أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

مايو 10، 2026

غزة المنسية


مضى نحو ثمانية شهور على مبادرة ترامب لإنهاء الحرب وإعلان وقف إطلاق النار في غزة.. صحيح أن الحرب بصورتها العنيفة قد توقفت، إلا أنها استمرت بصور أخرى لا تقل عنفا.. منذ ذلك التاريخ قتل جيش الاحتلال نحو 750 فلسطينيا، معظمهم من المدنيين، وما زال يحتل نحو نصف القطاع، بل ويواصل جر الخط الأصفر غربا، ويقضم المزيد من الأراضي، ويقتل كل من يقترب من الخط..

لم يُفتح المعبر، ولم تبدأ عمليات إزالة الأنقاض، ولا إعادة الإعمار، والمساعدات الإغاثية تدخل بوتيرة شحيحة أقل بكثير من احتياجات السكان، ولم تدخل أي كرفانات، أو خيام جديدة لإيواء النازحين، وما زالت المدارس والجامعات مهدمة ومقفلة، وللسنة الثالثة على التوالي العملية التعليمية متوقفة، وأغلب المستشفيات جرى استهدافها، ولم يتم إعادة تأهيلها، وظلت تعاني من نقص في الأدوية والمعدات الطبية..

الصيف على الأبواب، والناس في أشد حالاتها بؤسا، بين البطالة والفقر والغلاء الفاحش وشح المواد، وقناصة الجنود المتربصين لأية حركة، وقد أضيف لهذا الواقع البائس عدوا جديدا في منتهى الشراسة: الفئران والقوارض والحشرات بكل أنواعها.. والتي وجدت بيئة خصبة للتكاثر بصورة متسارعة وخطيرة بين أكوام النفايات المتكدسة والمجاري المفتوحة ومستنقعات المياه العادمة المنتشرة في كل مكان، وملايين الأطنان من الردم والبيوت المتهدمة.. مع حرارة الصيف اللاهبة، وأجواء الرطوبة الخانقة، وجيوش الجراذين ودون أي حماية سيعيش أهلنا في القطاع فصلا جديدا من المعاناة..

سيعيشون صيفا حارقا وهم منسيون تماماً، فغزة لم تعد مادة جاذبة للأخبار، الناس تعبت من أخبارهم وقصصهم المكررة.. لا توجد اشتباكات "عنيفة"، ولا مثلثات حمراء، ولا استهدافات للدبابات.. لذا، من سيهتم بأخبار الفئران والبراغيث والناموس والذباب، وطوابير المراحيض، وجشع التجار.. مثل هذه المواضيع لا تعني أحدا، لا الجزيرة، ولا نشطاء التوكتوك، ولا ثوار مقاهي عمّان ورام الله، ولا المؤثرين وكتّاب المقالات الثورية جدا..

غزة اختفت حتى من بوستات الفيسبوك؛ لأن المتحمسون لها، الذين وُعدوا ووَعدونا بالنصر المؤزر تواروا تماما، وانشغلوا بعوالمهم الخاصة، ولم يعودوا يجدون ما يكتبون، بعد أن خيبتهم تحليلات الدويري، وضيوف "الجزيرة" المقيمين..

غزة مهمة فقط حين تُقتل بصخب ويسيل دمها بغزارة، وحين تُقصف وتدمر أحياءها.. وتغدو أكثر أهمية حين يطلِق مقاوماً قذيفةً على دبابة ويعد لها فيلما خاصاً تتناقله كل "جروبات الواتس أب".. أما وهي تٌقتل بصمت، وهي تئن، وتعاني وتتألم ينساها الجميع.. وإذا خرجت من صورة الضحية، وقدمت نفسها ك"ذات" مستقلة، وإذا ظهر أهلها بصورة بشر عاديون بضعفهم وانكساراتهم أو حتى بأفراحهم الصغيرة والمؤقتة.. سينكرها العالم، العالم الذي حصر غزة وسكانها في صورة نمطية واحدة تقدمهم مجرد أبطال، صامدين، لا يحق لهم أن يتألموا، وإذا تألموا عليهم الصبر والسكوت والعض على الجراح..

غزة الآن تتعرض لهجوم كاسح من القوارض والجرذان، وأسراب الحشرات الطائرة والزاحفة.. بكل ما تحمله من فيروسات وميكروبات، وما تنقله من أمراض وأوبئة.. وبما ينذر بعودة الطاعون، بعد أن اختفى من العالم لمئات السنين، ولم يتبقَّ منه سوى بيئات صغيرة ومحدودة في بعض أماكن العالم الأشد فقرا وقذارة.. وفوق ذلك، تمنع سلطات الاحتلال إدخال المبيدات والسموم لمكافحة تلك الآفات، لأنها تريد منها إكمال ما بدأته: الإبادة الجماعية، وتحويل القطاع إلى بيئة غير صالحة للعيش الآدمي، مكانا لا يقدم لسكانه سوى الجوع والحر والأوبئة، والموت..

عندما لا نعطي أية قيمة لحياة الناس، ولا قيمة للشعب، وننظر للجماهير كأضحيات وقرابين فقط، ونتركهم لمصيرهم يصل المجتمع إلى لحظة بالغة البؤس وحالة انكشاف كارثية؛ فتحتَ تأثير الدمار والخوف من الموت والتشرد والجوع والحرمان والإحساس بالمجهول والضعف وعدم قدرة أحد على مساعدة الآخرين، وغياب أي تشكيل مؤسساتي له دور قيادة موجه.. بدأت تظهر حالة تفكك في النسيج الاجتماعي وفي كافة الهياكل والبنى المجتمعية والهرمية والطبقات الاجتماعية، وبدأت تنهار القواسم والروابط الأخلاقية والنفسية الجامعة.. وصار كل شخص يبحث عن خلاصه الفردى بأنانية، وأحيانا بتوحش دون أي ضوابط اجتماعية تقليدية.. باختصار؛ حصل انهيار شامل لشروط الحياة، حيث اجتمعت قسوة الاحتلال مع خراب الداخل.

الوضع الحالي الذي تعيشه غزة، أفضل وضع أراده الاحتلال للقطاع، بل إنه أفضل مما حلم به، ومما خطط له: قطاع مدمّر ومنهك، السكان محصورون في نصفه الغربي تحت وطأة الجوع والحصار والآفات، يعيشون على المساعدات "الشحيحة"، ونصفه الشرقي تحت السيطرة العسكرية المباشرة وحدوده باتت مناطق عازلة. وتحت حجة تسليم سلاح حماس تمتنع إسرائيل عن تنفيذ أي بند من خطة ترامب، بل بوسعها تنفيذ اغتيالات وتوجيه ضربات متى شاءت، ولا أحد يسألها، ولا أحد يطلق عليها رصاصة.. لا إعادة إعمار، ولا مفاوضات، ولا أفق سياسي، ولا ضغوطات دولية.. وقد تحولت غزة من قضية وطنية وسياسية إلى ملف أمني إنساني، وهذا بالضبط ما يريده اليمين الإسرائيلي منذ عقود.

وهذا يعيدنا إلى سؤال الحرب الأساسي: هل كان هدف إسرائيل المعلن القضاء على حماس هدفا حقيقيا؟ أم أنها خدعت العالم كله بهذه المقولة، وأنها تحارب حماس، والإرهاب، وتدافع عن نفسها؟ يبدو الآن جليا من نتائج الحرب أنها صُممت بعناية لإبقاء حماس جريحة، لا ميتة، وأن تظل غزة مدمرة دون إعادة إعمار، والقضية الفلسطينية معلّقة بلا حل..

وهذا يعيدنا أايضا إلى سؤال المقال: هل كان تضامننا مع غزة حقيقيا ومؤثراً؟ ولماذا هي منسية الآن؟ في الإجابة لا نفتش في النوايا، بل نسأل عن أشكال هذا التضامن، ودوافعه، ومحدداته..  


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق