أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

ديسمبر 04، 2012

خمسة دقائق فقط



كان عمرها ثلاث سنوات عندما اقتحمت قوة احتلالية مدججة بالسلاح منـزلها الصغير في مدينة الخليل، ولم تفهم حينها من هؤلاء الدخلاء ؟ ولماذا يطرقون البيت بكل عنف في آخر الليل ؟ ولماذا اقتادوا أباها معصَّب العينين ؟ وإلى أين سيأخذونه !!

كبرت عبير قليلا .. ودخلت المدرسة .. صارت تسمع أقرانها الصغار يتحدثون عن آبائهم، ويتباهون بهدايا العيد، وأن سحر ساعدها والدها بحل واجباتها، وإيمان طلبت من أبيها فراولة، أما علياء فقد وبخها أبوها لأنها صعدت على كتفه وهو يغالب النعاس .. عادت للبيت مثقلة بالأسئلة، أطلقتها بوجه أمها دفعة واحدة .. ولم تتلق سوى دموعها ونحيبها .. قالت لها بتصميم: أريد أبي هذا المساء .. أريده بشدة .. حتى لو صرخ بوجهي سأصعد على كتفيه ..

كبرت سنة أخرى، وعرفت أن والدها محكوم بأربعة مؤبدات .. سألت جدها .. كم يوما تساوي أربعة مؤبدات ؟؟ ومن هؤلاء الأوغاد الذين سيحبسونه كل هذه الساعات الطوال ؟! قضمت سنة أخرى من الأسئلة دون أن تجد إجابة ..

في العطلة الصيفية اصطحبتها أمها إلى سجن النقب، أربعة ساعات في الطريق، ساعتين عند مدخل السجن، وساعة أخرى للتفتيش، وأخيرا حظيت بخمس دقائق كاملة لترى أباها؛ وقفت أمامه بذهول ..

هل هذا هو أبي ؟؟ آه ما أجملك .. خذني عندك .. ضمني بين جناحيك ..  قبّلني .. كانت عيناها تقول ذلك، وهي تفيض بالرجاء .. أما هو فكان قلبه يتقطع .. ويؤجل دموعه للمساء ..

اعتادت زيارته كل شهر .. وفي كل مرة تتعلق به أكثر .. يراها تكبر .. وتراه يهرم .. والوقت يسرقهما معا ..

في ذهابها ترى صحراء النقب تحف بها الأشجار، وهي تقفز فوقها كالعصافير .. وحين تتعب تحط في حضن أبيها .. أما في عودتها فلا ترى إلا الرمال الكئيبة .. والريح الصفراء .. وسؤال ينشر حروفه على طول الطريق: (لماذا لا يَدَعوني أعانق أبي ؟!) وعندما تأوي لفراشها تجد السؤال مختبئا تحت اللحاف .. تنام من التعب، وفي الصباح ينسل السؤال من تحت الباب ليوقظها، تنهض حائرة، وفي الصف تفتح كتاب الجغرافيا فترى نفس السؤال يتكرر في كل الصفحات، تصل بيتها والسؤال ما زال يدلف من حقيبتها المثقوبة.

ظل نفس السؤال يطاردها أينما ذهبت .. يحيّرها، ويدفعها نحو الصمت، حتى صار صمتها بلا نهاية .. عيناها شاردتان حزينتان .. ينـزفان دمعا ساخنا .. هل الشوق يؤلم إلى هذا الحد ؟ لا أحد يعرف الإجابة إلا عبير وأهلها ..

تقدم أهلها بطلب من إدارة السجن للسماح لها بالدخول عند أبيها خمسة دقائق فقط؛ لتعانقه وتقبّله .. لتلمس يديه وتحس بأبوّته .. أجاب آمر السجن ببرود: يوسف السكافي مخرب وإرهابي .. اشتكوا للصليب الأحمر وللمنظمات الدولية ولمحامين عرب وإسرائيليين وأعضاء كنيست .. ولكن الطلب كان يُرفض المرة تلو المرة. 

في آخرة زيارة، كانت رغبتها بعناق أبيها جامحة .. وقفت أمام اللوح الزجاجي الذي يفصلهما عن بعضهما وطرقته بقوة، ألقت بسماعة الإنتركم على الأرض، صرخت بشكل هستيري،  بكت بحرقة .. هذه المرة كان وقْع السؤال عليها قاسياً، لم تستوعبه، لم تقبل أي إجابة .. أحست أن الهواء ثقيلٌ ويطبق على صدرها، وأن هذا العالم كله ظالم، وبلا قلب، ولا يعرف الرحمة ولا العدالة ..

سألتها معلمة الحساب لماذا نسيتِ جدول الضرب يا عبير ؟ سألتها سعاد لماذا نسيتِ عيد ميلادي العاشر ؟ سألها جدها لماذا نسيتِ مواقيت النوم والإفطار ؟  سألتها أمها لماذا نسيتِ قلبكِ في النقب ؟ كان جوابها واحدا: بعد أن عرفتُ أني لن أعيش أربعة مؤبدات؛ لم أعد أذكر شيئا ..

تدهورت صحتها، وساءت أحوالها، فقدت قدرتها على الإمساك بأي شيء، تم نقلها لمستشفيات الأردن، ولكن بلا جدوى .. وأخيرا .. وفي شهر نيسان، بينما كانت الأرض تنبت بالأقحوان، والأشجار تزهو بنوّارها .. كانت عبير قد دخلت في غيبوبة .. كان جسدها يرتجف .. ويداها تلفان على خصرها بقوة كأنما تحضن نفسها .. ونفس السؤال يعذبها، وبعد ثلاثة أيام .. أيقنت أن هذا العالم بأسره متواطئ وعاجز على منحها خمسة دقائق فقط .. فأرسلت لأبيها قبلة .. ثم أغمضت عينيها على حلم جميل .. وأسلمت الروح لبارئها ..

عاشت عبير أحد عشر عاما بأمنية واحدة .. خمس دقائق فقط .. ماتت عبير ولم تحقق أمنيتها ..

0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار