أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

ديسمبر 01، 2012

تأتي أو لا تأتي ؟


كان وليد يتجول بين صفحات الفيسبوك، يقلّب الصور، ويقرأ التعليقات، ويرد على بعض ما يستفزه من آراء، ويتجاهل أخرى .. يقضم وقته بنهم، حتى شعر بالنعاس، وقد أدرك أنه يهوي في بئر لا قرار له .. وقبل أن يغلق جهازه لمح اسما أيقظ حواسه دفعة واحدة، وجعل الدم يتدفق في عروقه، تمحّص فيه جيدا ليتأكد أنها "ريما خليل" التي يعرفها، وليس مجرد تشابه أسماء.

تردد قليلا بشأن الاتصال بها، أو إرسال رسالة .. فقد كان يشعر ببعض التعب، فقرر أن يرجئ الاتصال بها إلى اليوم التالي. توجه للفراش، ثم دس نفسه تحت الغطاء، وأخذ يعيد شريط ذكريات الأيام الخوالي، ويتذكر قصصا وأحداث جرت قبل نحو عشرين عاما، تفاجأ أنه ما زال يذكرها بتفاصيلها المدهشة، رغم أنه جاهد في السنوات الخمس الأخيرة لنسيانها.

في اليوم التالي، عرف منها أنها تقيم مع عائلتها في دبي، وأنها تتمتع بحياة هانئة مستقرة، وأنها ستأتي إلى عمّان بعد أسبوعين، لتمضية العطلة الصيفية مع أولادها .. كان حديثهما مقتضبا ومختصرا، وانتهى بأسرع مما كان يظن. ربما كانا يتهربان من بعضهما البعض، وربما كانت مشغولة .. هكذا صار يبرر لنفسه ما جرى، ومع ذلك أمضى الأيام التالية وهو يستعد للسفر إلى عمّان، ويتخيل شكل اللقاء بينهما، ويستعيد ما خبأته الذاكرة ..

في المحادثة الثانية بينهما، تبادلا أرقام هواتفهما النقالة، واتفقا أن يكون اللقاء يوم الخميس عصرا في مقهى المنتدى في الشميساني، وهو المكان المفضل الذي طالما جمعهما سوية على مدى سنوات ..

حضر وليد قبل الموعد بقليل، وجلس في نفس المكان الذي اعتادا الجلوس فيه، تفاجأ أن ديكور المقهى لم يتغير كثيرا، وأن سعيد تحوّل من نادل إلى محاسب، وأنه بدا ضعيفا، وقد تقدم به العمر، لكنه تذكره على الفور .. ظلَّ وليد مركّــزاً عينيه نحو الباب، وينتظر بلهفة وترقب، وبين الفينة والأخرى ينظر بعصبية إلى ساعته التي لم تكن بمثل هذا البطء من قبل. وكلما اقترب الموعد خفقَ قلبه أسرع؛ وفي هذا الانتظار القلِق أخذ يتخيل سيناريوهات متعددة لشكل اللقاء:

السيناريو الأول: تدخُل ريما بقامتها الممشوقة، وهي ترتدي نفس بنطلون الجينز والتي شيرت الأزرق، ابتسامة عريضة على محياها، ومن عينيها يلمع بريق الشوق، تتقدم نحوه بسرعة تقبّله من وجنتيه ثم يحضنها بقوة .. تأسره لوهلة رائحة عطرها المعهود، يجلسان، يطلبان نفس القهوة، يبدءان بالثرثرة، ومن الدقيقة الأولى تتكسر كل الحواجز التي بنَتها السنين، يستخدمان نفس الألفاظ البذيئة، يضحكان بصوت مرتفع، يتقاتلان على من يدفع الحساب.

يستغرب وليد من هذا السيناريو؛ فهو يتناقض مع ما  كان يتناهى إلى أسماعه من أخبار عنها؛ بأنها تزوجت من برجوازي عفن، وأنها تغيرت، وصارت من أصحاب الفلل والقصور ...

السيناريو الثاني: تدخل ريما بكامل أناقتها، وقد بدا جسمها مكتنـزاً بعض الشيء، ترتدي فستانا ضيقا، وتحمل على كتفها حقيبة جلدية فاخرة، تغطي عينيها بنظارة شمسية سوداء، تتقدم نحوه بثبات، تصافحه بيد ناعمة، تقبّله قبلتين خاطفتين، تجلس بهدوء، تطلب لنفسها "ميلك شيك بالشوكولاته"، تحدثه عن سيارتها المرسيدس، وعن رحلتها الأخيرة إلى ميامي، عن ابنتها التي أحرزت جوائز عديدة في سباقات السباحة، تعتذر بلباقة لأنها مضطرة للخروج حتى لا تتأخر عن موعدها (لم تذكر الموعد مع من) .. تخرج بسرعة مخلفة ورائها رائحة عطر باريسي لم يعهده من قبل.

لم يـرُق هذا المشهد لوليد؛ فقد استغرب منها، ومن كثرة حديثها عن نفسها، وافتنانها بعالمها الجديد، حتى أنها لم تسأل عن أحواله، ولم تعرف إذا تزوج أم لا ...

السيناريو الثالث: تدخُل ريما مرتدية ما يشبه "الزي الشرعي"، كان معها طفل صغير، تتلفت يمنة ويسرة، وقد بدت عليها أولى علامات السُّمنة، على وجهها مكياج غير متقن، تلتقي عيناهما، تبادله ابتسامة خفيفة، تصافحه ببرود، تعتذر لكونها لا تستطيع الجلوس، تطلب من ابنها أن ينتظرها في السيارة، تفتح حقيبتها، تُخرِج منها محفظة صغيرة، ثم تناوله ورقة نقدية من فئة الخمسين دينار، تبتسم بتكلف، وتعتذر أنها تأخرت كل هذه السنين، وتحلف يمين أنها كلما تذكرت الموقف، كانت تخشى أن تموت قبل أن تسدد دينها، تضع الورقة على الطاولة، وتقول له سلِّم لي على المدام، تختفي بسرعة، وسط صدمته وذهوله.

يرفض وليد هذا السيناريو نظرا لقسوته، ومع ذلك يأخذ النقود، وهو يتمتم بصوت متلعثم: طالما أنها أمينة لهذه الدرجة فإن المبلغ المستحق عليها أكبر من هذا بكثير، ويبدو أنها لم تكن تحتسب أثمان الشاي والقهوة وأجرة التاكسي وووو ...

السيناريو الرابع: تدخل ريما، تبدو سيدة مجتمع، في أواسط الأربعينات من عمرها، ترتدي جاكيت رصاصي، وتضع على كتفيها شالا خفيفا رغم أننا في بداية الصيف، تصافحه بفتور، وعلى وجهها علامات الدهشة والاستغراب، تبدأ بالسؤال عن صحته وأحواله، وتقول له بلهجة اعتذار، هل تصدق إني كنت ناسيتك تماما، وبعد أن رأيت صورتك على النت، رجعت إلى ألبوم صور قديم لأقارن بين الصورتين. على أية حال أنت لم تتغير كثيرا، ربما بعض الشيب يكسو شعرك، ثم ناولته كارت عليه اسمها وعنوان محلها، وقالت له: إذا اشتريت من بضاعتنا سأعمل لك خصم مميز.

ينصدم وليد من هذا المشهد، الذي يجعل منه مجرد زبون مميز، ويتألم بشدة لأنها نسيته كأنه لم يكن ... يقترح مشهدا آخر ...

السيناريو الخامس: تدخل ريما بخطى رشيقة، ترتدي تنورة قصيرة مخططة، وقميص تركواز شفاف يكشف عن ذراعيها وعنقها، بشرتها نضرة، وتبدو أصغر من عمرها، تصافحه بحرارة، تتردد قليلا قبل أن تضمّه لصدرها، تجلس باسترخاء، تضع ساقا فوق أخرى، تطلب كوبا من الكابتشينو، وتبدأ بالحديث والأسئلة: هل ما زلت تردد نفس الشعارات، وتجتر نفس الأفكار ؟! ألم تكتشف أن الحياة فيها أشياء كثيرة غير السجون والمظاهرات وقنابل الغاز والكتب ؟! هل ما زلت تخجل من البنات ؟ ألم تعلمك الحياة أن الطيبة نوع من الهبل ؟! ألم تسافر أمريكا ؟ هل زرت دبي لترى كيف يعيش الناس ؟ أنا مثلا تزوجت مرتين، وفي المرتين كنت أنا من يطلب الطلاق .. أردت أن أعيش حياتي .. ظلّت تحكي عن مغامراتها، ماركاتها المفضلة، أسفارها، شقتها الفاخرة، ثم همّت بدفع الحساب، وعندما اعترض قالت له: إذا أردت أن تعوضني عن حساب اليوم، وعن أيام الهبل .. فقد أعطيتك عنوان شقتي ...

يكتشف وليد في هذا السيناريو إلى أي مدى كان مخدوعا بها .. ولكنه بعد أن يتأمله جيدا، يكتشف أنها كانت تحبه بطريقة مختلفة، ولو تساوق معها لكانت مسار حياتهما قد تغير .. ويتساءل بمرارة: أي منا كان على صواب ؟

السيناريو السادس: تدخل ريما بخطى مترددة، ترتدي فستانا طويلا، وقد بدت نحيفة بداخله، وجهها شاحب، وتبدو في الخمسينات، صافحته بحفاوة، وطلبت كوبا من الشاي الأخضر، تنهدت بحسرة، وقالت: زوجي يغار علي، لا يسمح لي بالخروج، يرهقني بأعمال المنـزل، وتربية الأولاد، يمنعني من زيارة أهلي، يراقب كل تحركاتي ... شعر وليد بتعاطف كبير معها، لكنه لم يستطع أن يمنع نفسه من سؤالها: هل ما زلت تذكرين أيام الجامعة ؟ هل تحنين لذكرياتنا ؟ هل ما زلت تحتفظين برسائلي التي كتبتها لك وأنا في المعتقل ؟ هل هل ؟؟ كل اللواتي جلسن هنا قبلكِ قُلْنَ كلاما لم أفهمه، حتى أني شككت في نفسي .. أرجوك كوني أنتِ مختلفة .. لم تجب، اعتذرت لأن زوجها سيعود للفندق بعد قليل، ولا تفضل أن لا تكون حينها بانتظاره.

ظل وليد ينتظر، ويغرق في أفكاره، لم يعرف أي منهن ريما .. ريما .. التي أحبها وأحبته، يبدو أنها ماتت، أو أنه لم يكن يعرفها أصلاً .. وصار يعيد شريط الذكريات بأثر رجعي، تذكر أنها كانت لا تشارك في أي فعالية ما لم يكن هو فيها، تذكر أنها كانت تردد الشعارات اليسارية بحماسة، ثم تسأله في المساء ماذا يعني بروليتاريا ؟ ما المقصود بالعنف الثوري ؟ وعندما يبدأ بالإجابة والشرح كانت تغوص في عينيه، ثم تسأله هل أعجبك لون قميصي ؟ تذكر أنه حين كان يكلمها عن حق العودة، كانت تكلمه عن تسهيلات تقدمها السفارة الكندية للهجرة.

مضت ثلاثة أرباع الساعة، ولم تأتي ريما .. أرادها بشــدّة أن تأتي .. أيُّ ريما منهن .. لا يهم، المهم أن يراها .. ثم شعر بذعر شديد أن تأتي فعلا .. بدأ يقاوم وساوسه ومخاوفه .. ويعيد رسم صورتها كما عرفها قبل نحو ربع قرن من الزمان .. مضت نصف ساعة أخرى، أنهى فنجان القهوة الثالث، ترك الحساب على الطاولة، وغادر دون أن ينظر إلى سعيد، خشية من الإحراج، سار ببطء .. فجأة رن هاتفه النقال، قالت له بصوت محرج: آسفة لأني تأخرت .. ما رأيك أن نحدد موعدا آخر ؟ قال لها حسناً، ولكني أخاف إذا رأيتك أن أفقدك .. لم تفهم قصده، وقالت أين تريد أن نلتقي ؟ قال أُفضّل أن ألتقيكِ في الركن القصي من ذاكرتي البعيدة .. فهناك لا يمكن أن أخطئك .. ولا يمكن لكِ أن تتأخري .. وهناك يمكن لنا أن نقول كل شيء ..

مضى وهو يشعر بسعادة من نوع غريب .. 

0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار