أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

أبريل 21، 2013

كلمة بحق سلام فياض


قبل نحو عشر سنوات، بينما كان د. سلام فياض في زيارة عمل للرئيس الراحل ياسر عرفات، داهمت القوات الإسرائيلية المقاطعة، وأمطرتها بوابل من القذائف .. وبعد نحو أسبوعين من الحصار المحكم خرج فياض ملتحيا وعلى وجهه علامات التعب والإرهاق .. لا ندري إذا كان أبو عمار حينها قد طلب منه البقاء معه، أم أنه بقي من تلقاء نفسه ؟! ولا ندري إذا تعلم فياض من زعيم الفدائية دروسا في التضحية والصمود على إيقاع الصواريخ والرشاشات ودوي المدافع، أم أنه قدَّم لرئيسه دروسا في الاقتصاد، وكيفية إعداد الموازنات ؟!
كانت تلك أول مرة ينتبه فيها الإعلام لهذا الرجل القادم من عالم المال والإعلام، ليتولى إدارة الملف المالي لسلطة تخضع للاحتلال، وتحكمها اتفاقيات مجحفة. 
شخصيا، لا أحبذ الكتابة عن أي مسؤول، فمديح السلطة (وذمها) مغامرة محفوفة بالمخاطر، رغم أني كتبت عن فياض قبل ذلك، ولكن في إطار تحليل مواقف الحكومة، أو عرض لأفكار رئيسها حسب ما كان يقدمها لنا في اجتماعاته الدورية مع الكتاب والصحافيين .. وبدون ذم ولا مديح. ولكن اليوم بعد أن بدأ الرجل يتهيأ لمغادرة موقعه، شعرت بضرورة قول كلمة بحقه.
لم يأتي فياض بقوة العشيرة، رغم وجوده في مجتمع تقليدي. وبدون شعارات كبيرة شقَّ طريقه بين فصيلين كبيرين يتزعمان الحياة السياسية في فلسطين. أُنتُخِب على لائحة "الطريق الثالث" في 2006، وحصد أصواتا أكثر مما حصدته أحزابا تاريخية. حلم بالتنمية والازدهار لمنطقة ملتهبة، آخر ما يمكن أن تحظى به هو الهدوء والسلام. استلم منصبه في واحدة من أحلك وأعقد مراحل التاريخ الفلسطيني الحديث، في فترة كانت تحكمها فوضى السلاح والاقتتال الداخلي، فنجح بالقضاء على مظاهر الفوضى، وأعاد للمجتمع ما كان يتوق إليه: الأمن والاستقرار. تحدث مع العالم بلغة يفهمها، ووضع فلسطين على عتبات الدولة الحقيقية، ونجح في كسب ثقة الغرب لجهوده في تحسين القطاع المالي الفلسطيني، ومكافحته للفساد، وتركيزه على بناء المؤسسات، وتوفير بيئة مواتية للاستثمار، وتهيئة البنية التحتية لتكون فلسطين جاهزة للاستقلال. 
بعد سنة من توليه رئاسة الحكومة، طرح مشروعا امتزجت فيه الطوباوية والواقعية في آن معاً، حمل اسم: "فلسطين، إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة"، والذي نص على فرض الدولة الفلسطينية كأمر واقع، خلال عامين. كان أهم ما تضمنه هذا المشروع أن ينتقل الفلسطينيون من موقع المتلقي إلى موقع المبادر، وأن يؤمنوا هم أولاً وقبل غيرهم بأن الدولة حتما ستقوم، من خلال خلق واقع إيجابي على الأراضي الفلسطينية، وأن يستمر البناء بحيث أنه بعد مدة لا يكون هنالك مجال للتساؤل لكل من ينظر للفلسطينيين من أي زاوية من أركان المعمورة إلا وأن يستنتج أن لهم دولة قائمة بالفعل.
ولكن حصاد التجربة بيَّن فشل مشروع فياض في الوصول إلى الاستقلال عبر التنمية الاقتصادية؛ فالعالم إما أنه مشغول بقضايا أخرى كثيرة، وإما أنه غير قادر على فرض الحل على إسرائيل. وكذلك اتضح أن دعوته للتخلص من المساعدات الخارجية أو تقليصها، فكرة طوباوية مع وجود الاحتلال. في هذه الفترة حجزت إسرائيل عائدات الضرائب الفلسطينية، وامتنعت الدول العربية عن تقديم الدعم المالي، وأوقفت أمريكا مساعداتها؛ فتفاقمت الأزمة الاقتصادية في الأراضي الفلسطينية، ونشبت موجات غلاء فاحشة، وتأخر صرف الرواتب للموظفين، الأمر الذي دعاه لزيادة الضرائب وتقليص النفقات. وهذا ما تسبب بخروج الجماهير عن صمتها، بحركات الاحتجاج والإضرابات، والدعوة لإسقاط الحكومة.
وأخيرا، وبعد سنوات ست قدم فياض استقالته، وإن كانت هذه ليست المرة الأولى التي يقدم فيها استقالته، إذْ كان يضع حكومته تحت تصرف الرئيس في كل مرة تهل فيها بشائر المصالحة، ويقترب الخصمان من إنهاء الانقسام. لكن هذه المرة مختلفة، فقد دخلَتْ استقالته حيز التنفيذ، وهو الآن مجرد مسيّر لأعمال الحكومة لفترة مؤقتة من الزمن، قد تطول قليلا وقد تقصر، وهذا يتوقف على نتائج مباحثات أبو مازن مع حماس لتشكيل حكومة توافق وطني كأولوية أولى، أو مباحثاته مع شخصيات وطنية مستقلة، لتشكيل حكومة جديدة، وأيضا بحسب تطورات موقف فتح ولجنتها المركزية، وتطورات المشهد السياسي العام.
يُقال أن سبب تقديم الاستقالة خلافات بين رئيس الحكومة والرئاسة على تنازع الصلاحيات، وأن القشة التي قصمت ظهر البعير كانت قبول فياض استقالة وزير المالية "د. قسيس" خلافا لرغبة الرئاسة التي رأت في "قسيس" الشخص المناسب .. بغض النظر عن الأسباب – وهي كثيرة – إلا أنها ليست المرة الأولى التي يحصل فيها خلافات، وقد كان ممكنا تسويتها واستمرار الوضع لفترة طويلة .. إلا أن تدخل أمريكا (السافر) وتصريحات "جون كيري" (الوقحة) قد خربت كل إمكانية للحل، وصار مستحيلا على الرجلين الاستمرار بحكومة مفروضة من أمريكا .. هكذا بشكل فج، وعلى رؤوس الأشهاد .. فما كان من فياض إلا أن أصر على استقالته، ومن عباس إلا أن قبلها، متحديا بذلك الرغبة الأمريكية، وبشكل فج أيضاً.
تنوعت ردود الأفعال على الاستقالة بين مرحب ومعترض، رغم أن أصوات المرحبين كانت هي الأعلى .. الموظفون خائفون على انقطاع الرواتب، أو تأخرها، كما حصل سابقاً، القوى السياسية تتربص بحذر لتعرف إذا ما سيكون لها حصة في الحكومة القادمة، البعض يتخوف على مصير المصالحة الوطنية، والبعض يعتبر أن الفرصة صارت أفضل لإنجازها.
ليس لفياض حزب أو جماعة أو تكتل اقتصادي، لكن خصومه السياسيين كثر، والمتضررين من سياساته الاقتصادية أكثر، وهؤلاء لم يدخروا جهدا في توجيه الانتقادات اللاذعة بحقه. عندما أجريت معه لقاء صحافيا قبل عدة سنوات، سألته كيف تتعامل مع سيل الانتقادات والتعليقات ؟ فأجاب: "الكثير من الانتقادات تصنف في خانة الردح والفهلوة. وهذا بصراحة كارثة، ولا شيء يزعجني أكثر من الحدة الكلامية وكثرة الكلام غير المحسوب، ومع ذلك، أنا أحرص تماما على تجنب الرد على الإساءات التي تحمّلتُ الكثير منها".
وفي سؤال آخر، قلت له أن الكثيرين يعتبرونك رجل أمريكا في السلطة ؟ فقال: "قبل أن آتي للسلطة كنت ممثل صندوق النقد الدولي، وكانت تربطني حينها علاقات حميمة بالأخ أبو عمار -رحمه الله- وحتى ذلك الوقت لم تكن لي أي علاقة أو معرفة قط بأي مسؤول أمريكي أو أوروبي على مستوى رفيع. وعندما اختارني المرحوم أبو عمار وزيرا للمالية في حزيران 2002، تلقيت دعوة من القائم بأعمال القنصل الأمريكي لزيارة واشنطن، وكان جوابي عليه أنني أعتذر عن الزيارة ولست مهتما بها في هذه المرحلة".
ومع أن مؤيدو فياض يعتبرون أهم الإصلاحات الإدارية والمالية قد تمت في عهده، إلا أن فياض بنفسه ينفي ذلك، قائلا: "أما عن الإصلاحات، فهنا أسجل حقيقة للتاريخ، وهي أن أغلبية الإصلاحات المالية والإدارية قد تمت في عهد الرئيس أبو عمار، وكان كثير من الخطوات والقرارات الإصلاحية وأهمها نظام الحساب الموحد ترسل لي شخصيا كوزير مالية من مكتب أبو عمار بالذات. ونظام الحساب الموحد هو جوهر الإصلاح المالي، وما الخطوات التي تلته إلا خطوات مكملة".
كثيرة هي الملاحظات والتحفظات والانتقادات (وحتى الاتهامات) التي يمكن توجيهها لسياسة فياض، منها ما هو محق وصحيح، ومنها ما يأتي ضمن إطار المناكفات السياسية، ومنهج الاتهام والتشكيك الذي اعتاد عليه البعض .. البعض يتهمه بتنفيذ أجندات أمريكية، أو لحماية أمن إسرائيل، واعتقال المقاومين .. وهناك من يعتبره مسؤولا عن موجات الغلاء، وعن تفاقم البطالة، والركود الاقتصادي، وإرهاق المواطنين بالضرائب، وتأخر الرواتب بشكل متعمد .. وأكثر الانتقادات رواجا تلك التي تحمله مسؤولية إغراق الموظفين بالقروض الشخصية، وبالتالي رهن المجتمع بأسره للبنوك !! وآخرين يتهمونه بالتسبب بتراجع الحالة النضالية الفلسطينية، وتقييد وقمع فصائل المقاومة، وانسداد الأفق السياسي .. 
صحيح أن الوضع الفلسطيني حاليا ليس مثاليا، بل هو في أصعب وأحلك ظروفه .. لكن من غير العدل تحميل فياض وحده مسؤولية كل شيء .. أسهل شيء أن نحمل أخطاءنا للآخرين، وأن نعلق حالتنا بأكملها برقبة شخص واحد، فنعفي أنفسنا من أي واجب، ونبرئ ذواتنا من كل خطأ .. وحتى لو كان فياض (أو غيره) رئيسا للحكومة، وبالتالي عليه مسؤوليات ضخمة، ولنتذكر أن دولا عريقة مستقلة لها حدودها ومواردها تواجه أزمات سياسية واقتصادية وتعجز عن حلها أحيانا.
مشروع فياض للتنمية الاقتصادية وإنهاء الاحتلال، هو في مضامينه جوهر النضال الوطني، وهدف كل إنسان فلسطيني .. وبالتالي هو ليس ملكا شخصيا لفياض؛ نجاحه هو مكسب لفلسطين، وفشله يعني مزيدا من المعاناة للشعب .. إسرائيل كانت تتعمد إفشال أي خطوة من شأنها تثبيت صمود الناس، أو تحسين ظروفهم، والنهوض بحالهم للأحسن .. وعندما كانت قوات الاحتلال تهدم أو توقف أي مشروع، كان البعض يتبرع لإسرائيل بإنجاح مخططها في زرع اليأس والإحباط من أي إمكانية للتغيير .. فتبدأ التصريحات المتشفية، وكأن فياض كان يعمل لنفسه.
وأختم بهذه القصة القصيرة: كنا نقف طابورا أمام الشاعر الكبير سميح القاسم للتوقيع على ديوانه، كانت تقف أمامي صبية فلسطينية يبدو واضحا من لهجتها أنها قادمة من أمريكا، في هذه الأثناء جاء سلام فياض ووقف أمامها مباشرة ليأخذ توقيع الشاعر، فما كان منها إلا أن احتجت بصوت مرتفع، وقالت على مسمعه بعصبية: إن هذا السلوك غير قانوني، وهذه فوضى وتعدي على دوري .. التفت إليها مبتسماً ثم مضى. فقلت لها: لو أنكِ قلتِ ربع هذا الكلام لأي مسؤول عربي أو أمام أي وزير من دول العالم الثالث لكان مصيرك السجن على أقل تقدير .. قالت: ولكن في أمريكا .. فقلت لها: نحن ما زلنا في منطقة وسط، غادرنا منطقة الأنظمة الشمولية منذ زمن، لكنا لم نصل بعد إلى منطقة الدول الديمقراطية الحقة.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار