أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

أبريل 04، 2013

أبو تغريد .. صيحة الاحتجاج الأخيرة


في كل مرة يمرُّ أبو تغريد من أمام تمثال الرصافي يتعجب كيف نجا هذا "الصنم" من معاول الأصوليين، وما الذي أخرهم كل هذه المدة عن هدمه ؟! فيقول في نفسه على الأرجح أنهم لم يقرؤوا "الشخصية المحمدية"، ثم يضيف: "على كل حال، هذا أفضل، فهذا المكان بعد أن جرفوا شارع المتنبي، هو آخر ما تبقى لي من بغداد، حيث يمكن لي أن أبيع لوحاتي".

كان الجو شديد الحرارة، كما لو أن الشمس صبَّت حممها دفعة واحدة على رؤوس العباد، أبو تغريد يجلس وحيدا، يتفيأ في ظل لوح من الكرتون مثبت على قطعتين خشبيتين مربوطتان إلى جذع نخلة، ينظر إلى المدى البعيد بعينين غائرتين وهو بالكاد يلتقط أنفاسه، ويمسح عرقه عن جبينه ورقبته، وقد أحس أنه ينتظر بلا طائل .. ففي هذا الوقت من اليوم تكاد الشوارع أن تخلو إلا من بعض المارة المرغمين على الخروج من منازلهم.

هل كانت الصدفة هي التي جلبت أبو شهاب ؟ أم أن أبو تغريد كان قد اتصل به ؟ لا أحد يعلم، فقد صارت هذه من التفاصيل غير المهمة بعد وقوع الحادثة. طلب أبو تغريد من صديقه القديم أن يقترب منه أكثر، وأن يجهز "الكاميرا" لالتقاط آخر صورة له.

-   ألم تنتبه لنوعية الكاميرا التي أحملها ؟ ألا ترى العدسة ؟ طولها نصف متر، من هنا أستطيع التقاط صورة لجرادة على شجرة بشارع السعدون ..
-    تعال عندي، أريدك هنا على الجسر .. لتصور دجلة .. آه يا دجلة .. كم كنت أحبك .. أنت الآن مجرد مستنقع لعين ..
-    لكنك قلت لي أنك تريد صورة لنفسك ؟!

صعد أبو تغريد على السور الحديدي لجسر الرصافة، جعل رجليه في الجهة الخارجية من السور، كما لو أنه يتأهب للقفز .. كان الارتفاع شاهقا، إلا أنه نظر للأسفل ببلاهة ثم أخذ يصرخ وينادي بصوت عالي وبكلمات غير مفهومة .. وهو يتأرجح ويمسك بيد اليمنى حافة السور التي تكاد تنصهر من شدة الحرارة، وبيده الثانية آخر لوحة رسمها .. تلك اللوحة التي أطلق عليها اسم "احتجاج شديد اللهجة".
هرع أبو شهاب مسرعا محذرا صديقه من الوقوع .. ورغم الحر الشديد كان يركض بسرعة وهو يصرخ: لك زمال رح توقع .. شنو ؟ تريد تنتحر ؟؟

كان أبو تغريد يحب اسمه كثيرا، فطالما كان السبب في نجاته عند مروره على حواجز الميليشيات الطائفية؛ فأبو تغريد كان قد تخلص من هويته الشخصية في أول مرة أوقفه حاجز للأمريكان قرب نفق الشرطة، ومن يومها وهو يهيم في الشوارع .. شكله واسمه يُغْني عن أي هوية: شعره الكث، وملابسه المتهدلة، ونظراته التائهة وكبر سنّه كانت توحي لكل من يوقفه أنه على وشك الموت في غضون ساعات، ومع ذلك كان متمسكا بالحياة بطريقة غير عادية؛ وكان محتاطا لأي احتمال عند مروره على أي نقطة سيطرة؛ فإذا مر على حاجز شيعي يلبس عصبة سوداء، ويُخرج من جيبه صور الإمام العلي والحسين .. وأروح فدوة لمقتدى ..  وإذا عبَر حيّا سنّياً: أحبُّ سيدنا أبو بكر وعمر، وأروح فدوة لعائشة، ولحسن الحظ أن الطوائف الأخرى في بغداد لا تملك من القوة ما يمكنها من نصب حواجز .. ومع ذلك كان أبو تغريد يقول سأحمل صورة لمريم العذراء، وللطالباني والبرزاني وابن لادن إذا لزم الأمر .. واسمي يساعدني، فهو اسم محايد، ويصلح حتى لحاجز لجماعات الجندر وحقوق الإنسان .. وبهذه الطريقة كان أبو تغريد يتحايل على القتلة، ويسخر منهم، ويؤجل موته قدر المستطاع.

أبو تغريد، شخصية إشكالية؛ بسيط وطيب جدا، لكنه معتد بنفسه، ومعقد إلى أبعد حد، ورغم ذلك تراه شديد الوضوح، وهو من أشهر شخصيات بغداد، والقليل من الجيل الجديد من يعرف أنه فنان، متوسط الطول، صوته حاد، وكلماته لاذعة، على وجهه بقايا من أيام العز تستطيع اكتشافها من بين كلماته القليلة وتحليلاته العميقة، رشيق القوام، رغم التجاعيد التي تغطي جبهته ووجنتيه، عندما يبدأ بسرد القصص، تشعر بفداحة الخسائر ومدى اتساع الفجوات بين العهود التي عايشها، خاصة عندما ينهيها بتنهداته الحزينة.  

الغريب أن رفاق أبو تغريد القدامى يؤكدون أنه لم يتزوج، ولم تكن لديه في يوم من الأيام بنت اسمها تغريد .. وأن هذا الاسم يطلقه البغداديون تحببا على أي رجل مجهول .. أما هو فيُقْسم أنه كان لديه فتاة غاية في الجمال اسمها تغريد، وكانت في عمر الزهور حين اختطفتها سيارة حكومية في طريق عودتها من الكلية قبل أكثر من ثلاثين سنة .. وأنه انتظرها طويلا .. ولما يئس من عودتها صار يرسمها كل يوم .. تارة يرسمها عصفورا، وتارة يداً تلوح من نافذة سجن، وتارة يرسمها فتاة مجنحة تحلق في فضاء معتم ..

عاش أبو تغريد عشرة أعوام كاملة في العهد الملكي، لكنه لا يذكر الكثير عن تلك الأيام، سوى مشاهد غامضة عن أبيه، وهو يلح عليه في كل يوم جمعة أن يتزين ويتعطر ويلبس بدلته الأنيقة ليخرجوا سوية إلى نادي الصيد في الأعظمية .. يتذكر أن كل الأشياء من حوله كانت نظيفة ومرتبة، وكانت تلك الفترة بداية عهده بالرسم واللوحات، ويذكر أن أولى لوحاته كانت تحثُّ على إنجاز الاستقلال، وتسخر من تبعية القصر للإنجليز ..

تابع الطفل بهلع مشهد جموع الغوغاء وهم ينهبون قصر الرحاب في الحارثية، ورغم خوفه، دفعه الفضول للركض خلفهم إلى شارع الصالحية وهم يجرّون بالحبال تمثالي الملك والجنرال البريطاني ويلقون بهما في نهر دجلة. كانت تلك أولى مشاهد العنف التي صدمته، وطوال حياته ورغم تكرار المشهد بصور مغايرة عشرات المرات؛ إلا أنه في كل مرة يشعر بنفس القشعريرة والتقزز ..

انتقلت عائلته بأمر من الزعيم الجديد عبد الكريم قاسم إلى أطراف بغداد، ليشرف والده على المخططات الهندسية لبناء حي جديد قادر على استيعاب الآلاف القادمة من الأرياف والولايات البعيدة بحثا عن مصدر رزق، الذين تكدسوا في عشوائيات وصاروا مصدرا للقلاقل، هذا الحي الذي سيُعرف لاحقا بحي الثورة .. كان يذكر والده وهو يصحبه مساءً إلى شارع أبو نواس، وسهراته مع أصدقاءه على أنغام أم كلثوم والغزالي، وهم يشربون الويسكي ويقضمون الشعر والدارميات .. في تلك السنين تحسنت أوضاعهم المالية؛ إلا أنهم بعد أعوام قليلة ضاقوا ذرعا بأهل الحي، فلم يعد أبو تغريد "الطالب" يطيق تعليقات زملائه بالمدرسة وهم يسخرون منه ويصفونه بِ"الشروقي"، أما مدرس الفن فهو الوحيد الذي كان يشجعه على الرسم، ويتنبأ له بأنه سيغدو واحدا من أهم فناني العراق .. وطالما سأله: لماذا كل رسوماتك تركز على موضوع الحداثة ؟ فيجيب: "لأنها ما ينقصنا يا أستاذ".

في عهد الأخوين عارف انتقل أبو تغريد إلى حي المنصور، وانتسب إلى نادي الرشيد حيث كان يسهر مع رفاقه البعثيين والشيوعيين، وما زال يذكر كيف كانت تتحول نقاشاتهم الفكرية إلى جدل سفسطائي، والتي ما أن يبدأأأأ تأثير النبيذ حتى تتحول إلى معركة .. في تلك الفترة صارت لوحاته غنية أكثر بالألوان والحركة وتنوع المشاهد وتعدد الوجوه والشوارع .. وصار من أمهر رسامي بغداد.

في عهد البكر، صار أستاذ الفن التشكيلي بكلية الفنون بالوزيرية؛ فاستأجر شقة بالقرب من باب المعظم، سرعان ما حوّلها إلى معرض وصالون أدبي، كان يستقبل فيها نخبة البغداديين من الشعراء والنحاتين، يحتسون الجعة، ويتجاذبون أطراف الحديث، وغالبا ما كان مريديه ينقدون رسوماته لأنها صارت أكثر حذرا، وتعبر بألوان متداخلة وخطوط متقاطعة عن نوع من القلق المريب والخوف من حالة التغيير الفجائية.

في زمن صدام استدعاه الأمن ذات يوم .. كان المحقق لطيفا معه في البداية؛ أستاذ ليش كل لوحاتك فيها نسر، أو حصان، أو ولد يركض، أو حقل مفتوح، أو سماء خالية من الغيوم ؟؟ شنو قصدك ؟ تريد تقول ينقصنا حرية !! فيجيبه بتلعثم: لا لا أعوذ بالله .. فيرد عليه المحقق بصوت حاسم: زين عيني، أريدك من الصبح ترسم جدارية للرئيس القائد، تمجّد فيها انتصارات العراق العظيم .. تفتهم لو لا ؟!!

صار أبو تغريد يسهر وحيدا في مشارب السعدون، يحتسي العرق، وينفث دخانه "السومر" في فضاء الغرفة .. ويضاجع أحزانه وقهره .. بعد شهور قليلة، فُصل من الكلية، وصار بلا عمل .. ثم اختفى لفترة طويلة، حتى ظن الناس أنه سافر أو مات .. لكنه ظهر فجأة، ولكن بهيئة لم يعتد عليها معارفه، إذْ صار مزاجي ونزق، ويظل غارقا في الصمت لساعات طويلة .. واكتشف حينها أنه بلا زوجة ولا أولاد .. حتى أقرب أصدقاءه صاروا يتجنبونه ..

لم يعد أحد يشتري لوحاته، ومع مرور الوقت، تدهورت أوضاعه المادية، وضاقت به الدنيا .. كانت تمر عليه أياما لا يجد ما يأكله .. فأقنع نفسه أنه ليس بحاجة إلى كل هذا البيت، فبدأ يبيع أثاث منزله قطعة قطعة، ولما نفذت صار يحمل كل يوم ما يقدر على حمله من كتبه ويفرشها مع مجموعة من لوحاته القديمة على رصيف شارع المتنبي .. في البداية كان انتقائيا؛ فإذا لم يعجبه شكل الزبون رفع السعر حتى لا يبيعه، وإذا باع كتابا عزيزا على قلبه يقبّله قبل تسليمه، ثم ينصح المشتري: دير بالك عليه، هذا خوش كتاب .. أحيانا يبتسم الزبون ويتقبل النصيحة، وأحيانا ينظر إليه باستغراب ثم يمضي في سبيله.

في العهد الأمريكي صارت حاله حال كل العراقيين .. حيث الكل يشبهون بعضهم تماما، يشتركون في الفقر والتشرد والخوف .. ورغم أن قصته قد تم نسخها ملايين المرات؛ إلا أن أبو تغريد كان يشعر أنه مختلف عن غيره، إذ أنه لم يفقد بيته ومرسمه وحسب؛ بل كان يفتقد للمشارب بشكل خاص، فلم يعد يجد ملاذا لدموعه .. ولا متنفسا لصرخاته المكبوتة.

تحت جدار مهدم لمنزل مهجور، استصلح ما يشبه القبو، واتخذه سكنا، كوَّم فيه بعض الأثاث المتهالك، مع بعض الأقمشة والأخشاب وعلبة ألوان زيتية وبضعة فراشي .. هي كل ما يملك .. مع خيال خصب وأصابع ماهرة .. كان يسهر مع نفسه وحيدا، يشرب الشاي بدون سكر، وينفث اللفائف بنهم، ومع زفراته يطلق غضبه الحبيس ..  كانت رسوماته الأخيرة تدور حول قضايا الفساد والطائفية والميليشيات .. بألوان براقة ومتداخلة، غامضة أحيانا، وصريحة مباشرة أحيانا أخرى .. ولوحات أخرى قليلة تتحدث عن المهجّرين والبؤساء بألوان قاتمة وخلفية سوداء ..

وذات ليلة، داهمته مجموعة من الملثمين، أشبعوه ضربا ثم أحرقوا لوحاته، وبعد شهرين عادوا وقطعوا أصابعه .. ولما غادروا صاح كبيرهم بصوت جهوري: في المرة القادمة سنقطع رقبتك ..

صبيحة ذلك اليوم من شهر تموز، خرج مبكرا مع لوحة وحيدة، رسم عليها خارطة العراق تحيط بها مجموعة من الذئاب، ومن داخلها تخرج ضفادع وعقارب، وفي الأفق تبدو أسرابا من الجراد .. وصل إلى ساحة الرصافية، وجلس تحت ظل نُصب الرصافي، وصار يحدثه بصوت عالي، ثم أطرق بصمت طويل، ربما كان يجتر الذكريات، ويستعرض صورا من الأزمان السابقة .. فترتسم على شفتيه ابتسامة مشرقة ..

مع ساعات الظهيرة اشتد الحر على نحو خرافي .. حمل أبو تغريد لوحته وصعد للجسر بطيئا .. كما لو أنه يحمل على ظهره أحزان الكون .. مرت ساعات ولم يسأل أحد عن سعر اللوحة .. شعر بتثاقل لم يألفه من قبل، فقال في نفسه ما الجدوى من العودة للبيت ؟ بل أين هو البيت أساساً ؟! نادى على صديقه أبو شهاب: تعال قبل أن تفوتك لقطة العمر .. لكن أبو شهاب لم يتمكن من الوصول .. فقد ألقى أبو تغريد بنفسه إلى النهر .. كان صوت ارتطام جثته بماء دجلة آخر صرخة احتجاج له ..

بعد دقائق قليلة سُمع صوت ارتطام جسم آخر بالماء .. لم يعرف أحد إذا ما كان ذاك صوت جثة أبو شهاب، أم صوت سقوط  الكاميرا ؟! فلم يرى أحد صورة أبو تغريد وهو يهوي في دجلة، ولم يرى أحد أبو شهاب بعد ذلك اليوم الحزين، أما الملثمين الذين كانوا يرقبون المشهد فظلوا مقطّبين وجوههم، ولم يدلوا بأي شهادة.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار