أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

أكتوبر 03، 2014

جامعة بير زيت تطرد أميرة هاس


لبّت الصحافية الإسرائيلية "أميرة هاس" دعوة من مؤسسة روزا لوكسمبورغ ومركز دراسات التنمية في بيرزيت لحضور مؤتمر علمي في الجامعة. وبالفعل، حضرت "هاس" إلى الجامعة للمشاركة، ولكن ما حدث في منتصف الجلسة الأولى هو أن قدِمت محاضِرتان من المركز وطلبتا بإلحاح منها الخروج، باعتبار أن وجودها يشكل خطرا عليها من غضب الطلبة المحتشدين والرافضين لحضورها المؤتمر. إلا أن السيدة "هاس" التي غادرت دون أدنى معارضة أو احتجاج أكدت أنها لم ترى أي جموع للطلبة في الخارج، وأن طردها تم بسبب تعريفها عن نفسها بأنها مراسلة لصحيفة "هآرتس". أو بمعنى آخر لأنها "يهودية".

"أميرة هاس"، ولمن لا يعرفها؛ هي يهودية يسارية مناهضة للاحتلال، ومؤيدة للفلسطينيين. تم تصنيفها من قبل "منظمة صحافة بلا حدود"  كواحدة من بين 100 صحافي حول العالم يحملون لقب أبطال المعلومات، وهي الصحافية الإسرائيلية الوحيدة التي تسكن مع الفلسطينيين في غزة ورام الله منذ العام 1993، وتم اعتقالها مرتين من قبل سلطات الاحتلال. وقد حظيت بشهرتها من عامودها الدائم في صحيفة "هآرتس" المتخصص في الشأن الفلسطيني، والذي طالما أثار حفيظة الجمهور الإسرائيلي، كما حدث مثلا حين دافعت عن حق الفلسطينيين في رشق الجنود الاسرائيليين بالحجارة، ورأت في أن الفلسطينيين عندما يقذفون الاسرائيليين بالحجارة فإنهم "يمارسون حقهم الطبيعي والفطري"، ورفضت بقوة اعتبار إلقاء الحجارة بأنه عمل عنفي. كما جاء في مقال كتبته على خلفية قيام المحكمة الاسرائيلية بتوجيه تهمة القتل المتعمد لشاب فلسطيني من حلحول قام برشق سيارة مستوطن اسرائيلي بحجر، أدى إلى مقتله.
وإزاء طرد "هاس"، انقسم المثقفون والطلبة بين مؤيدين للخطوة واعتبارها عملا بطوليا، ومعارضين لها واعتبارها عارا. حتى إدارة المركز كانت منقسمة بين من برر ذلك بأن قانون الجامعة يمنع دخول اليهود الإسرائيليين حرم الجامعة، وبين من ادعى خوفه على سلامتها.

هذا الانقسام في وجهات النظر ظاهرة طبيعية، خاصة في مجتمع يتعاطى السياسة كالغذاء والماء، وهو خلاف مقبول ما لم يصل بحدته مستوى التخوين وسلب الطرف الآخر وطنيته؛ فالذين أيدوا طرد "أميرة هاس" قاموا بذلك من منطلق وطني، لأنهم يعتبرون هذه الممارسات نوعا من التطبيع، وكثير منهم يرفضون فكرة وجود متضامنين "يهود" و"إسرائيليين" مع القضية الفلسطينية. بينما الطرف الثاني يؤمن بالنضال المشترك مع كافة القوى المناهضة للاحتلال والعنصرية والظلم بغض النظر عن أصولها وديانتها .. أما موقف إدارة المركز، فهو متهافت؛ سواء التذرع بالقانون، أم بوجود طلبة مفترضين سيقتحمون المؤتمر.

لن أجادل هنا في مسألة التطبيع؛ فهذا موضوع شائك، ولن أجادل في مدى أهمية ما يسمى اليسار الإسرائيلي، أو تفهُّم أسباب غيابه وضعفه، وحتى لن أجادل في مبدأ اختراق الساحة الإسرائيلية، وتعميق التناقضات فيها، وإحداث فجوة في جدار الوعي اليهودي، وهل هذا مبدأ أخلاقي، أم براغماتي تجيزه ضرورات الصراع ؟! وإلى مدى نجح الفلسطينيون في مسعاهم هذا منذ العام 1977، وحتى لحظة طرد "أميرة هاس"، وتسجيل هذا الإنجاز التاريخي.

سأجادل فقط في مبدأ "الطرد"، الذي يبدو أن جامعة بير زيت ستحظى بشرف اتخاذه منهجا، وماركة مسجلة باسمها، منذ طردها لرئيس وزراء فرنسا وهو على رأس عمله، وقبل ذلك التاريخ وبعده، حتى أن منهج الرفض والتشنج وإلغاء الطرف الآخر بالقوة، صار في ذهن البعض تعبيرا عن الوطنية الصادقة وعن التطهرية الثورية !!

عندما زار رئيس وزراء فرنسا "جوسبان" الجامعة في العام 2000، وألقى محاضرة اتهم فيها حزب الله بالإرهاب، جوبه بعشرات الطلبة الغاضبين وهم يلقون عليه الحجارة والزجاجات الفارغة ويجبروه على الفرار. وتكرر الأمر في العام 2013، حين زار الجامعة القنصل البريطاني في القدس "فينسينت فين" وأراد إلقاء محاضرة، إلا أن حشد من الطلبة رموه بالحجارة والأحذية وهجموا على سيارته، وأرغموه على المغادرة، وهم يرددون هتافات منددة بالسياسة البريطانية وبوعد بلفور.
طبعا، من حق الطلبة التعبير عن رفضهم ومعارضتهم لسياسات تلك الدول، وانحيازها الأعمى لإسرائيل .. لكن، ألم يكن ممكنا التعبير عن ذلك بأساليب تليق بجامعة عريقة؛ أي باليافطات، والشعارات، والهتافات، وحتى برمي البيض والبندورة .. طبعا هذا إذا تعذّر التعبير والاحتجاج بالحوار، والمناقشة، وطرح الأسئلة المحرجة والمباشرة، ومواجهة هؤلاء المسؤولين بالكلمة والحُجة ؟؟
وهنا، سيقول أصحاب المشاعر الثورية الملتهبة أن هؤلاء لا يليق بهم إلا الضرب بالأحذية والطرد المهين !! فهذا هو أسلوب الحوار الذي يمارسه الطلبة المتحضرون !! ولكن على ما يبدو أن الطرد  هو الأسلوب الذي بات يستسهله الطلبة، لدرجة أنهم لم يعودوا يميزون بين وزير أو سفير لدولة "إمبريالية" وبين قائد فلسطيني؛ فعندما زار "أحمد قريع" الجامعة حين كان رئيسا للحكومة 2005، استقبله عشرات الطلبة من الكتلة الإسلامية بمظاهرات منددة، وغاضبة، وهمّوا بطرده (كما جرت العادة) لولا حماية الشرطة الفلسطينية.

ولم تتوقف عادة الطرد على الطلبة؛ فقد انتقلت العدوى لإدارة الجامعة، وموقف الجامعة من طرد "هاس" يستند كما تقول الإدارة إلى قرار يطال كل اليهود الإسرائيليين، ولا يشمل اليهود غير الإسرائيليين، الذين يأتون الى الجامعة دون اعتراض. وهذا يعني أن قرار الجامعة يعتبر أن كل يهودي إسرائيلي هو بالضرورة مؤيد للاحتلال، وبالتالي سيكون عدوا للشعب الفلسطيني، أي يضع كل اليهود الإسرائيليين في سلة واحدة، يتساوى فيها المستوطن والجندي والمتطرف العنصري باليساري العلماني المناهض للاحتلال والرافض لكل المنظومة الصهيونية، أي تتساوى فيها "فيليتسيا لانغر"، و"ليا تزيميل" المعروف عنهما دفاعهما عن الأسرى الفلسطينيين، وفضح ممارسات الاحتلال، مع المتطرفة "إيليت شاكيد" التي دعت لقتل جميع النساء الفلسطينيات خلال العدوان على قطاع غزة. ويتساوى فيها "يوري أفنيري" الذي يدعو لإقامة دولة فلسطينية، مع "كاهانا" الذي يطالب بطرد كل الفلسطينيين.

والغريب مثلاً، أن جامعة "تل أبيب" لم تطرد أستاذ التاريخ اليهودي "شلومو ساند"، بل أبقته محاضرا فيها، رغم أنه نسف في كتابه "اختراع الشعب اليهودي" الأسس التاريخية التي تقوم عليها الدعاية الصهيونية، بل قوّض الرواية التوراتية بأكملها، بينما منعت جامعة بير زيت في وقت سابق المؤرخ اليهودي اللامع "إيلان بابي" من إلقاء محاضرة في الجامعة نفسها، رغم أنه يحمل نفس أفكار "ساند"، بل أنه يطالب بتطبيق حق العودة للاجئين الفلسطينيين.

وفي الجانب الآخر من الصورة، لا ننسى أن جامعة بير زيت ومنذ تأسيسها وهي جزء مهم من الحركة الوطنية الفلسطينية، وقد قدمت مئات الأسرى وخيرة القادة وعشرات الشهداء، حتى نالت بجدارة لقب جامعة الشهداء. لكنها في السنوات الأخيرة تشهد تراجعا واضحا في مستوى وعي الطلبة، ومشاركتهم النضالية، وصارت الحياة السياسية فيها أشبه بالمناكفات والمزايدات، ويسود في أوساطها سياسة الرفض العدمية، بتعبيرها الفج: "الطرد". حتى صار أي مفكر أو قائد سياسي أو شخصية أكاديمية يفكر مائة مرة قبل القدوم للجامعة، خشية طرده والإساءة إليه .. فهل هذا ما نريده لجامعتنا التي طالما كنا نفاخر بها ؟!
وكما أن الجامعة هي مكان للتعليم، ونحن نعلم أن لا ظروفنا ولا إمكانياتنا تسمح بأن تكون جامعاتنا الفلسطينية ضمن قوائم الجامعات الأولى في العالم، ولا حتى ضمن قائمة أفضل 500 جامعة .. ولكن على الأقل بإمكاننا أن نرفع من شأن هذه الجامعات في الأمور التي لا تتطلب إمكانيات مادية، ولا خطط تطوير مكلفة؛ أي توفير منبر للرأي الحر، ومساحات كافية للحوار، وتمرين على تقبل الرأي الآخر، واستيعاب وجهات النظر المختلفة مهما بدت لنا غريبة وخارجة عن المألوف، ومن الضروري أن تخضع أي تباينات في الاجتهاد والرأي للحوار الهادئ المتزن بدون تشنجات وتعصب، وبدون عنصرية.


0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار