أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

أغسطس 29، 2013

الجيش المصري والموقف الأمريكي


الخطأ الذي وقع فيه كثير من المحللين، هو الدمج التلقائي بين الموقف الشعبي وموقف الجيش من الأزمة؛ رغم الانسجام في المظهر الخارجي لكلا الموقفين، ووصولهما إلى نفس النتيجة، وإسناد أحدهما للآخر؛ إلا أن السياقات الموضوعية التي أدت إلى تكون كل موقف منهما مختلفة تماما؛ وهذه نقطة جوهرية يجب توضيحها.

عندما نتحدث عن الموقف الشعبي الذي عبّرت عنه ملايين الناس حين خرجت للشوارع وفجرت ثورة 30 يونيو؛ فإننا نتحدث عن ظروف موضوعية معروفة، لمستها مختلف فئات الشعب وعاشتها بتفاصيلها، هي في أكثرها استمرارا للظروف والأسباب التي دفعت لتفجير ثورة 25 يناير، مضافا إليها العوامل التي نتجت عن حكم الإخوان للبلاد سنة كاملة. 

أما عندما نتحدث عن موقف الجيش فسيدخل على الموضوع (إضافة إلى ما سبق) قرارات سرية، وتحالفات خفية، وأحداث غير مرئية إلا من قبل فئات محددة، وبالتالي يمكن الحديث عن مؤامرة أو ما شابه ذلك، لكن هذا لا يؤكد أو ينفي وجود مؤامرة، إلا أنه يفتح المجال أمام تساؤلات عديدة.

بعد أن خرجت أعداد كبيرة من المواطنين (قدرتها وسائل إعلام محايدة بعشرات الملايين) مطالبين بتنحية الرئيس مرسي، وخرج مقابلهم مؤيدو الإخوان (وهم أيضا بالملايين)؛ وجد الجيش نفسه أمام خيارات صعبة، إلا أنه انحاز لصف المعارضين، وعزَل الرئيس، وذلك لتفادي انهيار الدولة وتفككها، ولحماية خيار الشعب كما جاء على لسان قادته. 

الجيش الذي تدخل في ثورة 25 يناير للإطاحة بمبارك هو نفسه الجيش الذي تدخل للإطاحة بمرسي، في الحالة الأولى صفَّق الجميع له، وامتدحوا موقفه البطولي، وهتفوا بشعار: "الجيش والشعب يد واحدة" .. في الحالة الثانية صار نفس الجيش في نظر البعض أداة أمريكية، وعصابة انقلبت على الشرعية !! علما بأن مرسي نفسه هو الذي عيَّن "الفريق السيسي" قائدا للجيش. فهل يعقل أن الرئيس عيّنَ "عميلا أمريكيا" قائدا على جيشه، وهو على علم بذلك !؟ هل هذا تحليل سياسي أم مجرد توجيه اتهامات ؟!
البعض رأى أن الجيش المصري خطط جيداً لهذا اليوم، بدليل سرعة إصداره البيان الأول (بعد يومين فقط من بدء المظاهرات)، بعد أن ضمن ولاء ودعم كل من الأزهر والكنيسة القبطية، وجبهة الإنقاذ، وحركة تمرد، ووظف كل هؤلاء وأنصارهم لدعم تدخله الحاسم، وأنه أراد بذلك تكرار تجربة نظيره التركي في لعب دور الحامي للدولة المدنية، ومنع المتشددين الإسلاميين من تغيير نظام الحكم، ولو من خلال صناديق الاقتراع، مثلما حصل لحزب الرفاه بزعامة أربكان. 

البعض اتهم الجيش بأنه يسعى للعودة للسلطة، فلو أراد ذلك فعلا، لماذا سمح بإجراء انتخابات بعد ثورة يناير، وسلم السلطة لمن فاز بها ؟! ولماذا سلمها في المرة الثانية لرئيس مدني مؤقت، مع وعود بإجراء انتخابات عامة مبكرة !؟

والبعض الآخر أضاف أن الجيش أقدم على عزل الرئيس بعد أن نسَّق مع الولايات المتحدة، وأخذ موافقتها. أو أخذ تعليماته منها كما يرى فريق آخر. فلو كانت أمريكا غير راضية عن حكم الإخوان، أو أنها سعت للتخلص منهم؛ فلماذا سهّلت وصولهم للسلطة ؟ ولماذا أيدت نظامهم منذ وقت مبكر ؟! البعض يعتقد أن أمريكا شجعت ودعمت الإخوان لاستلام السلطة تمهيدا لإفشالهم، وبالتالي التأكيد على أن الإسلام السياسي عاجز وغير مؤهل للحكم. وهذا الاعتقاد يندرج ضمن ذهنية المؤامرة التي طالما تحدثت عن حرب "صليبية"، وعن حقد على الإسلام، ولم تتصور العلاقة بين الشعوب الإسلامية والغرب إلا في إطار الصراعات والحروب. وهي العقلية الضيقة التي تختزل الإسلام بحزب أو جماعة، وتصور الخلاف معها على أنه حرب على الإسلام !!

علما بأن جماعة الإخوان بعد أن تسلمت السلطة حاولت التصرف بمنطق الدولة الوطنية، وبأسلوب ينسجم مع القوانين الدولية: على الصعيد السياسي أبقت على نفس تعهدات وعلاقات النظام السابق، وضمن نفس المفاهيم والأسس؛ على الصعيد الاقتصادي لجأت للاقتراض من البنك الدولي. على صعيد طبيعة النظام فقد تبنت الديمقراطية، وغير ذلك من ممارسات تتناقض مع شعارات الإسلام السياسي التقليدية .. وهذا ما يهم أمريكا ودول الغرب عامة، ولا يعنيها بعد ذلك اسم الحزب الحاكم والشعارات التي يرفعها، وبالتالي ليس من مصلحة أمريكا تغيير نظام هو في حقيقة الأمر متحالف معها، ويحمي حدود إسرائيل، ولا يضر بمصالحها في الإقليم.

المفارقة الغريبة، هي أن الموقف الأمريكي من الأزمة صار حجر الزاوية في أي تحليل، والغريب أن الفريقين المتخاصمين يتبادلان نفس التهمة: العمالة لأمريكا !! هل يمكننا تحليل الأحداث بمعزل عن نظرية المؤامرة، والكف عن القول بأن الحل والربط هو فقط بيد الأمريكان !؟ وهل إيماننا بقوة وإرادة الشعوب، وقدرتها على صنع التغيير ضعيفة إلى هذه الدرجة ؟! لماذا يستسهل البعض ربط أي حدث بمؤامرة خارجية، ويتجاهل وجود عوامل محلية وموضوعية بسيطة قادرة على صنع أحداث كبيرة ؟!

هل من مخرج ؟

كما أخفقت جماعة الإخوان في الحكم، أخفقت مرة ثانية في تقدير الموقف، وفهمت متأخرةً دلالات حركة الشارع، وتعاملت مع الحدث كما لو أن تسليمهم بفقدان الرئاسة يعني نهاية الجماعة. وفي خطابه الأخير، تجاهل مرسي حجم الحدث الشعبي ومغزاه من منطلق التمسك بالشرعية. كان الأفضل له ولجماعته القبول بانتخابات مبكرة، أو تنظيم استفتاء، أو تقديم أي تنازل جوهري للشعب؛ لأن التشدد من تلك اللحظة فصاعداً سيجعل خسائر الجماعة أكثر فأكثر. وليس ذلك وحسب، بل سيجعل مصر بأكملها على أبواب انقسام خطير. 

وكان عليه أن يدرك أن من يريد أن يحكم وينجح عليه أن يتسم بالمرونة السياسية التي تجعله قادرا على التشارك مع الآخرين، وكان على الإخوان أن يفهموا الدرس، ويعوا أنه في زمن الربيع العربي من استطاع إسقاط مبارك قادر على إسقاطهم. وأن يدركوا أيضا أن دماءهم ودماء أي مصري أغلى وأثمن من السلطة، وأنه إذا كان لا بد من التحرك والدفاع عن حقهم بالحكم، فليكن ذلك بالطرق السلمية؛ حرصا على مصر، وحقنا لدماء أبنائها.

وقبل الختام لا بد من التأكيد على أن اتهام الجماهير الشعبية بأنها مضللة، وتسيّرها قوى أجنبية فيه تجني على الحقيقة، فضلا عما يحمله ذلك من إساءة للشعب واستخفافا بدوره وبمطالبه، وهو يعني انتحارا لأي جماعة سياسية تتجاهل تلك الأعداد الهائلة؛ فليس من السهل إخراج الناس بهذه الأعداد المليونية، والشارع عادة لا يلتئم كل يوم بمشهد يشابه الذي رأيناه في مصر. فما حدث في مصر إنما هو ظاهرة داخلية ومحلية بكل الأبعاد، لكن هذا لا يعني أن أطرافاً خارجية لم تتدخل، إلا أن أثرها كان ثانويا مقارنة بتأثير الوضع الداخلي. 

وأخيرا، إذا لم يرجّح المصريين لغة العقل، وما لم تقدّم الأطراف المتنازعة تنازلات متبادلة، وإذا بقي خطاب التخوين والتكفير والتحريض هو السائد، فإن موجات العنف ستتصاعد، وستطبق دائرة العنف على مصر بأكملها، لتعيدها قرونا للوراء، وتخرجها من دائرة التأثير. وهذا تماما ما يسعى إليه أعداء مصر.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار