أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

مايو 01، 2026

حقيقة الإصلاحات المطلوبة من السلطة الوطنية الفلسطينية

 

تفرض كلٌ من الولايات المتحدة وإسرائيل حصارا ماليا وسياسا على السلطة الوطنية، وتجران معهما الاتحاد الأوروبي وبعض الدول العربية للمشاركة في هذا الحصار.. منذ سنوات عديدة دأبت إسرائيل على قرصنة أموال المقاصة (العائدات الضريبية الفلسطينية) والتي تشكل العامود الفقاري للاقتصاد الفلسطيني، ومنذ نحو سنة تصادرها كاملة، لدرجة أن السلطة باتت عاجزة عن تأمين أبسط الحاجات الأساسية، بما فيها دفع رواتب الموظفين.. كما توقفت الولايات المتحدة منذ سنوات عن دفع أية مبالغ أو مساعدات للسلطة، كذلك فعل الاتحاد الأوروبي، حتى أنه تخلف عن دفع مبالغ كانت مقررة سابقا، أما الدول العربية فهي متوقفة تماما عن تقديم أي مساعدات مالية للسلطة..

تطالب تلك الدول السلطة الوطنية إجراء سلسلة إصلاحات كشرط أساسي لاستئناف تقديم المساعدات، أو حتى للضغط على إسرائيل للتوقف عن قرصنة "المقاصة"، أو الإفراج عن الأموال الفلسطينية المحتجزة لديها. فما هي حقيقة تلك الإصلاحات؟

إعلاميا؛ تتمحور الإصلاحات المطلوبة من السلطة حول سلسلة من التغييرات الإدارية والسياسية والمالية، أبرزها الإصلاح المؤسسي والحوكمة، وتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد، وإعادة هيكلة الوزارات، وتعزيز استقلالية القضاء، وإصلاح النظام المالي لضبط الإنفاق، وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية وتوحيد قيادتها بما يضمن عدم تسييسها، والمطالبة بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية لتجديد الشرعية. وتعزيز الحريات السياسية وحماية الحقوق المدنية، وإصلاح التعليم والخدمات والصحة..

هذا ظاهرياً، لكن الحقيقة شيء مختلف؛ الإصلاحات بحسب المطلب الأميركي أن تتوقف السلطة الوطنية عن نشاطها الدبلوماسي في الساحة الدولية في كل ما يتعلق بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، ومطالبتها بالعضوية الكاملة في الأمم المتحدة، والتوقف عن الانضمام لكافة المنظمات والهيئات الدولية، وسحب مطالباتها أمام المحاكم الدولية لمقاضات إسرائيل على جرائمها..

الاتحاد الأوروبي يطالب السلطة بتغيير المناهج التعليمية التي تعتبرها أداة تحريض ضد إسرائيل، أي شطب كل جملة تتحدث عن حق العودة، أو النكبة، أو الأسرى، أو النضال التحرري، أو مقاومة الاحتلال.. ووقف ما تعتبره حملات التحريض في وسائل الإعلام، وتطالب بإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية وبلدية.. ومكافحة الفساد، ووقف هدر المال العام..

بعض الدول العربية تطالب بتعيين رئيس حكومة مقبول من طرفها ومن قِبل المجتمع الدولي، على أن يكون بصلاحيات كاملة تتجاوز صلاحيات الرئاسة، وأيضا تطالب بمكافحة الفساد، ووقف هدر المال العام..

وتشترك الأطراف الثلاث في مطلب وقف صرف مخصصات الأسرى والشهداء، معتبرة هذا الأمر دعما للإرهاب..

أما إسرائيل، فتطالب بكل ما سبق، لكن في حقيقة الأمر كل ما سبق لا يعنيها، إلا بقدر توظيفه سياسيا وإعلاميا كحجة وذريعة للضغط على السلطة لإجراء "الإصلاح" الأهم من وجهة نظرها؛ وهو تحويلها إلى مجرد وكيل أمني، وجهاز إداري يقدم بعض الخدمات المدنية، دون أي صفة سياسية.. بحيث توقف تماما حديثها عن حل الدولتين، وعن الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وعن حق تقرير المصير، وتنسحب من المحاكم الدولية..

تدرك إسرائيل استحالة (أو صعوبة) تنفيذ تهجير شامل للفلسطينيين، لكنها حولت أسلوبها من التهجير القسري المباشر وبالقوة، إلى أسلوب الضغوطات والمضايقات المستمرة وتحويل حياة الفلسطينيين إلى جحيم، لتصبح الهجرة الطوعية هي الخلاص.

لكن إسرائيل غير متفقة في موضوع مستقبل السلطة الوطنية، إذ ينقسم الطيف السياسي الإسرائيلي بشأن الدور المستقبلي للسلطة إلى ثلاثة تيارات: التيار الأول: الداعمين لحل الدولتين، ويشمل الأحزاب الإسرائيلية اليسارية، ومعها لوبي صهيوني أميركي "يساري"، لدى هذا التيار رؤية شاملة لإصلاح السلطة الفلسطينية، تقوم على الشراكة ولكن باشتراطات صهيونية، وهذا التيار ضعيف وغير مؤثر حاليا.

التيار الثاني: البراغماتيين، ويضم المؤسسة الأمنية واليمين المعتدل، ويرى هذا التيار أن بقاء السلطة الفلسطينية ضرورة استراتيجية، للحفاظ على الاستقرار الأمني في الأراضي الفلسطينية، ويتعامل معها كأداة وظيفية تُعفي إسرائيل من عبء الإدارة المباشرة للفلسطينيين. ويدعو إلى إصلاح إداري وأمني دون أي تنازل سياسي إسرائيلي.

التيار الثالث: اليمين المتطرف (بقيادة نتنياهو وسموتريتش وبن غفير) ويرفض تمامًا فكرة إحياء السلطة الفلسطينية أو تعزيز دورها، ويعتبرها تهديدًا وجوديًا لمشروع "إسرائيل الكبرى". ينطلق من عقيدة قومية- دينية ترفض أي شكل من أشكال الكيانية الوطنية الفلسطينية بين النهر والبحر. لذلك يعمل على تفكيك السلطة أو إضعافها إلى أقصى حد، وتحويلها إلى إدارة مدنية محدودة الصلاحيات وغير قادرة على التعبير عن أي مشروع وطني.

هذا التيار يستهدف الشعب الفلسطيني كله؛ وجوده ومستقبله، لذا فإن سياساته لا تستهدف السلطة وحسب؛ فمثلا تجميد أموال المقاصة، ومنع دخول العمال الفلسطينيين إلى سوق العمل الإسرائيلية، وتسريع الاستيطان وشرعنة البؤر العشوائية، ودعم إرهاب المستوطنين.. يضر بكل المجتمع الفلسطيني..

لا يريد هذا التيار إسقاط السلطة وإنهائها تماما، لأسباب سياسية (خارجية وداخلية) لا مجال لشرحها هنا، ولعدم توفر البديل، أو أن البدائل التي تشتغل عليها إسرائيل منذ عقود غير جاهزة وغير ناضجة، وغير مقبولة إقليميا ودوليا.. ويخشى هذا التيار أن يؤدي إقصاء السلطة إلى خلق بيئة من الفوضى وانعدام الأمن تهدد أمن إسرائيل واستقرارها وصورتها أمام العالم.. لكنه يسعى إلى تقويض وإضعاف السلطة، أو، في الحد الأدنى، تحويلها إلى جهاز إداري فاقد للفعالية والشرعية.  

إذن، "الإصلاحات"، "كلمة باطل لا يُراد بها حق".. فالمجتمع الدولي لم يتحول فجأة إلى واحة ديمقراطية ونزاهة وشفافية بحيث لم يعد يحتمل وجود سلطة لا تنسجم مع هذه البيئة المثالية.. الحقيقة أن اليمين الإسرائيلي واللوبي الصهيوني هما المحرض الرئيسي لدفع أميركا وأوروبا والدول المانحة لتبني اشتراطات "الإصلاحات"، والمشاركة في حصار السلطة والشعب الفلسطيني..

بالنسبة للمناهج التعليمية، هل الهدف معالجة التحريض وتهيئة جيل مؤمن بالسلام؟ أم هي وسيلة لسلخ الأجيال القادمة عن وطنها وعن ذاكرتها وتراثها وتطلعاتها التحررية؟ هل نظر أحد إلى المناهج الإسرائيلية؟ وإلى الخطاب الإعلامي الإسرائيلي الرسمي؟ بكل ما تتضمنه من خطاب كراهية وتحريض وعنصرية إسرائيلية تجاه الفلسطينيين.. فلماذا الكيل بمكيالين؟ والتعامي عن الممارسات الإسرائيلية التي شملت الإبادة الجماعية وكافة أشكال جرائم الحرب!

هل موضوع الفساد والإصلاح المالي حقيقي؟ أم هي وسيلة لتشويه السلطة وعزلها والتشكيك بشرعيتها؟ وأداة للضغط عليها لدفعها لتقديم تنازلات سياسية جوهرية..

هل دفع مخصصات لعوائل الأسرى والشهداء دعماً للإرهاب؟ أم هي وسيلة لإدانة الكفاح الفلسطيني بصفة عامة، ووسمه بالإرهاب؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق