أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

ديسمبر 12، 2013

الله ينجّينا من الآت


كثيرا ما نقرأ مقالات طريفة تتحدث عن التحولات الجذرية التي طرأت على حياة الإسرة العربية خلال العقود الأخيرة، لدرجة أنها أصبحت المادة المفضلة لدى العديد من الكتّاب؛ نظراً لما يتمتع به هذا الموضوع من قدرة مدهشة على جذب القراء وإثارة مشاعرهم. والأسلوب المتبع عادة هو إجراء مقاربات بين ما كان عليه الناس قبل خمسين سنة مثلا وبين ما هم عليه الآن، من مثل: أن الأسرة قديما كانت تتجمع حول الأب - الذي يملك سلطات معنوية أكبر بكثير من سلطات الأب الآن - وهي تسهر على برنامج تلفزيوني محلي، أو تتدفأ على الكانون .. فيما تبدو الأسرة في الوقت الراهن شبه مفككة، كل فرد فيها منطوي في عالمه الخاص، يلهو بحاسوبه المحمول، أو يضغط الأزرار على هاتفه النقال .. أو تلك التغيرات التي أصابت المدن، المدرسة، المعلم، المطبخ، ألعاب الأطفال، الملابس، العادات ... إلخ.
ومن يرجع بالزمن للخلف أكثر فأكثر يجد أن مقولات شبيهة كانت تتردد دوما بين الأجيال المتلاحقة، أكثرها يأسف للتحولات الجديدة التي طرأت على حياة الناس وغيرتها (للأسوأ)، وعادة ما يكون الحديث مشوباً بعاطفة جياشة من الحنين للماضي، والتخوف مما يحمله المستقبل، مع تأكيد على أن الزمن القديم كان أجمل وأفضل.
أي أن كل جيل كان يُظهر قلقه على القيم التي يؤمن بها (الحب، العدل، الجمال، الأخلاق، العادات) ويعلن عن تخوفه من التراجع عنها، واصفا الحال كما لو أن الأسرة والمجتمع يتهاويان، وتتزعزع أركانهما دون مبادرات حقيقية لتثبيتها.
القاسم المشترك في كل مرة هو الخوف على مصير العائلة، وترابطها، وشرفها، وفقدان السيطرة على سلوك الأبناء (وبالذات البنات) .. وهذه القضايا تعتبر بمثابة العصب الحساس للعقلية العربية عموما، ونقطة ضعفها الإنساني. وهي أيضا كذلك في معظم المجتعات الشرقية، بل وأنها  كانت كذلك وحتى أمد قريب في المجتمعات الغربية.
البعض يقول أنها تغيرات حتمية، لا بد أن تقع شئنا أم أبينا، مقابل من يقول أنها تغيرات طارئة، وتحولات مشبوهة (ممكن أن تكون بتأثير قوى خارجية) يجب التصدي لها، والحفاظ على القيم السائدة. على أية حال – وبغض النظر عن موقفنا من تلك التغيرات - من الواضح أن تلك التغيرات مرتبطة بحركة الزمن، بالإضافة لجملة من العوامل الموضوعية والذاتية الأخرى.
وسواء كان الزمان يسير بحركة حلزونية تصاعدية، أم بخط مستقيم يمضي قُدما للأمام، أو بأي شكل آخر، فإنه وبلا ريب عامل متحرك، ومتغير، ولا يمكن وقفه عند نقطة معينة، أو إعادته للوراء .. والزمان ليس فقط مفهوم إنساني يعطي للناس قدرة ومرونة لا حدود لها على التغيير والاندماج فيه والتكيف معه؛ لأنه قبل ذلك مفهوم فيزيائي لا يعرف السكون أو الانجماد. وحتى المكان (الذي هو الوجه الآخر للزمان) وحتى لو كان مجرد بيئة يجري في خلالها وفوقها تراكم الخبرات والحضارات الإنسانية، فهو أيضا واقع مادي، متحد بعلاقة لا انفصام فيها مع الزمان، ينتج عن هذه العلاقة العضوية ما يعرف بالزمكان، والذي منذ نشأة الكون وهو في حركة تطور وتغير دائبة مثابرة، لا تعرف الكلل ولا الملل.
والإنسان في وسط هذا (الزمكان) المتحرك، لم يتوقف عن التطور والتغير لحظة واحدة، ولم يتوقف عن اكتشاف نفسه والتعرف على مكنوناتها، والمدهش أنه في كل مرة يجد فيها ما هو جديد. وإذا استثنينا المدّعين، والمتوهمين بأنهم بلغوا الكمال، يمكننا القول أن الشخصية الإنسانية لم تتحقق بالكامل، وأنها ما زالت لغزا محيرا، وكوناً واسعاً يُغري بمزيد من الاكتشافات، ومن الصعب أن نزعم الآن أننا استطعنا ارتياد مجاهيلها، وسبر أغواره كلها، لأن هذا يعني في الواقع نهاية العالم، أو النهاية (المعنوية) لأي إنسان يتوهم أنه وصَل نهاية المطاف، وفهِم نفسه بالكامل، لأننا ببساطة لسنا أمام مهارات بلاغية، أو نزعات نرجسية. نحن أمام محاولة علمية لفهم الإنسان والمجتمع والتغيرات التي أصابته، أو أخطأته.
والإنسان أصلا لم تكن حياته مرتبة، أو مبرمجة على نحو معين، وما حصل معه هو تراكم لخبراته وتجاربه واختباراته الشخصية والجمعية التي منحته إرثا هائلا وحصيلة ضخمة من النتائج والدروس، مكّنته من بناء الحضارات، دون أن ننسى أو نغفل أثر ملايين التجارب الفاشلة، والطرق المسدودة، والخيبات، والنهايات العدمية، التي حتى لو لم نعرفها، إلا أننا عرفنا نقيضها.
ولفهم أسباب وحيثيات هذه التغيرات، وتحديد موقف منها، يمكن استعراض مثال في غاية البساطة: قبل عقود قليلة كان الباحث يعتمد على قلمه ودفتره وكتبه، بينما هو حاليا يعتمد أكثر على حاسوبه، وعلى محركات البحث على الشبكة العنكبوتية، وعلىى البرامج الخاصة التي تختصر عليه عمليات الإحصاء والتحليل والتنسيق والتوثيق وغير ذلك، وفي النتيجة لم يعد بإمكان أي كاتب أو باحث الاستغناء عن الحاسوب. وما ينطبق على الحاسوب ينطبق أيضا على مئات الأجهزة الحديثة الأخرى التي اخترقت حياتنا وفرضت نفسها عليها بقوة، في شتى المجالات.
والحاسوب لا يقتصر استخدامه على الكتّاب والباحثين، بل هو في عملية انتشار أفقي ستطال كل العالم، وفي عملية تطور مذهلة، ستبلغ غايتها القصوى في غضون فترة قصيرة جدا بمقياس التاريخ الإنساني، ليصبح حينها الأداة الرئيسية التي تنظم حياة الإنسان وتبرمجها، وهذا ينسحب أيضا على كل ما عرفناه من أجهزة وتقنيات، وما لم نعرفه بعد.
وهذا يعني أيضا استحالة تجاهل التغييرات والآثار التي تركتها تلك الأجهزة والمخترعات على حياتنا، وبالتالي على أدوات ووسائل الانتاج، وما ينشأ عن ذلك من وقائع مادية واقتصادية وسياسية وطبقية واجتماعية وفكرية جديدة، أي من ناحية القدرة المدهشة لكل تلك العوامل على إعادة تركيب وتجميع عقلياتنا ونفسياتنا وأنماط حياتنا وسلوكنا اليومي، وبالتالي إعادة إنتاج مفاهيمنا وقيمنا، ونظرتنا تجاه الأشياء. فالإنسان يهندس البيت أولاً، ولكن بعد إتمامه يتولى هذا البيت هندسة حياة ساكنيه، وكذلك تفعل المخترعات والاكتشافات.
تماما كما فعل اكتشاف القمح واختراع أول حربة للصيد، في الإنسان قديما، وكما فعلت الآلة البخارية والمطبعة والسيارة وناطحات السحاب والحمامات الإفرنجية والقنوات الفضائية في الإنسان حديثا، وكما ستواصل فعلها في الإنسان في كل زمان ومكان.
والسؤال الذي يتبادر لذهننا حالياً: هل ستكون الأفكار والأخلاق والقيم والأيديولوجيات بمعزل عن هذه المتغيرات ؟ وكم ستصمد ؟ أليس هو نفس السؤال الذي عصف بذهنيات من سبقونا، وأجابوا عليه في حينها بطرق مختلفة ؟ ما يؤكد على أن الثابت الوحيد في هذا العالم المتحرك هو التغيير، الذي ليس لنا من خيارات إزائه سوى فهمه، والتعاطي معه بعقلانية وإيجابية.
في خضم هذه التحولات العميقة يجد الإنسان العربي نفسه أمام مفاهيم مزدوجة، أو ثنائيات حادة، أو حالات معقدة، وقد تشوشت رؤيته للأشياء إلى حد كبير، خاصة أمام التساؤلات الكبرى التي تمس صميم حياته وأمنه وحرياته ومستقبله، وكثير من الناس أصابهم نوع من الاغتراب الفكري والسياسي، وفقدوا البوصلة تماما.
الإنسان بطبعه، يحنُّ للماضي، الذي يجد فيه الأمان، لأنه انتهى وصار تاريخا. ويخشى المستقبل، لأنه مجهول وحافل بالاحتمالات؛ لذلك تراه يميل للسكينة والثبات، ولا يحب التغيير، (خاصة التغيرات الفجائية) .. لكن هذا لن يشفع له في عالم متغير، تجري تغيراته بسرعات متزايدة، ويحمل في كل لحظة ما هو جديد ومختلف.
وأهم ما في الموضوع، أن من جملة ما ستأخذه تلك المتغيرات في طريقها (أو في سيلها الجارف) ما نسميه الأخلاق والقيم والتقاليد. وكل ما لمسناه وشاهدناه من متغيرات في الخمسين سنة الأخيرة ما هي إلا "افتتاحية العدّاد"، أو "بروفة" مصغرة لما سيشهده العالم بعد زمن .. لا يعلم مداه ومحتواه إلا الله سبحانه.
والله ينجّينا من الآت ,,


0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار