أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

سبتمبر 19، 2025

إسرائيل، إسبارطة الجديدة

 

مع تصاعد الهجمة الإسرائيلية المتوحشة على قطاع غزة، بدأت إسرائيل تواجه تداعياتها السياسية والدبلوماسية، وتتعرض لانتقادات حادة، وتواجه جملة عقوبات، حيث أعلنت عدة دول أوروبية عن تعليق تعاونها العسكري مع إسرائيل ومراجعة صفقات أسلحة، وفرض قيود على العلاقات الدبلوماسية، وقررت دول أخرى الاعتراف بالدولة الفلسطينية في إشارة واضحة إلى تزايد عزلة إسرائيل، وافتضاح صورتها  عالميًا. لدرجة أنَّ نتنياهو أقـرَّ بأن إسرائيل تعيش حالة عزلة متزايدة في المجتمع الدولي، وفي تصريح له عكس مدى غروره وأزمته النفسية قال: "ستضطر إسرائيل بسبب عزلتها الدبلوماسية إلى التكيّف مع اقتصاد ذي سمات أوتاركية، وأن تصبح إسبارطة عظمى".

إذا نحن أمام مصطلحين من المهم تفكيكهما، لاستشراف صورة لمستقبل إسرائيل:

لنبدأ بالأوتاركية؛ التي تعني الفردانية المطلقة، والاستغناء عن الآحرين، اقتصاديا تعني عزلة اقتصادية، أو اكتفاء ذاتي، بالنسبة لإسرائيل الآن تعني التكيف مع عزلتها وتقليص روابطها الاقتصادية مع العالم، بكل ما يتضمنه ذلك من احتمالات انهيار اقتصادي سيؤدي إلى تدهور مستوى المعيشة بشكل دراماتيكي، وفقدان القدرة على تمويل الجيش والأمن والخدمات العامة. وهذا ما حذر منه خبراء اقتصاديون أدركوا خطورة التحول إلى إسبارطة، حيث أن استمرار العزلة سيؤدي إلى خسائر بمليارات الدولارات، بسبب تراجع الاستثمارات الأجنبية والعقوبات المفروضة أو التي ممكن أن تُفرض. فقد انعكس تصريح نتنياهو سلبيا على الأسواق والقطاعات الاقتصادية المختلفة في إسرائيل، التي بدأت تلمس آثار العزلة الدولية، في حين اعتبرت المعارضة الإسرائيلية أن العزلة نتيجة مباشرة لسياسات نتنياهو المتهورة وسياسات اليمين الحمقاء.

لنأتي إلى مفهوم "إسبارطة"؛ وقبل التوسع بالحديث يجدر التأكيد على أن معظم المرويات عن الفترة الهيلينية يغلب عليها طابع الأسطرة، فقصص طروادة وإسبارطة وحروبها مع أثينا لم تثبت تاريخيا، لذا سيكون حديثنا محاولة فهم رمزية القصص ودلالاتها المختلفة.

إسبارطة لم تكن تكن دولة مدنية ولم تشكل حضارة، لافتقارها أهم عناصرها: الشعب بفئاته الاجتماعية وقواه المنتجة والمتنوعة، فهي لم تكن أكثر من مدينة محصنة، مجتمع صغير معزول قائم على مفهوم التفوق العرقي والقوة العسكرية فقط. دويلة قامت على الغزو والتوسع والاعتداء على محيطها.. مدينة خرجت من عباءة السيوف والرماح، حيث كان الطفل يولد ويُربى ويعيش فقط ليكون محاربًا، حتى صار المجتمع بكامله رهينة لفكرة الحرب الأبدية، ضمن مشروع قتالي حربي أبدي استنزفها حتى الفناء.. فانتهى مصيرها بسقوطها وتدميرها، تاركةً وراءها موروثًا رمزيًا يدل على فشل القوة العسكرية بمعزل عن أي مشروع حضاري مدني، أي سقوط نموذج الدولة/ الثكنة.. لتغدو رمزاً لغباء وعدمية فكرة التفوق العرقي، وبشاعة العنصرية التي مثلتها. باختصار إسبارطة مذمة وشتيمة وليست نموذحا للفخار والتباهي، إلا في عقلية من يحاولون تقليدها، ومن يعيشون وهم أبدية القوة والبطش كأداة سيطرة، ووسيلة بقاء وحيدة.

مثّلت إسبارطة النموذج النقيض لأثينا، ليس بسبب الحروب الدائمة بينهما؛ بل لأن أثينا كانت دولة مدنية أعطت للبشرية نموذج الديمقراطية والليبرالية والتعددية (وفق المفاهيم السائدة آنذاك)، لذا انتصرت في نهاية المطاف، وعاشت مفتخرة بفلاسفتها ومفكريها ونتاجها الحضاري وأنماط حياتها..

إسبارطة التي دُمّرت وقدمت نموذجا دمويا متوحشا بائسا في التاريخ يحاول نتنياهو بعثها مجددًا في إسرائيل، وفرض هذه الصورة على هويتها ومستقبلها، كمحاولة يائسة نرجسية لتقلّد دور البطولة الذاتية والتفوق العسكري والتفرّد العرقي، صورة تجعل من إسرائيل في حالة حرب أبدية مع الكل، ضد الفلسطينيين والعرب والعالم، نموذجا يجعل بقاء إسرائيل قائمًا على حدّ السيف، ومن عاش على حد السيف مات بالسيف، تلك حكمة قديمة لم ولن يفهمها اليمين الصهيوني ولن يدركوا ماذا ينتظر كيانهم "المتخم بقوة السيف" من عزلة دولية ستحوّلها إلى دولة مارقة، مكروهة ومنبوذة عالميًا.

حقيقة، ما فعله نتنياهو أنه كشف صورة الصهيونية الحقيقية، وأراد إظهار وجه إسرائيل الحقيقي للعالم دون وجل ولا خجل وبلا رتوش؛ أي تقديمها في صورة "إسبارطة الجديدة".. كيان بلا أفق حضاري، يُحاصر نفسه بالجدران والأسلاك الشائكة والبوابات والحواجز والقبة الحديدية، ويعيش بمنطق البقاء فقط عبر القتل والقصف والتوسع والاستيطان.. مجتمع معسكر، دولة ثكنة، كل بيت إسرائيلي صار ثكنة، وكل مواطن صار جندي، وكل مؤسسة صارت معسكر، وكل سياسة عبارة عن قرار أمني حربي.. كيان يعيش على الرهان على الحرب الأبدية دون أفق للسلام، حيث أن السلام يتناقض جذريا مع هكذا كيان، بل يعريه ويفقده مبرر وجوده.

يتناسى اليمين الصهيوني أن مصير إسبارطة كان الموت بالانتحار البطيء. بعد أن بنت مجتمعا عسكريا تغذيه الكراهية والعنصرية ووهم التفوق، في ظل قيادة تكرر نفس نمط إسبارطة: توسع دموي يقابله عزلة دولية متزايدة.

كيان تأسّس أصلا على الحرب والغزو وطرد السكان الأصليين، وإخضاع من تبقى منهم وتجريدهم من ممتلكاتهم؛ تماما كما غزا الإسبرطيون جارتهم اليونان وأخضعوا سكانها. أقامت كلٌ من إسبارطة القديمة والجديدة إحتلالاً عسكريّاً، ومجتمعا عنصريا يضهد السكان الأصليين في دولة فصل عنصري. في إسبارطة القديمة أصبح السكان الأصليون «هيلوتس» عبيداً وأقناناً، فيما أخضعت إسرائيل الفلسطينيين بين مواطنة من الدرجة الثالثة وسجناء في معسكر اعتقال في الضفة وغزة.

كان على إسبارطة وإسرائيل العيش في حرب دائمة مع افتراض متخيل لتهديد خارجي يمعن في صناعة الرعب، لتبرير وتسويق عسكرة الدولة والحيلولة دون خلق أي حالة تعاطف إنساني مع "العدو"، الذين هم في نظرهم ليسوا بشرا يستحقون الحياة، وحتى لا تتراجع الروح القتالية للجنود، الذين صاروا كل المجتمع.

عاشت إسبارطة مرعوبة بشكل دائم من احتمالية تقديم القوى الدولية دعمها للهيلوتس ومساعدتهم على التحرّر، ومرعوبة من تحوّل العبيد إلى ثورة. تعيش إسرائيل المخاوف ذاتها، مرعوبة من تعاطف العالم مع الفلسطينيين، فاختارت معاداة العالم وتبني سياسة خارجية عدوانية متغرطسة.. لكن العالم بدأ يرد على إسرائيل ويعزلها أكثر فأكثر.

يبيع نتنياهو لشعبه وهم "إسبارطة المنتصرة"، ويتناسى "إسبارطة المنهارة". فكما انتهت الدولة الثكنة القديمة إلى رماد، ستفقد إسرائيل قدرتها على الحياة، وسيجد نتنياهو أن صورة "القلعة التي لا تُقهر"، تحولت إلى عبء أخلاقي على العالم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق