أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

ديسمبر 26، 2013

تأملات في خريف العمر

في مقال مشترك انتشر على صفحات التواصل الاجتماعي على شكل متفرقات، لا يبدو له صاحبا واحدا، لكن من الواضح أن من كتبه ومن أضاف عليه من نفس جيلنا؛ نحن من صرنا على أبواب الكهولة، جاء فيه: "نحن من وُلدنا في سنوات الستينات والسبعينات؛ آخر جيل مارسَ ألعاب الجري، ولعبة الاستغماية، ولعبَ بالكرات المصنوعة من الجرابين التالفة، وآخر من سجَّل الأغاني مباشرة من الراديو، نحن الذين كنا نركب السيارات بدون حزام أمان، لكنا كنا نصل بأمان، وكنا نتواصل بدون هواتف محمولة، ونمضي أوقاتاً طويلة في قراءة القصص، وسماع أم كلثوم، وكنا نلعب كرة قدم حقيقية مختلفة عما هي في البلاي ستيشن".
في صغرنا، اختبرنا الجوع والحرمان، وكنا نذهب لمدارسنا البعيدة مشيا على الأقدام، كانت "وكالة الغوث" تمنح كل طالب قرطاسية كاملة، ما عدى المبراة، وما زالت لليوم أتساءل لماذا !!  كانت أبسط هدية تفرحنا: سيارة بلاستيكية، فرد مي، أو حتى كعك القرشلة، والذي غالبا ما كنا نراه حين يمرض أحدنا.
نعم، عشنا طفولتنا دون أن نعرف البامبرز والسيريلاك، وكبرنا قليلا بدون الإكس بوكس، أو اللاب توب، والأي باد، والتلفزيون ذو الشاشة المسطحة، أو ثلاثية الأبعاد، الذي فيه أكتر من 200 قناة (عَ الفاضي). ثم صرنا شبانا، خرجنا في المظاهرات، ومنا من حمل السلاح، اختبرنا شهقات القلب البريئة، وقصص الحب السريعة، التي كانت تنتهي دوما بالخيبات. عشنا حياتنا بدون الفيسبوك ولا تويتر ولا سكاي بي، ولا الهواتف الذكية، وأكلنا حقولا من الخبّيزة والبامية والسبانخ قبل أن نعرف الكنتاكي والهارديز.
بدأنا طفولتنا أواخر أيام عبد الناصر، وأول شبابنا تزامن مع خروج الفدائيين من لبنان، وها نحن نشهد بدايات ممالك الطوائف من جديد، ونجهل تماما ماذا تخبئ لنا مقبل الأيام !! ومع كل ذلك، لم نفقد الأمل ..  
ولكن، ماذا يعني كل هذا ؟ وما أهمية هذه المخترعات ؟ فقد عاش أسلافنا من قبلنا بدون كهرباء ولا سيارات، وكانوا راضين ومرتاحي البال، واعتبرونا مدللين مرفّهين. أليس هذا ما يردده كل جيل لمن سيخلفه ؟ ألم يقل الشاعر: نعيب زماننا والعيب فينا، وما لزماننا عيبٌ سوانا ..
اليوم، أرقب ذلك المشهد من هذا الشاهق الزمني، وأتساءل: هل كانت خياراتنا دوما صائبة ؟! وأيُّ جيلٍ عاش حياته سعيدا ؟! وأي جيل تعرض للظلم أكثر من غيره ؟! ماذا جلبت لنا التكنولوجيا والرفاهية ؟ والأهم من ذلك: ماذا فعلت بنا الأيام !؟
ربما عاش جيلنا تحت سلطان الأب "البطريرك"، وتحت سلطان القبضة الأمنية للحكومات، بعضنا كان خانعا، وبعضنا ثار، وأكثرنا كان بين بين، لكن الأجيال الجديدة (ولحسن الحظ) ترفض كل السلطات، ومنذ عمر مبكر، أحيانا تعي ماذا تريد، وأحيانا تبدو تائهة .. بلا دليل.
كثير من أبناء جيلنا مضى عليهم وقت طويل، طويل جدا، منذ أن أنهوا الابتدائية .. لم يركضوا في أي شارع، لم يركبوا دراجة هوائية، لم يصعدوا تلة صخرية، لم تعانق صدورهم أي ريح .. أيُّ حياةٍ هذه ؟ تلك التي تمضي دون أن يحيوها !! يعيش أكثرنا في رتابة قاتلة، أو في صراع مع الحياة نفسها، وهو ينتظر .. ويؤجل فرحه إلى موعد لا يعرف متى يأتي .. ولكن في المقابل كثير منا شق طريق النجاح .. ووصل غايته.
في خريف العمر تثور الذكريات، وتخرجُ من كهفها العميق، منسابة كنسمة صيف؛ فنحِنُّ للأيام الخوالي، نُقلّب الصور، ونتأملها، وإذا ما صادفَ أحدنا صورة جماعية قديمة، سيتأملها أكثر، وسيحملق بعيون من فيها فرداً فردا، ليعرف من فيهم كان يبدو عليه واضحا أن الموت قد رشحه لنهاية سريعة !؟ ومن منهم حالفه الحظ ؟ وأحيانا نعيد تركيب الصورة من جديد، نستذكر كيف جئنا جميعا من كل صوب وحدب، وكيف جمعنا القدر في ذاك المكان أو غيره، وكيف تفرقنا، كما جئنا فرادى، مخلّفين وراءنا سحب دخان من الذكريات، أو أطيافا بعيدة بالكاد تُرى.
في خريف العمر تلحُّ علينا الأسئلة: هل جئنا في الزمان الخطأ، والمكان الخطأ ؟! هل كنا مجرد ضحايا حروب وصراعات فُرضت علينا ؟ أم كنا مجرد مرحلة انتقالية بين جيلين تفصل بينهما فجوة حضارية تفوق عمرنا بعشرات المرات !؟ أم نحن مجرد جسر كئيب صنعناه بآلامنا، لنردم به الهوة بين من سبقونا، ومن سيأتي بعدنا ؟ ولنصلح أخطاء لم نقترفها، ولنوفر حياة أفضل لمستقبل لن نعيشه ؟!  
في خريف العمر تؤرقنا هواجسنا، ومخاوفنا، ونغدو أكثر حساسية، نندب أحلامنا التي ماتت وصارت نسيا منسيا، ونأسى على أيامنا التي سُفكت بلا ثمن، ومشاريعنا التي طواها الزمان، ونمسك بتلابيب كل لحظة بقيت لنا، لنعيش تفاصيلها، ولكي لا تهرب منا من جديد، في هذا العمر نحب الحياة أكثر، ونحب أحبتنا حتى يقتلنا الحنين.
في خريف العمر تشتعل عواطفنا بسهولة، كما تشتعل رؤوسنا شيبا، ولكن ببطء، وتنضج أفكارنا بفعل السنين، نافضة عن كاهلها الكثير من البديهيات، وكثيراً ما تبدو مرايانا قاسية، بلا رحمة، خاصة لمن وقف مع ذاته بشجاعة.
نحن الآن في خريف العمر، عشنا حياتنا بالطول والعرض، بحلوها ومرها، ضحكنا من الأعماق، صادقنا كثيرين، وودعنا أحبة غاليين، وأدمت قلوبنا الأحزان، عشقنا بصدق، وما زلنا عاشقين ..
انتظرنا الفرج كثيرا، وتعبنا من الانتظار، ومازلنا ننتظر ..
حلمنا كثيرا .. وسنظل نحلم ..

0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار