أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

يونيو 29، 2013

الكره الجماعي المقدس


يزعم البعض أن الدين (أي دين) هو حظ كل فرد من الجغرافيا، ونصيبه من التاريخ .. ذلك لأنه نتاج وجوده (مصادفة) في بيئة حاضنة ورثها عن أجداده، وبلا إرادة منه؛ هذه البيئة تُصدِّر له منذ ولادته مشاعر وأحاسيس معينة, مُفعمة بالعاطفة وتدعوه للانتماء له، وتعمل على تلقينه بطرق متعددة مفرداته الإيمانية، التي نادرا ما تخضع لأي امتحان عقلي؛ حيث للبيئة الدينية قدرة مدهشة على ابتكار "المقدس"، الذي ما أن يتم قبوله ويجد له مكانا في القلب، حتى يبدأ بنقل كل حمولته من الفلسفة إلى العقل، والتي تتسلل معها أحيانا أنواع مختلفة من الخرافة، وعندها يكون الفرد على أتم الاستعداد لتلقي مجموعة هائلة من الغيبيات عن طريق التلقين والوراثة، فيتعامل معها كبديهيات ومسلّمات، لا تحتاج أي تفكير.
وقد دأب رجال الدين والسياسة على استغلال هذه النقطة، وذلك بتوظيف الدين لمهمة تأسيس هوية جمعية لأتباعهم، وجعلهم أكثر توحدا وتمايزا وسط محيط اجتماعي أكبر، وذلك من خلال التركيز على الطقوس والتمظهرات الإيمانية، وتفسير النصوص المقدسة بما يخدم مصالحهم، لتحقق من خلال ذلك مشاريع سياسية يتم نسبها للسماء.
الدين لوحده لا يشكل دوما أمة قومية (المسيحية أكبر مثال)، لكنه يمتلك المقومات التي تمكنه من الجمع والتحشيد وراء فكرة ما، اللغة أكثر قدرة على خلق أمة. في القرن السادس عشر لم تكن أوروبا تعرف مفهوم الشعب، لكن بعد اختراع الطباعة – كما يقول الصديق د. أحمد عزم – تمكن أصحاب المطابع والصحف ولأسباب تجارية من لعب دور حاسم في تشكيل الهوية الوطنية لشعوب القارة الأوروبية (الدولة الوطنية)، حيث تلاقى هذا التوجه مع مصالح الطبقات الحاكمة التي أرادت السيطرة على بقعة جغرافية معينة بمن عليها من بشر. الطائفية أخذت من الدين قداسته وأيديولوجيته، ومن اللغة والجغرافيا قدرتهما على الربط، ثم جمعتهما معا لخلق الطائفة.
في العالم اليوم عشرات الأديان ومئات الطوائف وآلاف الإثنيات، كل إنسان على وجه البسيطة يؤمن إيمانا راسخا بأن طائفته هي الأفضل، وأنها تمثل الطريق الصحيح، وما دونها ضلال .. ويحمد ربه أنه خلقه فردا من هذه الطائفة دون غيرها، وإلا لكان من الخاسرين .. ومن النادر جدا من يشذ عن هذه القاعدة، حيث أن من غيّر دينه أو بدّلَ طائفته بعد أن كبر ولأسباب فكرية هم حالات فردية لا تشكل أكثر من نقطة في بحر كبير.
ذلك لأن الإنسان يرث طائفته - التي تهيمن عليه عاطفيا ووجدانيا - كما يرث لغته، فيجد نفسه وسط مجموعة من الناس تتشارك نفس المشاعر والمفاهيم، بشكل طاغي ومسيطر، بحيث يفقد الشخص ذاتيته وتفرده، ويذوب ضمن المجموع، ويتصرف وفق نمط جمعي لا شعوري. وهذا ينطبق على عامة الناس ومثقفيهم، فنلاحظ كيف تسلك النخب سلوكا لا يختلف بشيء عن سلوك الغوغاء، فيختفي ذكاءهم ووعيهم وكفاءتهم العقلية في الروح الجماعية.
 أي أن ذكاء الفرد ينحل ضمن عقل المجموع ويتماهى معه، فيتصرف الشخص تصرفات ويقبل بقرارات جمعية بلهاء ما كان ليتصرفها، أو يقبل بها لو بقي على فرادته وحسه النقدي الذاتي. وهذا يأتي إما بطريقة لا شعورية (في اللاوعي)، وإما نتيجة الخشية من مخالفة الموروث والسائد، أو الخوف مما يُعرف بديكتاتورية الغوغاء، أو الخشية من نبذ الجماعة له وتبرئهم منه.
ولكن مقابل ما يخسره الفرد من ذكاء وحس نقدي لصالح الجمهور النفسي فإنه يربح الأمان الذي ينشده، والقوة التي توفرها الجماعة؛ إذْ أن الفرد المنضوي في الجماعة يكتسب شعورا عارما بالقوة، مما يجعله يستجيب بسهولة لبعض الغرائز التي قد تدفع به إلى اعمال عنيفة، وأحياناً وحشية.
ومعلوم أن أكثر الجماعات تماسكا هي التي الجماعات الدينية التي تلتف حول عقيدة ما، نظرا للتأثير الكبير للعقيدة والعاطفة الدينية على حياة ومسلك الفرد، وهذا هو المدخل الذي من خلاله تتكون الطائفة والفكر الطائفي، حيث يتحول المؤمنون بعد فترة من الزمن إلى مجرد أتباع للطائفة، ويصبح الدين بمثابة غطاء شرعي للطائفة التي ستتحول إلى قبيلة، (مهمتها السيطرة) وحينها تتراجع أهمية المحتوى الضمني للعقيدة الدينية، وتحتل قوة تماسك الطائفة الأهمية الأكبر، ولا يعود مهما إذا ما انحرف الفرد عن المبادئ الدينية، بل المهم أن تظل الطائفة قوية وقادرة على إبادة خصومها في أي وقت، وفي مثل هذه الحالة تتساهل الطائفة مع أي جريمة يقترفها أحد أبنائها، وتثور ثائرتها إزاء أي خطأ يقترفه شخص آخر من طائفة أخرى.
أحيانا تحتاج الطائفة (وكذلك أي جماعة: القبيلة، الحزب، الدولة .. إلخ) إلى عامل قوي يزيد من تكتلها وتراصها، ويوحّد صفوفها، وعادة فإن أقوى عامل لتحقيق ذلك هو إيجاد عدو مركزي، والعمل على شيطنته وتعميق كراهيته. وكراهية العدو لا تخفي التناقضات الداخلية للمجموعة وحسب، بل وتعلي من شأن الجماعة نفسها، وتعطيها قيمتها وتميزها ومبرر وجودها، وتجعل رسالتها تتلخص بضرورة القضاء على هذا العدو.
فعلى سبيل المثال حرك هتلر الألمان كلهم عندما اقنعهم أنهم الجنس الأرقى، ولكي يُشعرهم بعظمتهم كان عليه أن يحتقر اليهود .. وفي المقابل فإن إسرائيل ومنذ تأسيسها كانت تعمل على تأصيل كراهية اليهود للعرب، وتكريس فكرة العدو المشترك الذي يتربص بهم، وهذا بدوره أدى إلى إخفاء تناقضات إسرائيل الداخلية وإلى تعزيز شعورها بالتفوق والعنصرية .. فلا عظمة بدون كراهية .. ولا فخر بدون احتقار، ولا شيء يوحّد الجماعة أكثر من الكراهية .. وفكرة العدو المشترك ... 
ويؤكد علماء النفس على أنه في كل إنسان عاطفة الحب والرحمة، إلى جانب عاطفة البغض والخوف والكراهية، وقد أثبتت أحداث التاريخ أن العواطف المشتركة التي يمكن إثارتها بسهولة هي عواطف الكراهية والخوف، أكثر من عاطفة الحب والتعاون، التي يتطلب استنهاضها شروطا معينة، فالكراهية والخوف تمتلكان قدرة عجيبة على تحريك عامة الناس (الذين يوصفون بالدهماء)، وما على القائد الذي يسعى لتكريس زعامته وتحكمه بالشعب إلا أن يعرف ما يكرهه الشعب وما يخاف منه، ثم إطلاق هذه المشاعر، وإذا لم يوجد شيء كهذا فعليه إيجاده. والكراهية هنا ستخدم القائد في جعل أتباعه أسهل انقيادا وأكثر سمعاً وطاعة.
ولو استعرضنا أمثلة من الواقع لإثبات نظرية الكراهية والخوف وقدرتها على تحريك الشعوب لما وسعنا مقال واحد؛ فالحروب الدينية التي شهدتها أوروبا في عصور الظلام كانت الأكثر فتكا وقسوة، وهي التي قسمت شعوب القارة إلى طوائف متناحرة، ذلك لأنها قامت على الكراهية (الدينية) ورفض الآخر. وفي الهند كمثال آخر نسمع بين فينة وأخرى عن قرية أغار سكانها على قرية مجاورة كانت لزمن طويل تجمعهما أواصر التعاون والتعايش، حيث تذكَّر الأهالي فجأة أنهم من طائفة أخرى ويحل قتلهم، بل ويتوجب ذلك (إرضاءً للرب !!). وفي أماكن أخرى من العالم، وخاصة البلدان العربية، تتكرر قصص المذابح المروعة والقتل على الهوية والاقتتال الطائفي والحروب الأهلية بكل ما فيها من ويلات ومصائب وجرائم تُرتكب باسم الدين وباسم الإله !!
ما يجمع كل هذه القصص عن الحروب الأهلية والفتن الطائفية هو التحريض على كراهية الآخر، وشيطنته، وتجريده من إنسانيته، ونكران حقوقه في العيش بحرية وسلام. وهذه الكراهية للآخرين هي الوجه الثاني لتمجيد الذات وتفخيمها والادعاء باحتكار الصواب، واحتكار العلاقة مع الله سبحانه.
وهذه الكراهية تتفاقم وتفعل أفاعيلها عندما تكون كراهية جماعية، وتكتسب قوتها أكثر عندما تصبح "كراهية مقدسة"؛ أي الكراهية المدعَّمة بالنصوص المقدسة وبتحريض رجال الدين. فعندما تكون العاطفة جماعية ستنطبق عليها قوانين علم النفس والاجتماع بكل ما يتعلق بالطاقة الجماعية (سواء كانت سلبية أم إيجابية)؛ أي تلك الطاقة المضاعفة التي يكتسبها الفرد من خلال تواجده في إطار الجماعة، والتي ستصبح مثل العدوى. وعندما تكون كراهية مقدسة لن يسأل أي فرد نفسه عما اقترفت يداه، ولن يؤنبه ضميره على أي فعل، بل ربما يدعوه المحرض لمزيد من العنف والكراهية، وسيجد نفسه طائعا له، وبدون تفكير. وهذا ما يُعرف بثقافة القطيع.
هذه الكراهية هي التي تفسر لنا كيف يُقدم أناسٌ طيبون فقراء على مهاجمة أناسٍ أشدَّ منهم فقراً .. ولماذا يقترف القتلة جرائمهم بدم بارد، ويقطعون رؤوس خصومهم وهم يهلّلون ويكبّرون .. إنها الكراهية المقدسة التي حرض عليها من يحسبون أنفسهم رجال دين .. الكراهية التي طغت على الجوانب الإنسانية وألغتها، وأطلقت العنف من النفوس المكبوتة، وحولته إلى عنف مقدس. الكراهية التي تزعم أنه لا يمكن أن نكون أعزاء إلا إذا اذلينا الآخرين.
في عالمنا الإسلامي - وللأسف الشديد - ثمة رجال دين أخذوا على عاتقهم مهمة زرع الكراهية في نفوس العباد؛ فهم قسّموا العالم بأسره إلى كفار ومسلمين، والعلاقة بينهما علاقة حرب وكراهية إلى الأبد، ثم بعد ذلك قسّموا المسلمين أنفسهم إلى طوائف، كل طائفة تدّعي أنها الفرقة الناجية، التي أوكل الله إليها مهمة إبادة الآخرين. ومنهم من اعتبر الكراهية واستعباد الآخرين وتكفيرهم إعجازا علميا وحلا عبقريا قدمه الإسلام !! بل وعدّوا الكراهية فضيلة .. بل أم الفضائل ..
علما بأن الإسلام دين محبة وتسامح؛ أمر بمحبة الناس من كل دين وعرق، وحرَّم الكراهية على أساس الجنس أو اللون أو العرق، وقد قال تعالى: {يا أيُّهَا النَّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعَارَفُوا}، لكن البعض استبدل كلمة لتعارفوا بِ لتتحاربوا !! وعلى أساس هذا الفهم المغلوط أقاموا فقها كاملا اسمه الولاء والبراء.
الإسلام دين الرحمة والإنسانية (قبل أن تحتكره جماعات الإسلام السياسي وتحوله إلى عصبيات وطوائف)، والقرآن الكريم يحتوي على عشرات الآيات الكريمة التي تحث على التسامح والتعايش والسلام، إلى جانب الآيات التي تدعو للجهاد (وأهمها جهاد النفس ضد شرورها). وقد قال الإمام علي عن القرآن أنه حمّال أوجه، وكل إنسان يفهم الدين بما يتناسب مع طبيعته النفسية، فمن كانت نفسيته سوية ومعافاة فسيأخذ الجانب الإنساني المرن والمنفتح من الدين، ومن كانت نفسيته مضطربة وقلقة ومكبوتة فسيفهم الدين بشكل مختلف؛ سيتعامل معه على أنه مجرد طائفة أو قبيلة مهمتها قتال الأعداء. 

0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار