أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

يناير 28، 2014

في محطة الباصات


وقف أمام المرآة، تأمل هندامه جيدا، تفقد تسريحته، ثم فتح زجاجة العطر وقام بسكب قطرات منها ثم مسح بيديه خديه ورقبته، حمل حقيبته وخرج من بيته مسرعا، في العمل كان كل شيء كما تركه بالأمس، تحيات الصباح، ابتسامات مصطنعة، مكالمات هاتفية لا تنتهي، ثرثرة مع الزملاء .. وفي طريق عودته عرج على السوق، دخل أول مجمع تجاري، ثم الثاني والثالث، لم يجد ما كان يبحث عنه، مرَّ بالقرب من سوق الخضار، لم يشتري شيئا، غاص في الازدحام .. ألوف البشر تتراكض من حوله، نساء افترشن الرصيف يبعن ما جادت به حواكيرهن، نعناع، ميرمية، بصل أخضر، فجل ..  موظفون يحملون على أكتافهم حقائب من الواضح أنها حواسيب محمولة، سائقين يتجادلون مع شرطي المرور بعصبية، طلبة مدارس في طريق عودتهم لبيوتهم، باعة يصرخون بأعلى أصواتهم، فتيات متأنقات، عمال هدهم التعب ..  وجوه كثيرة مرت من أمامه، كلها تشبه بعضها، لم يلحظ بينها أي اختلاف، سأل نفسه: عن ماذا أبحث؟ لم يجد إجابة .. ظل هائما على وجهه حتى وصل محطة الباصات المركزية .. توقف قليلا، أخرج من جيبه هاتفه الذكي، مد يده اليمنى إلى آخر ما يستطيع، ابتسم لنفسه والتقط صورة سريعة، نظر إليها لبرهة، لم تعجبه، أعاد تصوير نفسه مرة ثانية، ثم دس هاتفه في جيبه وقفل راجعا.

في المساء تذكر الصور، فتح هاتفه وقام بنسخ الصور على كمبيوتره، ثم اختار إحداها، وقام بتكبيرها على الشاشة، تأملها بعناية، هذه المرة ركز على خلفية الصورة .. فغر فاه متعجباً .. أين كانت كل هذه التفاصيل ؟! كانت تقف خلفه تماما طفلة تبدو في عامها العاشر، شعرها فوضوي مغبر، ملابسها خشنة، ترتدي بلوزة أكبر من مقاسها، من الواضح أنها كانت لأختها، كانت تقف بشكل مسرحي، تمد يدها اليمنى فاردة أصابعها، ويدها اليسرى إلى الخلف، كأنها تؤدي لقطة تمثيلية، ابتسامتها واسعة، وصادقة، ينبعث منها فرح طفولي، وقد بدت أسنانها صفراء، وبالقرب منها كان يجلس رجل ستيني (من الواضح أنه والدها) يضع يده على أسفل ظهره (من الممكن أن يعاني من الديسك)، وفي الزاوية الأخرى ظهرت سيدة ثلاثينية تخفي عيناها وراء كفيها، هل كانت تبكي ؟ ربما تلقت ورقة طلاقها للتو .. وفي آخر الخلفية شاب عشريني يقف متأهبا، يتأبط جريدة ويراقب المارة، هل يفتش عن شيء ما ؟ هل هو مراقب البلدية، أم متعطل عن العمل ؟ ربما كان يغني .. هل يا ترى صوته جميل ؟ غداً سأتحقق من الأمر ..
دفعه فضوله للتأمل في الصورة الثانية، أشياء كثيرة متزاحمة استوعبتها خلفيتها، لكن أكثر ما لفت انتباهه صورة طفل لا يظهر منها سوى مؤخرة رأسه وظهره، يرتدي بلوزة زرقاء مخططة، يحمل في يده اليمنى سيجارة، وفي اليسرى باكيت علكة (أو نوع آخر من السكاكر)، ما أثار اهتمامه أنه يشبه أخاه الصغير .. نفس الهيئة، نفس البلوزة، نفس الطول، حجم الرأس .. شعر بقشعريرة سرت في كل بدنه، هل حقا هذا أخي ؟! على الفور تسلل إلى غرفة أخيه، فتحها بهدوء، أحس أنه يراها لأول مرة .. ثم غرق في صمت مطبق.  

في اليوم التالي بعد الظهر عاد إلى نفس المحطة، جال بعينيه يمينا وشمالا .. انتظر بعض الوقت .. لم يجد أخاه، ولا من يشبهه، ولا الطفلة، ولا أباها، ولا المطلقة، ولا الشاب المغني .. وجد وجوها مختلفة، وقف في نفس المكان والتقط لنفسه صورة جديدة.


0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار