أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

مايو 02، 2013

قلعة الشقيف وقلعة متساداة


أدركت الحركة الصهيونية ومنذ نشأتها مدى أهمية "التاريخ" لضمان نجاح مشروعها؛ بل وعدّته أشد الجبهات خطورة؛ ذلك لأن الصراع حول الماضي إنما هو صراع من أجل الهيمنة على الحاضر. وحتى تقنع العالم بعلاقتها التاريخية بفلسطين؛ احتاجت الحركة الصهيونية لخلفية تاريخية تؤكد وجود روابط دينية وتاريخية لليهود في المنطقة؛ فابتدعت قصة أصول اليهود، ووحدة الشعب اليهودي، وعلاقتهم بالشخصيات التاريخية، ومن ثم عملت على إدماج هذه القصة في سياق التاريخ القديم للمنطقة.

وكان ضروريا إحاطة هذه القصة بغلاف ديني أسطوري؛ هذا الغلاف بالرغم من وَهْـنِهِ وزيـفه، إلا أنه كان شرطا أساسيا لا يمكننا تصور نجاح هذا المشروع بدونه؛ فهو يوفر له قوة دفع، ويشكّل مرشدا وناظما للعلاقات الاجتماعية والسياسية بين أفراد كيانه، وتربي عليها الأجيال الجديدة بشكل خاص، ومن خلاله يرى المجتمع الإسرائيلي الحالي صورته في الماضي السحيق، ويُعبِّر عن امتداده وتواصله التاريخي.

ومن أبرز الأمثلة في الرواية التوراتية لتاريخ اليهود في فلسطين، والتي تظهر فيها بوضوح عملية توظيف التاريخ لخدمة أهداف سياسية، قصة "قلعة المتساداة". وحسب الأساطير اليهودية فإن قلعة متساداة هي آخر حصن يهودي سقط بيد الرومان عام 73 م، وذلك بعد حصار دام سنوات، مما دفع بالقائد اليهودي إلى إقناع رفاقه المحاصَرين بفكرة الانتحار الجماعي بدلا من الاستسلام، وبذلك صارت قلعة المتساداة رمزاً للقوة العسكرية المحاصَرة التي تفضل الموت على الاستسلام. ولكن هذه القصة وحسب ما أكد العديد من المؤرخين، مجرد خيال ابتدعته الصهيونية كرمز لوحدة الشعب اليهودي.[1] واليوم نرى أن الصهيونية تسعى لأن يحتل معتقل "أوشفيتس" النازي نفس مكانة "المتساداة"،كمكان ذكرى مشكِّل للهوية اليهودية المعاصرة.

ويؤكد المؤرخ الإسرائيلي "شلومو ساند" أن اليهود في عهد الرومان لم يتعرضوا لأية عملية إجلاء. ويقول: "سياسة النفي الناجعة التي اتبعها الآشوريين ومن بعدهم البابليين والتي اقتلعت مجموعات كاملة من السكان، لم تندرج ضمن الأساليب المعروفة للقيصرية الرومانية". ويضيف: "صحيح أن حكام روما اتبعوا سياسة متشددة في قمع السكان الثائرين، ولكنهم قطعا لم يلجئوا إلى اقتلاع قطاعات واسعة من السكان، فضلا على أنه لم تتوفر لديهم وسائل تكنولوجية للقيام بذلك".[2]

ما يعني أن نفي اليهود من فلسطين، وتشتيتهم بالقوة، وقصة المتساداة لم تكن أحداثا تاريخيا، بل كانت أساطير ابتدعها محررو التوراة؛ نظرا لحاجتهم القومية الماسّة لمنفى قسري، ولأسطورة مأساوية. وتكمن أهمية ذلك كحاجة لفهم التاريخ اليهودي من زاوية تراجيدية، ولتبرير عدم عودة اليهود إلى "وطنهم المزعوم" خلال القرون التالية، فاليهود يطالبون دوما الآخرين بالنظر إليهم كشعب مميز، لا يشبه بقية الشعوب.

وفي التاريخ الحديث، هناك قلعة الشقيف في مقابل قلعة المتساداة. فإذا كانت الأخيرة خيالية، لكنها شكلت ركنا مهما في الرواية الصهيونية؛ فإن الأولى حقيقية، بل وما زالت حاضرة أمامنا للآن، لكنها لم تأخذ حقها في التأريخ والتوظيف السياسي كقصة حدثت بالفعل، ما زال دم أبطالها نديا، ولم يجف بعد.

الإعلامي ناصر اللحام، وأيضا الكاتب مازن صافي (على موقع معاً) طالبا بتوثيق قصة قلعة الشقيف، وعدم الاعتماد على الأرشيف الإسرائيلي.[3] وقد سبقهما في ذلك شفيق الغبرا في "حياة غير آمنة"، وفتحي البس في "إنثيال الذاكرة"، وواصف عريقات في "الشقيف والصمود الأسطوري"، وغيرهم. كما طالب مؤرخون آخرون كُثُر بإعادة كتابة التاريخ الفلسطيني كله من منظار تاريخي حقيقي، لأن ذلك سيؤدي إلى تقويض دعامات الرواية التوراتية المتهافتة. ويعني أيضاً إعادة الاعتبار لتاريخ فلسطين القديم والمعاصر.

وتكمن أهمية قصة الشقيف بأنها مرشحة لأن تلعب دورا موازيا لقصة المتساداة؛ نربي عليها أجيالنا، ونذكّرهم بقصص الفدائيين التي تفيض بمعاني البطولة والتضحية، وتؤكد على عمق روابط الفلسطينيين بأرضهم، ومدى تمسكهم بحقوقهم. وما يؤهلها لذلك أنها وخلافا للمتساداة قصة واقعية، جرت فصولها قبل سنوات قليلة، وكل الشواهد تؤكد عليها، بما في ذلك اعترافات قادة الجيش الإسرائيلي.

وقد ظلت الشقيف المكان المفضل للفدائيين على مدى سنوات وجودهم في لبنان، والتي خلالها خاضوا أشرس المعارك، وبين أطلالها دفنوا خيرة الشبان، إلا أن أيام المعركة الأخيرة في حزيران 1982 كانت أياما استثنائية ليس في تاريخ القلعة وحسب؛ بل وفي تاريخ الصراع العربي الصهيوني.

وسأقتبس (مع بعض التصرف) مقاطع مما كتب اللحام وصافي وعريقات في مقالاتهما على موقع معا، وأيضا ما جاء على لسان قادة الجيش الإسرائيلي:

"تقع قلعة الشقيف جغرافيا في لبنان؛ لكنها في التاريخ الفلسطيني وجغرافيا الثورة الفلسطينية موجودة في أعماق كل فلسطيني .. "الشقيف" هي كلمة السر للصمود العربي والفلسطيني في الاجتياح الإسرائيلي للبنان .. هناك قاتل الفدائيون بضراوة حتى النهاية .. كان قتالهم ممزوجا بالإيمان والاستبسال دفاعا عن العقيدة والمبدأ .. كانوا جنود فتح الأوفياء، وفي المؤتمر السادس عشر للمجلس الوطني الفلسطيني وقف الجميع تبجيلا لشهداء الشقيف، وصفقوا طويلا للقائد ياسر عرفات عندما بدأ يعدد أسماءهم.

انتهت الغارات على القلعة باستشهاد المقاتلين الذين كانوا يدافعون عن الوجود الفلسطيني والكرامة العربية .. استشهدوا تحت القصف العنيف .. لقد استبسلوا ولم يستسلموا .. إلا أنهم قبل استشهادهم تمكنوا من إسقاط طائرة فانتوم وأخرى هليكوبتر حربية .. لقد كانت القلعة نموذجا مشرفا لهزيمة جيش الاحتلال في لبنان".[4]

وكتب اللواء عريقات الذي كان على اتصال لاسلكي بمقاتلي الشقيف: "أول من هاجم القلعة  الرائد "غوغان" وهو من الوحدة 101 (التي ارتكبت مجزرة قبية)، لكنه فشل بهجومه وأصيب عدد من مجموعته بجروح، ثم قاد الهجوم الثاني الرائد "براق"، وهو من اللواء جولاني، وقد فشل أيضا كمن سبقوه، ثم توالت الهجمات، واستدعيت الوحدات المظلية وخسر الجيش الإسرائيلي المزيد من جنوده وضباطه، فوضع خطة للتقدم وتركْ القلعة خلفه مكتفيا بقصفها بالطائرات والصواريخ. لكن الفدائيين داخل القلعة رفضوا الاستسلام وقرّروا المواجهة. وأخيرا وبعد أن فشل الجيش باحتلالها، استخدم غاز الأعصاب والغازات السامة قبل البدء بالهجوم الكبير والذي شارك فيه أكثر من 1200 جندي.[5] وفي تلك المواجهات صاح أحد الضباط الإسرائيليين عبر جهاز اللاسلكي: "إنها جهنم، أرسلوا الإسعاف فورا، لقد سقط الكثير من الجنود". وقد استمر القتال وجها لوجه في كل خندق وكل متر في القلعة لمدة 60 ساعة كاملة.

وبعد انتهاء المعركة حضر كل من بيغن وشارون وإيتان وسعد حداد للقلعة، وبينما كانوا مذهولين مما رأوه (كانت الدماء وعبوات الرصاص تغطي الأرض)، قال شارون بانكسار: "في معركة الشقيف فقدنا خيرة ضباطنا وجنودنا" أما الجنرال شاؤول نكديموت، فقال: "13 طائرة قامت بقصف مكثف لهذه القلعة، وكنا نعتقد بأن أطنان القنابل التي ألقيت عليها لم تدمرها فقط، وإنما مسحتها عن وجه الأرض، ولن نجد أثرا لفلسطيني واحد، فاتضح لنا أنها ما تزال على حالها، وأن أحدا من المقاتلين الفلسطينيين فيها لم يصب بأذى". وأضاف: "هذه الحرب كالمصيدة، وقد وقعنا فيها كفئران صغيرة، في قلعة الشقيف فقدنا خمسة أضعاف ما فقد الفلسطينيون، من نخبة جنود لواء جولاني". ومن الذين هاجموا القلعة المقدم دوف الذي قال: "كان عددهم 33 فلسطينيا، ومعظمهم من قوات "فتح"، ولم نأسر أي منهم لأنهم قاتلوا حتى الموت، ولم يستسلم منهم أحد، لقد دُهشنا جميعا من ضراوة مقاومة هؤلاء الفلسطينيين". وهذا ما دفع برئيس هيئة الأركان  رفائيل إيتان لأداء التحية العسكرية للمقاتلين وهم مضرجون بدمائهم.

وفي البرنامج الخاص عن ذكرى المعركة الذي بثه التلفزيون الإسرائيلي قال أحد ضباط الجيش الإسرائيلي وهو يبكي: "حين دخلت القلعة وجدت أحد جنودي ينـزف ويرتجف، فطلب مني شربة ماء، كانت يداه مقطوعتان وتقطران دما، ويبدو أن أحد المقاتلين الفلسطينيين كان لا يبعد عنه سوى متر زرع تحته قنبلة، نظر إلي وقال قبل أن يموت: أهربوا أهربوا" .

تلك هي باختصار قصة قلعة الشقيف، التي شهدت على شجاعة الفدائي الفلسطيني واللبناني، وكانت نموذجا للصمود البطولي، ورمزا للاستبسال الملحمي الحقيقي. وهي قصة للأسف لم تنل التقدير الكافي في الإعلام العربي والفلسطيني، بينما نجح الإعلام الصهيوني بجعل أسطورة المتساداة أحد ركائز التاريخ اليهودي، التي شكلت هوية إسرائيل فيما بعد، رغم أنها لم تكن أكثر من شبح تاريخي.

الهوامش


[1] كيث وايتلام، ترجمة د. سحر الهنيدي، اختلاق إسرائيل القديمة، عالم المعرفة، الكويت 1999. ص 48.
[2] شلومو ساند، اختراع الشعب اليهودي، ترجمة سعيد عياش، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية مدار، رام الله، ط1، 2010.ص 179.
[3] ناصر اللحام، الرجاء ممن يعلم أسماء المقاتلين الاتصال بنا. وكالة معا، http://www.maannews.net/arb/ViewDetails.aspx?ID=590434
[4] مازن صافي، قلعة الشقيف ونداء ناصر اللحام، وكالة معا. http://www.maannews.net/arb/ViewDetails.aspx?ID=591165
[5] واصف عريقات، الشقيف احتلت بالغازات السامة، وكالة معا. http://www.maannews.net/arb/ViewDetails.aspx?ID=591362

0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار