أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

يناير 03، 2014

حل الدولتين، ماذا حل به ؟ ج2: أين وصل حل الدولتين ؟!


لا يخفى على أي مراقب أن حل الدولتين قد وصل إلى طريق مسدود، بعد أن ظل لأكثر من عقد وهو يراوح مكانه. ولأنه مثَّل مفتاح الحل الشامل للصراع الدامي في هذه المنطقة من العالم، لذلك فإن إفشاله بهذا الشكل يكون العالم قد خسر فرصة لا تعوض بسهولة، كان من شأنها إحلال السلام، وإراحة شعوب المنطقة لردح من الزمان من ويلات الحروب، وبهذه النهاية الدرامية يُعاد إنتاج حلقة جديدة من الصراع، ومعها تُفتح أبواب العنف من جديد، وإذا كان الفلسطينيون متهمون بأنهم أضاعوا الكثير من الفرص الذهبية، فإن إسرائيل تولت هذه المرة، وبمفردها، تبديد هذه الفرصة السانحة التي قد لا تتكرر من جديد.  
وبإمكان أي محلل سياسي استعراض سلسلة طويلة من الممارسات الإسرائيلية الممنهجة والمنظمة التي عملت بلا توقف للحيلولة دون تحول فكرة حل الدولتين من الإطار النظري إلى أرض الواقع، بدءً من الحرب العدوانية التي شنتها إسرائيل على الانتفاضة والتي سوقتها في الإعلام على أنها جزء من الحرب العالمية على الإرهاب، وتحت هذا الإدعاء عملت على تدمير البنية التحتية التي أنجزتها السلطة الوطنية كأساس لبناء الدولة الفلسطينية، ثم بناءها جدار الضم والتوسع، وإمعانها في مصادرة الأراضي وبناء المستوطنات، وتقطيع أوصال الضفة الغربية بالطرق الالتفافية والمناطق العسكرية، وحصر التجمعات الفلسطينية في بيئات معزولة عن بعضها، تقع تحت سيطرة جيش الاحتلال، كل ذلك لمنع إمكانية إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيا وقابلة للحياة، أي بجملة واحدة لإفشال حل الدولتين. ولعل إقحام موضوع الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، كان من بين أكثر الشواهد دلالة على وجود نية إسرائيلية مضمرة لاختلاق أي ذريعة ممكنة، من شأنها كبح كل جهد تفاوضي يقود إلى حل النـزاع على قاعدة دولتين لشعبين.[i]
حتى هذه اللحظة، ورغم كل علامات الموت السريري لمشروع حل الدولتين، ورغم تعثر المفاوضات واصطدامها بحائط التعنت الإسرائيلي، إلا أن مختلف الأطراف تتجاهل هذه الحقيقة، وتتعامى عنها، ليس لأنها لا ترى بوضوح؛ بل لأنها لا تريد أن ترى ذلك، لأن الإقرار رسميا بموت حل الدولتين يعني البدء بالبحث عن بدائل، وهو ما لا تريده كافة الأطراف.
السلطة الوطنية تعلن تمسكها بحل الدولتين لأنها لا تملك الكثير من الخيارات، ولا ترغب بإعادة فرض الحصار عليها أو مواجهة عقوبات وقف المعونات المادية، فهي بحاجة إلى الأموال لتسير عجلة حكومة ونمط حياة قامت هي بصناعتهما.. والحكومات الإسرائيلية تتظاهر بتمسكها به، لأنها تريد بيع الوهم للإسرائيليين الذين يؤمنون بحل الدولتين، ولأنها ترغب بتجنيب نفسها الضغوط الدولية، ولأنها – وهذا هو الأهم – تريد تجنب طرح مشروع حل الدولة الواحدة. أما الإدارة الأمريكية فهي مصرة على حل الدولتين لأنه يعطي انطباعا للعالم بأن لديها مشروعا لحل الصراع من خلال المفاوضات، ويوحي بأنها وسيط نزيه، وراعي لعملية السلام، ولأنها تخشى الإعلان عن فشل مشروعها الذي طرحته لإنهاء الصراع.

الجانب الفلسطيني مدرك تماما أن حل الدولتين فقد كل فرصه بالتحقق، وأن التعلق به هو تعلق بأحبال الهواء، ولعل أبلغ وأوضح كلام في هذا الشأن جاء على لسان أحمد قريع، رئيس الوزراء الأسبق، وأحد أبرز قيادات فتح، والذي شارك بجولات مفاوضات عديدة، حيث كتب مقالا خاصا بالموضوع، جاء فيه:

"غير أن المرارة التي أخذت تعقد حلوق الفلسطينيين إثر انكشاف مدى تآكل مشروع حل الدولتين، واتضاح ضآلة الخيارات المتاحة بعد التراجع الأميركي المشين عن الوعود والتعهدات المعلنة، وزيادة الفتور الأوروبي، واشتداد حالة الانشغال العربي عن القضية الفلسطينية، جراء تقدم الاهتمامات الداخلية على غيرها في غمرة الربيع العربي، نقول إزاء ذلك كله بدأت بعض القوى والشخصيات الفلسطينية تتحدث عن هذه الحقيقة المريرة 'فشل مشروع حل الدولتين' بصورة أكثر جدية، بين أوساط رأي عام بدا أنه كان أعمق إدراكاً من نخبته السياسية لمآلات كل هذه التحولات الجارية داخل إسرائيل وفي المشهدين: الإقليمي والدولي".[ii]
وأضاف "قريع": "وبالعودة إلى الينابيع الأولى لهذه الخلاصة التي أملتها على الأرض سلسلة لا نهاية لها من الحقائق السلبية، والاستعصاءات السياسية، والرهانات الخائبة، والآمال الزائفة، والمخاطر الجادة جداً، وجدت كما الكثيرين منا، أن طريق المفاوضات الطويل قد وصل إلى نهاية الشوط تماماً، وأن عملية السلام التي جرينا طويلاً في متاهاتها قد استنفذت أغراضها وانتهت، ولم يبق منها سوى الاسم فقط، وأن موازين القوى المختلة بصورة فادحة لا تجيز لنا مواصلة التفكير بصورة نمطية إلى ما لا نهاية، وأن المشهد الإقليمي بمتغيراته غير المواتية في المدى المنظور لا يبشر بحدوث تحولات لصالحنا، الأمر الذي يوجب علينا القيام بإعادة تقويم شاملة، وإجراء المراجعات النقدية المعمقة، بما في ذلك نقد خيار حل الدولتين ذاته". وأضاف أبو العلاء: "بكلام آخر، أصبح حل الدولتين في المحصلة الأخيرة وبعد كل هذه السلسلة الرهيبة من الانتهاكات الإسرائيلية أقرب ما يكون إلى حرث في البحر، إن لم أقل ملهاة سياسية طويلة، أضاعت عشر سنوات حافلات بالمراوغات والتراجعات والاستعصاءات، اُقتطعت من أعمارنا، وهُدرت فيها طاقتنا المحدودة، وحصدنا في خواتيمها خيبة أمل مضنية، ليس أقلها تعثر الحل العادل والمقبول". [iii]
لقد أفشلت إسرائيل حل الدولتين، لأنها لا تؤمن بالسلام الحقيقي الذي يتناقض مع دورها الوظيفي، مع طبيعتها العسكرية، لكنها كما جرت العادة، تعلن عن رغبتها بالسلام، وعن تمسكها بالمفاوضات وهي على أرض الواقع تفكر بعقلية الاحتلال، وعندما طرحت الإدارة الأمريكية حل الدولتين، لم تعلن رفضها العلني له، إلا أنها أخذت تتعامل مع هذه المبادرة الأميركية بسلسلة من التحفظات والمراوغات المعهودة والقبول اللفظي الذي يكشف زيفه سياساتها الاستيطانية، التي تتكفل وحدها بإفشال حل الدولتين من أساسه.
إذ أن جدار الضم الذي يبلغ طوله 770 كم يعزل خلفه 29 قرية بالكامل بمساحة 216567 دونما، ويسبب الضرر لـ 138 قرية بمساحة 554370 دونما ، أي ما مجموعه 770937 دونما، وهي تشكل حوالي 12.6 % من إجمالي مساحة الضفة الغربية التي تبلغ 5661 كم مربعا، وتكمن أهمية تلك الأراضي في أنها مصادر للمياه الجوفية وتحيط بالقدس وتشكل سلة الخضار الرئيسية في الضفة الغربية وخصوصا في منطقة الغور.

بالإضافة إلى المستوطنات البالغ عددها أكثر من 199 مستوطنة فضلا عن عشرات البؤر الاستيطانية العشوائية، والتي يسكنها أكثر من 350 ألف مستوطن، وهذه المستوطنات والطرق التي تربطها، تمزق أوصال الضفة الغربية، فضلا عما يزيد عن 500 حاجز عسكري الهدف منها تمزيق الوطن وتقسيمه إلى جزر وكنتونات، لمنع إمكانية إقامة دولة فلسطينية متواصلة جغرافية.[iv]
وقبل أسابيع كشفت تقارير صحافية أن جيش الاحتلال شرع بوضع مخططات لبناء جدار على طول الحدود الشرقية مع الأردن، كما طرحت الحكومة عطاءات لبناء 20 ألف وحدة سكنية في المستوطنات،[v] ما يؤكد أن سياسة الاحتلال ترمي إلى فرض الحقائق على الأرض، ومسابقة الزمن لابتلاع مزيد من الأراضي لتعقيد ملفات التفاوض في مفاوضات الوضع النهائي، بل وحتى لا يبق ما يصلح للتفاوض عليه. هذا بالإضافة لإجراءات تهويد القدس، ومصادرة المياه الجوفية، والتحكم في الاقتصاد الفلسطيني وإعاقة نموه، وتكبيل حركة الاستيراد والتصدير، ومنع إقامة أية مشاريع في المناطق المصنفة (ج).
وأمام كل هذه الممارسات، فإن السؤال هو: ماذا بقي من حل الدولتين ؟ وكيف ستقوم دولة فلسطينية على أجزاء معزولة متناثرة، تفصلها عن بعضها شوارع لا تخضع لسيطرتها ؟!!

وما يزيد من تعقيد الموقف، أن الإدارة الأمريكية عجزت عن فرض تجميد للإستيطان لمدة شهر، (كما طلب "أوباما" من "نتنياهو")، وكذلك عجز الاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة ومجلس الأمن .. وكل المجتمع الدولي ! وعلى إثر التعنت الإسرائيلي تراجعت أمريكا عن تعهداتها، وصارت قضية فلسطين في آخر أولوياتها، وخف الحماس الأوروبي، ومع انشغال الدول العربية بربيعها وتداعياته، وجدت إسرائيل أن الفرصة سانحة لفرض مزيد من الحقائق على الأرض، وتوجيه رصاصة الرحمة على حل الدولتين، ولكن دون الإعلان عن وفاته.

حل الدولتين، أم حل الدولة الواحدة ؟

في مقال للبروفيسور "إيان لستيك" (محاضر في جامعة بنسلفانيا وموظف سابق في الخارجية الاميركية)، نشره في صحيفة النيويورك تايمز بعنوان "وهم الدولتين" قال فيه: "إن الحل المتمثل بخيار الدولتين للصراع الفلسطيني الإسرائيلي قد سقط فعلياً منذ أكثر من عقدين، وأن تمسك الأطراف الفلسطينية والإسرائيلية والدولية (خصوصا الاميركية) فيه ليس حصيلة قناعات بإمكانية تحقيق هذا الحل، وإنما لأسباب خاصة بكل طرف منها".
وأكد "ليستك" أن هذه السياسات المدفوعة بحسابات ذاتية لدى كل طرف، ستصل الى نهايتها وسيحدث في النهاية انفجار عنيف للصراع؛ وحتى لو استطاعت إسرائيل السيطرة عليه مؤقتا، فهي مثل فرنسا في الجزائر، وبريطانيا في إيرلندا، سينتهي بها الامر الى الإقرار بعجزها عن السيطرة على شعب آخر.[vi]

وهذا يعني أن وهم حل الدولتين هو العائق الأكبر أمام تبلور الحلول الأخرى، والتي لن يتبناها أي طرف، ولن يدعمها المجتمع الدولي إلا بعد أن تنفجر الأوضاع، ويتفاقم العنف، وتتصاعد حملات الإدانة لإسرائيل، حتى تصل لمستوى المقاطعة الاقتصادية والعزلة السياسية (كما حدث مع جنوب إفريقيا في نهاية الثمانينات)، لذلك وتجنباً للدماء التي ستراق، فإن الحل في نظر "لستيك"، يبدأ في إقرار الاطراف الثلاثة باستحالة حل الدولتين، وإزالته عن طاولة المفاوضات والبدء في اقتراح حلول خلاقة للصراع من قبل الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي.

البروفيسور الكندي "جيروم سيغال" المحاضر في جامعة ميريلاند، يقول "إن فكرة حل الدولتين غير قابلة للتطبيق ما لم تجر في إطار يقر فيه الطرفان الإسرائيلي والفلسطيني بأن فلسطين التاريخية هي الوطن القومي للشعبين". والإقرار بأن فلسطين التاريخية هي وطن الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء يترتب عليه، بحسب "سيغال"، أن تكون الحدود مفتوحة بين فلسطين وإسرائيل، وأن تكون السيطرة مشتركة من السلطتين الفلسطينية والإسرائيلية على جميع الموانئ البحرية والبرية وعلى حدود فلسطين التاريخية، وفيما يتعلق بالقدس يقول "سيغال"، كل شعب سيكون من حقه أن يدير مقدساته في القدس ولكن لن تكون له سيادة عليها. اللاجئون الفلسطينيون والمستوطنون الإسرائيليون، وفق مقترح "سيغال"، يتم التعامل معهم بطريقة تجريبيه.[vii]

 المؤرخ الإسرائيلي "إيلان بابيه" مدير مركز جامعة إكستر الأوروبي للدراسات الفلسطينية، يرى أيضا أن خيار حل الدولتين مات منذ أكثر من عقد من الزمان. وكان الذي قتله، والذي أبقاه ميتاً، هو الجشع الصهيوني للأراضي.[viii]

اليوم يجمع الفلسطينيون على أن حل الدولتين قد استنفد، وأن الحديث عنه لم يعد واقعيا، لكن إسقاط حل الدولتين يجب أن يصحبها وضوح البديل، ووضوح في الآليات لتحقيق الهدف الجديد. فإذا قرر الفلسطينيون التخلي عن هذا الحل، فأي خيار سيتبنون ؟

في الآونة الأخيرة ظهرت على الساحة الفلسطينية أصوات عديدة تنادي بإعادة النظر بحل الدولتين، وإسقاطه، والبدء بطرح بدائل، منها مثلا الذهاب إلى مجلس الوصاية الدولي كخطوة على طريق الوصول إلى الدولة الفلسطينية، أو تسليم إسرائيل مسؤولية الاحتلال للأراضي الفلسطينية حسب اتفاقية جنيف الرابعة، وهناك فكرة حل السلطة. لكن أحد أهم هذه البدائل هو حل الدولة الواحدة، وهو الحل الذي كانت حركة فتح قد اقترحته منذ العام 1968، على أساس إقامة دولة واحدة ديمقراطية لا طائفية يعيش فيها العرب واليهود بمساواة وتحت حكم القانون.

الدكتور "نبيل شعث" في مقابلة معه يرى أن إعادة طرح شعار الدولة الواحدة يُراد منه الضغط على إسرائيل للقبول بحل الدولة الفلسطينية المستقلة، ويضيف "شعث": "الحديث الآن عن حل الدولة الواحدة هو حديث عن دولة إسرائيل وليس حديث عن دولة فلسطينية، بمعنى أن فكرة فتح الأساسية للدولة الواحدة كانت تتحدث عن دولة ما بعد التحرير، أي بعد تفكيك المشروع الصهيوني والانتصار على إسرائيل وتحرير كل الأرض الفلسطينية من الاحتلال، بعدها نقيم الدولة الواحدة الديمقراطية التي يعيش في ظلها اليهود كمواطنين، وقد كان هذا يمثل حلاً إنسانياً لمشكلة الوجود اليهودي بدلا من إلقائهم في البحر كما كان يدعو البعض، الآن وبعد إخفاق الفلسطينيين في تحرير 22 % من الأرض لم يعد ممكنا الحديث عن هذا الحل، فالمطروح الآن هو توريط إسرائيل بهذا الحل، أي القول بأننا لم نعد نريد دولة فلسطينية، بل نريد مواطنة بحقوق كاملة في هذه الدولة (إسرائيل)، أي أننا نطالب بالتصرف كما لو أننا في جنوب إفريقيا وأن إسرائيل تمثل دولة أبارتهايد، ونحن أصحاب البلاد الأصليين وأنتم محتلين، وبالتالي يتحول الصراع إلى صراع مضاد للفصل العنصري (antiapartheid)، أي أن من يتحدث عن حل الدولة الواحدة هو عمليا لا يمتلك مشروع لهذا الحل وهو قادر على تنفيذه، بل لديه مشروع توريط إسرائيل بهذا الحل من خلال مطالبتها بالدولة الواحدة وبالمواطنة الكاملة، وبالتالي يكون هذا تهديد وليس مشروع، وأكثر من كتب عن هذا هو "جون بوتويك"، الذي قال إذا كنت تريد دولتين طالب بدولة واحدة، حيث أن إسرائيل ستخاف من المشكلة الديموغرافية مما يؤدي بقبولها بحل الدولتين، فالآن عدد الفلسطينيين على أرض فلسطين التاريخية مساوي لعدد اليهود، وإذا ما ستمر الوضع كما هو عليه الآن فإنه بعد عشرين سنة سيكون للفلسطينيين الأغلبية المطلقة في هذه الدولة، وبالتالي يكون هذا التهديد بما يخيف إسرائيل فعليا، وهو بالتالي مشروع نضالي لتغيير نمط الصراع من نمط إنهاء الاحتلال من جزء من الأرض الفلسطينية إلى نمط طلب المواطنة في دولة إسرائيل على أمل الانتصار عليها عبر تغير المعادلات الديمغرافية والجغرافية والسياسية بعد سنوات".[ix]

إذن، فكرة الدولة الواحدة لجميع قاطنيها هي بديل مطروح .. لكن يترتب على ذلك أسئلة عديدة تحتاج إلى إجابات صريحة تحظى بإجماع فلسطيني: ما هو مصير السلطة ؟ هل الحفاظ عليها يخدم هدف الدولة الواحدة أو يبعده ؟ ما هي أشكال النضال المقترحة للوصول لهدف الدولة الواحدة ؟ وإذا كان العنف سيقضي على فكرة التعايش في دولة واحدة، بمعنى أنه سيقضي على الهدف، فكيف يمكن إقناع "حماس" و"الجهاد الإسلامي" بالتخلي عنه ؟ ثم هل ستوافق أصلاً "حماس" و"الجهاد" على هذا الحل ؟ هذا بافتراض إجماع أطراف منظمة التحرير عليه.[x]
وفي الجهة المقابلة، لم يرحب الإسرائيليون بالاستنتاج الفلسطيني القاضي بسقوط حل الدولتين، واعتبروه إنذاراً ينطوي على تهديد بإعادة طرح حل الدولة الواحدة، حيث أن فكرة الدولة الواحدة تبدو لدى الإسرائيليين بمثابة "وصفة" لإنهاء دولة إسرائيل، حتى اليسار الإسرائيلي لا يقبل بمثل هذا الحل الديمقراطي الذي يشطب يهودية الدولة، رغم أنه ينقذها من نظام فصل عنصري (أبارتهايد) تؤسس له وتسير نحوه بخطوات ثابتة. ووفقاً للدراسات واستطلاعات الرأي يفضل المجتمع الإسرائيلي يهودية الدولة على ديمقراطيتها. لكن قطاعات واسعة من الجمهور الإسرائيلي ترى بأن حل الدولتين يجب أن يُفرض على إسرائيل من قبل أمريكا إنقاذاً ليهودية وديمقراطية الدولة. والسؤال لماذا على الفلسطينيين أن يقبلوا بحلول تنقذ إسرائيل لا يقبل بها الإسرائيليون أنفسهم ؟[xi]
مثلا، الناشط اليساري "يوري أفنيري" لا يرى إمكانية لقيام دولة واحدة ثنائية القومية، ويتساءل: هل بإمكانك أن تتخيل يهودا وفلسطينيين يخدمون في نفس الجيش؟ معتبرا هذا محض هراء. ويستشهد بحالات انقسام دول بسبب المسألة القومية، خصوصا في أوروبا الشرقية، مثل تشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا.
وفي حديث لرئيس جهاز "الشاباك" السابق "يوفال ديسكن" حذر من الكارثة التي ستحل على "دولة إسرائيل الديمقراطية اليهودية" في المستقبل غير البعيد، لأن إسرائيل وصلت لنقطة اللا عودة وتخطت حل الدولتين، ما يطرح عديد التساؤلات عن المستقبل وضرورة البدء في التفكير بالتعامل مع البديل. منطلقا في تحليله من نقطة أساسية يقر فيها بعدم وجود قيادة إسرائيلية ولا حتى فلسطينية لديها القدرة والاستعداد الحقيقي لإنهاء الصراع، وينتقد "ديسكن" عدم قدرة القيادة الإسرائيلية على إخلاء البؤر الاستيطانية المنتشرة في الضفة الغربية، ما يعني أن الأمور تتجه نحو دولة واحدة ما بين النهر والبحر، وفي ظل هذا الموقف والذي يؤكد عليه الواقع، (والذي لا يؤيده) كونه يشكل خطرا حقيقيا على دولة إسرائيل خاصة مع تفاقم خطر القنبلة الديموغرافية بعد سنوات قليلة.[xii]
المطلوب فلسطينيا
التوصل إلى استنتاج فشل حل الدولتين، يعني ضرورة التعاطي فلسطينيا مع هذا الاستنتاج بأعلى درجات المسؤولية الوطنية، بما في ذلك التفكير الجدي في طي صفحة حل الدولتين لفتح صفحة أخرى جديدة. في مقالته الهامة، يصف "أحمد قريع" انسداد الأفق السياسي، وفشل حل الدولتين، ويتحدث عن الحال الفلسطيني بكل مرارة، قائلا: "وهكذا نجد أنفسنا اليوم بعد مرور كل هذا الوقت وقد وقعنا في حبائل سيناريو عقيم، تطرح علينا مطالب تعجيزية، نواجه انسدادات مضاعفة، وتنخفض فيه التوقعات إلى أدنى حدودها الدنيا إزاء إمكانية الحل العادل والشامل، وتتعقد فيه القضايا الجوهرية مثل قضية القدس واللاجئين أكثر مما كانت عليه تعقيداً في بداية المسيرة السلمية الطويلة، وتتحطم فيه كل إمكانيات فعلية لتحقيق مشروع حل الدولتين بعد كل هذه التغيرات غير المواتية في البيئتين الإقليمية والدولية، ويستشري فيه النهم الاستيطاني إلى درجة لم يكن عليها من قبل طوال سنوات الاحتلال المديدة، وذلك كله دون أن تلوح في الأفق أي بادرة محتملة للخروج من هذا الاستعصاء المميت، وكسر هذه الحلقة الجهنمية المفرغة".
وفي مواجهة هذا الواقع والخيارات المتاحة يضيف "قريع": "إزاء تفاقم المصاعب الحقيقية، وضآلة الخيارات المتاحة، وتغير البيئة السياسية المحيطة، واشتداد المخاطر المحيقة بالمصير الفلسطيني، يبدو أنه لا مفر أمامنا من محاولة الخروج، مرة إثر مرة، من هذا النفق المظلم، والكف عن التعلق بالأوهام الساذجة، والافتراضات العتيقة، والرهانات المعلقة في سماء بعيدة، والمكابرات التي لا طائل من ورائها، ومن ثم الشروع في إجراء حوار داخلي شامل يبدأ على شكل عصف فكري في الدوائر الصغيرة، قبل أن يتم عرضه إلى نقاش وطني أشمل، نتوصل فيه بعد حين قد لا يطول، إلى وجوب إحداث استدارة كاملة عن حل الدولتين بعد أن تعطلت آلياته وفقد مقوماته، والتحول من ثم إلى خيارات بديلة، وأساليب عمل جديدة، وخطط وبرامج كفاحية مختلفة". [xiii]
صحيح أن حل الدولتين أصبح خيارا عبثيا في ظل المعادلات السياسية القائمة، وأنه فشل عمليا، لكن ما فشل حقيقةً ليس حل الدولتين نفسه، فهو ما زال إطارا صالحا لحل معقول، يمكن أن يبنى عليه سلاما عادلا وشاملا، ما فشل هو موقف المجتمع الدولي (وبالذات الموقف الأمريكي) من التعنت الإسرائيلي، وتساهله مع سياسات الاستيطان والفصل العنصري الإسرائيلية، وهذا الحل (حل الدولتين) يمكن له أن يرى النور بكل بساطة، شريطة أن تمارس الولايات المتحدة ضغطا حقيقيا على إسرائيل، وأن يتخذ المجتمع الدولي نفس الإجراءات العقابية التي فرضها على حكومة الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.
وإذا كان هناك من بقية رجاء بعد في إعادة بعث حل الدولتين، فذلك أمر لا يتوقف على حسن النية فقط، ولا يتحقق بتجريب المجرب مرة أخرى، وإنما يكمن في العمل المثابر على إعادة بناء الأرضية الصلبة من جديد، وتصويب الأوضاع الذاتية على كل صعيد، ومعاودة الاشتباك مع الاحتلال بنَفَس طويل.
فالمطلوب ليس الإسراع في "عقد الصفقة" التاريخية مع إسرائيل، كما يقترح البعض لإنقاذ ما تبقى من أرض من غول الاستيطان، فما هو مطروح نظرياً لا يعد صفقة معقولة. الرهان هو كان وما زال على الزمن ومتغيراته، والأهم من ذلك الرهان على الشعب وعبقريته وعطاءه وتضحياته، ومن أجل ذلك لا بد من السعي بكل جدية إلى تعزيز مقومات الصمود الذاتي في كل المجالات، والبدء فورا بإجراء مراجعات شاملة لسائر محطات المرحلة الطويلة.
الهوامش



[i] أحمد قريع، حل الدولتين بين الفشل والتفشيل، وكالة وفا، http://www.wafa.ps/arabic/index.php?action=detail&id=126405
[ii] أحمد قريع، نفس المصدر السابق.
[iii] أحمد قريع، نفس المصدر السابق.

[iv] عدد المستوطنين ارتفع بثلاثة اضعاف نمو السكان في اسرائيل، جريدة القدس، 17 أيلول 2013.

[v] جريدة الأيام، 13-11-2013.
[vi] محمد ياغي، الخروج من حل الدولتين إلى أين؟ سما الإخبارية، http://samanews.com/ar/index.php?act=post&id=172017
[vii] محمد ياغي، نفس المصدر السابق.
[viii] لورنس ديفيدسون، ميدل إيست أونلاين، وهم الدولتين، ترجمة: علاء الدين أبو زينة، جريدة الغد الأردنية. 30-أيلول-2013.
[ix] مقابلة أجراها الكاتب مع د. نبيل شعث في مكتبه في آب 2001.
[x] محمد ياغي، نفس المصدر السابق.
[xi] وليد دقة، وهم حل الدولتين، موقع أسرى ال 48، http://www.asra48.com/index.php?option=com_content&view=article&id=251:2012-03
[xii] يوفال ديسكن: حل الدولتين شبه انتهى وإسرائيل وصلت لنقطة اللاعودة، وكالة معا، http://www.maannews.net/arb/ViewDetails.aspx?ID=613405
[xiii] أحمد قريع، نفس المصدر السابق.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار