أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

مايو 12، 2015

لي أختٌ أحـبّها


لي شقيقات أربع، معهن أرتقي لمنزلة الأخ، وأحترفُ العشق، وأذوبُ في لجّة الحنين، أُحلِّقُ مع أطيافهِن الشفيفة كمن يدخل حقل غيوم، ولا يعرف أي غيمة ستمطر .. معهن أغرقُ في محيط الكلمات، حائرا لا يتضح لي الفرق بين نجمة الشمال وريح الجنوب، بين الصوت والصدى ..

سأبدأ بهيام؛ شقيقة الروح .. أراها مثل ريمٍ أتى الغدير ليرتوي، مثل معزوفة حالمة تقطر بالشجن، مثل حبيبات الندى وهي تشرب ضوء الصباح على مهل ...

كنا صغارا .. لكنها كبرتْ أسرع منا، صارت أختا وأمّاً وصديقة .. كانت حارستي في سنتي المدرسية الأخيرة، في كل ليلة أقول لها: "هيّوم بكره عندي امتحان، صحّيني الساعة 4"، لا تحتاج إلى منبّه، يكفيها نبض قلبها، عند الرابعة فجراً تأتي ومعها كوب من الشاي، وبيدها الرقيقة توقظني، فأفتح نصف عين، وأطلب منها أن تعود بعد نصف ساعة، فتأتي بعد نصف ساعة وبيدها كوب آخر.


ذات ليلة من أول أيام أيلول، كانت تعجن لخبز الصباح (كعادتها كل يومين)، وكان اليوم التالي أول أيام المدرسة؛ فأحبّتْ أن تصنع لنا قالباً من الكيك، تأمّلتُ عينيها اللوزتين، فتمنّيتُ أن أغوص في قلبها وأتحول إلى دفقة من كريات الحب الحمراء ..

كبرتُ أنا، وكبرتْ هي .. وجميع شقيقاتي أيضاً كبرنْ، بانزياحات غير متساوية من الزمن .. ولكنّا افترقنا بمسافات متساوية من الشوق .. هي الآن في مدينة بعيدة، غريبة، جدرانها باردة، لا أعرف ماذا تفعل في هذا الوقت بالذات، وكيف تحتال على نداءات الحنين .. أما أنا؛ ففي كل ليلة ماطرة تأتي دودة قـز، وتندس من تحت المخدة، وتحاول أن تفترس مخيلتي المثقلة بالذكريات .. لا أسحقها تماماً، لكني اسحبُ من شرنقتها خيط حرير طويل، لأحيك به كنزة تدفئ قصصنا مع الشتاء ..

عندما سافرتْ، نقصتْ مدينتي شارعها الرئيسي، واختفت منها كل الأرصفة، وتلاشت مواعيد العشاق، وصرتُ لا أرى في سواد الليل سوى نجمات نحيلة متباعدة، وغيمات مشردة، تخفي وراءها قمرا خافت الضوء، يوشك أن يغيب.

كبرنا معاً، ولكن في مكانين مختلفين .. قضَمَ الغيابُ لحظات كثيرة كان من المفترض أن تكون مشبعة باللقاء، وافترسَ الصمتُ الثقيل كل الكلام الذي لم يُقال .. وأتى الفراق على عشرات البراعم؛ فماتت قبل أن تتفتّح ..

أذكر ذلك الصيف الكئيب حين سمحتْ لها المخابرات بزيارتي، وفي غرفة التحقيق، ما أن رأتني حتى أجهشتْ في البكاء، قبّلتُ وجنتيها، ثم جلسنا قبالة بعضنا، وهي لا تفعل شيئا سوى النظر تجاهي والبكاء، مرّت عشر دقائق كاملة، وهي صامتة وتواصل البكاء، انتظرتُ كلماتها المعتادة، دون جدوى .. أخيرا، ما أن خرج المحقق لبعض الوقت؛ حتى انهارت عليَّ بالأسئلة دفعة واحدة: كيف حالك ؟ ماذا يطعموك ؟ هل ضربوك ؟ متى ستخرج ؟ كيف تقضي وقتك ؟؟ كان صوتها ملهوفاً ومبللا بغصّة عميقة، وقبل أن أجيبها كان المحقق قد عاد، لكنها كانت قد استجمعت شجاعتها، وابتسمت لي كما لو أننا نجلس على مقعد خشبي أمام بحيرة ..

رغم السنين التي سُفحت على عتبات الغربة، كانت تأتي في ليالي الصيف متنكرة في زي نسمة، فأنحني لرائحة ظلها علني أتعثّر به .. وحين يتدفق صوتها هادرا شفّافا عبر الهاتف، يمتلئ إحساسي بالبحر، وحقول الحنطة، والشرفات المطلة على العصارى، ولهفة الأطفال، والعصافير المغردة، والثلج، ونوافير الحدائق .. اشتقتلك، وشو أخبارك .. ثم تعاتبني: زعلانة منك لأنك ما بتصلّي ..

وكلما التقينا تدحرجت الضحكات في صدري، فتتحول عيناها إلى بحيرتين، فأرى وشاحها يفيض بالنور رغم العتمة، وألمس روحها فأحسّها رطبة ندية رغم الظمأ ..

آآه، لو أن الشمس غفت في إحدى تلك العصارى التي كانت تأتي بها محمولة على لحن أغنية، لو أن الوقتَ حينها لسعهُ البرد وتجمّد .. لو أن الزمن مرَّ من حولنا ولم يرانا، لو بقينا صغارا .. ليتني بقيتُ ذلك الطفل الذي يخرب ترتيبها لفراشنا وحقائبنا المدرسية، وأوقاتنا المبعثرة .. ليتني أمسك رائحة البدايات وأخزنها في جرة لا تصلها الريح ..

أن تكون لي أخت، يعني أن أَظلَّ غارقاً في اشتعال الذاكرة، محلّقاً في فضاءات الطفولة .. مع مؤامراتنا الصغيرة، وحِيلنا الماكرة على الكبار، في تلك الغرفة الصغيرة التي كنا ننام فيها جميعاً، نمضي سهراتنا ونحن مسمّرين خلف التلفزيون، مطرقين آذاننا لصوت المطر، وقبل العاشرة نكون قد غصنا في نومنا اللذيذ، فتأتي ببطء شديد وتشدُّ اللحاف عن أطرافنا لتطرد عنها البرد ..

أن تكون لي أخت واحدة، يعني أن أَظلَّ مشتاقاً لبراعة طهيها، وخبزها الشهي .. أما أن تكون لي أربع شقيقات؛ فيعني أن أَظل محكوماً بالحنين .. لبيتنا الأول .. حنين المطر إلى مسقط رأسه .. هناك في البحر البعيد ..

الأخت، هي التي تسامحك إذا أخطأتَ بحقها، وتشتاقُ إليك إذا هجرتها، هي صوت الحنين حين يعزف على أوتار الروح، ويطير بك وراء السحاب .. هي غابة السنديان التي تظلل رحلاتك الطويلة .. هي زهرة البيلسان التي تشدك إلى عطرها كلما أمعنتَ في الغياب ..

من كان لديه أخت؛ فليشكر الرحمن على هديته الثمينة ..




0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار