أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

نوفمبر 16، 2012

قُصيّ



صديقي قصي؛ الجامعي، المثقف، ابن فتح، الأسير السابق، العائد، الذي نجا من حكم بالإعدام في المنفى، وجاء ليموت ببطء في الوطن ... بسبب تعقيدات بيروقراطية فَقَدَ وظيفته، جرَّب حظه في الخارج، عاد مثقلا بالحلم والديْن، صبَر عليه صاحب البيت سنتين، ثم خيّره بين أن يدفع ما تأخر عليه، أو أن يرحل .. خلال يومين وجد نفسه يسكن في العراء مع أطفاله السبعة ..

أحكي لكم قصته، أنا وثق أنها لن تسبب له حرجا؛ لأنه ببساطة لن يقرأها .. ولن يعرف أني كتبت عنه؛ فهو بلا بيت، وهو الآن مشغول بتفاصيل صغيرة، لكنها هامة جدا .. وليس لديه وقت لترف الفيسبوك ..

علِمَت "الرئاسة" بوضعه البائس؛ فأرسلت مندوبها وممثلاً عن "المحافَظة" ومصور تلفزيون فلسطين، استقبلهم بغضب .. قلت له لِمَ صرخت بهم وقد جاؤوا لمساعدتك ؟! قال: كان أولادي هناك، وأردت أن يشهدوا درسا في الكرامة. قلت لمَ رفضت أن يبث التلفزيون تقريرا عن حالتك ؟! قال: أنا ابن هذه السلطة، وإذا بحت بما في قلبي سأفضحهم .. . أسكنوه بما يشبه الفندق، غرفة واحدة تكدست بها العائلة، قال عنها بشيء من الحفاوة: المهم أن لها سقف يأوينا، وفيها ماء ساخن نستحم به .. حمد لله ..

تدبر عشر بيضات، أراد أن يسلقها للعشاء، قال له صاحب النُّـزل: حسابك لا يسمح لك باستخدام المطبخ. أجابه: أطفالي جياع، قال له: القانون قانون، أجابه سأمنحك عشرة شواقل مقابل أن تسمح لي بسلق البيض، قال له اجعلها خمسة عشر .. ففشلت الصفقة .. أخذ البيضات العشرة، وتوجه بها إلى بائع جائل يجر عربته على مهل، عرض عليه بضاعته مقابل ثلاث كعكات (من كعك القدس)، وافق الطرفان وتمت الصفقة، ونام الأطفال تلك الليلة شبعانين، أما هو فسينتظره يوم جديد، وصفقات فاشلة، وأخرى ناجحة  ..

في يوم آخر أشد بؤساً، تكالبت عليه كل الظروف ، وخذلته كل حساباته .. جال شوارع المدينة .. عبثا، عاد إلى الغرفة آخر النهار متعبا، خائبا، لم تشفع له أعذاره، ابتسامته المصطنعة لم تُسِكت جوع أطفاله .. كلمات الأمل والتسويف انتهى مفعولها بعد أقل من ساعة، وكلما مضت ساعة أخرى من تلك الليلة القاسية, كلما قرص الجوع أمعاءهم أكثر ،، الثلاثة الأصغر من أطفاله بكوا بصوت مرتفع .. أما بقيتهم فبكوا بصمت .. قبل آذان الفجر بساعة ذهب إلى الجامع الكبير، وجده مغلقا، قال له الشيخ صلي هناك ،، أجابه بصوت متحشرج : ما جئت لأصلي .. جئت لأصرخ من فوق المئذنة .. جئت لأفضح شــبَعَكُم .. جئت لألعن كل المدن التي ينام فيها أطفال جياع ..
كان يقول: لو ظل الوطن حلما لظل أجمل .. وأنا أقول: تلك هي قصته باختصار .. ومثلها كثير ..

0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار