أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

فبراير 29، 2012

هروب معلم وتلاميذه من المدرسة


زياد خداش، الكاتب والأديب، وأستاذ المدرسة، لا أعرفه شخصيا، ولكني ربما أعرف ما كان يجول في خاطره أثناء هروبه مع تلاميذه من المدرسة، ربما لأني من قرّاءه، أو لأن ما فعله رغم جنونه وغرابته بدا لي منطقيا جدا؛ ففي تجربة فريدة من نوعها عرض المعلم على طلابه فكرة الهروب من المدرسة، فما كان منهم إلا أن تدافعوا للهروب، والقفز عن سور المدرسة، وهم يرددون خلف معلمهم: خارج السجن، خارج القانون، خارج السور .. حرية حرية.

وفي الفلم القصير المعروض على الفيسبوك - المعد بكل ذكاء وحرفية – يبدأ المعلم بسؤال طلابه عن الأسباب التي دفعتهم للهروب من الصف، وتكون الإجابات على لسان الطلبة كالتالي: هربت لأني أردت اختبار التجربة، هربت لأني أردت الاحتجاج بطريقة جديدة ومختلفة، هربت لأكسر الحواجز وأطلق العنان لأحلامي، هربت لأن المدرسة تخلو من وسائل الترفيه، هربت لأن السنوات الدراسية نسخة مكررة عن بعضها، هربت لأني أريد تغيير نظام المدرسة، هربت لأثبت أنه بإمكاني الهروب في أي وقت ووجودي في المدرسة بمحض اختياري.

ورغم فصاحة الإجابات، إلا أن ما يعتمل في أذهان هؤلاء الطلبة أكبر وأعمق من ذلك بكثير، وما فعله "خداش" هو دفْعهم للإفصاح عن دواخلهم، وإتاحة الفرصة لهم للتعبير عن مكنوناتهم الدفينة، فقد أرادوا القول لنا أن أسلوب التعليم في مدارسنا ممل، وهو في أحسن الأحوال لا ينتج إلا طلبة متفوقين أكاديميا بدرجات ممتازة، وهذه وإن كانت إحدى أهم وظائف التعليم، لكنها لوحدها لا تكفي، هذا على فرض أن أغلبية الطلبة يتلقون تعليما جيدا، ولكن حقيقة الأمر مختلفة تماما؛ فقد بتنا نرى طلبة في نهاية المرحلة الابتدائية وبالكاد يفكون الخط ! وطلبة جامعات لا يحسنون كتابة فقرة واحدة بدون أخطاء إملائية ونحوية !
أما على الصعيد التربوي وبناء الشخصية وتنمية القدرات والمهارات ورعاية المواهب والنشاطات اللامنهجية، فالصورة أقل ما يمكن وصفها بأنها كارثية، فمثلا أغلبية المدارس لا يوجد فيها قاعات رياضية، أو غرفة للموسيقى، أو معمل للفن، أو مختبر للعلوم، أو مكتبة، وإن وُجدت فهي غير مفعلة، والكثير من المدارس أيضا لا يوجد لديها فرق رياضية، أو فرقة كشافة، أو فرقة دبكة وفنون شعبية، أو مسرح، أو نشاطات تطوعية، أو رحلات علمية استكشافية، أو مسابقات لتشجيع المطالعة، أو الكتابة بأنواعها، أو أي لون آخر من الإبداع.

المشكلة ليست في المنهاج، بل في آليات التعامل معه، حيث تعتمد أسلوب التلقين والحفظ، ولا تحفّز الطلبة على التفكير الإبداعي، أو ما يسمى بالتفكير خارج الصندوق، وتريد حصرهم فقط في النصوص المكتوبة، وفي هذا وأدٌ لشغفِ الطلبة وتوْقهِم للمعرفة، وتدميرٌ لروح التقصّي والبحث، وتكريس للشخصية النمطية المقلِّدة المسكونة بالخوف من التغيير.

والمشكلة أيضا في طريقة التعامل مع الطلبة، والبيروقراطية الرتيبة التي تتبعها الوزارة؛ فمن النادر أن يقوم وزير التربية بزيارة تفقدية لأحد المدارس، وعندما يزور مفتش التربية إحداها فإن جُلَّ اهتمامه يكون منصبا على متابعة بعض الأمور الشكلية، ومتابعة أين وصل المدرس بالمنهاج ! فلا يهمه مثلا نظافة الحمامات، أو وجود نقص في مرافق المدرسة، أو إهمال المدرسة للنشاطات اللامنهجية، أو تعدي الإدارة على حصص الفن والرياضة.

من السهل أن نزايد على المعلمين، ونتهمهم بالتقصير، وأن نحملهم جانبا من المسؤولية، أو نطالبهم ببذل المزيد .. ذلك لأننا لم نمارس مهنة التدريس، وربما لا نستطيع تخيل حجم التعب والمعاناة التي يتحملها المدرس، أو حتى الإحساس بمشاكله وهمومه وحقوقه المنقوصة، ولكنا ومع ذلك نرى تمايزا واضحا بين مدرس وآخر في الأداء والإبداع - مع أنهم جميعا يتعرضون لنفس الظروف – فهناك مدرسين لا يعرفون ضبط الصف إلا بالعصا والصراخ، وآخرين فرضوا محبتهم واحترامهم على الطلبة. وهناك مدرسين يقومون بالحد الأدنى المطلوب من واجبهم، ومنهم لا يقومون بذلك، ومنهم من يبدع في اجتراح أساليب جديدة ومبتكرة في التعليم وتحفيز الطلبة على التفكير والبحث وطرح الأسئلة دون خوف، وإخراج أفضل ما لديهم من مواهب وقدرات.

إذا أردنا النهوض بواقعنا التعليمي، فعلى كل مدرس أن يفكر بأسلوب "زياد خداش" - طبعا هذا لا ينفي وجود العشرات من أمثاله المبدعين – وعلينا أن نبدأ بتحرير الطلبة من الخوف، ومن التسليم بالبديهيات، وأن ندعوهم للتساؤل الحر، وأن نطلق العنان لخيالاتهم، وأن نعلمهم على تذوق الجمال، وأن نتوقف عن محاولات إخضاعهم وخنق تمردهم من خلال تعليمهم الطاعة وتنفيذ الأوامر وحُسْن التصرف، والاعتماد على أسلوب التلقين والبصم في العملية التعليمية، لأننا بهذا النمط التربوي إنما نكبّل عقولهم ونحدّ من نموهم الذهني الطبيعي، وعلينا أن نقيم معهم علاقة ديمقراطية صحية، قائمة على الحوار والاحترام المتبادل، وأن نقنعهم بأنهم أفراد مهمين ومؤثرين في المجتمع.

 بجملة واحدة علينا أن نتوقف عن إنتاج أسباب التخلف، حتى لا تكون أجيالنا القادمة نسخة مشوهة عن واقعنا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق