم يكن مجرد حضور الدين في المجال العام، ولا مشاركة
المتدينين في السياسة، بل تشكل بعد تحويل الدين من تجربة إيمانية وأخلاقية إلى
أيديولوجيا للسلطة، ومن الإنسان المؤمن إلى عضو في كتلة سياسية، ومن الإيمان المجرد
إلى أداة للحشد والتمييز والصراع.
أي أنه بمجرد أن
تم الخلط بين الدين والسياسة تحول إلى دين جمعي، وصار هوية قومية للأديان المحلية،
أو أيديولوجيا للأديان العابرة للحدود.. ثم صار أداة بيد السلطات لهندسة المجتمع
والتحكم به، ولحماية مصالح الطبقات المهيمنة.. طبعا على حساب الفقراء والعامّة. وقبل
الفقراء والعامّة كان الدين نفسه هو الضحية الأهم؛ فقد براءته وطهرانيته..
على مدار
القرون الماضية استخدمت القوى الإمبريالية الدين لخدمة أهدافها التوسعية، في تجنيد
شعوبها وتحريضهم وتبرير ممارساتهم الشريرة واللاإنسانية، وفي تبرير وتسهيل سيطرتها
على الشعوب المحتلة، ولنهب خيراتها..
ومنذ مطلع
القرن العشرين برزت نسخة مطورة من الدين السياسي، استخدمتها السلطات والقوى الإمبريالية
التي تدعمها، وأنشأت الجماعات الدينية بأشكالها (أحزاب، ميليشيات مسلحة، قوى قبلية
وطائفية) وراحت توظفها ضمن مخططات معدة بخبث وعناية.. وصارت تلك الجماعات أدوات
تستخدمها السفارات الأجنبية، وأجهزة المخابرات الدولية والمحلية، ودخلت على الخط
كل مكونات المجتمع: شيوخ القبائل، زعامات الطوائف، مراكز القوى، التكتلات
الاقتصادية والقوى التجارية، الأحزاب السياسية، وكل فرد لديه طموح شخصي أو مآرب
خاصة (سواء خيّرة أم شريرة).. كل هؤلاء استخدموا الدين وأسقطوا عليه تأويلاتهم
الخاصة، ووظفوه بما يخدم توجهاتهم، واستثمروا فيه، واستغلوا أتباعه (سواء أصواتهم في
صندوق الانتخابات، أم أرواحهم في الصراعات السياسية وفي العمليات الانتحارية).. وما
يجمع تلك الفئات أيضا إصرارها على زج الدين بالسياسة ورفض إعادته إلى بيئته
وحاضنته الأولى: الإنسان الفرد.. لماذا؟
حين يكون
التدين فردياً وحراً وواعياً لا يعود بوسع القوى المتصارعة الاستفادة من الدين، أو
بعبارة أخرى من جمهور المتدينين.. كيف؟
حين يكون
الدين والتدين علاقة حصرية بين الإنسان وربه؛ علاقة روحية وجدانية قائمة على الحب
الإلهي، عبارة عن صلوات وابتهالات، وأدعية للنجاة وطلب الرزق، ومناجاة في جوف
الليل، علاقة يرى من خلالها الإنسانُ ربه رحيما محبا كريما متسامحا عطوفا.. في تلك
الحالة يصلي ويشتغل، يصوم ويفطر، يصيب ويخطئ، يذنب ويستغفر، يتعامل برفق مع هشاشته
وضعفه الإنساني، لا يدعي الملائكية، منسجم مع فطرته، ينعم بالسكينة والطمأنينة، لا
يتدخل في شؤون غيره وحياتهم الخاصة، لا يعنيه إن كان جاره مسلما أم مسيحيا، المهم أن
يلقوا بعضهم بوجه بشوش، لا يضيره إن كان أستاذه بوذيا طالما يقدم له العلوم
النافعة، أو كان صديقه علمانياً، أو قريبه ملحداً.. المهم أن يتعامل الجميع مع
بعضهم باحترام، وأن يلتزموا بالقانون، وألا يضروا بالبيئة..
حينها سيتحرر
من عقدة الخوف (من عذاب القبر، ومن جحيم الآخرة)، ومن عقد الشعور بالذنب، وبهذا
التحرر لن يستطيع أحد أن يستغله، لا حزب، ولا طائفة، ولا سلطة.. أنت سيد نفسك،
وعقلك سيدك..
حين يكون
التدين جمعياً، يتحول إلى هوية جمعية مغلقة ومنظمة سياسياً، وينشأ غالباً مركز قوة
يسعى إلى تنظيم المشهد والتحكم به وتسييره.. وهذا المركز أو تلك الجماعة تعتمد أساسا
على الأتباع، كلما زاد عدد الأتباع زادت قوتها وحضورها.. ويمكن للأتباع، في ظروف
الخوف والاستقطاب والتعبئة، أن يتحولوا إلى جموع تفقد تدريجياً استقلالها النقدي،
وتستبدل حكم الفرد بعقل الجماعة، في هذه الحالة تتراجع فرداينة الشخص ويضمحل استقلاله،
لدرجة أنه سيلغي عقله، ويدمجه مع عقل الجموع.. الجموع التي يحركها قائد أو زعيم أو
سلطة.. وهكذا بدون وعيك تصبح أداة بيد الغير..
الأداة الثانية
هي التخويف؛ التخويف من الرب المنتقم الجبار، ومن تهمة الخروج عن الجماعة، ومن
تهمة شق الصف، وتهمة إثارة الفتنة، وتهمة التكفير والتخوين.. والخوف يعني الطاعة
والخضوع والتسليم دون اعتراض..
هذا الخوف
الكامن يزدهر في النفوس الملتاعة والقلقة والمرتجفة، التي تئن تحت وطأة الفقر
والعوز والظلم الاجتماعي، وتكتوي بلهيب القمع السلطوي، وفي النفوس المحتارة التي
تتذبذب بين الأفكار المتناقضة والتيارات المتنافسة والقوى المتصارعة.. وهذا ما
يمهد الطريق لتلك الجماعات لتكوين الجموع؛ حيث تمنحها اليقين (النفسي والفكري) والملاذ
الآمن والحماية.. فيتمسك الفرد أكثر بالجماعة.. ويمكن للجموع، حين تُدار بالخوف
والهوية المغلقة، أن تنتج التعصب، ويمكن للتعصب في ظروف معينة أن يتحول إلى تطرف
وعنف، فيتحول العنف من أداة للتخويف إلى قيمة عليا بحد ذاتها.. لذلك تجد في
مجتمعات القطيع تمجيدا لكل مظاهر القوة والعنف: السلاح، الذكورة، العصبية، إطلاق
الرصاص في الهواء وعلى الخصوم..
المشكلة ليست
في اجتماع المؤمنين، فالدين عرف منذ بداياته الطقس الجماعي والمجتمع، بل في اللحظة
التي تزعم فيها الجماعة احتكارها الحقيقة، وتتحول إلى سلطة على ضمير الفرد، ويصبح
الانتماء إليها شرطاً للإيمان، والطاعة لها شرطاً للنجاة.
وكما تستغل الجماعات
الدينية أتباعها وصولا إلى العنف، فإن السلطات تقوم بالدور ذاته حرفيا: تستغل
الدين وتحارب به خصومها بكل عنف، وبذلك يفتتح الطرفان دوائر العنف التي لا يمكن
التحكم بها فيما بعد..
من ناحية أخرى يسهم التدين الجمعي (السياسي) بخلق ظاهرة جديدة في المجتمعات الدينية: ظاهرة التدين الشكلي (النفاق)، حيث يكون الدين مهيمنا على كافة مظاهر الحياة العامة والخاصة، ويكون التدين قيمة اجتماعية تعطي صاحبها الحظوة والحضور والفرص والاحترام والهيبة، وتجنبه اللوم والتقريع وخطر التهم الجاهزة.. فيصبح ضروريا إبراز مظاهر التدين (الشكلانية المتعلقة بالهيئة والملابس وترديد العبارات الدينية).. وهنا يصبح استغلال الدين على المستوى الفردي، وتعمم ظاهرة النفاق والتدين الشكلي على نطاق أوسع، وبتداعيات سلبية أشد خطورة، حتى نجد أنفسنا أمام دين جديد، لا علاقة له بالدين الأصلي إلا بالاسم والمظاهر.