في صيف العام
1988 استدعى صدام حسين أحد أهم المحللين الإستراتيجيين، والمعروف عنه تنبؤاته التي
لا تخيب، وقدرته المدهشة على قراءة الطالع السياسي لأي نظام.. سأله عن توقعاته
ورؤيته لحال العراق في العقود القادمة.. وحتى يطمئن منحه الأمان لقول كل ما يريد
دون خوف.. فأجاب:
سيدي الرئيس،
لقد أنهيتم حربا شرسة مع إيران بنصر مبين، ولديكم جيش من أقوى جيوش المنطقة، وأجهزة
أمنية تعد على الناس أنفاسهم، وهي قادرة على ضبط البلاد والعباد، وتنعمون بمحبة
الجماهير، ورؤساء المنطقة يهابونكم، ولدى العراق إمكانيات هائلة وموارد سخية، وألمع
العقول في العالم.. ولكن لديكم مشكلتان خطيرتان، الأولى وضع اقتصادي صعب نتيجة
الحرب وتراكم الديون.. والثانية: أن وضع العراق الآن وامتلاكه هذه القوة لا يرضي أميركا
ولا إسرائيل، ويقلق زعماء العالم.. لذا ستكون الأنظار متركزة عليكم، وستُحاك ضدكم مؤامرة
خبيثة، وسيحاول الأميركان جركم إلى حرب جديدة مع جارتكم الكويت، وسيجلبون الجيوش
والأساطيل، وسيغزونكم في عقر داركم بعد سنتين، ومن بعدها سيفرضون عليكم حصارا
خانقا، حتى ينتهي حكمكم نهاية حزينة، وستدخل البلاد وسائر المنطقة نفقا مظلما، سيبدأ
مسلسل الانحدار بجيث يصعب إيقافه..
شعر المتنبئ أنه
زودها شوية في ثقته واسترساله بالشرح، وأحس أن صك الأمان الذي منحه إياه صدام على
وشك الانتهاء، فأخذ يتصبب عرقا، وأدرك أن عليه التوقف عند هذا الحد.. لكن صدام كان
هادئا على غير المتوقع، وطلب منه مواصلة الحديث، وطرح الحلول.. فاستجمع صاحبنا
شجاعته وقال له:
سيدي الرئيس:
المشكلة الاقتصادية يمكن حلها بحوار هادئ مع الجيران، وتقديم بعض التنازلات، المهم
ألا تصل الأمور حد الحرب.. لكن الأهم هو استثمار اللحظة التاريخية وتحويل نظرات
الريبة والخوف في أعين العالم إلى نظرات إعجاب، وبالتالي سحب البساط من تحت كل
مؤامرة ستُحاك مستقبلاً..
حدّق صدام في
وجه صاحبنا المتنبئ، الذي لم يستوعب تلك النظرة؛ هل هي تهديد؟ أم قبول؟ وأمام إلحاح
الرئيس قدم تصوراته للحل: عليكم إجراء انتخابات عامة، وإتاحة المجال لبدء حياة
ديمقراطية حقيقية، والسماح بحرية التعبير، والإفراج عن المعتقلين السياسيين،
والحوار مع المعارضة، والتركيز على المسارات الصناعية والزراعية والعلمية بعيدا عن
سطوة الحزب، وتغيير الخطاب الإعلامي، والانفتاح على العالم..
بوجه محايد صافح
صدام ضيفه، وودعه عند الباب بكلمات حاسمة: حسناً، سأجري الإصلاحات التي تحدثت عنها،
وسأنتظر سنتين، لأتحقق من صحة نبوءتك.. وسنرى..
بالفعل، بعد
سنتين استدعى الرئيس ذلك المتنبئ إلى قصره.. كان الشرر يتطاير من عينيه، وبنبرة من
يحاول كتم غيظه قال: لقد مرت سنتين، ونفذنا الكثير مما اتفقنا عليه.. والنتيجة لم أعد
خبرا رئيسا ووحيدا في نشرات الأخبار، لم تعد صوري وتماثيلي تملأ الشوارع والساحات،
بل صار البعض يتجرأ على مناقشتي وانتقادي، والمعارضة تشن هجومها عليّ مثل كلاب
مسعورة، وكل يوم مظاهرة، ومطالب جديدة.. عدا عن ذلك، لم تنشب حرب مع أي أحد، ولا
توجد أية مؤشرات عن مؤامرات خبيثة، ولم نرَ جيوش الأطلسي زاحفة نحونا، ولم نتعرض لأي
حصار!! ما يعني أنك متنبئ فاشل وكذاب.. حتى أنك لن تعرف إذا كنت سأعدمك شنقاً، أم
رمياً بالرصاص..
طبعا، هذه قصة
متخيلة تفترض حالة معينة كان يمكن أن تحدث، ومسارات سياسية وإستراتيجية كان يجب أن
تتحقق.. لكن شيئا منها لم يحصل.. وحصل العكس (احتلال الكويت وحرب الخليج)، ما يؤكد
أن حدثاً ما يمكن أن يغير مجرى التاريخ من بعده.. بل والأهم من تلك القصة أن عدم
وقوع الحدث يكون أكثر تأثيرا..
في حالتنا
الفلسطينية لو أردنا إسقاط النظرية نفسها سنأخذ آخر ثلاثة أمثلة:
أيار 2021، كان الموعد المقرر لإجراء الانتخابات العامة (التشريعية
والرئاسية)، وبسبب إصرار إسرائيل على استثناء القدس صدر مرسوم رئاسي بإلغاء
الانتخابات.. كان معولا على تلك الانتخابات أن تجدد الروح الفلسطينية، وتبعث
الحياة في مؤسساتها، وتعيد إنتاج قيادات ووجوه جديدة. لكن إلغاءها خلق حالة احتقان
وإحباط شعبي، وعمّق الفراغ السياسي. بل يمكن القول أن سلسلة الأحداث التالية كانت
بسبب تأجيل الانتخابات.
وفي نفس الشهر من نفس العام جرت هبّة شعبية في القدس، سرعان
ما تصاعدت وأخذت تتحول إلى حراك شعبي أوسع، وتتنقل إلى مدن الضفة الغربية وغزة، وداخل
الخط الأخضر، وعلى وشك التحول إلى انتفاضة شعبية شاملة، في كل فلسطين التاريخية، وقد
نضجت ظروف اندلاعها.. وهذه نقطة تحول خطيرة جدا في شكل الصراع، كان ممكنا أن تُحدث
تغييرا جذريا وشاملا في المعادلة السياسية لو قيض لهذا المسار الاستمرار. لكن صواريخ
حماس دخلت على الخط في تلك اللحظة، وأجهضت الانتفاضة، وتحولت إلى حرب على غزة. طبعاً،
لأن إسرائيل تفضّل حربا عسكرية في غزة على انتفاضة شعبية في الضفة.
المثال الثالث: خلال الفترة التي سبقت حرب الإبادة، كانت
إسرائيل تخوض صراعا داخليا عنيفا لحسم القضايا التي لها علاقة بتحديد ماهية
الدولة، وهويتها.. وكانت قوى اليمين الدينية والقومية تسير باتجاه إعادة تشكيل وجه
إسرائيل نحو اليمينية، وترسيخ القيم اليهودية والتغلغل في مؤسسات الدولة والمجتمع
والجيش والقضاء.. متجاوزة بذلك المظهر العلماني الذي طالما اتسمت به إسرائيل. وكان
التيار العلماني والليبرالي واليساري والمدني يكافح بقوة لكبح جماح اليمين.
حاول نتنياهو
السيطرة على "القضاء"، الأمر الذي أثار حفيظة ومخاوف الأوساط العلمانية
والمعتدلة التي رأت أن ذلك سيحول إسرائيل إلى "دكتاتورية"، ودولة
استبدادية متخلفة.. ومع إصراره على "الإصلاح القضائي"، انقسم الإسرائيليون
بين مؤيد ومعارض، واندلعت موجة مظاهرات كبيرة استمرت أربعين أسبوعا متواصلا، هددت
بإسقاط الحكومة، وقسمت المجتمع، وعمقت الانقسام، وجعلت البلاد على شفير حرب أهلية.
كانت تلك
التظاهرات الاحتجاجية تنمو بصورة مضطردة، وتتزايد أعدادها لدرجة أرعبت نتنياهو، وانضم
إليها جنرالات وطيارون من سلاح الجو وأكاديميون وقادة أحزاب.. وصار واضحا أنها ستُسقط
الحكومة، وبالتالي توجيه ضربة لليمين ودفعه للتراجع. وكانت آخر مظاهرة قبل الحرب
ضخمة جدا، وقد أعد المتظاهرون لتظاهرة أضخم ستكون بمثابة ضربة قاضية لحكومة
نتنياهو، وكان موعدها بعد انقضاء السبت وانتهاء الأعياد اليهودية، أي في الثامن من
أكتوبر.. لكن تلك التظاهرة لم تحدث، بل وتوقفت كل التظاهرات، ونسي الفرقاء
خلافاتهم، وأعادوا توحيد صفوفهم، فقد جاءت هجمات السابع من أكتوبر وغيرت المشهد
كليا.
فعلاً، الحدث يغيّر المستقبل، ولكن عدم وقوعه يغير
المستقبل بصورة أعمق..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق