أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

يوليو 04، 2014

مندلي


كان صباحا مشمسا من شهر أيار، ينذر يصيفٍ قائظ، وقد مضت سبع سنين على بداية الحرب المجنونة مع الجار اللدود، ولم يبقَ بيت في "مندلي"، وهي آخر بلدة على التخوم الشرقية للعراق، إلا وطاله القصف .. إلى أن تحولت تلك البلدة الوادعة إلى أكوام من الردم .. في حين نزح أهلها ومنذ السنة الأولى للحرب إلى "بلدروز"، على بعد ثلاثين ميلا باتجاه الغرب .. هذه المرة وعلى غير عادتها؛ تأخرت "سناء" لأكثر من ساعة، فيما كان "فراس" يقلب ناظريه بقلق، تارة إلى ساعته شبه المتوقفة، وتارة إلى آخر الشارع، على أمل أن يلمح طيفها .. فيرى الأعشاب قد نمت بعشوائية في الطرقات، وبعض طيور الحبارى تنتظر عودة الغيّاب .. وأخيرا أطلت بقامتها الممشوقة، ترتدي تنورة رصاصية وقميصا أبيض .. وقد بدا التعب على محياها ..

"فراس"، شاب تركماني في السنة الأخيرة في كلية الآداب، و"سناء" كردية في السنة الثانية في معهد الفنون الجميلة .. لكنهما يتحدثان معا بالعربية، وباللهجة البغدادية .. اعتادا أن يأتيا مسقط رأسيهما نهاية كل أسبوع، يمسكان بأيدي بعضهما، يجوبان شوارع البلدة .. يغنيان، يركضان بلهوٍ ومجون، إلى أن يستبد بهما التعب، فيأويان تحت أي سقف، يتطارحان الغرام بدون خوف .. صحيح أن بيوت البلدة كلها مدمرة، إلا أن في كل بيت تقريبا غرفة تصلح لعاشقين هاربين من قانون القبيلة ..

ورغم خوائها؛ إلا أن بعض الأهالي كانوا يعودون إليها من حين إلى آخر، يتفقدون بيوتهم المهدمة، يمرون من بين القذائف بوجل، يبحثون عن أي شيء: عن جهاز كهربائي يمكن إصلاحه، عن آنية تصلح للطبخ، عن أوراق قديمة، عن وجبة غداء من الذكريات، عن بقايا ظلال توارت بلا سبب، عن صدى صوت مضى عليه زمن طويل، منهم من كان يتفقد حديقته، فيسقيها، ويقلم أشجارها، ويقطف بعضا من برتقالها .. وقبل مغيب الشمس يعودون ..

- هل صحيح  أن البلدة ما أن يهبط الظلام حتى تتحول إلى مدينة أشباح ؟؟!
- نعم حبيبتي، ولكن هذا ينطبق على الأرواح المعذبة فقط، حيث يخرج القتلى من مراقدهم، ليكملوا ما بدأوه، فمن كانت تحمل مكنستها في ساحة البيت حين داهمتها قذيفة تعود لتكنس باقي الساحة، ومن كانت تُعد وجبة الفطور، حينما انهال عليهم السقف، تعود لتوقظ أطفالها وتجمعهم حول المائدة، ومن كان يقود سيارته أثناء القصف، يخرج ليلا ويجمع ركابه ويوصلهم إلى حيث يريدون .. أما المقابر فتظل على حالها، فقد مات سكانها بسلام، وحظوا بجنازات مهيبة ..
- ولكن، هل يُعقل أنهم خلال كل هذه السنين لم ينجزوا ما بدؤوه !؟
- إنهم متواطئون بشكل ما، فهم يتلكئون في أعمالهم طوال الليل، حتى يطلع عليهم النهار، حيث تستعر الحرب من جديد، فيعودون إلى قبورهم ..

أحست "سناء" بالرعب من هذه الفكرة، فنظرت في عيني "فراس" لتقرأ فيهما إجابة خبيثة .. رهيبة ..

-        نعم حبيبتي، حينما بدأتِ تنزعين ثيابكِ قبل سنوات بعيدة، باغتتنا رصاصتين .. وها نحن نعود عاشقين في كل مساء ..
تلمست بيديها خاصرتها، ثم عنقها، ثم مسحت بكفيها وجهَها فوجدت كل شيء مكانه .. وقالت بنيرة حاسمة: ولكن الوقت نهارا، والأشباح تخرج في الليل ..

أمسك بيدها بحنو، وقال لها يبدو أن الجوع قد نال منك، تعالي لنجد شيئا نأكله.

على أطراف البلدة .. في بناية نصف مدمرة، كان "أبو شهاب" قد استصلح مطعمه القديم .. ليقدم فيه بعض الكباب والدجاج المشوي وعصير البرتقال لزوار البلدة .. كان على الجدار صورة ضخمة لصدام حسين، وصورة أخرى صغيرة للمطربة "سميرة توفيق" .. سألته "سناء" بفضول: هل ترى شيئا غريبا أثناء نومك في هذا المطعم !؟ فقال بصوت مشحون، وعيناه مركزتان نحو المدينة، كما لو أنه يراها لأول مرة، أو يودعها للمرة الأخيرة: للمدن قلوب تخفق، ولها عطرها المفضل، ولونها المفضل، أحيانا تغدو نزقة، وأحيانا تخبئ نفسها في حقيبة طفل ,, لكن المدن الجميلة تكره الحرب، لأنها تحولها إلى مستنقع لا تسكنه سوى الضفادع ..

وقبل أن يكمل كلامه، كان آخر ما سمعاه دوي انفجار رهيب، ثم ساد صمت مطبق، صمت طويل .. وبعد أن أفاقا، نظرا في وجوه بعضهما البعض .. فوجدا منظرا مذهلا .. كان شعر "سناء" الأشقر قد أبيضَّ تماما، وقد حفرت التجاعيد خطوطها على وجنتيها، فيما بدت رقبتها مترهلة وجسدها نحيل وبالكاد يحملها، أما "فراس" فقد بان كعجوز هرم، هزمته السنين .. والفوضى تعم المكان ..

في الخارج، كانت قطعان من شذاذ الآفاق تملأ السهل وتسد الأفق  .. من كل صنف ولون، أشكالهم غريبة، ولهجاتهم غريبة .. دخل مسلحان منهم، وبلهجة آمرة وبكل قسوة، شدَّ الأولُّ "سناء" من شعرها، فكان كمن أمسك بقبضة هواء .. أدخل يده في خاصرتها، فخرجت من الجهة الثانية، حملها بكل خفة، ولوح بها حتى كادت تطير، ثم شد وثاقها إلى جذع نخلة، وانهال عليها بالسوط، فكان ينفد منها ليجلد الشجرة، وهي لا تصرخ، على عكس النخلة التي بكت بخوف وحرقة .. أخيراً، أحاط عنقها بحبل غليظ، ورفعها إلى الأعلى فيما كانت تنظر إلى السماء وتبتسم .. وهي تسمع من حولها صيحات التكبير والتهليل ..


بعد الظهر، كانت جثتاهما تتدليان وتتمايلان مع الريح، ثم اختفى ظلهما فجأة، تبادلا النظرات، وعيونهما تقول، سنخرج في كل ليلة لنكمل ما بدأناه ..  

0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار