خطأ
إستراتيجي
ذكرت في
مقالات سابقة أن الخطأ الأهم الذي وقعت فيه الثورة الفلسطينية، وكان أحد أسباب
تراجعها وإخفاقها هو أنها كانت تسير بلا إستراتيجية واضحة ومتفق عليها.. ومع ذلك
يمكن القول أن الفلسطينيين بشكل عام ساروا ضمن إستراتيجية ما، غير مكتوبة، أو غير
مفصلة بشكل واضح، وهي إستراتيجية إدارة الصراع وإدامته..
وعادةً في
الصراعات الكبرى يتبنى كل طرف إما إستراتيجية الهجوم، أو الدفاع.. وفي الحالتين
يتوجب على كل طرف ممارسة "إدارة الصراع" إلى أن يتمكن من الحسم، أو
يقترب منه..
فمثلاً؛ مع إن
إسرائيل تواصل إستراتيجية الهجوم المتصاعد والمتراكم منذ قيامها وحتى اللحظة،
لكنها في الوقت نفسه تمارس "إدارة الصراع"، لأنها لم تتمكن من حسمه،
ورغم كل ممارساتها الإجرامية وما وصلت إليه من حالة قوة غير عادية لم تقترب من
الحسم.. بيد أنها أنهكت الفلسطينيين إلى حد كبير.. في المقابل رغم كل النضالات
والتضحيات إلا أن الفلسطينيين لم يحسموا الصراع، وهم الآن في طور التراجع، بيد
أنهم ما زالوا قادرين على الصمود والبقاء وإفشال المشروع الصهيوني.
منذ انطلاقة
الثورة في ال1965، وحتى بدء حرب الإبادة في 2023.. تمحور النضال الفلسطيني حول
إستراتيجية الدفاع، أي البقاء.. رغم الشكل الظاهري للهجوم؛ فالعمليات الفدائية
والانتفاضات وأشكال المقاومة الشعبية وكل المبادرات السياسية والهجمات الدبلوماسية
والقانونية والإعلامية.. كلها كانت تسير وفق المنهج ذاته.. أي منهجية الصمود
والبقاء.. فالضربات العسكرية كانت كلها محدودة من حيث عدد القتلى في صفوف العدو، ومن
حيث الأثر السياسي والإعلامي والمعنوي.. هذا لا يقلل من شأن الكفاح الفلسطيني؛ بل
هذا هو الشكل المطلوب المتناسب مع موازين القوى والمعادلات السياسية الإقليمية
والدولية، والمتناسب مع قدرات الشعب ومدى تحمله.. أي إنه خيار حتمي..
لكنَّ زخم الثورة
وعنفوانها، وصدى العمليات الفدائية، والأثر المعنوي لكل انتفاضة، وعمليات التحريض،
وحماسة الخطاب، والشعارات المعلنة، إلى جانب الخطابات الشعبوية.. كلها خلقت
انطباعات عامة لدى قطاعات واسعة من الجماهير بأننا لسنا في حالة دفاع، بل في قلب
الهجوم.. وعلى هذا الهجوم أن يتواصل ويتصاعد، مع قناعة راسخة بقرب ساعة الحسم،
وإمكانية تحقيقه.. كل ما يلزم مزيدا من العمليات الفدائية، وتصعيد الاشتباك اليومي
مع العدو، وإعلاء نبرة الخطاب، وبناء تحالفات مع قوى دولية، أو بالاعتماد على
الشارع العربي والإسلامي.. حينها ستكون ثمار النصر قد نضجت، وكل ما نحتاجه زعيم
مخلص يقطف الثمرة..
للأسف هذه مجرد
تمنيات وأهداف طموحة، تصلح لقصيدة أو لخطبة ثورية أو لكلمات الصباح في الإذاعات
المدرسية.. لكنها في سوق السياسة وعلى أرض الواقع لا شيء، ونتائجها كارثية.. ليس
لأنها خطأ، بل لأنها تأتي ضمن الإستراتيجية الخطأ.. أي إستراتيجية الهجوم المبنية
على فرضية إمكانية حسم الصراع بالضربة القاضية..
إستراتيجية
الهجوم المبنية على فرضية إمكانية حسم الصراع بالضربة القاضية، تختلف كليا عن
إستراتيجية الدفاع والبقاء والصمود.. ولكل منها أدواتها وآلياتها وأساليبها وخطابها
السياسي والإعلامي المختلف.. والخلط بينهما يقود إلى الكوارث، وينم عن قُصر نظر
وسوء تقدير.. لأن البند الأهم في أي إستراتيجية وحتى تتمكن من تحقيق غاياتها أن
تكون مبنية على ما يسمى "تقدير الموقف".. وتقدير الموقف يُبنى على جملة
واسعة من العوامل الذاتية والموضوعية، وعلى قراءة متبصرة للواقع المحيط، وتحليل
علمي دقيق لموازين القوى وطبيعة المعادلات السياسية القائمة، وطبيعة النظام الدولي
المهيمن، ونقاط قوة وضعف العدو.. وكل خلل في تقدير الموقف يتسبب في إخفاق أو تراجع
أو هزيمة كبرى..
عندما أعدت
حماس "تقدير موقف"، بنته على أساس أننا في مرحلة هجوم وحسم (وعد الآخرة)،
ورأت موازين القوى من خلال شعار "أوهن من بيت العنكبوت"، وقرأت كافة
المعطيات بعقلية غيبية، وبأدوات ومعايير طوباوية، وتعاملت مع السياسة بمنطق الأيديولوجيا،
وذخيرتها الشعارات والخطابات.. ثم قررت هجمات 7 أكتوبر، فكانت الكارثة والنكبة.. لأن
تقديرها للموقف كان خاطئا من البداية، وبالتالي كل الخطط المبنية عليه فاشلة..
إذا كان
الواقع السياسي قبل حرب الإبادة يعطي الفلسطينيين هامشا للتحرك (يصغر ويكبر تبعا
للظروف)، ويزودها بأدوات (ولو بسيطة) للاقتحام والمبادرة وخوض أشكال متعددة من
النضال والاشتباك (سياسيا وشعبيا)، ويمنح القيادة مساحة معينة للمناورة ولقول لا أحيانا
أو لعم أحيانا أخرى.. فإن نتائج حرب الإبادة قد قلصت كل تلك الهوامش إلى أصغر حد..
إضافة للخسائر
البشرية الفادحة في الأرواح، والتي لا تعوض، فإن الخسارة الكبرى ستكون في مفهوم المقاومة
نفسها، بما فيها المقاومة الشعبية.. غزة خرجت من المعادلة، وستحتاج عقودا طويلة
قبل أن تستعيد جزءا من روحها وعافيتها.. في الضفة الوضع خطير ومخيف.. مواجهة بسيطة
مع الاحتلال أو ضد قطعان المستوطنين تكلف أثمانا بشرية وسياسية ومادية باهظة جدا..
والأسوأ من ذلك أنها لن تكون مجدية سياسيا في المدى المنظور..
للخروج من هذا
المأزق ولمواجهة كل هذه الأخطار التهديدات الوجودية، ينبغي أولاً أن نستأنف كفاحنا
الوطني ضمن إستراتيجة البقاء والصمود.. وهذه لها أدواتها وأولوياتها وقادتها
وخطابها الخاص..
باختصار، نتائج
وتداعيات حرب الإبادة خلقت واقعا جيوسياسيا مختلفا كليا عما سبقها، وأوجدت معادلات
جديدة كل من لم يستوعبها سيعرض نفسه لخطر الانقراض.. وأمام هذا الواقع الظالم،
والهجمة الصهيونية الأميركية الشرسة، وفي ظل المعادلات الإقليمية القائمة فإن أفضل
وأهم ما يمكننا إنجازه، هو البقاء.. البقاء فوق الأرض الفلسطينية، والحفاظ على
وحدة الشعب، ووحدانية تمثيله السياسي، وعلى كيانه الوطني، وإبقاء جذوة النضال
متقدة، وإبقاء القضية الفلسطينية حاضرة في الأجندات العالمية..
هذه ليست مجرد
واقعية سياسية، هذه محاولة استنهاض وطني بتحديات كبيرة دونها خرط القتاد.. وأهم ما
يتوجب إسقاطه بدايةً: خطاب الشعارات والعنتريات والشعبوية والمزاودات..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق