أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

نوفمبر 18، 2012

أمينة


اسمي أمينة، آنسة ستينية، أمٌ عذراء لأطفالٍ لم ترضعهم، جدة لأحفادٍ لم تلدهم .. تعودتُ منذ صغري أن استسلم لقدري، رضيت أن أكون جسرا تعبر من فوقه ثلاثة أجيال، كنت البنت الكبرى لعائلة من ثماني أفراد، أغلبهم ذكور، كان أبي يحبنا جميعا، ولكنه كان يميز الأولاد، ويخصهم بالهدايا، ولا يخفي حلمه بأن يراهم رجالا ناجحين .. لم أسمعه مرة يقول أتمنى أن أراكن "سيدات مجتمع"، "طبيبات"، "معلمات وكالة" .. أي شيء .. عشت عمري وأنا أسدد فاتورة فقره، وأدفع أثمان أحلامه ..

لم يمنعني من دخول المدرسة، لكنه كان يطالبني أن أنام باكرا لأصحو قبيل الفجر؛ فأعدّ القهوة لأخي، ثم أنتظره ليكملها، فأعد له الفطور، لكي يستعد جيدا للامتحان .. كانت أمي مريضة على الدوام، ومشغولة بأشياء كثيرة لا أذكرها الآن .. فكان مطلوبا مني القيام بكل واجبات البيت .. وهي مهمات لا تنتهي أبدا ..

وبعد رسوبي المتكرر، خرجت من المدرسة لأتفرغ كليا لرعاية أمي، وخدمة كل من في البيت .. كبُر أخوتي .. دخلوا الجامعات، وتخرجوا منها، تزوجوا وأنجبوا، وكبر أولادهم .. وكما خدمتهم ورعيتهم صغارا، فعلت مع أطفالهم .. ثم فعلتها ثانية مع أحفادهم .. بكل الحنان وبنفس الإخلاص .. كنت سعيدة بهذه الأدوار، ومزهــوّة برؤيتهم يكبرون، شاعرةً أني أقطف ثمار تضحياتي ..

كنت في صباي عادية الجمال، ولكني لا أذكر أني وضعت على وجهي أي مسحوق، وحتى عندما كنت أمرض كانت أمي تكتفي بغلي الميرمية، وعندما أُصاب بالصداع كانت تلف حول رأسي منديلا وتشده بقوة .. كل الذين تقدموا للزواج مني فعلوا ذلك لأني "ربة بيت ممتازة"، كانوا يأتون مع أطفالهم جاهزين .. كنت أرفضهم لأن أيٍ منهم لم يقف تحت نافذتي، لم ينتظرني عند أول الزقاق، لم يرسل لي رسالة واحدة، لم يتعثر وهو ينظر لي بلهفة .. كنت أبحث عن عاشق، وكانوا يبحثون عن مربية وطاهية ومدبرة منزل .. وكان أبي يرفضهم أيضا لأنه يدخرني لأبنائه ..

لم أغادر البيت إلا ما ندر .. فلم أعرف أن خارج البيت عوالم كثيرة .. وأن الدنيا تموج بالحركة .. ثورات، اختراعات، حركات سياسية، بنيان، سفر، عواصم، حروب، كتب، حقوق إنسان ... بدأتُ مؤخرا أخرج بين الحين والآخر، أرى أشياء لم أكن أتوقع وجودها .. فتنتابني أحيانا رغبة جامحة لأن أفعل شيئا ما .. أرقص، أغني، أزور بعض الصديقات، أتطلع إلى واجهات المحلات، ثم إلى النجوم، ثم إلى نفسي .. فأصاب بخيبة أمل .. جسمي الذابل لم يعد يقوى على فِعل الأشياء التي أحلم بها .. عمري لا يسمح؛ فأعود مسرعة للبيت، لا أدري ماذا أفعل.

وفي الليالي الطوال .. أسهر وحيدة .. لا أجد من الذكريات إلا الطبيخ والغسيل وتحميم الأطفال، تأكلني مشاعر الوحدة والتعاسة والحرمان والبرد ... كان عزائي الوحيد أن أحظى بالتقدير .. تعويضا عن عمري الضائع، وعن أطفالي الذين تمنيت إنجابهم، وعن محبوبي الذي انتظرته كثيرا .. ولم يأتي أبدا ..

كنت أسمعهم يتحدثون عن أشياء كثيرة لا أفهمها، وعندما أسألهم عنها يبتسمون .. كنت أشعر أنهم ينظرون إلى بإشفاق، كما لو أني تحفة .. ذات مرة جلست أمام جهاز الحاسوب فقام أصغرهم والتقط لي صورة، وقال بسخرية سأنزلها على الفيسبوك .. سألتهم ما هو هذا الشيء ؟! ضحكوا من أعماقهم .. أحسست أن ضحكاتهم سمعها كل من في الشارع ..

في تلك الليلة الكئيبة، أحسست أن صلاحيتي قد انتهت .. وهؤلاء الذين ربيتهم كبروا ولم يعودوا بحاجة لي .. بكيت عن عمري كله .. تمنيت أن لا يطلع علي الصباح .. 

0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار