أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

سبتمبر 10، 2025

أطراف تم تضخيمها

 (1-2)

في هذا الصراع الدائر حاليا بكل جنون ودموية، ثمة أطراف جرى تضخيمها أو ضخمت نفسها، ولعب أدوارا أكبر من حجمها بكثير..

لنبدأ بحماس؛ بنت حماس دعاية إعلامية موجهة عبر شبكتها الإعلامية الضخمة، وفي مقدمتها "الجزيرة"، قامت على المبالغة في تصوير قدراتها العسكرية، وإيهام الجمهور بأن الحركة تمتلك شبكة أنفاق ضخمة ستحميها من بطش الاحتلال، ولديها قدرات صاروخية قادرة على إلحاق أضرار جسيمة داخل إسرائيل، ولديها جيش مدرب قوامه خمسين ألف مقاتل مسلح، بتشكيلات نظامية متكاملة (ألوية، وفرق، ووحدات، وكتائب برية وجوية وبحرية، وضفادع بشرية، واستخبارات، ومصانع صواريخ وعتاد.. إلخ)، لدرجة أن الحركة استشعرت بقوتها، واعتقدت أنها قادرة على تدمير إسرائيل..

دعائيا وأيديولوجيا: تم طرح نموذجها في المقاومة بوصفه النموذج الوحيد الصحيح الذي يجب أن يُعتمد، وما دونه مضيعة للوقت، ومدعاة للسخرية.. لم يقتصر التضخيم على الجانب العسكري؛ الأهم منه تضخيمها سياسيا، لتصبح ممثلة عن الشعب الفلسطيني، وتفاوض باسمه، وتقرر مصيره..

سواء كانت هذه الدعاية بهدف تسمين الأضحية تمهيدا لذبحها.. أو لخلق مبررات وذرائع لإسرائيل لتشن عدوانها، ولتُقْدم على ما لم تجرؤ على الإقدام عليه طوال العقود السبعة الماضية.. أو لتقديم سردية الحرب بدلا من سردية الإبادة، أي بنزع صفة حرب الإبادة والتطهير العرقي عن جرائم إسرائيل والتركيز على أنها تقتل مدنيين لصالح سردية المقاومة وقدراتها وبطولاتها وانتصاراتها، بدليل امتلاكها قوات عسكرية تدمر الدبابات وتقصف الصواريخ.. المهم أن حماس نفسها توهمت بقوتها وصارت تتصرف على هذا الأساس، تريد أن تتجاوز منظمة التحرير وتلغي صفتها التمثيلية، وأن تتفاوض بنفسها مع أميركا، وأن تظل لاعبا أساسيا في المعادلة، وحاكمة لقطاع غزة حتى لو كان ذلك على حساب غزة وشعبها وقضية فلسطين كلها.

بصرف النظر عن موقفنا من حماس، أحببناها وأيدناها أو عارضناها.. يجب أن ندرك بأنها في نهاية المطاف عبارة عن ميليشيا عسكرية بقدرات أقل من محدودة مقارنة بقوة إسرائيل، بالنسبة للعالم وأقصد الحكومات والدول الفاعلة والمؤثرة فهي لا تعترف بها، وتصنفها كحركة إرهابية. على المستوى الشعبي تظل حزباً دينياً أيديولوجياً لا يمكنه بحكم تركيبته وعقيدته الحزبية أن يحتوي ويستوعب كافة الشرائح والطوائف والطبقات الاجتماعية والتوجهات الفكرية، وإذا حظيت الحركة بتعاطف أو تأييد شعبي ما، فليس لأفكارها وتوجهاتها بل لأنها تقاوم الاحتلال، وهذا هو المعيار الوحيد، فبدون ممارستها للمقاومة لا مكانة لها في عقل وضمير الجماهير..

الأهم من كل ما سبق، في ظل النظام الدولي القائم، ومع التغييرات الجوهرية الآخذة بالتفاعل، وإعادة تشكيل المنطقة على أسس مختلفة.. حماس مجرد تشكيل عسكري مشاغب ومعطل للمشاريع الكبرى، تشكيل سياسي يعود لحقبة ماضية وانتهت، ولا يصلح للتكيف مع المعطيات الجديدة، ولا مع العالم الجديد، ولأن الحركة تسيطر على بقعة جغرافية بالغة الأهمية في النظام الجديد؛ نظام الممرات المائية والموانئ والطرق التجارية والمشاريع والاستثمارات العملاقة وتقاطع المصالح والتجارة العالمية فقد تقرر القضاء عليها، أي إزالة هذا العائق.. وهذا ما تقوم به إسرائيل وأميركا والدول الغربية، وما وافقت عليه دول المنطقة وسائر دول العالم، بما فيها تلك التي تؤيد الحق الفلسطيني وتعتبر نفسها صديقة للفلسطينيين..

كان على حماس أن تدرك طبيعة الدولة العبرية، وطبيعة دورها الوظيفي، وأنها ركن أساسي في النظام الدولي، لا يمكنه أن يفرط بها، أو يسمح بأي تغيير في المعادلة القائمة، فحتى سيطرتها على قطاع غزة كانت حينها جزءا من ترتيبات إستراتيجية بعيدة المدى تدور في العقل الإسرائيلي والأميركي.. وأي تغيير في المشهد لا يمكن أن يمر دون موافقة ورضا الدول الكبرى.. وبالتالي أي تجاوز للخطوط الحمراء التي وضعها النظام الدولي سيُجابه بكل قوة وعنف. هذا ما تدركه دول المنطقة، ولم تدركه حماس، أو أنَّ دولا فاعلة في الإقليم أرادت استخدامها كجسر ومخلب لأغراضها الخاصة.

كان على حماس قراءة المشهد بعناية، هي أخطأت بدايةً في تقديرها للموقف حين شنت هجماتها في 7 أكتوبر، مدفوعة بوهم القوة، دون مراعاة قوة العدو وقدراته وطبيعة ردة فعله، ومراهنةً على حسابات معينة، ضمن تفكير يُسقط الرغبات على الواقع، ويتوقّع المعجزات الإلهية، كأنَّ هجماتها ستفجر حرباً شاملة على إسرائيل، سيتجنّد فيها كافة الفلسطينيين أينما كانوا والعرب والمسلمين، كل ذلك بالمنطق الديني الغيبي.

وبعد تأكد فشل الحسابات، ورؤيتها لحجم وشراسة الرد الإسرائيلي، ونيتة تدمير القطاع واحتلاله وإبادة سكانه، ومع تكشف الخلل في موازين القوى، وسقوط كل الرهانات؛ لم تتخذ الحركة أية خطوات سريعة باللجوء إلى منفذ طوارئ يجنّب شعبنا الكارثة. وعوضا عن بحثها عن حلول وبدائل، وأن تفكر بشكل واقعي، وتعيد تقييم موقفها، حتى لو تراجعت خطوة للوراء، وأن تضع نصب عينيها مصير القضية والمخاطر الكارثية التي يتعرض لها الشعب.. عوضا عن كل ذلك استمرت في مغامرتها، حتى بعد أن اتضح لها فشل رهاناتها على حلفائها، وبعد انكشاف ضعف الجبهة الداخلية.

لأننا نُحسن الظن بقوى المقاومة نقول أنها أخطأت في حساباتها وتهورت.. لكن خطأها الأكبر أنها رهنت نفسها لصالح محاور إقليمية لا يهمها مصلحة القضية الفلسطينية، ولصالح حسابات وأجندات الإخوان المسلمين، والتي أيضا لا يهمها مصلحة الشعب الفلسطيني، وتعمل وفق أجندات مغتربة عن واقعنا ومنفصلة عن قضيتنا الوطنية.

كل هذا من الماضي، إدراكه ضروري لأخذ العبر، المهم الآن وقف الكارثة، لذا نتمنى على حماس أن تتوقف عن التفكير والتصرف بمنهجية "أصحاب الأخدود"، التي تعني حرفيا انتحارها، ونحر سكان غزة معها، وإنهاء القضية الفلسطينية، فهل تتدارك خطورة الموقف قبل فوات الأوان؟

بالمثل، مع اختلاف بعض السياقات، وطبيعة الأهداف الإسرائيلية جرى تضخيم حزب الله، فعليا وليس فقط إعلاميا، والحزب أيضا استشعر "وهم القوة"، وخاض حربا لمدة سنة ضمن قواعد اشتباك معينة، ولما حانت اللحظة، وصار ضروريا تحييد الحزب، تم ذلك خلال شهر واحد، بضربات مكثفة واغتيال قادته وتدمير قدراته العسكرية، علما أنه أقوى من حماس عسكريا بعشرة أضعاف، ولديه حاضنة شعبية حقيقية وقوية، وجغرافيا وتحالفات وإمكانات لم تتوفر لحماس.. مع ذلك تم تحييده.. تمهيدا للترتيبات الجديدة المعدة للمنطقة.

سنناقش تاليا  كيف ضخمت الأطراف الأخرى نفسها، بتورم ارتد عليها، سنتحدث عن  إيران، وقطر، وإسرائيل، والإدارة الأميركية.

(2-2)

منذ العام 1995 بدأت قطر تخطط لأن تصبح قوة عظمى، ولاعباً أساسياً في المنطقة، وأن تبني لنفسها قوة أكبر بكثير من حجمها، قوة تعوض ضعف تعدادها السكاني وصغر مساحتها، هذه القوة سترتكز على أربع قواعد، الأولى: لعب دور الوسيط لحل النزاعات. الثانية: الاعتماد على قوة وسطوة الإعلام (الجزيرة). الثالثة: استثمار الغاز وخطوط إمداده وتحويلها من قوة اقتصادية إلى سياسية. الرابعة: تحصين نفسها أمنيا وعسكريا باستضافة أكبر قاعدة عسكرية أميركية تؤمن لها الحماية من أي خطر خارجي أو داخلي (طبعا باستثناء الخطر الإسرائيلي).

النقطة الأولى ربما تكون الأهم، حيث أنها بذلك حددت لنفسها دورا وظيفيا يقوم على لعبة التوازن بين المتناقضات من خلال ممارسة دور الوسيط والتدخل في الملفات الإقليمية المتشابكة (القاعدة، طالبان، الحركات الجهادية في سورية، درافور، ليبيا، إيران، الإخوان المسلمين، حزب الله، الحوثيين، رعاية شخصيات معارضة عربية، ثورات الربيع العربي.. إلخ)، هذا الدور منحها وزنًا مضاعفًا في المعادلات الدولية، وجعل منها قوة يحسب لها حساب.. لكن جميع هذه الملفات باتت من الماضي، وصارت عبئا وتم التخلص من معظمها، أو حلحلتها، أو أنها وجدت طريقها لحلها بنفسها دون وساطة.. ولم يعد النظام الدولي راغبا بدور الوسيط القطري، وقد أخذ يعالج ما تبقى من ملفات شائكة بطريقته الخاصة، والتي اقتضت إزالة العوائق بدلا من استخدامها كما كان يفعل سابقاً، بل إنه يقوم حاليا بإعادة هندسة الدول نفسها، وليس فقط الميليشات والقوى المحلية الصغيرة.

في النهاية، لم يتبق لقطر من ملف سوى رعايتها لحماس (تسويقها إعلاميا، دعمها ماليا، استضافة مكتبها السياسي، التوسط في مفاوضات الهدنة وصفقة الرهائن). وهذه الوظيفة تمت أصلا بطلب إسرائيلي (منحة العمادي لحماس قبل الحرب)، وبطلب أميركي (استضافة مكتب حماس في الدوحة، ورعاية المفاوضات).. وظلت هذه الوظيفة مشروطة بقدرة قطر على تأمين الملاذ والحماية.

لكن قصف إسرائيل لمقر إقامة قيادة حماس في الدوحة حمل معنى واضحا؛ أنَّ قطر استُهلكت وظيفيا فيما يخص ملف غزة، وإعلاناً عن انتهاء دور الملاذات الآمنة، ما يعني نهاية اللعبة، وتحديد قواعد جديدة، ويعني أن طبيعة الدور الوظيفي القطري لم يعد يُرسم في الدوحة، بل في مراكز القرار الكبرى التي أعادت ترتيب أولوياتها، والتي ربما تتجاوز قطر وتستغني عنها، وقد يصبح إقصاؤها خطوة طبيعية ضمن إعادة توزيع الأدوار..

باختصار، النفخ والتضخيم الذي فعلته قطر بنفسها وصل حده الأعلى، وبدأ منحى الهبوط.. وليس أمامها سوى إدراك حدود قوتها الحقيقية، لا المتخيلة والمفتعلة والموظفة.. أي أن تنكفئ ضمن حدودها الجغرافية، أو أن تبحث عن دور وظيفي جديد..

بالنسبة لإيران، ولأن قصتها طويلة سنكتفي بمعالجة مختصرة: استشعرت إيران بقوتها، أو أرادت لنفسها قوة أكبر من حجمها، أرادت أن تصبح دولة نووية، لتغدو قوة دولية يعتد بها، فأخذت تمد نفوذها في البلدان العربية، حتى هيمنت على العراق وسورية ولبنان وغزة واليمن، بالنزعة الطائفية حينا، وبالتسليح أحيانا، وأوجدت "محور المقاومة" الذي انتهى نهاية حزينة.. لو أنها أنفقت تلك المليارات على البناء الداخلي والتنمية وتوطين التكنولوجيا والاهتمام بالإنسان لصارت بالفعل قوة حقيقية يعتد بها.. بذلك قدمت مثالا على "وهم القوة" حين يرتد عكسيا، ويصبح عبئا.

لنأتي إلى إسرائيل، التي رغم قوتها المفرطة تحاول لعب دور أكبر بكثير من حجمها ومن قوتها العسكرية..

القوة العسكرية ليست كل شيء، ولا هي أهم شيء.. بسبب فائض قوتها العسكرية (والاقتصادية والسياسية) أخذت تعربد على المنطقة، تقصف يمينا وشمالا، ليلا ونهارا، تضرب في العمق أهدافا في لبنان وسورية والعراق وإيران واليمن وقطر، تقتل مدنيين، وتغتال قيادات في كل مكان.. تضرب بعرض الحائط كل القوانين الدولية والشرائع الإنسانية، بلا رقيب ولا حسيب..

ومع استشعار فائض القوة أحس نتنياهو بالنشوة، وصار يعاني من جنون العظمة، معتقدا أنه أقوى رجل في المنطقة ولا أحد قادر على إيقافه. ومع استشعار فائض القوة ازداد تطرف وتوحش المستوطنين في الضفة الغربية. ولبسبب نفسه استفحل اليمين الديني المتطرف داخل إسرائيل وأخذ يتغول على الدولة والمجتمع، مهددا بتفسخهما.

إذا بقي التيار اليميني مسيطرا ومهيمنا سيزداد تطرفه، سيحوّل إسرائيل إلى دولة دينية منبوذة ومعزولة لا يستطيع أقرب حلفائها الدفاع عنها، أو تبني روايتها، وهذا حتما سيقودها للهلاك. وكما كتب الصديق هاشم العامر: "‏لطالما سقطت الإمبراطوريات العظمى بسبب طموحات شخصية لمن يحكمها، ونتنياهو يبحث عن طموح شخصي سيودي بإسرائيل؛ ‏إسرائيل الآن قوية بلا شك ومدعومة ومسنودة، لكنها أصغر بكثير من أن تبتلع منطقة بكاملها.. عسكريا هي رابحة الآن، لكنها سياسيا وأخلاقيا وحضاريا سقطت وخسرت الكثير. و‏على العالم أن يختار بين أن يحتضن كيان عنصري مجرم، أو يتمسك بالقيم والمبادئ الإنسانية التي يدعو لها. لن يطول الأمر كثيرا، و‏لن يختار العالم حفنة مجرمين كاليمين الحاكم بإسرائيل مهما حدث".

بحسب تعبير الصديق أكرم مسلم: "تمتلك إسرائيل مخيلة إمبراطورية لكنها لا تمتلك أيًا من مقوماتها؛ لا عمق جغرافي ولا ثقل سكاني ولا ركائز تاريخية ولا مقومات ثقافية ولا منظور حضاري. دولة تافهة عكاكيزها الأمنية والاقتصادية لن تستطيع المضي بهذه الحمولة بعيدًا".


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق