أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

مايو 30، 2026

نزار قباني يصف الحاضر

 التحولات السياسية والاجتماعية الكبرى سواء إيجابية أم سلبية لا تحدث فجأة، ومن الخطأ نسبها إلى عامل واحد، فهي تأتي بعد تراكم أحداث صغيرة وبسبب تقاطع عناصر متعددة ومختلفة ونتيجة تلاقح بين الظرفين الذاتي والموضوعي.. هذا صحيح، لكن العنصر الشخصي من بين أهم العوامل.. أي تأثير القائد وصانع القرار، خاصة عندما يكون اتخاذ القرار صناعة فردية، كما هو الحال في منطقتنا العربية.

ولو استعرضنا أمثلة من واقعنا وتاريخنا المعاصر سنجد ما يؤكد ذلك، والمشكلة أن تلك القرارات كانت تؤدي دوما إلى كوارث وهزائم، وتغير الواقع من بعدها بحيث تجر سلسلة كوارث..

قبل إعلانه إغلاق مضائق تيران (الشرارة التي أشعلت الحرب، والذريعة التي انتظرتها إسرائيل) سأل عبد الناصر قائد الجيش عبد الحكيم عامر عن مدى جاهزية الجيش لخوض الحرب فأجابه: كل شيء تمام.. إجابة مقتضبة بيّنت أن استعدادات مصر للحرب كانت ارتجالية.

غزا صدام حسين الكويت في لحظة غضب.. دون أن يدرك أنه بانفعاله هذا سيغير خارطة الشرق الأوسط؛ فقد جر أساطيل الأطلسي وجيوش ثلاثين دولة مزودة بقرارات مجلس الأمن، ومسلحة بقدرات جبارة.. والغريب أنه على مدى ستة أشهر  وهي تحشد وتتمركز وتهدد.. بينما صدام ظل معتقدا أن الحرب لن تقوم، وإذا قامت فإنه سينتصر على أميركا والعالم كما انتصر على إيران وعلى الأكراد..

حكم زين العابدين تونس لأكثر من ربع قرن، وبينما كانت تتراكم كل أسباب الثورة عليه، ظل منشغلا في إرضاء زوجته لإشباع جشعها في تكديس الذهب والمجوهرات وسرقة أموال الشعب.. وبعد أن قامت الثورة صرح قائلا: الآن فهمتكم.. احتاج ربع قرن ليفهم شعبه!

الظروف والمعطيات والتراكمات ذاتها وبشكل أوضح كانت في ليبيا، لكن القذافي كان أقل ذكاء من جاره التونسي، فهو لم يصل لمستوى فهم احتياجات الشعب، بل صرخ قائلا: من أنتم؟ كانت البلاد تغلي وهو يتوعد الشعب بمطاردته زنقة زنقة.

الطامة الكبرى تمثلت في مأساة سورية التي امتدت خمسين سنة، بلاد عظيمة بهذا الموقع وذلك التاريخ وتلك الإمكانيات والمكانة.. كلها بيد زعيم نرجسي يفتقد لأبسط مقومات القيادة، بل لمقومات الذكاء الإنساني العادي.. هو ووالده من قبله أدارا البلاد كأنها مزرعة خاصة للعائلة.. بكل ما تطلب ذلك من فساد وقمع ومذابح..

اليمن يعيش مأساة متواصلة منذ عقود طويلة، للاختصار سنأخذ مثال آخر رئيس يمني "عبدربه هادي"، كان مثالا للقادة المحرومين من أي قدرات ذهنية أو شخصية، والمشكلة أنه تقلّد أهم منصب في أخطر مرحلة من تاريخ اليمن، وقد وُضعت كل أدوات السلطة في يده وضيّعها، كان منشغلا بالقات، ولا يصحو قبل العصر، حتى في أشد الأوقات حرجاً.

في السودان نفذ البشير انقلابه بحجة توقيع حكومة المهدي على اتفاق مع الانفصاليين.. ثم قام البشير بتوقيع اتفاق مشابه أعطى للجنوب حكما ذاتيا وحق الانفصال. ثم تبنى شعار "الجهاد الإسلامي" ضد القوى الجنوبية، الأمر الذي أدى إلى اشتعال الحرب بقوة أكبر. واستحدث حربا جديدة في دارفور، ثم وقع مع الانفصاليين اتفاقية وضعت حدا للحرب، وبموجبها أصبح "جون غارانغ" نائبا أول لرئيس الجمهورية! برر البشير انقلابه بأنه إنقاذ لاقتصاد السودان، حينها كانت قيمة الجنيه السوداني تعادل 4 جنيه لكل دولار، حين سقط النظام بعد ثلاثين سنة فساد كانت قيمة الجنيه تعادل 75 ألف جنيه مقابل الدولار.

في مصر بنى الإخوان المسلمون خطابهم الإعلامي على رفض كامب ديفيد، ورفض الاعتراف بإسرائيل، ورفض الاقتراض من البنك الدولي.. وحين استلموا الحكم، حاول مرسي تكريس كل السلطات بيده، وأعلن تمسكه بكامب ديفيد، والاعتراف بإسرائيل، بل وأعاد العلاقة معها برسالة ودية، وأكد على أهمية توثيق علاقاته مع أمريكا، واقترض من البنك الدولي!

في فلسطين، انقلبت حماس على السلطة، واقتطعت لنفسها جزءا من الوطن، ومن أجل حصولها على اعتراف العالم بها، كسلطة حاكمة شرعية، تبنت حرفيا كل البرنامج السياسي للسلطة التي كانت تحرّمه وتخوّن كل من يتبناه، ومارست نفس الفساد الذي كانت تدعي أنها جاءت لمحاربته..

وإذا اعتبرنا السابع من أكتوبر لحظة مفصلية، فإن من قرر الهجوم وتغيير الواقع ثلاثة أشخاص فقط، والتفكير السائد آنذاك (ليس في ذهن القادة الثلاث فقط، بل لدى قاعدة عريضة) أن حماس لديها القدرة العسكرية لهزيمة إسرائيل، أو على الأقل لفرض إرادتها عليها وعلى أميركا. بناء على رهانات وحسابات معينة أهمها "وعد الآخرة"، و"محور المقاومة"..

اعترف السيد حسن نصر الله سنة 2006 أنه لو كان يعرف ماذا سيحصل نتيجة خطف الجنود الإسرائلييين لما أقدم على الحرب.. يعني لم يكن يعي حقيقة إسرائيل.. ومع ذلك ظل يروج لمقولة "أوهن من بيت العنكبوت"، بينما كانت إسرائيل قد أعدت خطة للقضاء على حزب الله قبل سنوات بعيدة (خطة البيجر)، ولما أتت اللحظة المناسبة نفذتها بضربة واحدة.

المشكلة لا تقتصر على الزعامات؛ فقوى المعارضة العربية غارقة في الفساد، وغير جاهزة لتولي الحكم. وهي عبارة عن مشاريع كلامية، تعوّض خواءها بالخطابات الرنانة، وتغطي قلة خبرتها في الحكم والإدارة بتوجيه الاتهامات لخصومها.. تسعى فقط لإسقاط الأنظمة التي تعاديها، دون أي اعتبار لحجم الفوضى الناجمة عن ذلك..

المشكلة أساسا في غياب الوعي لدى الجماهير.. فالسلطة دوما تأتي شبيهة للمجتمع، ونتاجا له..

لخص نزار قباني أسباب الهزائم العربية في قصيدتين، الأولى بعد نكسة حزيران، والثانية بعد هزيمة العراق 1991:

إذا خسرنا الحرب لا غرابة، لأننا ندخلها.. بكل ما يملك الشرقي من مواهب الخطابة، بالعنتريات التي ما قتلت ذبابة، لأننا ندخلها.. بمنطق الطبلة والربابة.. بالناي والمزمار.. لا يحدث انتصار.

كلفنا ارتجالنا خمسين ألف خيمةٍ جديدة..

في كل عشرين سنة.. يأتينا مسلح ليذبح الوحدة في سريرها، ويجهض الأحلام.

في كل عشرين سنة.. يأتي إلينا حاكمٌ بأمره، ويأخذ الشمس إلى منصة الإعدام.. في كل عشرين سنة، يأتي إلينا نرجسيٌ عاشقٌ لذاته، ليدعي بأنه المهدي، والمنقذ، والواحد، والخالد، والحكيم، والعليم، والقديس، والإمام..

في كل عشرين سنة يأتي إلينا مقامرٌ ليرهن البلاد والعباد والشروق والغروب والذكور والإناث والأمواج والبحر على طاولة القمار. في كل عشرين سنة يأتي إلينا رجلٌ معقدٌ يحمل في جيوبه أصابع الألغام..

المحزن أن الواقع أتى أشد وطأة حتى من تشاؤم نزار.. فهذا الزعيم الأوحد، والمقامر، والمنقذ، والعليم، والإمام.. صار يأتي كل سنة، وليس كل عشرين سنة..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق