أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

فبراير 12، 2014

قطة أبو جابر


اعتاد "أبو جابر" أن يمضي نهاره بأكمله والساعات الأولى من الليل في دكانه الصغير، جالسا خلف طاولته الخشبية، بين الفينة والأخرى يأتيه طفل صغير؛ عمّو أعطيني حبتين علكة وباكيت شيبس .. بتقللك أمي بدها دوا غسيل .. بسلّم عليك أبوي وبقللك أعطيني باكيت دخان عالدين .. وفي الأوقات التي تخلو فيها الدكان من الزبائن، كان يستسلم لإغفائة خفيفة، وسرعان ما يعلو شخيره، فيقطع نومته عليه أحد المارة؛ مسا الخير أبو جابر، شو أخبار دبدوبة ؟ فيصحو فجأة متظاهرا أنه كان غارقا في التأمل، الله يخزيك ويخزي دبدوبة، جفّلتني بصوتك اللي مثل زامور التراكتور .. وإذا كان المتحدث زبونا محترما من الذين يشترون نقدا، يبتسم له بتلعثم، أهلين أبو عبد الله، تفضل ..

ونظراً لبُعد بيته، فقد كان يأكل وجباته الثلاث في الدكان، فيتناول علبة سردين، أو علبة لبن، مع حبات من البندورة، وأحيانا يلتهم حبة شوكولاته، مع قطع من البسكويت .. وما يزيد من طعامه يعطيه لقطته السمينة "دبدوبة" ..

كان "أبو جابر" قصير القامة، ومع الأيام نما له كرش ضخم، حتى صار شكله أشبه بأسطوانة الغاز، أما "دبدوبة" فقد تكيفت معدتها مع الطعام الجاهز، واعتادت على الكسل، فلا تصحو إلا عندما يوقظها "أبو جابر"، ولِك إصحي  .. قومي تسمّميلك لقمة .. إلى أن صار وزنها بوزن قطتين .. وحركتها بطيئة متثاقلة، فكانت الفئران تمر من أمامها دون خوف، ما أتاح الفرصة لها أن تتكاثر، خاصة وأن الدكان كان فوضويا، تتكدس فيه البضائع دون أي ترتيب.

ورغم العلاقة الحميمة التي كانت تربطهما معاً، والتي لم يكن "أبو جابر" يجد أي تفسير لها، إلا أنه أخذ في الفترة الأخيرة يزداد حنقه عليها .. فهي تأكل دون أي فائدة، الدكان امتلأ بالصراصير، والسحالي، والفئران، و"دبدوبة" بدلا من صيدها صارت تستسهل بقايا وجبات "أبو جابر" ..

بعد فترة، وصل "أبو جابر" لقناعة بأن قطته صارت عبئ عليه، ومن الضروري أن يتخلص منها، لكن الأمر لم يكن بالسهولة التي تصورها، فكلما طردها عادت، حتى أنه حملها بسيارة جاره للقرية المجاورة، لكنها عادت في نفس المساء .. إلى أن يأس منها أخيراً، وصار لزاما عليه أن يعتاد على وجودها، وعلى كسلها.  

وذات يوم، فتح "أبو جابر" برميل الطحين، فذُهل مما رأى .. أفعى سوداء ضخمة، تلتف حول نفسها مثل عجل كاوتشوك، وعليها آثار من الطحين جعلت لونها كما لو أنها مبرقشة .. كانت صدمة مرعبة له، وبحركة لا إرادية أعاد غطاء الصندوق على الفور، وبدأ يضع فوقه بعض الأكياس الثقيلة خوفا من خروجها .. عاد "أبو جابر" لمقعده وهو يرتجف، محاولا استيعاب الأمر، قدّر طولها بمترين .. لم يعرف ما يفعل، وكيف يتصرف .. وظل جامدا مكانه يقلب الأفكار، ويطرح على نفسه الأسئلة. وبعد نحو ساعتين، كان الليل قد حل، وعليه أن يستعد لإغلاق الدكان والعودة للبيت. لكن كيف يترك دكانه وبداخله أفعى بهذه الضخامة ؟! أخيرا هدأ روعه قليلا، واستبدل الأكياس الصغيرة المكدسة فوق البرميل بكيس واحد ثقيل من الملح، واطمئن لوزنه، وأن الأفعى لا يمكن لها الخروج.

ما أن دخل البيت حتى عاجلته زوجته بالسؤال: مالك وجهك أصفر !؟ خير شو في ؟! وبعد أن أخبرها بقصة الأفعى، قالت له: إهدأ شوية، وخلينا نفكر بحل. ولِك شو أهدى .. بحكيلك حية طولها عشرة أمتار، وبتحكيلي أهدى ! صحيح إنك مجنونة ..

لم ينم "أبو جابر" تلك الليلة، وقد خطرت بباله عشرات الحلول، وكلما اقترح حلا وجد فيه نقطة ضعف .. كانت خشيته من خروجها على غفلة منه، أو أن تتمكن من قلب البرميل بحركاتها العنيفة، فيسقط كيس الملح من فوقه .. وبين اليقظة والنوم، كانت تمر عليه الأفكار أشبه بالكوابيس، وسيناريوهات أفلام الرعب .. فكّر مثلاً أن يفتح غطاء البرميل بسرعة ويلقي "دبدوبة" فيه، ويضعها في مواجهة مباشرة مع الأفعى .. وهذه فرصة لأن يتخلص من أحدهما (أو من كليهما) .. ماذا سيحدث للقطة في لحظة خوف مصيري وقد تحولت إلى نمر ؟! حينها ستمزق الأفعى إربا، ألم يقل المثل: "مثل القط المحشور في الزاوية" .. تخيل حينها قطته تخرج من البرميل غاضبة، وفي فمها رأس الأفعى، ولون لعابها يقطر دماً، ومن عينيها يتطاير الشرر .. كيف سأسيطر عليها بعد اليوم ؟! ربما تحتل الدكان وتلتهم كل محتوياته .. ولكن، ماذا لو لدغت الأفعى القطةَ بسمّها !! كيف سأخرجها بعد ذلك ؟! ثم تساءل في نفسه: ماذا لو بلعت الأفعى القطة ؟ ستكون معدتها ممتلئة حتى الثمالة، وستكون في أضعف حالاتها، حينها يمكن لي أن أقضي عليها بسهولة .. ولكن ماذا لو خانتني شجاعتي !! ثم خطر بباله أن يسكب الكاز على البرميل ويحرقه بمن فيه .. لكنه خاف أن يحترق الدكان بأكمله .. ثم فكر بإدخال لحم مسموم للأفعى من خلال فتحة صغيرة، لكنه سيخسر الطحين .. أكثر من مائة دينار سيرميها في الحاوية .. وتلك خسارة لا يحبذها ..

وأكثر ما كان يقلق "أبو جابر" أن تعرف الزبائن بوجود أفعى في دكانه .. حينئذ سيقاطعونه وسيخسر تجارته .. لذلك قرر أن لا يبيع الطحين، وإذا سأله أحد عنه، سيقول له إن الحكومة منعت الطحين عن القرية عقابا لها على معارضتها لسياسة الرئيس .. 

ولأيام متواصلة ظلَّ "أبو جابر" يفتح دكانه بحذر، يجلس خلف طاولته لساعات، ينظر للبرميل كما لو أنه قنبلة موقوتة ستنفجر في أي لحظة .. وينظر لقطته بحسرة وكراهية .. وإحساسه بالعجز يشله تماما .. ثم ينظر لكيس الملح فيطمئن قليلاً، موهماً نفسه أن دكانه بألف خير ..


0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار