أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

يناير 20، 2026

التاريخ المظلم للعلماء


بدايةً، ينبغي التمييز بين "العِلم" بوصفه معرفة ونور وحكمة، و"العلماء" بوصفهم بشرًا يخضعون مثل غيرهم للمصالح والأهواء، ويتأثرون بالبيئة والثقافة السائدة، ونظام الحكم.. لكن العِلم لا ينفصل عن العلماء، فهم مؤسسوه ورواده؛ وعلى مرّ التاريخ، لعب العلماء دور المحرك الأساسي لنشوء المدن والحضارات، وقادوا عمليات التطور عبر الاكتشافات والاختراعات، وبنوا صرح المعرفة الإنسانية المتراكمة عبر البحث الترجمة والابتكار، واجترحوا الحلول العملية لمشكلات المجتمع..

 لكن مسيرة العلماء لم تكن مشرقة تماماً؛ فبعضهم أدى أدوارًا سلبية ومظلمة، لا بسبب العلم نفسه، بل بسبب توظيفه، أو إساءة استخدامه، تماماً كما أساء بعض رجالُ الدين للأديان كافة.

قبل نشوء العلم، أي في مرحلة السحر والشاهنامة، كان الكهنة يحتكرون المعرفة ويورثونها كأسرار، ويكتمونها عن بقية الناس، ولأنهم لم يمتكلوا أدوات العلم الحقيقية نشروا ثقافة الخزعبلات والأساطير.

وعندما بدأ العلم يشق طريقه مع نشوء الحضارات الأولى في مصر القديمة ووادي الرافدين (قبل 5000 سنة تقريبا) استخدم العلماء علومهم لبناء الصروح الضخمة للملوك، وفي خدمة الجيوش والمجهود الحربي، ولم يستفد منهم عامة الشعب (أو كانت استفادتهم عارض جانبي)، وبذلك ساهموا في تفشى الخرافات والغيبيات في أذهان العامة.

وفي مراحل لاحقة مع ظهور الحضارات اليونانية والرومانية وبروز كوكبة من العلماء والفلاسفة (قبل 2500 سنة تقريبا)  لم يهتم هؤلاء بالقضايا التي تشغل الناس، ولم يتحدوا النظم الاقتصادية والدينية والاجتماعية السائدة؛ انشغلوا في الهندسة وحركة النجوم، ولكنهم أبدا لم يبحثوا في أخلاقيات نظام العبودية والإقطاع، أو في هموم الفقراء، أو في نشر الوعي..

ومع بدايات عصر النهضة كرس بعض العلماء جهودهم في حركة الكشوف الجغرافية للبحث عن قارات جديدة مليئة بالثروات والفرص وإمكانات النهب والاستغلال، وبعضهم اخترع آلات للتعذيب، وفي المرحلة الاستعمارية شارك بعض العلماء في صياغة نظريات التفوق العرقي، وتبرير استعمار الشعوب باسم العلم، وتصنيف البشر وفق مقاييس عنصرية زائفة، واستخدموا دراساتهم لتبرير الاحتلال والاستغلال والعبودية ونزع الإنسانية عن الآخر. أو في أحسن الأحوال سكتوا عن جرائم القتل والاضطهاد، وامتهان كرامة الإنسان.

في القرن العشرين، وحتى وقتنا الراهن شارك بعض العلماء في التجارب اللاأخلاقية على البشر دون موافقتهم، لتصنيع أسلحة كيماوية وجرثومية وبعض الصناعات الدوائية وحتى في تجارب سريرية على بشر دون تخدير، فضلا عن دورهم الخطير في صناعة أسلحة الدمار الشامل والأسلحة النووية وصواريخ الإبادة الجماعية. مستندين إلى فكرة "الحياد العلمي"، وكأنَّ العالِـم غير مسؤول عن نتائج علمه.

وما زال بعضهم يوظفون علومهم في خدمة الدكتاتوريات، يسوغون القمع، ويشرعنون الاستبداد، وبعضهم يقدمون أنفسهم لخدمة الشركات الرأسمارية والاحتكارية، من خلال إنتاج علوم مزيفة، أو تطويع نتائج البحوث لصالح مشغّليهم، أو حتى تزويرها.. يؤكدون على ما تريده السلطة أو السوق، أو وفق المزاج الشعبوي، حيث يختزلون القضايا المعقّدة في شعارات، ويحولون المعرفة إلى سلعة أو أداة شعبوية.

بعضهم وقفوا ضد الاكتشافات العلمية أو التحولات الاجتماعية لا بدافع علمي، بل خوفًا على المكانة أو نفورًا من الجديد، فأسهموا في إبطاء مسارات التقدم، وأحيانًا في تجريم التساؤل والبحث.

يستخدم هؤلاء العلماء نفوذهم المعرفي (أو الديني) لإقصاء المخالفين، أو تشويههم، يُسكتون النقد بحجة الاختصاص، ويستخدمون "اللقب" العلمي لإغلاق النقاش، ويمنحون المعرفة "حصانة" زائفة، بينما العِلم الحقيقي يقوم على النقاش والشك والاختبار.

صناعة الهالة الزائفة أحد أخطر أدواتهم، حيث يقُدِّمون انفسهم بوصفهم مختصين أو فوق النقد، والمجتمع يساعدهم في ذلك، ما منح آراءهم سلطة مطلقة، وألغى المساءلة، وجعل الخطأ مضاعف الأثر، ما أفقد العلم رسالته النقدية.

أخطر العلماء هم أولئك الذين يتخلّون عن الشكّ والنقد، ويبيعون الوهم باسم اليقينيات. بالتالي يحولون العلم إلى أداة مساعدة للظلم والاستغلال بدل أن يكون مرآة للإنسانية وصوتًا للحقيقة.

 أو أولئك الذين ينفصلون عن المجتمع وهمومه، وعن الوطن وقضاياه، وحتى عن المسائل التي تشغل البشرية جمعاء. أو لا ينحازون للقضايا الإنسانية والتقدمية، متناسين البعد الأخلاقي للعلم والمعرفة، ومقدّمين "الإنجاز العلمي" على كل شيء آخر.

في منطقتنا العربية أساء الكثيرون من المحسوبين على "العِلم"، خاصة حملة الشهادات العليا، حيث تجد مهندساً مختصاً أو طبيباً بارعاً أو استاذاً جامعياً يستمع بكل جوارحه لخطيب "مفوه"، يصرخ بخطاب شعبوي تسطيحي، ويروج للخرافات والخزعبلات..

في الولايات المتحدة وظَّف العديد من العلماء والمهندسين والمبرمجين علومهم وقدراتهم لصالح الاحتلال في حرب الإبادة ضد المدنيين والأطفال.. كما سبق أن وضعوا أنفسهم في خدمة مشاريع الإمبريالية وسحق الشعوب وسرقتها.

الحديث عن هذه الفئة من العلماء مهمّاً حتى لو شكّلوا نسبة ضئيلة جداً، لأن أدوارهم كانت خطيرة وهدامة.. واستحضار هذه النماذج السلبية ضروريًا، لا للطعن في العلم، بل للتأكيد على أنَّ العالـِم، مهما علا عِلمه، ومهما نال من شهادات وجوائز يظل محتاجًا إلى الضمير.. وللتذكير بأنَّ المعرفة بلا أخلاق تتحول إلى أذى وضرر لا إلى نور ومنفعة، وأنَّ العِلم لا يحصّن صاحبه أخلاقيًا، واللقب لا يمنح العصمة.


يناير 10، 2026

بين الإقرار بالهزيمة، والترويج لها


ظهرت في فلسطين شريحة معينة وجدت طريقها الخاص في التعايش مع الاحتلال، انطلاقا من فهمها الضيق بأن الاحتلال ينتهي حين يختفي حضوره في الشارع، أو حين تنقطع اقتحامات الجيش للمدن.

كما ظهر خطاب إعلامي يوحي بأننا بمجرد بقائنا فوق الأرض (دون أي مواجهة مع الاحتلال) نمارس شكلًا من أشكال التحرّر.. ولدى فئة معينة لم يعد مفهوم الحرية يعني إنهاء الاحتلال، بل تحسين شروط الحياة تحته.. ولدى القيادة صارت "الواقعية السياسية" تعني التكيّف مع شروط المحتل بدلا من محاولة تحديها وتخطيها.

يمكن تفنيد تلك المقولات، أو تفهّم بعضها، وهذا في إطار الجدل ومعركة الوعي، الأهم أن نفكر بموضوعية وبخطوات عملية كيف نمنع تحويل هذه الحالة من وصفها إحساس بالظلم بصورة مؤقتة وباعتبارها مرحلة عابرة أن تصبح حالة دائمة وأبدية.. بمعنى أن نفكر كيف نواجه هذا الظلم عوضا عن القبول به.

هذا لا يعني أن الشعب الفلسطيني بحاجة إلى دروس لتعليمه الوطنية وكيفية مقاومة الاحتلال، فهو المعلم الأول، ومنذ قرن وأكثر ما زال يقاوم الاحتلال بكل عبقرية وشجاعة، وضحّى من أجل ذلك بأغلى ما يملك.. لكنها دعوة للاستفادة من تجاربنا المريرة، واستخلاص العبر، خاصة في ظل الهجمة الاحتلالية الشرسة، في هذه المرحلة الصعبة والحساسة..

فالعدو يعمل بمثابرة على إعادة هندسة الوعي الوطني، بالقوة المفرطة وبالخطاب الإعلامي، ويريد أن يقنعنا أن المواجهة غير مجدية، وإن المقاومة تكلفتها باهظة وعلينا الرضوخ، وتساعده في مخططاته فضائيات عربية، وأقلام وأصوات مؤثرة (بعضها بحسن نية وبعضها عن إرادة ووعي) لتعميم مقولة أنّ الاستقرار أولوية، والانتعاش الاقتصادي هو الهدف الأهم، وأن إسرائيل من القوة بحيث يستحيل هزيمتها، وبالتالي يتوجب التطبيغ معها. ليتحول هذا الخطاب مع الوقت إلى قناعة عامة.

هذا الخطاب يجد فرصته في النجاح والانتشار مع ترسيخ مقولتي (النهج السلمي والدبلوماسي وصل طريقه المسدود والمفاوضات أثبتت فشلها، والسلطة مثالا)، ومقولة (المقاومة المسلحة انتحار ولا تجلب سوى النكبات والكوارث، وغزة ولبنان مثالا). عندها سيصل المواطن إلى قمة اليأس والحيرة، فلا السلاح، ولا المفاوضات ممكن أن تحرز انتصارا أو تحقق منجزا..

كيف وصلنا إلى هذه المفارقة الغريبة؟ المفارقة التي ستضعنا على حافة اليأس..

السبب يكمن في الأخطاء القاتلة التي مارسناها (جميعاً)، ومنبعها تلك العقلية المحدودة التي تحصر كل شيء في ثنائيات متضادة.. لنتنج في النهاية مفاهيم مشوهة: "المقاومة" هي فقط الكفاح المسلح، بالرشاشات بالصواريخ بالسكاكين.. المهم أن نوقع قتلى إسرائيليين.. ما عدا ذلك جُبن وتخاذل وخضوع.. "المقاومة" تتجسد فقط في من يمارس الفعل المسلح ومن يطلق الصواريخ، أما من يواجه العدو بالأساليب الأخرى فهو خائن ومنبطح.. العمل الدبلوماسي والسياسي نلجأ إليه مضطرين حين نعجز عن الحسم العسكري.. فهو ليس أداة فعالة وليس مهما، وأي منجز يتحقق من خلاله مشكوك في أمره ومشبوه.. الفعل الجماهيري غير مهم (لأن الجماهير مغيبة، أو هم فقط وقودا للحرب وأضحيات) والمقاومة الشعبية عمل ناعم غير مجدٍ، وهو تخصص أطفال ومراهقين.. نقد المقاومة تثبيط وتخاذل وتساوق مع الاحتلال..

بهذه العقلية مارسنا فعلاً مقاومة مسلحة عبثية وانتحارية، وخسرنا أهم وأخطر أدوات المقاومة والمواجهة (الشعبية، والمدنية، والنقابية، والقانونية، والدبلوماسية، والسياسية، والإعلامية والتفاوضية..)، أو بعبارة أدق اعتبرنا هذه الأدوات ثانوية وغير مهمة، وأجلناها، ولم نحسم استخدامها، أو ضربناها في مقتل حين جعلناها نقيضاً للفعل العسكري المقاوم المدروس.. وفي النتيجة لم نمارس الكفاح السياسي والتفاوضي بشكل صحيح، ولا المقاومة المسلحة بالشكل الأمثل، وأهملنا المقاومة الشعبية.. لأننا في الأساس لم نمتلك إستراتيجية وطنية مدروسة ومتفق عليها.

من تداعيات هذا الفهم المشوه للنضال السياسي والعسكري تشوه مفهوم الهزيمة والانتصار.. لدرجة إنكار الواقع والتعامي عما نراه بأعيننا..

نتيجة الحرب انتهت بهزيمة عسكرية لم تتوقف عند حماس، بل شملت الإقليم كاملا.. هذا ليس تحليلا ولا هو إسقاط سياسي.. هذه حقيقة ماثلة أمامنا، علينا أن نقر بها بشجاعة وأمانة.. وهذا الموقف لا علاقة له بالهزيمة الوطنية ولا بالاستسلام.. عشرات الشعوب تلقت هزائم عسكرية قاسية، غير أن روحها لم تُهزم؛ إذ سرعان ما نهضت من جديد، بعد أن واجهت الواقع وأعادت صياغة مسارها باستراتيجيات جديدة ومختلفة.

الهزيمة العسكرية ليست النهاية، بل يجب أن تكون نقطة تحول وانطلاق، إنكارها يعني الاستمرار في الوهم والغرق في الهزيمة أكثر، حتى يصبح الخروج منها أمرا متعذرا.. تماما مثل الاعتراف بوجود المرض، دون ذلك يستحيل العلاج.

ما يجب أن نفعله منع تحويل الهزيمة العسكرية إلى حالة ذهنية تؤسس لمدرسة العجز والقدر، على قاعدة أن المقاومة عبث، وأن الواقع الحالي بكل سوئه هو أقصى ما يمكن بلوغه، فهذه تماما ثقافة الهزيمة.. وخطورتها أنها تُفرّغ الشعب من طاقته الإبداعية وتسلبه أدوات الفعل.. لكن ذلك يحتاج إستراتيجية وطنية عليا تعيد الاعتبار لمفهوم المقاومة وعدم حصرها بالسلاح والدماء.. وتعيد الاعتبار لقيمة الإنسان وحياته وكرامته وحقوقه..

ما يجب فعله أن نميز وندرك خطورة الخطاب الناعم، العقلاني ظاهريًا، الذي يدعو للتكيف والاستكانة تجت شعارات الواقعية والموضوعية.. كما نميز وندرك خطورة الخطاب الشعبوي الذي يروج للأوهام والاستمرار في الانتحار (حتى آخر طفل فينا) تحت شعارات المقاومة والبطولة وصور المثلثات الحمراء. فكلا الخطابين مضللين، لأنهما في الجوهر والنتيجة يقودان للهزيمة النهائية.

كسر الهزيمة يبدأ من الوعي، من التخلص من العقلية الثنائية والتفكير الرغبوي العاطفي، ومن استعادة مفهوم المقاومة الشاملة، من التخلص من لغة الشعارات والخطابات.. فالمقاومة ليست تهورًا، وبقاءنا في أرضنا ليس مجرد عمل سلبي، والمقاومة المدنية ليست رومانسية خاسرة، والعمل السياسي ليس خيارا ثانويا..

هكذا نفكك خطاب الهزيمة، ونعلي من شأن الجماهير وأهمية فعلها، ونملّكها أدواتها النضالية التي طالما استخدمتها تاريخيا، ونعيدها إلى صورتها الأولى قبل أن تشوهها شعارات "محور المقاومة"..  

الهزيمة الحقيقية تتحقق حين نستمر في نفس الأخطاء..  

يناير 07، 2026

محمد شحرور، فكره ومشروعه


محمد شحرور (1938-2019) باحث ومفكّر سوري، أوجد نهجاً جديداً لفهم وتفسير القرآن. من إصداراته: الكتاب والقرآن، الدين والسلطة، تجفيف منابع الإرهاب، دليل القراءة المعاصرة للتنزيل الحكيم، الإسلام والإنسان، القصص القرآني، وغيرها..

منذ إصداره "الكتاب والقرآن قراءة معاصرة" أحدث زلزالا مدويا في عالم الفكر والفقه، ما زالت ارتداداته تتواصل حتى اليوم، فقد حاول تجديد الخطاب الديني ليلائم العصر الحالي ويخلّصه من التأويلات والنصوص التي اعتبرها غريبة ومستهجنة.. لكنه لاقى رفضا تاماً من قبل المؤسسة الدينية والتيارات السلفية ومن أغلب الأحزاب والقوى الإسلامية، التي اتهمته بتحريف الدين وإنكار السُـنّة، لدرجة أن البعض كفّره وأخرجه من الملة، وعدّه في صفوف الغرب المناهض للإسلام والمتآمر عليه، ومنهم من وصف مشروعه بأنه "حصان طروادة" الذي يحمل العلمانية والإلحاد إلى داخل حصون العقيدة. وأن أتباعه فِرقَة باطنيّة مُعاصرة تريد تفريغ الإسلام من مضمونه الإلهي، وتحويله إلى إسلام بلا شريعة (علمنة الدين).

يرى معارضوه من الإسلاميين أن مشروعه يؤدي إلى تدمير مفهوم الولاءِ والبراء، وبالتالي تذويبُ الهُوية الإسلامية؛ فشحرور يرى أنَّ اليهودَ والنصارى والصابئين مؤمنون، وناجونَ عندَ الله، وأنَّ الإسلامَ هو الإيمانِ بالله وباليوم الآخر، وأن الديانات السماوية تنصهر في الدينِ الإبراهيمي، وفي إطار الإنسانيَّة الجامعة.

كما لاقى مشروعه رفضا من قبل التيارات العلمانية واللادينية التي رأت أنه يحاول تجميل الإسلام، وتقديم نسخة مطورة عنه، في محاولة لإنقاذ سمعته التي تضررت كثيرا (بفعل الإسلام السياسي، والعمليات الإرهابية)، وهو بذلك يزيف الحقائق التاريخية، ويبتدع إسلاما جديدا بِغطاء قرآني، ويقولون إنه قرأَ القُرآنَ بمنهج داروين وماركس لكنه ظل في إطار الدين والنص الديني، وهذا من وجهة نظرهم يؤخر عمليات التحول إلى مجتمع مدني علماني حداثي.

في المقابل، لاقت أفكار شحرور قبولا واسعا لدى الجيل الجديد، وسواء تحول هذا القبول إلى تيار فكري كبير أو صغير، إلا أنه أحدث صدمة ونقلة نوعية اختلفت تأثيراتها وتداعياتها؛ مابين نشوء وتبلور تيار إسلامي معتدل وعصري، وتيار مناهض للإسلام السياسي الراديكالي، وتيار أخذ يتبنى الإسلام بوصفه دينا روحيا منفتحا حضاريا متسامحا تعدديا، لكن في صورة التدين الفردي والعيش بروح العصر الحديث دون مشروع سياسي سلطوي.

لكن التأثير الأبرز (الذي لم يقصده شحرور) هو أن تلك الصدمة أزالت غشاء القداسة عن النص الديني، وشككت في الثَّوابت وفي الموروث الفقهي، ودفعت بهؤلاء إلى ترك الدين نفسه بعدما قرؤوه بروح ومنهجية متحررة من التابوهات.

لا توجد إحصاءات دقيقة لمعرفة مدى تأثير شحرور على المجتمعات المسلمة، ومن الصعب مناقشة أفكاره في مقال واحد، لذا سأكتفي بالإشارة إلى أبرز وأهم معالم مشروعه الفكري:

أعاد شحرور اكتشاف واستخدام أدوات تاريخية في فهم وتدبر النص، أولها مفهوم الاشتقاق وجذور اللفظ والتقاليب الستة للفعل (ابتدعه الفراهيدي الذي شكّل المصحف في القرن الثاني الهجري)، وثانيها: اللاترادف التي ابتدعها ثعلب الكوفي في القرن الثالث الهجري، وتعني أن لكل كلمة في اللغة معنى مستقل ومختلف ولكل لفط دلالة (الفقراء غير المساكين، الزوج غير البعل، الموت غير الوفاة، الوالد غير الأب، الكتاب غيرُ القرآن، الزنا غير الفاحشة..) فلا يمكن للفظين مختلفين مبنى أن يعطيا نفس الدلالة. وثالثها: مدرسة "السياق" التي أسسها عبد القاهر الجرجاني رائد ومؤسس البلاغة في القرن الخامس هجري، والسياق تعني أنه سيد تحديد المعنى والدلالة، والألفاظ والكلمات دورها خدمة معنى السياق وتوضيحه، فكل مفردة ممكن أن تحمل معنى مختلفا تبعاً للسياق.

وبحسب المفكر عادل عصمت في برنامج "مجتمع" الذي يقدمه الإعلامي باسم الجمل، فإن شحرور أضاف من عنده أدوات جديدة لفهم النص القرآني؛ أولها "الترتيل"، أي تجميع كل الآيات التي تتحدث عن قصة معينة في رتل واحد ومن ثم مقارنتها ببعضها للخروج بفهم أوضح. وثانيها: أداة التقاطع، أي إحضار الآيات المتشابهة التي تتناول موضوع محدد ومن ثم مقاطعة اللفظ بينها للوصول إلى فهم أدق للفظ؛ على اعتبار أن للقرآن نظام معرفي خاص يختلف عن النظام المعرفي للغة العربية. وثالثها: الاستنباط، باستخدام الأدوات السابقة واستبعاد الفهم الشائع للفظ. مثلاً: معنى "نساء" ليس جمع امرأة، وإنما جمع "نسيء"، أي التأخير؛ ليصبح المعنى: الأشياء المؤخّرة، أي الأشياء الجديدة المحبوبة للناس، وهي الموضة.

هذا المنهج يعتبر ثورة على المنهج التقليدي الذي أسسه الإمام الشافعي (أصول الفقه)، وسار عليه فقهاء المسلمين 12 قرنا دون مراجعة ولا تجديد. فعند الشافعي يُفهم النص القرآني من خلال خمس أدوات: النص (ولا اجتهاد مع النص)، والحديث النبوي، والقياس، والإجماع، والاجتهاد.. وبحسب شحرور أدى هذا المنهج "السلفي المحافظ" إلى تعطيل العقل الإبداعي وتجميد التفكير، بل وتعطيل الاجتهاد نفسه.. وتلك من بين أهم أسباب تأخر وتخلف العرب والمسلمين ودخولهم مرحلة الانحطاط الفكري.

اعتبر شحرور إنّ القرآن رسالة عالمية، وبالتالي يجب أن يلائم كل الشعوب والمجتمعات. ولأنه رسالة خاتمة، فيجب أن يكون النصّ مواكبا لكل التطوّرات في كل العصور. ويرى أنّ قيم القرآن يجب ألا تتناقض مع قيم العالم، وحتى يكون المسلمون جزءًا من الحضارة الإنسانية يجب أن تكون مفاهيم القرآن منسجمة مع قيم الحضارة الحديثة.

اعتمد على نسبية الحقيقة، وابتدع نظريَّة الحدود، ليقول إنَّ الله لم يضعْ أحكاماً مطلقة، بل وضعَ حداً أدنى وحداً أعلى، وما بينهما متروكٌ للتطورِ البشري. باستثناء المحرمات التي حصرها وفصلها في الآيات القرآنية فقط، ولا اجتهاد فيها، وهي محرمة في أغلب الديانات والثقافات.

ورأى أن العقلية الذكورية سيطرت على علاقة الفقه الإسلامي التاريخي بالمرأة وفي نظرته الدونية تجاهها، بحيث تحوّلت العادات العربية إلى دين، واعتبر حجاب المرأة مجرد لباس اجتماعي وليس ديني، ولا يوجد ما يسمى حجاب في القرآن (بالمفهوم السائد)، فالله تعالى فرض الحد الأدنى للباس المرأة والرجل، وهو بالنسبة للمرأة تغطية الجيوب، وكل ما عدا ذلك يتبع للذوق الشخصي والأعراف والمناخ.

كذلك اتخذ شحرور موقفا مغايرا ومعاكسا لموقف الفقه التقليدي السائد تجاه العديد من القضايا (الربا والفائدة، العقوبات مثل قطع يد السارق..)

اعتبر معارضوه أن منهجه عبث وبهلوانية لُغويَّة، وحاولوا التصدي له، ولكن أغلبهم إتبع أسلوب التهجم والاتهام والتكفير، دون أن يقدموا محاججات منطقية على أسس علمية.


يناير 05، 2026

كيف تسقط الأنظمة؟ فنزويلا مثالا

 

تمتلك فنزويلا 300 مليار برميل بترول تمثل أكبر احتياطي في العالم، وتربطها علاقات وثيقة مع إيران، وعلاقات متنامية مع روسيا، وتزود الصين بنسبة كبيرة من احتياجاتها للطاقة، وهي أسباب كافية لفتح شهية ترامب لنهب ثروات البلاد، وقطع الطريق على خصومه الأقوياء في حربها التجارية معهم..

لكن محاولات هيمنة أميركا على فنزويلا لم تبدأ بالعملية الأمنية التي انتهت باعتقال الرئيس مادورو وزوجته قبل أيام، بدأت قبل ذلك بسنوات، مستغلة الأخطاء القاتلة التي اقترفها نظام فنزويلا، وأهمها: اعتماده على النفط مصدرا أساسيا ووحيدا؛ بحيث صار الركيزة الأساسية التي تعتمد عليها ميزانية الدولة، وبمجرد أن هبط سعره في الأعوام 2018-2019 حصل العجز تلقائيا، وقلت الواردات المالية للدولة، فتوقفت وتعثرت أغلب المشاريع والخطط والبرامج الوطنية، وعجزت الحكومة عن تأمين خدماتها الأساسية، وبدأت البلاد تعاني من تضخم رهيب، وارتفاع في الأسعار، وتدني في الخدمات، وزادت معدلات البطالة وانتشر الفقر، مما تسبب بموجة اضطرابات سياسية واجتماعية وقلاقل وفوضى أمنية.

ولأنها تعتمد على النفط (اقتصاد ريعي) أدى العجز المالي إلى انخفاض حاد في القدرة على الاستيراد، الذي صار مكلفا؛ مما تسبب في نقص عدد كبير من السلع، وارتفاع أسعار السلع الموجودة.. هذا ثانيا، وهو مرتبط بالخطا الثالث: فعندما كانت الدولة في حالة الرخاء (عهد تشافيز) مع ارتفاع سعر النفط وثباته عالميا، وبسبب انشغالها بالبترول واستخراجه وصناعته وتصديره، واستسهال الحصول على الأموال بهذه الطريقة، انشغلت الدولة عن بقية القطاعات والمصادر الأخرى، وبدلا من التركيز على الإنتاج الزراعي والصناعي فضلت الاستيراد، لسهولة الأمر وتوفر الأموال، وبالتالي تأخر التطور الاقتصادي والاجتماعي.

الخطأ الرابع: نتيجة إهمال الزراعة والتنمية الصناعية (بسبب تدفق الأموال النفطية)، لجأت الدولة إلى التركيز على المشاريع ذات الطابع الشكلاني، والتي لا تتضمن محتوى تنموي حقيقي، الأمر الآخر، أدى تصدير النفط وتدفق المداخيل المالية إلى تدفق كبير للعملة الأجنبية، مما رفع قيمة عملة البلد، وبالتالي أصبح التصدير صعبا، وإذا قل التصدير يزيد الاستيراد (لضمان توفر السلع)، وهذا أضر بالصناعات المحلية، لأنها غدت عاجزة عن التصدير، وفي نفس الوقت عاجزة عن منافسة السلع والبضائع المستوردة؛ وهذا بالنتيجة أدى إلى تقويض وانهيار الصناعات الوطنية.

وميزة النفط أنه يستطيع إنتاج أموال كثيرة، بأيدي عاملة قليلة، خلافا لقطاعات الإنتاج الأخرى، التي تعطي أموالا أقل، وتحتاج أيدي عاملة أكثر، مما يزيد من معدلات البطالة، ومن ناحية ثانية فإن استخراج النفط لا يحتاج مواد خام، أو خدمات  من قطاعات أخرى، وبالتالي يقل أو ينعدم التبادل التجاري الداخلي، ما يعني عمالة أقل، وحركة اقتصادية أضعف.. مما يقلل من نشاط الدورة الاقتصادية.

الخطأ القاتل الخامس (وربما يكون الأهم) أن شركات النفط مملوكة للدولة (أو بالمحاصصة مع كبار الأثرياء)، مما أعطى النظام وحلفائه حرية التصرف في العائدات المالية الهائلة، وهذه غالباً ما تكون مرتبطة بالفساد، وغياب العدالة الاجتماعية في توزيع العائدات. وهذه المشاكل تقع فيها أغلب الدول النفطية عموما.

تلك الأخطاء لم تقتصر نتائجها على الاقتصاد والتنمية، بل امتدت لتؤثر سلبا على الحياة السياسية الداخلية والاجتماعية، فخلال السنوات العشر الأخيرة انكمش الاقتصاد بنحو 80% وبسبب التضخم انهارت العملة، ومع تزايد آثار الحصار السلبية وبسبب انعدام الأمن واستشراء الفقر، تفاقمت الأزمات الداخلية، مما دفع بنحو 7 مليون مواطن فنزويلي للهجرة، والفقراء الذين كانوا الحاضنة الشعبية للنظام باتوا ضحاياه، قوى المعارضة ورؤوس الأموال وجدت الفرصة السانحة، وتحالفت مع واشنطن، وهكذا انشكف النظام، وبات معزولا وصارت اللقمة جاهزة.

رغم أن الإدارة الأميركية خططت للوصول إلى هكذا نتائج منذ سنوات، بالحصار والعقوبات والتآمر.. لكنها لم يكن لها أن تنجح لولا سلسلة أخطاء النظام القاتلة، ولولا الفساد والفوضى التي ضربت الدولة والمجتمع. وعندما اعتقلت رئيس الدولة، لم تصدر أية ردة فعل لا من الشعب ولا من الجيش..

مثل هذه الحالة ليست سابقة تاريخية، تكررت في العديد من الدول التي عاشت ظروفا مشابهة واقترفت الأخطاء ذاتها، وتلك الدول تتشابه في العديد من السمات: نظام يأتي ثوريا وطنيا ثم يتحول إلى نظام عائلي، أو دكتاتورية، تحت شعارات مقاومة الإمبريالية وخلف الخطابات الإنشائية والتهديدات العنترية ينكّل النظام بالشعب ويكمم الأفواه، ويقصي الكفاءات، وتغتني الطبقة الحاكمة، وتتحول إلى عدو لشعبها، الذي سيطالب بالخلاص حتى لو بيد المحتل الأجنبي!

ليس شرطا أن تتكرر تجربة ترامب مع مادورو بالاعتقال، يمكن اغتيال الرئيس جسديا أو معنويا، أو إسقاطه بالثورة المضادة (نظام مصدق في إيران سقط بحملة بروبوغاندا  استهدفت الشعب، كلفت المخابرات الأميركية 800 ألف دولار فقط)، أو بالتآمر والتحالف مع مراكز قوى تدعمها وتشجعها على الانقلاب، أو تترك النظام يتهاوى من تلقاء نفسه، إلى أن تحين اللحظة الفارقة.

نجحت أميركا في مخططاتها سابقا في العديد من الدول (العراق، سورية)، وفي أميركا اللاتينية (بنما، تشيلي، غرينادا..)، ومن الممكن أن تنجح في نظم مشابهة (إيران، نيكاراغوا، كوبا..).. عربدة وقرصنة وإرهاب دولة.. مقابل نظم يعم فيها الفساد والاستبداد وتغييب الحريات والخطابات المنمقة..

المجتمعات الحصينة يستحيل اختراقها.  

ديسمبر 29، 2025

حماس، ماذا بعد؟

 

انتهت الحرب على غزة بنتائج كارثية، أكثر من 300 ألف إنسان بين قتيل وجريح ومفقود، وتدمير 80% من المنشآت والمساكن وتخريب للبنية التحتية، ونحو مليون مواطن غارقون في المطر والوحل يعيشون في خيام مهترئة في ظل ظروف غبر آدمية.. البنية العسكرية لحماس تدمرت، وتم اغتيال قادة الصف الأول والثاني، واحتلت إسرائيل 52% من القطاع، وهيأت كل الظروف لتهجير سكانه مع أول فرصة.

توقفت الحرب رسميا، ووافقت حماس على خطة ترامب، لكن إسرائيل واصلت عدوانها؛ بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار قتلت نحو 450 فلسطينيا منهم قادة عسكريين في القسام، ودمرت باقي الأنفاق (منها ما تم تدميره على يد حماس بحجة البحث عن جثامين الرهائن)، وقصَفَ الاحتلال عشرات المباني والتجمعات السكنية، وعزَل القطاع إلى قسمين، وظل يواصل تقريب الخط الأصفر ويثبت حدوداً جديدة حتى احتل فعلياً 63% من القطاع.

مرت ثلاثة شهور ولم تنفذ إسرائيل شيئا من خطة ترامب، لم توقف القتل، لم تسمح بإدخال المساعدات، ولا الخيام ولا الكرافانات، ولم تبدأ أي أعمال لإعادة الإعمار أو حتى إزالة الأنقاض، لم تسمح بخروج الجرحى والمرضى لتلقي العلاج، ولم تفتح معبر رفح.. الجيش يتصرف بكل أريحية وعنجهية.. وحماس لم تطلق رصاصة واحدة..

التضليل ليس فقط في وقف إطلاق النار، ولا في إدعاءات الانتصار.. التضليل أساسا في تشويه معنى المقاومة، وبحصرها في حماس، وأنها ما زالت تمثلها..

رغم حجم الفاجعة، عوضا عن الاعتراف بالواقع والتقدم بقراءة نقدية ومراجعات جادة أصدرت حماس وثيقة أسمتها "الرواية الرسمية لطوفان الأقصى بعد عامين من القتال والصمود".

إسرائيل التي سحقت القطاع وأعادت احتلاله وأنهت محور المقاومة.. شكلت لجنة تحقيق لتحليل إخفاقاتها الأمنية، بينما حماس التي خسرت الحرب والأرض وجلبت نكبة جديدة تُصدر وثيقة مليئة بالخطابة والإنشاء والشعارات وتعلن تحقيق عشرين منجزاً !

إسرائيل التي مارست الإبادة بكل وحشية تقمصت دور الضحية، وأقنعت العالم أنها تدافع عن نفسها، وأن هدفها منع 7 أكتوبر جديد، وتحت هذه الذريعة تمعن في عدوانها على كل فلسطين وعلى الإقليم دون أن يتمكن أحد من ردعها. بينما حماس بخطابها وتصريحات قادتها تتقمص دور المقاومة المتفوقة التي دمرت ثلت جيش الاحتلال، وحققت منجزا عظيما وأحرزت نصرا مؤزرا !

لم تميز حماس بين حق المقاومة وكيفية ممارستها، وخلطت الأسباب بالنتائج، فبعض ما تحقق من الإبادة مثل عزل إسرائيل وفضح عنصريتها وهمجيتها وتقديمها للمحاكم الدولية وإعادة القضية إلى الواجهة.. لم تكن أصلا من أسباب ودوافع بدء الحرب، جاءت كنتيجة لوحشية العدوان وقسوة مشاهد استهداف المدنيين..

لم تحسن حماس تقدير الموقف ولا قراءة قدرات العدو وتوقع ردة فعله.. ولم تدرك التوازن بين السياسة والسلاح، وما زالت تصر على الموقف نفسه والخطاب ذاته دون تراجع رغم توضح حجم الكارثة! خطاب منفصل عن سياقات التاريخ بشعارات لا علاقة لها بالواقع، تعويمات تسطيحية لا تحترم العقل ولا الدم ولا التضحيات ولا معاناة وخسائر الغزيين دون كلمة واحدة تحاول ترميم جراحهم أو تعتذر عن تلك المغامرة التي استدعت الوحش، وأدخلته إلى البيت ليحطمه.

يبدو أن قيادات حماس لم تستوعب بعد نتائج الحرب! ما زالت تصر على البقاء في الحكم بأية صورة، بما في ذلك التخلي عن المقاومة (هدنة طويلة الأمد) أو التبعية للأميركي.. وتصريحاتهم تؤكد ذلك، يقول موسى أبو مرزوق إن سحب سلاح حماس سيضر بأمن المستوطنات! أما مشعل فطالب الرئيس ترامب أن يمنحه فرصة مثلما منح أحمد الشرع!

مشكلة حماس أعمق وأقدم من تلك التصريحات بكثير، أزمتها من البداية في نمط تفكيرها حيث ترى الواقع بشكل متخيل، وتعتقد أن السياسة تُدار بالأيديولوجيا والشعارات، وأن الشعب مجرد وقود للحرب وأضحيات..

من البداية حاولت حماس عبثا المزاوجة بين متناقضات يستحيل الجمع بينها: بين ادعاء تمثيل الشعب الفلسطيني، وادعاء تمثيل السماء. تريد أن تقصي منظمة التحرير وتمثّل الشعب الفلسطيني حتى لو أدى ذلك إلى ارتهان القرار الوطني ومصير القضية لأجندات خارجية.

تريد سلطة وحكم ودولة.. دون أن تتحمل مسؤوليات وتبعات ذلك سواء تجاه المواطنين من ضمان الحقوق وتأمين متطلبات الحياة، أو تجاه المجتمع الدولي من دفع الاستحقاقات السياسية، أي دون تصور واقعي عن الدولة الحديثة، وعلاقتها بالمجتمع والعالم، وعن معنى التمثيل السياسي. فقد حكمت القطاع دون أن تعتبر نفسها مسؤولة عن الشعب بالمعنى الواقعي والعملي، وأحالت ذلك إلى السلطة الوطنية (التي حاربتها واتهمتها بالخيانة)، وحاربت إسرائيل بجموع المدنيين دون أن ترى في حياتهم أية قيمة إنسانية. وهي هنا عبارة عن جماعة ترى نفسها وصية على مجتمع «جاهلي»، وتمنح نفسها حق التضحية به من أجل هدفها الأعلى، وهي بذلك تطبق حرفيا أيديولوجية الإسلام السياسي كما صاغها سيد قطب.

تؤكد حماس أنها حركة وطنية فلسطينية، لكن تبعيتها الحقيقية لجماعة الإخوان، وأنَّ هدفها التحرير ومقاومة الاحتلال، بينما هي أداة بيد قوى خارجية وتنفذ إملاءاتهم، وتقول إنها حركة تحرر وطني بينما تخوض حروبها بمنهج وخطاب الجيوش النظامية، وليس بمنهج وأدوات حركات التحرر.

كان واضحًا من البداية أن مشروع حماس لا يملك أفقًا سياسيا واقعيا، وأنه سينتهي بالخراب. وهذا الاستنتاج لخصته شعارات الحركة وتصريحات قادتها: "نحن ومن بعدنا الطوفان" كما قال مروان عيسى. أما يحيى السنوار فقدّم صورة أسطورية عن الحرق الجماعي باسم العقيدة وأعاد استحضار قصة "أصحاب الأخدود". خليل الحية صاغها أوضح حين قال: "غزة قربان للأمة الإسلامية". أما إسماعيل هنية، فوعد بالقتال "حتى آخر طفل".

 وما زالت تمارس لعبة التناقضات وفي ظنها أنها تستطيع خداع العالم وكسب الوقت: من جهة تتمسك بالحكم وبالسلاح، ومن جهة ثانية تطالب بهدنة طويلة، وتجميد السلاح، وتقول إنها مستعدة للتخلي عن الحكم دون أن تتخلى عنه فعليا، تريد إعادة الإعمار وهي تعلم أن ذلك مستحيل بوجودها، تريد الوحدة الوطنية دون أن تسلم ملف القطاع إلى منظمة التحرير، بل وترفض الاعتراف بها.

في ظل الانقسام، وبهكذا عقلية أي مستقبل ينتظر غزة، وأي حل يمكن تحقيقه؟