أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

مارس 28، 2013

مئويات .. ومخططات .. ومؤامرات


بعد سنوات قليلة، سيبدأ العالم بالاحتفال تباعا بذكرى مرور مائة سنة على أحداث واتفاقيات غيّرت وجه القرن العشرين، والاحتفال بها لا يعني أنها مناسبات سعيدة بالضرورة، ورغم ذلك سيتم إحيائها نظرا لأهميتها. ربما تكون البداية بالذكرى المئوية على اندلاع الحرب العالمية الأولى، ثم بعد ذلك، مئوية سايكس بيكو، ثم وعد بلفور، معاهدة سان ريمو، ذكرى الثورة البلشفية وقيام الإتحاد السوفيتي، وغيرها من ذكريات (أكثرها أليمة) كان لها الأثر الأهم في تحديد ملامح وقسمات الخارطة الجيوسياسية للمنطقة، وللعالم بأسره.

ربما كان في ذهن من رسم تلك الاتفاقيات، أو شن تلك الحروب أن ما يقوم به سيدوم أثره للأبد، ولكن من المؤكد أنه لم ينظر بأي عين إنسانية لتبعات ما يقوم به، ولم يأبه لعدد الضحايا وحجم الخراب الذي سيخلّفه، والعذاب والمعاناة التي سيكابدها الناس والتي ستمتد لأجيال عديدة .. حيث جعلت تلك الاتفاقيات والحروب من القرن العشرين قرنا دمويا بامتياز، فاق فيه عدد الضحايا مجموع ما خسرته البشرية طوال تاريخها الممتد، ومارس فيه البشر جنونهم وشرورهم وتخريبهم كما لم يخطر على بال الشيطان. ومع ذلك فإن الخارطة السياسية التي نتجت عن هذا الجنون تقف اليوم على أرضية هشة، تتهددها زلازل من نوع مختلف. قد تؤدي لافتتاح دورات عنف جديدة أشد وأخطر.

فكل تلك الاتفاقيات والحروب التي دشنت القرن العشرين، لم يصمد أثرها حتى منتصف القرن؛ فبسبب جشع رأس المال، ونزعة الشر والعدوان التي ما زالت متوطنة في قلوب البشر، قامت الحرب العالمية الثانية، والتي على إثرها قام نظام دولي جديد، لكنه قام على نفس مبادئ الظلم والاستغلال والإمبريالية، ونهب الشعوب، والتعامل معها كمجرد أرقام لا قيمة لها، ولا تصلح إلا وقودا لحروب القوى العظمى.

ومع نهاية القرن، واستقبال آخر، لم يتغير في المشهد سوى أسماء الدول والقادة، وبعض الشكليات، ومقتضيات التماشي مع العصر. فقد حلت أمريكا مكان بريطانيا وفرنسا، والحرب على "الإرهاب" بدلا من الاستعمار المباشر. إسرائيل ما زالت القوة الإقليمية الأولى، لكن الشعوب العربية التي كانت مقهورة ومغلوب على أمرها افتتحت عصر التغيير، وصارت تملك الخروج للشارع والتعبير عن صوتها. أما مسلسل التقسيم والتجزئة فمن الواضح أنه لم يبلغ حلقته الأخيرة بعد.

مع بدايات الموجة الأولى من الربيع العربي تنبه صنّاع القرار في العواصم الغربية إلى خطورة ما يحدث، وإمكانية التغيير (المنشود) التي قد تطال مصالحهم في المنطقة، وعلى الفور بدأت معاهد الأبحاث والدراسات تخرج من أرشيفها مخططات عفا عليها الزمن، وتعد خرائط جديدة للشرق الأوسط وللعالم أجمع، بما يضمن لها توجيه دفة الحراك الشعبي بالصيغة التي تؤمّن إدامة مصالحها، أو التقليل من خسائرها، أو حتى إعادة بناء نظام دولي جديد على أسس مختلفة، بحيث تطيل أمد تحكّمها بالشعوب وبالبلدان عقودا أخرى طويلة.

ما يجري حاليا هو محاولة لإعادة تدوير التاريخ أو نسخه، أي تقسمة المقسَّم، وتجزئة المجزأ .. وسواء كانت المعلومات عن مخططات جاهزة ومؤامرات تُحاك تحت جنح الظلام صحيحة أم مجرد شطحات خيالية؛ فإن مضمونها وجوهرها يقع في دائرة الاحتمالات الممكنة، وأحيانا لا يتطلب الأمر مؤامرات خارجية وتخطيط أجهزة متخصصة، فلدينا من يتطوع لتنفيذ رغبات الأعداء وتحقيق أمانيهم حتى دون مقابل، فالمقابل هو دوما رؤية أنانية ضيقة ..

ألم يكن تعنّت نظام "البشير"، وفشله في إيجاد صيغة وطنية جامعة تستوعب أهل الجنوب وغيرهم من الأقليات، إلى جانب حاجته الشخصية لتجنب المحكمة الدولية أسبابا كافية لتمرير الانفصال ؟؟ ألم يكن طموح "حماس" الحزبي لإقامة إمارة خاصة بها، سببا كافيا لسلخ جزء من الوطن واقتطاعه لتمارس عليه إيديولوجيتها، مسبّبة بذلك حالة من الانقسام والانفصال قصمت ظهر القضية الفلسطينية ؟؟

والخشية أن يكون تقسيم السودان، وانقسام حماس مجرد بداية لعالم جديد، بخرائط ودول وحدود جديدة .. قد تضيف إلى الجمعية العامة في الأمم المتحدة عشرات المقاعد .. فاليمن مثلا يحيط به ثلاثة أشباح تقسيمية: يساري طفولي في الجنوب، وطائفي في الشمال، وقبلي في الوسط. والفوضى الأمنية في ليبيا قد تفضي إلى قيام دولة طرابلس، ودولة بنغازي. على غرار ما حصل في الصومال، الذي قُسم بصورة غير معترف بها بين الصومال الجنوبي وجمهورية أرض الصومال. الأمازيغ بعد الهجوم الفرنسي على مالي بدؤوا يتحدثون عن حلمهم بالاستقلال بصوت مرتفع. وهذا سينعش آمال وتحركات البوليساريو في الصحراء المغربية. الأكراد لم ولن تُتح لهم أفضل من هذه الفرصة لإقامة كردستان، وأفغانستان التي حملت سنوات طويلة بالحرب الأهلية قد تنجب البلوشستان والباشتوستان، كما تشظت من قبلها الهند الكبرى إلى خمس دول. أما إيران، فإذا ما انهار نظامها المركزي (إما نتيجة انتفاضة داخلية أو بعد ضربة عسكرية تضعف قدرات الجيش) ستخسر حدودها الشمالية لصالح أذربيجان، وجزء من حدودها الغربية لصالح الدولة الشيعية العربية، لكنها ستكسب أراضي جديدة من أفغانستان.

والاستقطاب الطائفي الذي لم تشهد المنطقة مثل حدته من قبل سيكون كافيا لإنشاء دول جديدة سنية وشيعية ودرزية وعلوية ومسيحية، تتداخل حدودها في ما يعرف بالهلال الخصيب. خاصة في ظل الثورة السورية التي أخذت منحى طائفي شديد العنف، وفي ظل ضعف الإدارة المركزية في العراق وفسادها. الخطاب الإخواني المشكك بوطنية النوبيين - حتى لو لم يكن قاصدا - فإنه يدعو لسلخ النوبة عن مصر، والفوضى الأمنية في سيناء قد ينجم عنها دولة، خاصة بعد تدهور لأوضاع الأمنية في مصر بشكل غير مسبوق.

مخططات التقسيم هذه، التي تخدم الهيمنة الإمبريالية وتضمن تفوق إسرائيل وبقائها، لن تحتاج إلى حرب عالمية ثالثة، ولا حتى مخططات معقدة ومكلفة .. تحتاج فقط لتصعيد حدة التجاذبات العرقية والطائفية وإشعال الحروب الأهلية، ووضع القبائل على الحدود السياسية التي خلفها سايكس وبيكو، والتي هي في حقيقتها قنابل موقوتة قد تنفجر في أي لحظة، ثم قيام الأقليات بحركات احتجاجية تطالب بحق تقرير المصير، وتصويت في الأمم المتحدة، سيلاقي قبولا فوريا يمنحها حدودا وعاصمة وعملة ورئيس يجري استقباله على البساط الأحمر .. لأن في هذا إنقاذ لها من براثن الحرب الأهلية، وحمايتها من قمع الأقليات. وما يساعد ويخدم هذه المخططات تنظيم ضبابي عالمي اسمه "القاعدة" تراه حاضرا في كل بلد يتهيأ للانقسام، أو تسوده الفوضى، من غرب أفريقيا إلى قرنها، ومن أواسط آسيا حتى جنوبها ..

كل هذه المخططات والمؤامرات والاحتمالات قد تبقَ حبيسة في أروقة وملفات المخابرات الأمريكية وإسرائيل، بحيث لا ترى النور أبداً، أو تخرج وتفشل على الفور .. هذا إذا تنبهت شعوب المنطقة لمخاطر ما يحيط بها، وارتقت إلى مستوى المسؤولية التاريخية .. أما إذا بقيت على ضلالها وغيّها فستصبح أمرا واقعا ..

وحينها أخشى أن نكون مضطرين للقول: "ألله يرحمك يا سايكس، ويفشفش الطوبة اللي تحت راسك يا بيكو؛ فقد كنتما أكثر رحمة وكرما من أمراء الحرب في زمننا الحاضر".

0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار