أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

سبتمبر 05، 2026

من يعتاشون على أزمات المجتمع

 

من يتذكر مسلسل "صح النوم" لغوار الطوشة وحسني البرزان؟ سأذكركم بمقطع جاء في الحلقات الأخيرة: قام قائد المخفر أبو كلبشة بحبس غوار، ولأن غوار كان الشخص الوحيد الذي يثير المشاكل ويشغّل المخفر، بعد حبسه هدأت "حارة كل من إيده إله"، ولم يعد المخفر يشتغل، فخاف أبو كلبشة من تنبه الحكومة للأمر فتقوم بإغلاق المخفر، لعدم الحاجة له، أو أن تتهمه بأنه لا يقوم بواجبه.. وهكذا قرر أن يفرج عن غوار، ولأنه لا يملك صلاحية ذلك، فكر بحيلة بأن يسهّل عليه إمكانية الهروب، وفعلا ترك له الباب مفتوحا، وانتظره ليهرب، فيلقي القبض عليه، ويخرج للإعلام بخبر مثير تعيد له مكانته وأمجاده.. المشكلة أن غوار كان قد قرر التوبة وأن يصبح مواطنا صالحا، الأمر الذي أزعج أبو كلبشة..

صديقي أنور، درس هندسة تصميم وتركيب المصاعد، ونال شهادات عليا في هذا التخصص، بعد تخرجه لم يكن في صويلح حينها سوى بنايتين أو ثلاثة بطبقات متعددة تحتاج مصعدا.. فسافر إلى إستراليا بحثا عن فرص أفضل، قادته الأقدار إلى مدينة كبيرة، فاكتشف أنّ جميع بناياتها من طابق واحد أو طابقين فقط.. وعليه أن ينتظر سنين طويلة قبل أن تبدأ العمارات العالية بالظهور، وتطلب خبراته في تركيب المصاعد.. لذلك اضطر لتغيير مهنته بالكامل والبدء بمسار مهني جديد..

طيب، لنفترض أن شخصا أمضى نصف حياته في دراسة الطب، ثم استقر في مدينة ما وافتتح فيها عيادته الخاصة.. وكان سكان تلك المدينة من النوع الذي لا يمرض؛ الهواء عليل، المياه نقية، الشوارع نظيفة، جميع السكان تلقوا التطعيمات الوقائية، ولديهم ثقافة صحية جيدة، وأكلهم صحي، ويمارسون الرياضة.. ماذا سيفعل الطبيب؟

ولنفترض أن شخصا ما حصل على وكالة بسعر مغري لجهاز فلترة المياه، فاستورد "كونتينر" فلاتر من الصين.. ولسوء حظه كانت البلدية توفر شبكة مياه نظيفة وصحية وعذبة المذاق.. ماذا سيفعل؟ هل سيغير منتجاته ويستورد أشياء يحتاجها الناس فعلا؟ أم سيقوم بترويج حملة دعائية بأن مياه البلدية تحتوي طفيليات خطيرة وفيروسات، ومن يشك في أقواله عليه فحصها في المختبر.. معتمدا على أن لا أحد سيقوم بالفحص..

الفكرة هنا، أن بعض فئات المجتمع، أو بعض المهن تبدو في ظاهرها متعارضة مع مصلحة المجتمع العليا، لأن شغلها يعتمد على وجود مشاكل وأزمات في المجتمع، فالطبيب يحتاج مرضى، وسيزدهر عمله في حالة انتشار وباء مثلا.. والمحامي والنائب العام والقاضي يعتمدون في أعمالهم على وجود مشاكل وقضايا وخلافات بين الناس، والتي كلما زادت ازدهرت أعمالهم.. وأجهزة الأمن تعتمد في مبرر وجودها على وجود مجرمين وخارجين عن القانون..

لكن هذا لا يحصل.. والحقيقة أن الطبيب لا يتمنى تفشي الأمراض والأوبئة، ولا المحامي ولا القاضي ولا أجهزة الأمن يتمنون انهيار الأمن وحصول الفوضى، ولا شركات التأمين ولا أصحاب الكراجات يدعون ربهم أن يُكثر من حوادث السير.. لأن الناس بطبيعتهم لن يتوقفوا عن إثارة المشاكل، ولن يتحولوا إلى ملائكة، وسيصابون بالأمراض مهما بلغتهم حيطتهم، وسيتعرضون لحوادث مهما كانوا حذرين.. ومهما بلغ المجتمع من تقدم وتطور ووعي صحي وساد فيه الأمن والطمأنينة وتفشت فيه مشاعر الوئام والمحبة.. في كل الأحوال سيجد الأطباء والمحامين والقضاة ورجال الأمن وأصحاب الكراجات وغيرهم سيجدون عملا وزبائن ولن يعانوا من الكساد..

ومع ذلك.. ستجد فئة جديدة (غير الفئات التي ذكرناها) تحاول بطرق شتى تضخيم الأحداث إن وقعت، أو اختلاق مشاكل وافتعال أزمات، وبث الإشاعات إن لزم الأمر.. هذه الفئة موجود منذ أقدم الأزمان، لكنها ازدهرت وصارت ظاهرة خطيرة مع انتشار "السوشال ميديا"..

الحكاء أو الراوي قديما كان يجمع الناس في المقهى ويسرد عليهم سيرة الهلالي وعنترة والزير سالم.. وكان يعتمد في جذب الزبائن والاستحواذ على انتباهمم على عنصر التشويق والمبالغة.. فلو كان أبطاله أناسا عاديين لما استمع إليه أحد..

اليوم، في زمن الإعلام الفضائي والإنترنت، ظهر الحكاؤون بصورة ومظهر عصري: محلل سياسي، خبير إستراتيجي، كاتب متخصص.. وهؤلاء تزدهر بضائعهم في ظل الأزمات، وفترات الخوف الجمعي، فيلجؤون إلى التضحيم والمبالغات وإثارة العواطف وركوب الموجة بخطاب شعبوي..

هل تذكرون سنة الكورونا؟ لم يكفِ الناس حينها خوفهم وقلقهم والتدابير الصحية الصارمة التي حبستهم في بيوتهم.. كان يخرج على الإعلام كل يوم طبيب أو عالم بيولوجي أو صحافي استقصائي يتحدثون عن مؤامرات كونية، وفضائح فساد حول منظمة الصحة العالمية، وتورط مختبرات أميركية وصينية.. منهم من يشكك في وجود الوباء أصلا، أو في التطعيمات، أو طبيعة الفيروس.. كانوا يثيرون الرعب في قلوب الناس، ويعمقون حيرتهم، والناس تتابعهم بقلق مصحوب بالرعب.. وهم يجنون الأرباح من منصات التواصل الاجتماعي.. إلى أن تبين لنا أنهم مدّعون، وعلومهم زائفة، ويكذبون..

وبما أن أكثركم ناسيين، سأذكركم بأزمة أخرى سبقتها بسنوات.. بعد احتلال الكويت وحتى تحريرها عاش العالم ستة أشهر من الرعب والقلق والانتظار.. سأركز على الإعلام العربي الشعبوي في تلك الفترة؛ كانت أقوال المحللين والخبراء تُجمع بما لا يترك مجالا للشك أن صدام منتصر لا محالة، وأن الأمريكان وتحالفهم سيولون الأدبار مهزومين أذلاء.. لو خرج أحدهم حينها وقال إن هزيمة منكرة ستلحق بنا، وسندفع ثمنها لعقود طويلة قادم، بالتأكيد سيتم اتهامه بالتخابر مع الاحتلال، وأنه جاسوس، أو مرجف ويبث الإحباط واليأس في صفوف الجماهير.. وفي كل الأحوال لن يصدقه أحد.

وبما أن أكثركم ناسيين سأذكركم بأزمة أخرى بدأت قبل ثلاث سنوات وما زالت حاضرة ومؤثرة وشواهدها واضحة لا تحتاج سوى عين سليمة وقلب إنسان وعقل قابل للاستخدام.. إنها حرب الإبادة.. ارجعوا بذاكرتكم إلى أول سنتين وشاهدوا الدويري وبقية مرتزقة الجزيرة وجوقتها الذين طبلوا للحرب، وتجاهلوا معاناة الغزيين وآلامهم ودمائهم.. تذكروا "المثلثات الحمراء"، و"ما خفي أعظم"، و"الخاصرة الرخوة"، و"غابات الزيتون"، و"بدخلوش بري"، و"مقبرة الغزاة"، و"سيغرقون في رمال غزة".. بعد كل هذا الخراب والدم.. ألم يعد واضحا أنهم مدعون وكذبة ومزيفون؟ وأنهم ضللوا الناس، وأخفوا الحقيقة، وتكسبوا على حساب غزة..

متى سنُصدم؟ ومتى سنتعلم من دروس التاريخ؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق