أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

مارس 15، 2013

هل المرأة ضحية للتحرش الجنسي ؟


تحدُث اعتداءات التحرش الجنسي في كل المجتمعات بصور ودرجات متفاوتة، لكنها في البلدان العربية شهدت في الآونة الأخيرة زيادة ملحوظة لدرجة مثيرة للقلق، وأمام هذا الموضوع الخطير انقسمت الآراء بين من يحمّل المرأة مسؤولية ما يحدث، ومن يعتبرها ضحية؛ فالبعض عند سماعه خبراً عن التحرش الجنسي يبدي امتعاضه، لكنه بسهولة يجد المبرر للرجل، معتبرا إياه ضحية إغواء المرأة، التي بسبب جمالها الصارخ، أو ملابسها المثيرة فتحت المجال له للتحرش .. شخصياً، لم أرى طرحاً يحتمل هذا القدر من الوقاحة والظلم مثل هذا التبرير الساذج.
البعض اعتبر أن الشبان المتحرشين ضحيه المجتمع؛ فحتى لو كان هذا صحيح نسبيا، إلا أنه لا يمكن أن يكون عولباسهم.را لقيامهم بانتهاك خصوصيات الآخرين والتعدي عليهم. والقول بأن ملابس المرأة وفتنتها هي السبب هو تبرير سطحي وعقيم، لأن في هذا تشريع للفوضى في المجتمع، إذْ وبنفس المعيار سنكون مدعوين لتبرير السرقة؛ لأن السارق لم يقدر على مقاومة إغراء المال، وتبرير سطو جائع على مطعم لأنه عجز عن مقاومة إغراء الطعام الشهي، وتبرير كل الجرائم من بعدها لأن المجرم لم يتحكم في غضبه أو في غرائزه وشهواته، أي دعوة للعيش في شريعة الغاب. فالأوْلى أن يتحكم الإنسان في شهواته وغرائزه ويضبطها، لا أن يفرض على الآخرين كيف يجب أن يكون مسلكهم ولباسهم .. فالتحكم في النفس هو الفرق بين الإنسان والحيوان.
البعض أرجع التحرش لغياب التربية الدينية. ومع ذلك فإن التحرش يحدث في الجوامع والكنائس وفي رحاب الأماكن المقدسة. والبعض رأى أن حوادث التحرش تقع دوما ضد السافرات، واللواتي يرتدين ملابس فاتنة، وهذا غير صحيح، فهناك حوادث تحرش راح ضحيتها فتيات محجبات، وحتى منقبات، أو سيدات يرتدين زيا محتشماً، أو حتى سيدات لا يتمتعن بالقدر الكافي من الجمال.
البعض ربط التحرش بالفقر والبطالة وتدني مستوى التعليم، لكننا سمعنا عن اعتداءات تحرش تورط بها أثرياء، وأساتذة جامعيون، ومشاهير، ومثقفين، ورجال أعمال، وقادة سياسيون، ورؤساء دول. والبعض ربطه بالازدحام والاختلاط والاحتكاك؛ لكننا نجده بين طرفين تفصل بينهما آلاف الأميال، كما يحدث في حالات التحرش والتغرير والابتزاز عبر الهاتف أو الإنترنت.
البعض حصره في البلدان العربية ومثيلاتها من دول العالم الثالث، لكن هذا غير صحيح؛ فهو يحدث في أكثر الدول تقدما وأشدها تخلفا، وفي أرقى المجتمعات وأرذلها، وفي الطبقات الأرستقراطية والمسحوقة على حد سواء.
إذن، فالتحرش يحدث في كل زمان ومكان، وعند كافة الفئات العمرية، والشرائح الاجتماعية، وهو لا يقتصر على الاعتداءات التي تتعرض لها الفتيات، فهناك تحرش ضد الشبان، وهناك حالات تحرش تورط به آباء ضد بناتهم، وأخوة ضد شقيقاتهم، واعتداءات بحق أطفال، وأحيانا رضَّع، وتصل الأمور في بعض المجتمعات المغلقة لحد التحرش بالحيوانات.

التحرش بين المستويين الفردي والجماعي
مع ازدياد حالات التحرش إلى مستويات خطيرة في أكثر من بلد عربي، تنادت منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان والدفاع عن المرأة لوضع حد لها، ومعاقبة الجناة.. ولكن قبل التصدي لمعالجتها علينا أولا أن نفهم حيثيات الظاهرة وأسبابها.
عرّف بعض المختصون التحرش الجنسي بأنه: "أي قول أو فعل يحمل دلالات جنسية تجاه شخص آخر، يتأذى من ذلك ولا يرغب فيه، ويغلب ذلك من الذكر تجاه الأنثى". بمعنى أن التحرش لا يعني فقط الاعتداء الجسدي، أو اللفظي، فمن الممكن أن تكون النظرة أو الكلمة نوعا من التحرش، خاصة إذا لم تكن النظرة بريئة، أو إذا خلت الكلمة من الذوق. لكن الفرق كبير جدا بين النظرة والاغتصاب مثلا؛ وبالتالي لا يجوز التعامل مع كل الحالات بمقياس واحد.
وهناك فرق أيضا بين التحرش عندما يكون ناتجا عن مرض نفسي، أو هوس جنسي، أو حالة شذوذ.. وبين التحرش بشكل عام. أي علينا التمييز بين المستوى الفردي (الحالات الخاصة) والمستوى الاجتماعي، ففي الحالة الأولى نحتاج لطبيب نفساني، أو لإجراءات محددة بحق الشخص المتحرش؛ أما في المستوى الثاني، أي عندما تزداد الحالات وتتحول إلى ظاهرة، فنحتاج لعلم الاجتماع لفهم أبعاد الظاهرة، وللقيام بسلسة إجراءات تستهدف تغيير ثقافة المجتمع، ونظامه التعليمي والتربوي، وتحسين ظروفه الاقتصادية والمعيشية، وخلق بيئة قانونية داعمة.
باعتقادي أن خطورة المشكلة لا تكمن في حالات التحرش بحد ذاتها، سيما إذا كانت فردية؛ بل الأخطر منها طبيعة تعامل المجتمع مع هذه الحوادث، وكيفية ردات فعله تجاه الاعتداءات، خاصة إذا كانت ردود الأفعال تبرر للجاني جريمته، وتجد له ألف عذر، بينما الضحية تدفع الثمن غاليا، وأحيانا تخسر حياتها.
بمعنى آخر، نجد مثلا أن حالات التحرش الجنسي في المجتمعات المتقدمة تكاد تكون فردية، وغالبا ما تواجَه بالإدانة من قبل المحيط الاجتماعي، وتلقى عقوبة من قبل الدولة أو المجتمع، ويتعاطف الجميع مع الضحية. (وبالطبع ليس شرطا أن تكون المجتمعات المتقدمة في أوروبا وأمريكا). بينما في المجتمعات المتخلفة لاحظنا كيف زادت الظاهرة في السنوات الأخيرة، حتى صارت على شكل اعتداءات جماعية في الأماكن العامة، وفي وضح النهار، على مرأى من الجميع، الذين يكتفون بالنظر، أو بهز أكتافهم استنكارا، وبالتفاعل السلبي بلا مبالاة، أو حتى تجريم الضحية، التي ستجد نفسها بعد ذلك منبوذة ومدانة.
ميدان التحرير مثالاً
على سبيل المثال صار ميدان التحرير في القاهرة عنوانا بارزا لأكثر حالات التحرش الجماعي، ونظرا لرمزية المكان (بعد ثورة 25 يناير) سنحتاج لمناقشة الظاهرة عند مستويين: الأول سياسي والثاني اجتماعي. عند المستوى السياسي هناك اتهامات لجماعات إسلامية بأنها تقف وراء حالات التحرش الجماعي، ستحقق هذه الجماعات من خلالها هدفين: الأول إرهاب النساء لإبعادهن عن الميدان وبالتالي تقليل عدد المتظاهرين بشكل كبير، والثاني ضرب مصداقية المتظاهرين وتشويه صورتهم، وبالتالي التشكيك بأهدافهم، مع ملاحظة أن جميع المظاهرات التي تقام في الميدان بعد تولي الإخوان الحكم هي معارضة وتدعو لإسقاط حكم الإخوان. وما عزز هذا الرأي أن التجمعات المليونية التي كانت تحدث أثناء الثورة كانت حالات التحرش فيها نادرة وفردية، ومدانة من قبل بقية المتظاهرين، على عكس ما يجري الآن.
عند المستوى الاجتماعي يمكن فهم أسباب تغير نظرة المجتمع تجاه التحرش الجماعي، لدرجة أن المتحرشين صاروا أكثر جرأة، ولم يعودوا يأبهون لردات فعل المجتمع؛ لأنها لا تدينهم، بل تدين الضحايا، بحجة أنهن غير محتشمات، ومثيرات للفتنة، ويخرجن من بيوتهن حتى ساعات متأخرة من المساء ... فحتى لو كانت الاتهامات الموجهة للجماعات الإسلامية غير صحيحة؛ إلا أنه من الثابت حدوث حالات تحرش جماعية كان يشترك فيها العشرات، الذين يهجمون على الضحية بكل قسوة وهمجية، كما لو أنهم حيوانات متوحشة منفلتة، أطلقت العنان لغرائزها البدائية بدون أي ضوابط.
هؤلاء المعتدون، من المؤكد أنهم يعانون من حالات كبت غير عادية، وسواء تحركوا بأوامر وتسهيلات من جهات سياسية، أن تحركوا من تلقاء أنفسهم، فإن المهم في الموضوع أن من يدافع عنهم يستخدم الأيديولوجية الدينية لتبرير جرائمهم، والمجتمع يتقبل هذه التبريرات طالما أنها مغلفة بالشعارات الدينية.
أسباب ودوافع التحرش
بعيدا عن ميدان التحرير، في معظم الأماكن العامة التي تكثر فيها حالات التحرش نجد أن أغلبية المتحرشين من المناطق العشوائية المزدحمة التي تعج بالفقر والقهر والحرمان وامتهان الكرامة. ومن هنا يمكن الانطلاق لفهم الأبعاد السيكولوجية للظاهرة.
يكاد يتفق علماء النفس على أن التحرش يأتي نتيجة للكبت الجنسي، والذي بدوره يتحول إلى سبب ونتيجة في آن معاً. في هذه الحالة قبل فهم التحرش، علينا أن نفهم الكبت الجنسي وأسبابه وتداعياته. 
للكبت الجنسي أسبابا كثيرة، أهمها اللامساواة، ليس بين الرجل والمرأة فحسب؛ بل اللامساواة على الصعيد الاجتماعي, واللامساواة الطبقية، وغياب العدالة الاجتماعية .. وهذه كلها تُراكم الظلم على المجتمع، والذي بدوره يفرغه باتجاهات مختلفة؛ حيث تحيله كل طبقة إلى الطبقة الأدنى منها، وكل رئيس إلى مرؤوسيه، أي كل طرف إلى الطرف الأضعف منه، ولا يخفى على أحد أن النساء (والأطفال) هم الحلقة الأضعف في نظام المجتمع، وبالتالي فإن كافة أشكال القهر والاستغلال التي يتعرض لها الرجال سيسلطونها على النساء، وما التحرش بهن إلا أحد أشكال تفريغ هذا الظلم. وبنفس الآلية يتعامل المجتمع مع مسلسل الهزائم العسكرية والأزمات الاقتصادية والاختناقات والمشاكل الاجتماعية التي يعاني منها بشكل كبير، حيث يفرغ كل الطاقات السلبية المكبوتة الناجمة عنها في المكان الأسهل، الذي يمكنه فيه تحقيق انتصارات وهمية زائفة؛ أي في النساء.
كما أن قمع الحرية يؤدي إلى أشد حالات الكبت خطورة، وعادة ما يقترن كبت الحريات بالأنظمة الشمولية التي تعمد إلى التقليل من شأن الإنسان والحط من كرامته، وبالتالي فإن هذا الإنسان المقموع والفاقد لكرامته سيجد صعوبة بالغة في السيطرة على مشاعره أو ترويض غرائزه واحتياجاته، حيث أن انتهاك حريته سيخلق لديه ردة فعل عكسية؛ وهي رغبته في انتهاك حرية الآخرين، ومصادره حقهم في الاختيار عن طريق القسوة والتحرش الجنسي وحتى الاغتصاب. وعدم احترام النظام والمجتمع له ولخصوصيته ستجعله غير راغب باحترام خصوصية الغير؛ لأنه لم يتعلمها أصلاً.
الرجل الذي يظهر هنا كمتحرش، هو في نفس الوقت ضحية أزمات المجتمع وهزائمه وإخفاقاته، ولكنه لمواساة نفسه، وللتعويض عن هزائمه، وللتحايل على إخفاقاته سيتحول إلى جلاد، وهنا يظهر الوجه القبيح للمجتمعات الذكورية, لأنها ترغم المرأة أن تدفع الثمن مرتين؛ مرة لأنها ضحية المجتمع مثلها مثل الرجل، ومرة أخرى عندما تصبح ضحية للرجل.
إذن، في مثل هذه المجتمعات المأزومة والمكبوتة من المتوقع أن ينشأ الكبت الجنسي، وأن يصبح سببا لزيادة أشكال الكبت الأخرى في المجتمع ضمن علاقة جدلية طردية، وتزداد المشكلة حينما يجد هذا الإنسان نفسه محاطا (ومنذ الصغر) بثقافة الممنوعات والتحريمات التي تأخذ في طريقها تحريم كل ما يمكن أن يساهم في تهذيب إنسانيته وتشذيبها، مثل الفن والأدب والموسيقى والحب.
دور الكبت الجنسي والقهر الاجتماعي
لا خلاف على أن الجنس من بين أكثر الحاجات أهمية للإنسان، وأكثرها إلحاحا عليه؛ وطالما ظل الجنس حبيسا لديه سيبقى مصدراً للقلق والتوتر، ومحفزا لمراكز التنبيه في عقله الباطن؛ لأن إخضاع الاندفاعات الجنسية سيتطلب الكثير من الطاقة وضبط النفس، وعندما تتجاوز المسألة حد الضبط والتحكم يتولد الكبت الجنسي، ومع تفاقم الكبت الجنسي، أي عندما يعجز الفرد عن تصريفه طاقته الحبيسة بسبب منظومة القيم والأخلاق والتشريعات المحيطة به، سيوجه تلك الطاقة نحو المناطق التي لا تخضع لسلطة القيم والأخلاق بنفس الدرجة والكيفية، مثل العنف والتطرف الذي يجد سندا من المجتمع (احترام القوي)، وأيضا سيفرغ تلك الطاقة المكبوتة ضد الطرف الأضعف، أي من خلال التحرش الجنسي.
وفي كثير من الحالات يؤدي الكبت الجنسي إلى توقف النمو النفسي والعاطفي لدى الإنسان، وبالتالي فإن هذا الكبت سيدفعه إلى الانحراف والشذوذ، وإلى تكوّن ميول إجرامية وعدوانية واستبدادية، حيث تتحول الطاقة الجنسية المكبوتة إلى عدوانية إجرامية وإلى تضخيم الحقد والكره والأنانية. وداخل النفس “المكبوتة" ستنمو عدوانية أخرى ناتجة عن الاضطهاد والقمع الذي يتلقاه الإنسان من محيطه ومن أجهزة القمع في الدولة.
وما حالات التحرش والاغتصاب الجماعية المريعة، مثل التي حصلت في ميدان التحرير (وغيره) إلا دليل على مدى القهر والكبت والطاقات السلبية الحبيسة التي يعاني من هؤلاء الشبان المعتدون. إذْ لا يمكن أن تكون المسألة مجرد تفريغ شهوة جنسية، أو التمتع بمنظر فتاة تمزقت ملابسها، وبانت أجزاء من جسدها المثير.. إنها عمليات انتقام وحشية من فريسة ضعيفة وقعت بين يدي وحوش متعطشة للدم، الذين هم في حقيقة الأمر مجموعات بشرية بائسة محطمة ومهزومة ومأزومة عجزت عن تحقيق أي إنجاز، وسدت أمامها كل الدروب، ووجدت نفسها تائهوضائعة. .. وليس أمامها إلا هذه الضحية المسكينة التي عليها أن تدفع ثمن كل هذه الهزائم والأزمات.
ولعلاج الظاهرة على المجتمع بأسره أن يتحمل مسؤولياته، فلا بد أولاً من إدانة الظاهرة من دون محاباة للرجل، ثم القيام بسلسلة إجراءات وخطوات في المجالات التربوية والاجتماعية والقانونية، وأن لا يكون التركيز منصبا على العقاب وإغفال الجوانب الأخرى، (بالرغم من أهمية سن قانون للعقاب)؛ فعقوبة الإعدام على جريمة القتل مثلا لم توقف مسلسل جرائم القتل في أي مجتمع من المجتمعات، لأن العقوبة (لوحدها) مهما كانت قاسية لا تكون كافية للردع، أو للحيلولة دون وقوع الجريمة. المطلوب إعادة الاعتبار للإنسان ولكرامته وحريته وتوفير سبل العيش الكريم، وأن يبدأ المجتمع بتوجيه أبناءه بالأساليب التربوية الواعية. 

0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار