أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

نوفمبر 18، 2012

عيون الحرامية


في شهر اللوز، وقبل أسبوع من حلول الذكرى الرابعة والعشرين لعملية دلال المغربي، في تلك الليلة المقمرة نام "ثائر" مبكرا، ربما عافه النوم قليلا أو كثيرا، وربما استبد به القلق ولم ينم جيدا، لا نعرف بالضبط، لكنه بالتأكيد استيقظ قبيل الفجر، وأدى صلاة الصبح، وشرب كوبا من الشاي بالنعناع، ثم ارتدى ما يشبه البزة العسكرية، وأخفى بضعة أمشاط من الرصاص داخل سترته البنّية، وحمَل بندقية قديمة من طراز إم 1 تعود لزمن الحرب العالمية الثانية، كان أبوه قد ورثها عن جده، ثم انسل بهدوء خارج المنـزل، وبعد أن امتطى حصانه ألقى بنظرة وداع أخيرة على بيته والبيوت المجاورة له، ثم انطلق مسرعا نحو "جبل الباطن" إلى الغرب من البلدة في مسالك جبلية وعرة، وقبل أن يصل إلى حيث يريد ترجل عن جواده، وخلّى سبيله مطمئنا إلى أنه سيعرف طريق العودة إلى البيت، ثم واصل السير على الأقدام حتى وصل إلى نفس الصخرة التي طالما زارها من قبل، وسبق أن عاينها عشرات المرات، وهناك في أسفل الجبل جلس ثائر. كانت الساعة بحدود الرابعة فجرا، والظلمة ما تزال تغطي على الوادي، ورويدا رويدا أخذ الفجر يبدّد العتمة، وثائر يتربص وينتظر، وينفث الدخان من لفافته.

أمامه مباشرة، على بُعد لا يزيد عن المائة وخمسين مترا ، كان هناك حاجزا عسكريا أقامه الاحتلال على أنقاض مخفر للشرطة يعود لزمن الانتداب البريطاني، في منطقة تسمى "عيون الحرامية"، وقد أطلق الأهالي عليه اسم حاجز عيون الحرامية، كان ثائر يمر من هذا الحاجز بشكل شبه يومي، وهناك كان يعاني كغيره من الفلسطينيين من الإذلال والقهر، ويختبر صنوفا لا حصر لها من المر والهوان.

بعد شروق الشمس بهنيهة، أخذ ثائر موضعه، تاركا الشمس خلفه تماما، لتكون في صفّه، ركز بندقيته فوق جذع زيتونة، ثم تفقد جاهزيتها لآخر مرة، وأطمأن أن مخازنها الثلاثة الذي يتسع كل واحد منها لثماني طلقات محشوة في أماكنها. جلس ينتظر ساعة الصفر.

أخيرا، بات كل شيء واضحا .. ظهر ثلاثة جنود كانوا يحرسون الحاجز؛ فسدد ثائر طلقته الأولى فاستقرت في جبهة الجندي الأول، فعاجل الثاني برصاصة استقرت في قلبه، وقبل أن يستوعب الثالث ما حصل، كان قد تلقى الرصاصة الثالثة، فخر صريعا كسابقيه، وعلى أزيز الرصاص خرج جنديان آخران من غرفة الحاجز مذعورين، فسارع بإلحاقهما بمن سبقهما، ومن شباك الغرفة أطل جندي سادس برأسه ليستطلع الأمر، لكن رصاصة أصابت عينه؛ فلحق بربعه.

 وفجأة وصلت إلى المكان سيارة تحمل لوحة صفراء إسرائيلية، ترجّل منها مستوطنان اثنان، صوّب الأول سلاحه نحو مصدر الرصاص، وقبل أن يضغط على الزناد تلقي رصاصة فسقط قتيلا، ثم سقط صاحبه بجواره. ثم ساد الصمت برهة، ومضت دقائق معدودة، في هذه الأثناء وصلت سيارة مدنية إسرائيلية، لاحظ ثائر أنها تُقِلُّ بداخلها امرأة إسرائيلية مع طفلين، وبالرغم أنها كانت في نطاق الهدف، ويمكن إصابتها بسهولة إلا أنه امتنع عن التصويب نحوها، وقبل أن تغادر وصل جيب عسكري لتبديل الجنود، وسرعان ما توضحت الصورة للضابط ومجموعته؛ فتفرقوا على الفور، وأخذوا يطلقون الرصاص بشكل عشوائي، وهم لا يرون مصدر الرصاص. ومع ذلك واصل ثائر إطلاق نيرانه صوب الجنود موقعا فيهم مزيدا من الإصابات.

كان ثائر قد أطلق ثلاثة وعشرين طلقة، قَتل فيها أحد عشر جنديا، ومستوطنان، وأصاب تسعة آخرين إصابات مباشرة، لكنهم لم يموتوا. وعندما همَّ بإطلاق آخر رصاصة انفجرت بندقيته التي لم تعد تحتمل إطلاق المزيد بسبب قِدَمِها، وتناثرت أشلاءها في المكان، ما أجبره على إنهاء المعركة سريعا.

ومثلما جاء بخفة النمر، انسحب بسرعة، مخلّفا وراءه أشلاء بندقية، وعبوات رصاص فارغة، وبضعة لفافات من التبغ؛ فوصل منـزله قبل أن تبدأ وكالات الأنباء ببث أخبار العملية، دلف إلى الحمّام وسكب الماء الساخن على جسمه، ثم خلد إلى النوم، دون أن يكترث أنه صنع للتو قصة بطولة سترتقي إلى مستوى الأسطورة، وستحكيها الأمهات لأطفالهن، وستتغنى بها النسوة في الأعراس، وستظل ملهمة لأجيال كثيرة.

صارت العملية حديث الناس وشغلهم الشاغل، قادة الجيش الإسرائيلي أصيبوا بالدهشة والذهول، وبدأت التكهنات والتخمينات والروايات المتعددة؛ البعض تحدث عن عملية نوعية نفذتها فرقة كوماندوز فلسطينية، والبعض الآخر أجزم أن رجلا طاعنا بالسن شارك في الحرب العالمية الأخيرة هو المنفذ، ومنهم من أكّد أن قناصا تدرب في الشيشان هو المهاجم ... كان ثائر سعيدا بهذه الإشاعات؛ بل أنه كان يرددها ويزيد عليها، وبعد أن اعتقلته القوات الإسرائيلية في إطار حملاتها المجنونة في البحث عن القناص، أفرجت عنه بعد ثلاثة  أيام، إذْ لم يخطر ببال المحقق أن هذا الشاب العشريني النحيل يمكن له أن ينفذ عملية من هذا النوع، فقد رسمت مخابرات الاحتلال صورة لمنفذ العملية بأنه رجل مسن لكنه يتمتع بيد ثابتة، وما عزز قناعتهم تلك نوع البندقية، ولفافات من التبغ العربي عثروا عليها في موقع العملية، وهي بتصورهم لا يدخنها سوى كبار السن.

وبعد نحو ثلاثين شهرا، نشرت صحف إسرائيلية نبأ إلقاء القبض علي قناص عيون الحرامية، ثائر حماد من سلواد، وابن كتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة فتح.

وفي غرفة التحقيق كانت الأسئلة التي حيّرت ضابط المخابرات: كيف لم تخطئ بندقيتك رصاصة واحدة ؟! وكان الجواب لأن بوصلتي كانت تتجه فقط نحو فلسطين. ومن أين لك مهارة التصويب، ومتى تسنّى لك التدريب ؟! الجواب: كان يمكن أن أحترف كرة السلة لولا احتلالكم البغيض. ولماذا لم تقتل المرأة والطفلين ؟! الجواب: لأني لست قاتلا؛ بل أنا مقاتل من أجل الحرية. ولماذا أقدمت على هذه "الجريمة" ؟! الجواب: الجريمة الحقيقية هي وجود حاجز احتلالي يمتهن كرامة الناس بلا سبب. القاضي: نظرا لتجرؤك على دولة إسرائيل، وإلحاقك إهانة كبيرة بسمعتها العسكرية، حكمنا عليك بالسجن المؤبد أحد عشر مرة، يعني ستتحول عظامك إلى أحافير، قبل أن تخرج من السجن. أجاب بثقة: بل ستخرجون أنتم من بلادنا، قبل هذا المؤبد المقترح بكثير.


0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار