أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

يناير 07، 2014

حارس العمارة


في أيام الشهر الفضيل، يصبح الطعام موضوع الساعة الأهم، وحديث الناس وشغلهم الشاغل. "أبو محمد" واحد من بين ستة عشر جارا يسكنون في عمارة واحدة، يحلو له التسوق كل يوم بعد صلاة الظهر، يتصل بزوجته من السوق ويسألها: كم طبخة عاملة عالفطور ؟ أجيبلك جاج والا لحمة ؟ رز عادي ولا أمريكي ؟ خروب ولا تمر هندي ؟ في عنّا خيار وخس ؟ قطايف ؟ جوز .. إلخ
في اليوم الأول بعد الإفطار، لاحظ أن العائلة لم تتناول سوى ربع الكمية المعروضة على المائدة، وحتى لا يلوم نفسه، قرر أن يتصدق بما فاض من طعامه لحارس العمارة، وما فعله "أبو محمد" فعله جيرانه الخمسة عشر، بالضبط، ولنفس المبررات.
في الطابق الأول تحت مستوى الشارع، في شقة ضيقة تفوح منها رائحة الرطوبة، كانت معدة أساسا كمخزن لسكان العمارة، كان "أبو عيسى" (حارس العمارة) قبل ساعة من موعد الإفطار يساعد زوجته في إعداد وجبتهما الوحيدة؛ هو يفرم البصل، بينما هي تقطع حبات البندورة، ضمن خطة محكمة لإعداد قلاية بندورة بالفلفل الحار. بعد أن أكلا وحمدا الله وأثنيا عليه، سمعا قرع الباب، وإذا بجارهما "أبو محمد" يناولهما طنجرة مقلوبة، قائلا: أرجو أن تعجبكم، هاي من طبخ أم محمد أعدتها خصيصا لكم. تناولها "أبو عيسى" بخجل، وشكره كثيرا، وظل يدعو له حتى غاب عن الأنظار، وبعد دقائق سمعا قرع الباب مرة ثانية، كانت "أم سعيد"؛ أعطتهما صينية دجاج بالبطاطا، ما زالت تنبعث منها بعض الأبخرة، فيما كررا شكرها وبنفس الأدعية، وفي خلال ساعة كانت وجبات الطعام تنهال عليهما من كل حدب وصوب: مناسف، محاشي، دوالي، مقالي، صواني، سلطات، حلويات، عصائر ...
على ما يبدو أن كل جار كان يظن أنه الوحيد الذي فاض لديه بعض الطعام، أو أنهم جميعاً كانوا يظنون أن حارس العمارة قادر على تناول كل هذه الكميات من الأطعمة المختلفة .. وربما أرادوا منه التخلص منها في سلة النفايات بحيث لا تؤنبهم ضمائرهم .. المهم أن "أبو عيسى" كان محتارا ماذا سيفعل أمام هذا الكرم الذي هبط على سكان العمارة فجأة ..
في اليوم التالي تكررت نفس العملية، ونفس الأكلات مع اختلاف مقدمها، وخلال ربع ساعة تكدست في أرضية مطبخهما الصغير أكثر من عشر وجبات، نظر "أبو عيسى" لزوجته مبتسما: والله بدنا عشر ثلاجات حتى تستوعب هالكمية، شو رأيك يا أم عيسى ؟ شو نسوي بهالأكل ؟ حرام نكبه في الزبالة !! لمعت عينا أم عيسى على الفور، وأشارت عليه أن يتصدق بها بدوره للمحتاجين؛ فاستحسن الفكرة، وفي تلك الليلة نام وهو يفكر ويخطط ويحلم بأشياء لم تكن لتخطر على باله.
صار "أبو عيسى" في كل يوم قبل الإفطار بساعة يُسخّن الوجبات التي تلقاها في الأمس، ويعيد توضيبها، ويحملها إلى ساحة مفتوحة تقع في آخر الحي مقابل الجامع، وهناك، يفردها على الأرض، ويدعو المارين والمحتاجين لتناولها، بينما زوجته في البيت تستقبل الوجبات التي سيقدمها في اليوم التالي. وهكذا، صار لِ"أبي عيسى" مائدته المعروفة، وأخذت أعداد الزوار تزداد يوما بعد يوم، في البداية كان يأكل معهم، ويجاملهم ببعض الكلمات، موزعا ابتساماته على الحضور، ثم امتنع عن ذلك، فصار يقف على مدخل الساحة، يراقبهم وهو يبتسم إلى أن ينتهي الجميع، ويتقبل الدعوات وكلمات الشكر والثناء: الله يخليك يا "شيخ أبو عيسى"، الله يزيدك من نعيمه، كثّر الله من أمثالك الخيرين ..
قبل نهاية الشهر المبارك بأيام معدودة، كان "أبو عيسى" قد صار من أعلام الحي، وقد ترك لحيته تطول قليلا، وصار يلبس عباءة موشحة بالقصب، يقف كل يوم قبيل المغيب تحت يافطة كبيرة كُتب عليها بخط أنيق: "يدعوكم الحاج أبو عيسى لتناول الإفطار على موائد الرحمن، أهلا وسهلا". يصافح المارة مزهوا متصنعا التواضع، وفي صلاة العيد تقدم الصفوف الأمامية، وصلى خلف الإمام مباشرة، وقد سُرَّ كثيرا بكلمات المديح التي تلقاها من الخطيب، لقاء كرمه وتصدقه على الفقراء.
صار "الحاج أبو عيسى" من شيوخ الإصلاح، لا يتخلف عن جاهة، أو عطوة، يتنقل من دكان إلى دكان، ومن بيت لآخر، يسدل عباءته على كتفه، بينما تتدلى من بين أصابعه مسبحة طويلة، يتفقد لحيته بشكل مستمر، لم يعد يبتسم بلا مناسبة، وصار حديثه مقتضبا صارما، يرد على الأسئلة بكلمات قليلة كما لو أنه يقول رأس الحكمة .. 
بدأت زوجته تنـزعج من تصرفاته؛ ليش بطلت تساعدني ؟! شو صارلك يا زلمة ؟! ولا شي بعجبك !! دايما ساكت ومنكد !! فيجيبها بعصبية: شوفي طلبات المساعدة اللي بين إيدي: اللي بدو علاج، واللي بدو توظيف، واللي بدو أتوسطله عشان يطلع جواز، واللي بدها طلاق .. والمشكلة في ناس لسه بتعطيني باكيت دخان، أو رطل سكر، أو علبة شوكولاته من أرخص نوع، مفكريني زي زمان، بطّلت أقبل أي طلب بأقل من خمسين دينار، وما بضمن أي نتيجة .. واللي مش عاجبه في ألف نصاب في البلد غيري ..
في السنة التالية هلَّ رمضان في موعده دون تأخير. سكان العمارة كانوا محتارين لمن سيعطون طعامهم ؟ وكيف يتصرفون بما فاض من موائدهم، أما "أبو عيسى"، فقد جلس ينتظر وجبة ساخنة دون طائل، بينما زوجته تعد قلاية البندورة كالمعتاد، ولكن لوحدها هذه المرة.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار