أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

فبراير 23، 2012

هل حماس فلسطينية أم إخوانية !؟

علاقة حركة حماس بجماعة الإخوان المسلمين علاقة عضوية وثيقة، ولا تخفى على أحد؛ فقد جاء في ميثاق حركة حماس (الباب الأول البند الثاني): "حركة المقاومة الإسلامية جناح من أجنحة الإخوان المسلمين بفلسطين". والشيخ "أحمد ياسين" قال في حوار مع الجزيرة: "الذين أنشأوا حماس هم أنفسهم الإخوان المسلمون، فنحن حركة إخوانية، حركة مجاهدة هدفها التحرير".[1]

ومن المعلوم أن جميع قادة حماس ومؤسّسوها كانوا أصلاً من جماعة الإخوان، وكان أكثرهم في غزة بشكل خاص كامتداد طبيعي مع الجماعة الأم في مصر، وفي مرحلة لاحقة صاروا يعملون تحت مظلة "المجمع الإسلامي"، وكانت الجماعة – قبل تأسيس حماس - تركز على الجانب الدعوي والإرشادي والتربوي، وتتحفّظ على ممارسة الكفاح المسلح ضد إسرائيل، معطيةً الأولوية عليه على النشاط الاجتماعي الإصلاحي، وكانت أيضا على خصومة واضحة مع كافة فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وعندما اندلعت الانتفاضة الفلسطينية في نهاية العام 1987، وجدت الجماعة نفسها أمام خيارين: إما الإنخراط فيها، أو الانتظار، لكنها تبنت الخيار الأول، فأعلنت عن تأسيس حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، وبعد ذلك بسنوات أعلنت عن تأسيس ذراعها العسكري "كتائب القسام".[2]


وبهذا التحول تكون الحركة الإسلامية في فلسطين قد خطَت أولى - أو أهم - خطواتها باتجاه تحولها إلى حركة وطنية، مبتعدة ولو بقدر قليل - ولكنه تدريجي ومتصاعد – عن خطابها التقليدي حينما كانت جزءً لا يتجزأ من جماعة الإخوان المسلمين، وتتبع إداريا وتنظيميا وماليا لقيادة الجماعة في الخارج.
ولكن، إلى أي مدى تغير خطابها ونهجها وبرنامجها ؟ وهل كان تغيرا إستراتيجيا أم تكتيكيا ؟ وما الفرق بين أن تكون حركة إسلامية وجزء من الإخوان، وبين أن تكون حركة وطنية فلسطينية ؟ وما أثر ذلك على القضية الفلسطينية ؟! بمعنى هل حماس حركة مقاومة فلسطينية، أم هي رأس حربة لجماعة الإخوان المسلمين ؟! علما بأن هذه الأسئلة لا تحمل أي تشكيك بوطنية الحركة أو بنواياها.
وللإجابة على هذه الأسئلة يتوجب علينا أولا أن نفهم جماعة الإخوان، ونعرف ما هو برنامجها الإستراتيجي، وهل ما زالت تؤثر على حماس وتتحكم في توجهاتها ؟


الإخوان المسلمين ومشروع الإسلام السياسي

يؤكد المراقبون والمختصون في الإسلام السياسي أن جماعة الإخوان المسلمين هي كبرى الحركات الإسلامية في العصر الحديث، وهي تنظيم عالمي, ولديها طموحات سياسية معلنة، وتاريخ طويل من المشاركة في الحياة السياسية والبرلمانية في أكثر من بلد عربي وإسلامي، ولها رؤية أيديولوجية متكاملة تتناول فيها نظرتها للمجتمع، ونظام الحكم، والنظام الاقتصادي والاجتماعي، ولها موقفها من الصراع العربي الصهيوني، ومن الكثير من القضايا العالمية، ولديها تحالفاتها وعلاقاتها وبرامجها وبنيتها التنظيمية.
بعض المراقبين يعتبرونها أكثر مرونة وبراغماتية من الجماعات الأصولية التي انبثقت عنها، ويرون أن الإخوان يعملون من خلال البرلمانات والانتخابات، للوصول لدولة إسلامية سياسية، بينما القوى الراديكالية الإسلامية الأخرى تعمل من خلال التفجير والتكفير، وتسعى لإقامة دولة دينية ثيوقراطية يتمتع فيها "الخليفة" بمزايا لا يحوزها أي رئيس آخر في أي نظام دستوري ديمقراطي. البعض الآخر يرى أن الفرق بينهما هو في الكم والأسلوب واختيار التوقيت، أما الأهداف العامة فهي سيان؛ على اعتبار أنهما يلتقيان معاً على "أسلمة" المجتمع، من خلال فرض أنماط اجتماعية معينة عليه، تمثلها أيديولوجيا متزمتة متأثرة بالفكر السلفي النجدي، وتتفق أيضاً على محاربة مشروع الحداثة والديمقراطية والدولة المدنية.
ولكن المشروع الإسلامي ليس مشروعا واحدا يحظى بإجماع الكل، وقوى الإسلام السياسي ليست على شاكلة واحدة، وهي تختلف عن بعضها وتتباين في الرؤى والأسلوب ودرجة الإعتدال أو التطرف، ويلعب الجانب الفكري دورا أساسيا في تحديد التمايزات بينها، إلى جانب معايير أخرى[3]، فمنها ما يعتمد على تربية النشء وفق المنهج الإسلامي وتهيئة المجتمع لتقبل فكرها، بينما ترى جماعات أخرى أن الأولوية للجهاد (مقاومة الاحتلال، مقاومة الأنظمة الاستبدادية).
عناصر وركائز مشروع الإسلام السياسي
حركات الإسلام السياسي عموما لا تؤمن بالقومية العربية، وتصفها بالمقيتة والنتنة، ولا تؤمن بالنـزعة الوطنية، وبعضها يعتبرها غريزة حيوانية؛ وبالتالي فهي لا تعترف بالهويات الوطنية السياسية؛ بل أن بعض المراقبين يصفها بأنها تمثل مشاريع تفكيكية للدولة الوطنية المعاصرة، وأكثر هذه الحركات تحارب العلمانية بوصفها لها شكلا من الكفر والتعدي على الدين، وتعتبر الديمقراطية بضاعة غربية، وتُقلِّص العالم إلى ثنائيات قاطعة: بين ما هو حق وباطل، وبين من هو مؤمن وكافر، ولا تنظر للمسيحيين وللطوائف الأخرى كمواطنين، بل كذميين يتوجب عليهم دفع الجزية.


وبهذا المعنى فإن مشروع الإسلام السياسي هو مشروع أممي يتخطى حدود الجغرافيا والقارات، ويتجاوز الهويات الوطنية أو القومية، ويقوم فكر هذا المشروع على مبدأ الولاء والبراء ومعاداة كل ما لا يشبهها، والتصادم مع كل من يختلف معها. وينظر للصراع العربي الصهيوني على إنه صراع ديني محض.


هذا المشروع يقف اليوم في مواجهة مشروع آخر، تمثله القوى الوطنية والقومية واليسارية، وهو المشروع الوحدوي/ التحرري الذي بدأ أواخر القرن التاسع عشر على يد رواد النهضة العربية، وتواصل على امتداد الأرض العربية، وخاض خلال أكثر من قرن المعارك والثورات في مواجهة الاستعمار وأدواته، وتعمّدَ بدماء الشهداء وتضحيات الجماهير الشعبية، ويحْمِلُ في طياته قيم الحداثة والتنوير، ويسعى لترسيخ أسس الدولة الديمقراطية المدنية الحديثة بمحتواها التقدمي والتحرري القائم على التعددية، الذي يضمن حقوق الإنسان واحترام إنسانيته، ويناضل لإرساء دعائم مجتمع حضاري تتعايش فيه الطوائف دون تعصب ودون كراهية، وتتعايش فيه الطبقات دون استغلال لبعضها البعض، وتتحقق فيه العدالة الاجتماعية في توزيع الثروة وتقاسمها وتداول السلطة السلمي، ويسعى هذا المشروع لبناء المستقبل بعقلية منفتحة على العالم، ومنسجمة مع الحضارة الإنسانية، ومتصالحة مع إرثها الثقافي والفكري. صحيح أن هذا المشروع لم ينجح في تحقيق أهدافه، وأنه تراجع لصالح تقدم الإسلام السياسي، لكن مبادئه تظل قائمة.


وهذا لا يعني أبداً أن مشروع الإسلام السياسي لم يقدم التضحيات، ولم يخض المعارك، خاصة في وجه الأنظمة الاستبدادية، أو أنه لا يحترم حقوق الإنسان، ولا يسعى للعدالة الاجتماعية، لكن قوى الإسلام السياسي تعترف وبصراحة أنها لا تؤمن بالديمقراطية والتعددية، وعلاقتها بالمجتمع الدولي وبالحضارة الإنسانية علاقة ملتبسة، ولديها بعض المفاهيم الطائفية، ولديها أيضاً مفهومها الخاص لحقوق الإنسان والحريات العامة، أما مساهمتها بالصراع العربي الصهيوني – باستثناء الخطابات – فهي محدودة جدا، أو معدومة، باستثناء سِجِل حماس الجهادي في فلسطين.

ولكن خصوم "الإخوان المسلمين" لا يكتفون بانتقاد المضامين الأيديولوجية التي يحملها برنامجهم؛ بل يشككون في تحالفاتهم، وفي مواقفهم السياسية، ويعتبرون أن لهم دورا وظيفيا محددا، يتجسد في محاربة القوى الوطنية والتقدمية، والتحالف مع الأنظمة الرجعية، ولإثبات ذلك يوردون بعض الأمثلة: فعندما انطلقت الجماعة في أواخر العشرينات من مدينة الإسماعيلية - التي كانت مركزا للقوات الإنجليزية - كان من المفترض أن تركز الجماعة على مقاومة الاحتلال الإنجليزي، وأن يكون ذلك مبرر وجودها، ولكنها بدلا من ذلك ركزت على الجوانب التربوية وبعض النشاطات الاجتماعية، الأمر الذي جعل من الإنجليز يغضّون النظر عن تنامي قوتها، وفى الثلاثينيات تحالف الإخوان مع الإنجليز ضد الملك وحزب الوفد، وفي الأربعينيات تحالفوا مع الملك والإنجليز ضد الوفد وباقي القوى الوطنية، وفي الخمسينيات تحالفوا مع الأمريكان والإنجليز ضد عبد الناصر، وفي الستينيات، تحالفوا مع السعوديين والأمريكان ضد عبد الناصر، وفي بداية السبعينيات تحالفوا مع السادات ضد الناصريين والشيوعيين، وبعد تنصيب الحكومة (الأمريكية) في العراق بعد الإطاحة بصدام ارتضوا أن يكونوا جزءً منها، وفي العقد الأخير تحالفوا مع قَطَر، وبعد ثورة يناير 2011، عقدوا صفقة ثلاثية تجمعهم مع المجلس العسكري والأمريكان لحكم مصر، مقابل عدم إلغاء كامب ديفيد.
من المؤكد أن للجماعة تفسيراتها وإجاباتها على هذه الأمثلة، ولكن ما يدعم هذا الرأي أن الجماعة في دول أخرى كانت تتخذ نفس المنحى؛ ففي الأردن كان الإخوان جزءً أساسيا من النظام، وحليفا قويا للقصر، وفي دول الخليج وخاصة السعودية والكويت كانوا أيضا متحالفين مع النظام وداعمين له.
حتى في فلسطين، كانت جماعة الإخوان التنظيم السياسي الوحيد الذي يعمل علانية ودون مضايقات من سلطات الاحتلال، بل أنه حصل على ترخيص رسمي للعمل من وزارة الداخلية الإسرائيلية تحت اسم "المجمع الإسلامي" عام 1973، وكانت إسرائيل تغض الطرف عنهم لأنهم كانوا يرفضون الكفاح المسلح، وجلّ نشاطهم في المجال الاجتماعي والدعوي، وكانوا في حالة صِدام مع القوى الفلسطينية، الأمر الذي استفادت منه إسرائيل في زعزعة مكانة منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها ممثلا للشعب الفلسطيني، وعنوانا للهوية الوطنية الفلسطينية. [4]

المشروع الوطني الفلسطيني
قبل الحديث عن المشروع الوطني، لا بد من طرح السؤال بداية: هل فعلا تجسد "فتح" المشروع الوطني الفلسطيني ؟ الكاتب "إبراهيم أبراش" يجيب على هذا السؤال في مقالته على موقعه الإلكتروني، من خلال طرح مبررات ومسوغات وجود المشروع الوطني، فكتب: "لا يوجد شعب يستطيع أن يمارس فيه أبناؤه حياتهم الطبيعية، ويحققوا ذواتهم، دون أن يكون لهم وطن، يطورا فيه ثقافتهم وهويتهم الوطنية، ولا وطن بدون فكر وأيديولوجيا وطنية تعزز انتماء أبناء الشعب لوطنهم، ولا فكر وطني بدون مشروع وطني يحدد أهداف وطموحات الشعب وآليات تحقيق هذه الأهداف، ولا مشروع وطني بدون ثوابت ومرجعيات تعبر عن القواسم المشتركة والحقوق الوطنية محل التوافق الوطني بغض النظر عن الدين أو اللون أو الطبقة، وتحشد من خلفها الشعب في مواجهة النزعات والارتباطات ما قبل الوطنية، وفي مواجهة التحديات الخارجية. إذا كان الوطن متجسدا بدولة مستقلة ينتفي مبرر الحديث عن مشروع وطني؛ لأن المشروع هو الفكرة قبل التحقق، وعندما يُنجز المشروع بقيام الدولة يتم التعبير عن الفكرة والثوابت الوطنية من خلال الثقافة ورموز الهوية والقانون الأساسي أو الدستور، أو من خلال أحزاب أو قوى وطنية قد تدخل في حالة صراع مع إيديولوجيات ذات امتدادات عبر وطنية كالأممية الاشتراكية أو الشيوعية والأيديولوجية القومية والأيديولوجيات الدينية، وفي مواجهة النزعات الانفصالية التي تهدد وجود الدولة الوطنية ووحدة الأمة، ولكن عندما تغيب الدولة – كما هو الحال في فلسطين - ويصبح الوطن كهوية وثقافة مهددا (وجوديا) بسبب الاحتلال؛ يصبح المشروع الوطني ضرورة (وجودية)، وينتفي مبرر وجود إيديولوجيات عابرة للوطنيات، أو ما قبل الوطنية، إلا كتوظيف وسائلي وغائي لخدمة المشروع الوطني، بمعنى أنه في حالة وجود أحزاب وحركات في إطار حركة التحرر فعلى هذه القوى توطين إيديولوجياتها واستراتيجياتها ضمن ثوابت وطنية لا يجوز الاختلاف عليها، فتوظف امتداداتها القومية أو الأممية أو الدينية لصالح المشروع الوطني وليس العكس، وإلا سيصبح الاشتغال على هذه الإيديولوجيات على حساب العمل الوطني ومتطلبات تحقيق الوطن كهوية ودولة".[5]

وكمن هذا المنطلق اعتبرت "فتح" أن المرحلة التي يمر بها الشعب الفلسطيني مرحلة تحرر وطني، وذلك على ضوء فهم الحركة للخصوصية الوطنية للقضية، وعلى فهمها للبعد المحلي للدور الوظيفي للكيان الإسرائيلي، وعلى فهمها للصراع وركائزه الحضارية الحقيقية، وبالتالي رأت أن أداة الحل يجب أن تكون وطنية، من خلال حركة تحرر وطني بمحتوى وطني وأداة وطنية وأسلوب وطني، وتلتقي من خلاله كافة القوى والشرائح الفلسطينية على برنامج واحد وهدف واحد هو التحرير والعودة؛ لذا، لا يجوز وجود أكثر من مشروع وطني لنفس الشعب وفي نفس مرحلة التحرر، وإلا ستتصارع هذه المشاريع مع بعضها البعض، والتاريخ يخبرنا أن القوى المعادية كانت تعمل دوما على شق وحدة الشعب، بخلق تيارات وأحزاب بمسميات عديدة، وتوريطها في مواجهات مع الوطنيين الحقيقيين أصحاب المشروع الوطني التحرري. وعندما كان المشروع الوطني واحدا موحدا في إطار منظمة التحرير، حققت الثورة أهم إنجازاتها؛ حيث حولت الفلسطينيين من جموع لاجئين إلى شعب يناضل لنيل حريته واستقلاله، وأحيت القضية وطرحتها بقوة في كافة المحافل الدولية، وانتزعت اعتراف العالم بالمنظمة ممثلا شرعيا للشعب الفلسطيني. وعندما تشظّى المشروع الوطني، حصل الانقسام، وتراجعت القضية الفلسطينية إلى أدنى مستوياتها.


كما اعتبرت فتح أن البُعد الوطني للقضية ليس استمرارا لثقافة التجزئة الُقطرية - التي رفضتها - بل هو تأكيد على أهمية إبراز الهوية السياسية للشعب الفلسطيني بمحتواها النضالي الثوري في الحقل الدولي كنقيض مركزي لإسرائيل من الناحية التاريخية والقانونية والسياسية، وأن هذا لا يتعارض ولا يتناقض مع الارتباط المصيري مع الأمة العربية والإسلامية.


ولكن المشروع الوطني الذي تتبناه فتح لا يقتصر على المواجهة العسكرية والسياسة مع المشروع الصهيوني، بل يمتد لما هو أبعد من ذلك، وفي هذا السياق تقول فتح بأن لديها برنامجها السياسي والاجتماعي، ورؤيتها لطبيعة الكيان الفلسطيني الذي تناضل من أجل تحقيقه، وتعتبر أنه ينتمي إلى مرحلة الحداثة وما بعدها، لأنه حسب ما تراه برنامجا تقدميا تحرريا، يقوم على أسس ديمقراطية، ويسمح بتداول السلطة سلميا وبشكل حضاري، ويسعى لبناء دولة مدنية مؤسّساتية تلتزم بالقانون والدستور، وتعامل جميع مواطنيها بعدالة دون تمييز على أساس اللون أو الجنس أو الدين (دولة المواطَنة)، وليس فيها أي شكل من أشكال الحكم الثيوقراطي أو الإستبدادي أو الوراثي، وتضمن هذه الدولة حقوق الأقليات، وحرية العبادة، وحرية الفرد وحقوقه المدنية والشخصية، وتحترم المرأة، وتلتزم بالشرعية الدولية، وتقيم علاقاتها مع العالم على أساس حُسن الجوار ووفق المواثيق والمعاهدات الدولية.


صحيح أن "فتح" وبعد مرور قرابة النصف قرن على انطلاقتها لم تنجز غايتها، ولم تحقق التحرير الكامل الذي وعدت به؛ بل وأصابها الترهل، وتراجعت عن بعض أهدافها، وغيرت كثيرا في إستراتيجياتها. وهذا لأنها تعمل في ظل ظروف بالغة التعقيد والصعوبة، وتخوض أصعب وأطول صراع في التاريخ، ومع ذلك ما زالت تعلن في أدبياتها ومؤتمراتها الحركية أنها لم تحد عن هدفها الأساسي ومبرر وجودها، وهو تحرير فلسطين.


صراع بين مشروعين


إذا كانت "فتح" وفصائل منظمة التحرير هي امتداد للمشروع الوطني القومي، فإن "حماس" تُعتبر امتدادا لمشروع الإسلام السياسي الذي تقوده جماعة الإخوان المسلمين؛ وبالتالي فإن الخلاف بين فتح وحماس هو خلاف بين مشروعين مختلفين: المشروع الوطني الذي يهدف إلى تثبيت الهوية الوطنية، والساعي لبناء دولة فلسطينية ومجتمع مدني، ومشروع الإسلام السياسي ذو الطبيعة الدينية، والساعي لبناء دولة إسـلامية وفرض القضايا الأممية الكبرى (المشروع الإسلاموي العالمي ) على حساب المشروع الوطني. 
ومع ذلك ورغم المساحة الشاسعة للجانب النظري العقائدي في أيديولوجية حماس إلا أنها لم تكن هي السبب في خلافاتها مع فتح، وهنا يجدر القول بأن "فتح" لا تخوض صراعا فكريا ضد الإسلام السياسي، لأنها لا تمتلك أي أيديولوجيا فكرية، وليس لديها مشكلة مع الدين، ولا تعترض مع أي طرح فكري فلسفي فقهي تقدمه حماس أو غيرها،  فهي لا تعتبر هذه الأمور ضمن مجال اهتمامها، والشيء الوحيد الذي يثير خلافا أو اتفاقا معها هو ما يتعلق بالجانب السياسي ومفاهيم الصراع وأدواته، والمفاهيم الاجتماعية والاقتصادية لمرحلة النضال وما بعد التحرير، ومن هنا إذا أردنا تحديد مواقع الاشتباك والالتقاء بين الحركتين يتوجب علينا التفتيش فقط في هذه الجوانب، بمعزل عن القضايا الفقهية والنظرية والفلسفية الأخرى.

وما يجري الآن فعليا على أرض الواقع هو اقتناع كل فصيل بأن السلطة من خلال حكومتها وأجهزتها الأمنية والاعتراف السياسي الدولي بها، هي التي ستوصل كلٍ منهما إلى هدفه الأعلى ( الكيان السياسي وفق رؤيته الخاصة )، لأن السلطة ستوفر له الأرض – لا يهم في المرحلة الأولى إذا كانت محررة أو تحت الاحتلال – وستوفر القوة والنفوذ والمال والإعلام، وكل ما يلزم لحكم الناس وفرض أنماط اجتماعية واقتصادية عليهم، وفي هذه الحالة (أي حالة السلطة تحت الاحتلال) لا فرق لدى إسرائيل إذا ما كانت سلطة إسلامية أو علمانية.


كما أنه في رؤية الحركتين لما بعد التسوية، أو لما بعد تثبيت حكم أي منهما على الأرض سواء على الضفة وغزة أم اكتفاء كل فصيل بحكم الأرض التي يسيطر عليها، هنالك تصور لدى الحركتين لطبيعة المرحلة آنذاك، من حيث طبيعة الحكم والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والتحالفات الإقليمية والدولية.


فتح تقول أنها تريد دولة فلسطينية ديمقراطية مدنية تلتزم بالشرعية الدولية، فيما تقول حماس أنها تسعى لبناء دولة فلسطينية إسلامية، تلتزم بقواعد الشورى، وتطبق الشريعة الإسلامية، وتعتبر القرآن الكريم دستورها، وتنظم علاقاتها بالمواطنين وفق أحكام الشريعة التي تنصف المرأة، وتحترم الأديان السماوية، وتعلي من شأن الإنسان، وتلتزم هذه الدولة بأحكام الإسلام بكل ما يتصل بعلاقاتها الداخلية والخارجية، وهي ليست مضطرة لاحترام "الشرعية الدولية"، طالما أمكنها ذلك.


وبينما تتهم حماسُ فتحَ بأن كل ما تطرحه بشأن الدولة العتيدة مجرد تصريحات، وأن تجربتها في الحكم كانت بائسة، وأنها قدمت نموذجا من الفساد والترهل والفوضى، وفي المقابل تقول فتح بأن اختباء حماس خلف شعارات ومفاهيم الإسلام العظيمة هو نوع من التضليل، وأن التجربة التاريخية للدولة الإسلامية كانت تفضي على الدوام إلى حكم ثيوقراطي وراثي، وأنه لا توجد ضمانات بأن تلتزم حماس بتعاليم الإسلام السمحة، بل أنها ستبدأ بتطبيق فهمها الخاص ورؤيتها الرجعية لطبيعة الحكم، وأن العصر الحديث قد تجاوز الكثير من أطروحات حماس بشأن العلاقات الداخلية والخارجية والقانون والحريات ... وأن تجربة حكم حماس لغزة قد كشفت عن طبيعتها الاستبدادية، وعن تنكرها للديمقراطية، وخنقها للحريات، وأنها مجرد حزب سياسي يسعى للسلطة ...
اليوم، تشهد العديد من البلدان صراعا بين القوى الوطنية والإسلاموية؛ وهذه الحالة مفتعلة، وهي أقرب لصراع نُخب على السلطة والمصالح، أكثر مما هي تعبير عن تناقضات بين هذه الانتماءات، ففي الوضع الطبيعي يفترض ألا يكون هناك تناقض ما بين الانتماء الوطني والانتماء القومي والانتماء الإسلامي، ولكن تبرز المشكلة عندما يتم أدلجة الهويات والانتماءات، من خلال أحزاب تصادِر الفكرة والانتماء، وتُنصِّب نفسها صاحبة الحق بالتعبير عنها. إلا أنه من غير المقبول أن يمتد هذا الصراع إلى فلسطين؛ ذلك لأنها تحت الاحتلال، وبالتالي فإن الأولوية يجب أن تكون لمواجهة هذا الاحتلال، ولأنها صراعات فكرية سابقة لأوانها وفي غير محلها، ومن المفترض أن يحسمها الشعب - بعد التحرير والاستقلال -  وعبر صناديق الاقتراع. والساحة الفلسطينية – تاريخيا – تسمح بالتعددية الفكرية والسياسية، وتستوعب الخلافات والتناقضات مهما كانت درجتها.


ومن ناحية ثانية فإن شعوب تلك البلدان حققت مشروعها الوطني (نسبيا)، وصار بإمكان المواطن العربي أن يمارس حياته فيها، وبالتالي تصبح الدعوة لمشروع إسلامي أو قومي أو اشتراكي شأنا عقائديا طوباويا يستمد شرعيته أو مبرراته من البعد العقائدي للمنادين به، أكثر من تأسيسه على حقائق تاريخية وسياسية واقعية، فإذا تحقق فلا بأس بذلك، وإن لم يتحقق يبقَ المواطن فوق أرضه في وطنه الصغير، وهناك ما يمنحه تعويضا نفسيا وماديا عن فشل تحقُّق حلمه الكبير، أيضا يمكن للديمقراطية أن تعالج بعض أوجه الخلاف، وتجد بعض القواسم المشتركة بين القوى الوطنية والإسلامية والقومية. وإذا كان هذا المواطن يعيش في ظل نظام استبدادي وفاسد، يحرمه حقوقه ويدوس على كرامته - وهذا شأن معظم البلدان العربية - فإن الشعوب تستطيع أن تنتفض وتثور على حكامها،  كما حصل في ثورات الربيع العربي، ولكن ماذا بالنسبة للفلسطيني الذي لا يملك وطنا خاصا به، وهويته الوطنية، بل وجوده الوطني ككل مهدد بعدوٍ يؤسس وجوده على أساس نفي الوجود الوطني الفلسطيني، ويرتكز في مشروعه الاحتلالي على نفي وتغييب هويته السياسية ؟![6]


قد يرى البعض أن انتصار أحد المشروعين (الإسلام السياسي أو الوطني) يعني خسارة الآخر، وهذه حقيقة نسبية، ولكن السؤال الذي يبرز فورا هو انتصار من على من ؟ انتصار فتح على حماس أو العكس ؟ أم انتصار أحد الطرفين على إسرائيل ؟ والفرق كبير جدا بين الحالتين، فقد يتمكن فصيل من إلحاق هزيمة عسكرية بالآخر كما فعلت حماس في غزة في صيف 2007، ولكن من ينتصر على أخيه فهو مهزوم مسبقا، وهذا النصر لم ولن ينهي الصراع، لا بين الفصيلين الشقيقين ولا مع الاحتلال، بل هو حتما يؤخر أو يعطل بل ويمنع انتصار أي من الطرفين على الاحتلال، لأنه من البديهي أن الانتصار على الاحتلال يتطلب أولا وقبل أي شيء آخر توحد الفصيلين على أرض المعركة في مواجهة الاحتلال، وتوظيف كل إمكاناتهما التنظيمية والعسكرية والجماهيرية والسياسية ضمن إستراتيجية موحدة تذوب فيها كافة التناقضات الفرعية والهامشية، ولأن الوحدة الوطنية هي بوابة الانتصار وشرطه الأساسي.


دور حماس وإستراتيجيتها غير المعلنة

بالعودة إلى السؤال المطروح: هل حماس حركة مقاومة فلسطينية، أم هي أداة للإخوان المسلمين ؟! وهل تنفذ أجندة وطنية، أم أجندات أخرى لمصلحة أطراف خارجية ؟! سنجد صعوبة في الإجابة؛ لأن حركة حماس تختلف عن غيرها في آليات صنع القرار، حيث نجد عندها تعدد وتشعب وتداخل في مؤسسات صنع القرار؛ فهناك المؤسسات السياسية والعسكرية والشورية والفقهية والدعوية والمالية؛ وهناك تباين بين الداخل والخارج، وتكتم وسرية تكتنف الكثير من قراراتها الإستراتيجية، وهذا يصعّب من قدرة أي باحث على فهم حقيقة توجهات الحركة ودوافعها.


ولكن من الواضح أن حماس قبل العام 2006 تختلف عنها بعد هذا التاريخ، فإذا كانت حماس قد انطلقت مع اندلاع الانتفاضة الأولى، ورفعت شعارات المقاومة والتحرير، وبدأت تمارسها فعليا، وهذا ما أكسبها الشرعية، ومنحها تعاطفا وتأييدا شعبيا لم تحظ به طوال مراحلها السابقة – أي في مرحلة الإخوان المسلمين – فإن حماس وبدءً من العام 2005 قد اختطّت لنفسها إستراتيجية مختلفة؛ فقبل هذا التاريخ بعام توفي "ياسر عرفات" وفقدت فتح بوفاته أحد أهم عناصر قوتها، لما كان يمثله من رمزية، وزعامة تستوعب تحت عباءتها تناقضات فتح الداخلية، بل وأغلب تناقضات الشعب الفلسطيني بأكمله. ثم بعد ذلك انسحبت إسرائيل من قطاع غزة، وتمت الدعوة لعقد انتخابات تشريعية جديدة؛ وجدت حماس في هذه المتغيرات فرصتها السانحة للانتقال للخطوة التالية: وهي قيادة السلطة الفلسطينية تمهيدا للظفر بمنظمة التحرير، وقيادة المشروع الفلسطيني برمته، بمعاييرها وتوجهاتها الخاصة.


وبدأت حماس تنفيذ مخططها بخطوات سريعة، كانت أحيانا أسرع من قدرتها على استيعاب نتائجها، فبعد عام ونصف من فوزها الكاسح في الانتخابات التشريعية، وتشكيلها أول حكومة حمساوية، لجأت للحسم العسكري لإقصاء منافستها التاريخية (فتح) في قطاع غزة. ولكن طريقتها في إدارة القطاع، والحصار (الظالم) الذي تعرضت له غزة، وانحسار شعبيتها، إلى جانب بعض حقائق الجغرافيا السياسية، وطبيعة المعادلات السياسية التي تحكمهـا، وجملة من الأحداث السياسية الكبرى التي حصلت في المنطقة خلال سنوات حكم حماس لغزة أخّرت وعطّلت فرصتها في الوصول لمبتغاها وهدفها الأهم: وراثة فتح والسلطة والمنظمة.
في مقالته على موقع فتح الإلكتروني اقتبس الكاتب "يونس الرجوب" مقاطع من التقرير السياسي الصادر عن التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين بتاريخ 31/12/2011، حيث ورَدَ في القسم الخاص بحركة حماس النصوص التالية :

"حققت حماس العديد من الانتصارات الإستراتيجية على الصعيد السياسي والعسكري، حيث استطاعت الفوز في انتخابات عام 2006، وتشكيل الحكومة الفلسطينية، ثم أتمت انتصارها بالحسم العسكري عام 2007، وانتصارها في حرب الفرقان عام 2009، وانتصارها الأمني في عملية تبادل الأسرى عام 2011، وهذا التدرج في إستراتيجية الحركة أدى بها لأن تصبح لاعباً رئيسا في صُنع القرار الفلسطيني، وبالتالي فان المنطق يقتضي أن تكون الخطوة التالية هي قيادة المشروع الفلسطيني برمته، وليس الاكتفاء بدور اللاعب الرئيس", ويضيف التقرير: "من المعلوم أن "ياسر عرفات" كان يشكل العقبة الكئود أمام تقدم حماس على هذا الخط، ولكن رغم زوال هذه العقبة فما زالت السلطة الفلسطينية بقيادتها التقليدية تشكل العقبة الأخيرة التي لا بد لحركة حماس من إزالتها لتحقيق القفزة الإستراتيجية الثانية نحو قيادة المشروع الفلسطيني برمته، وأمام هذه الحقائق كان لا بد لحركة حماس من التوازن بين الانجازات التي تحققها، والإخفاقات التي تجنيها سلطة أبو مازن، وهذا ما تم فعلا خلال الأعوام الفائتة، وكان أمامها فرصة سانحة لتخطّي عقبة السلطة، والانتقال إلى قياده المشروع الفلسطيني برمته، لولا بعض المترددين في قيادتها".



ويتضح من هذا التقرير أن الجماعة وضعت على جدول أعمالها لمعالجه ذلك أحد ثلاثة خيارات: مشاركة حماس عبر بوابة المصالحة، والانخراط في منظمة التحرير الفلسطينية وصولاً إلى قيادة المشروع الفلسطيني، أو خيار إسقاط السلطة عبر ثورة شعبية في الضفة الغربية، يكون الشعب أداتها، ولكن بعد عزل القيادة عن الشعب وتشويه صورتها وجعلها في وضع المتهم عمّا آلت إليه الأوضاع، وقد عاونها في ذلك قناة "الجزيرة" عبر سلسلة من الحملات التحريضية ضد السلطة، ( إبان العدوان على غزة نهاية 2008، حملة تقرير جولدستون خريف 2009، حملة كشف المستور مطلع 2011، إلى جانب نشر العديد من الفضائح كلما سنحت الفرصة). والخيار الثالث هو استثمار المناخ الذي وفرته ثورات الربيع العربي، وصعود الإسلام  السياسي إلى قيادة المنطقة في أكثر من دولة عربية، خاصة بعد أن واءمت الحركات الإسلامية سياساتها مع المتطلبات الدولية، ونجحت في اندماجها في المجتمع الدولي، وحظيت بقبوله لها.
الخيار الأول أدى لنشوء خلافات داخل حركة حماس، وقد ظهر للمرة الاولى للعلن بين قيادات قطاع غزة وقيادات الخارج؛ فتيار الخارج يرى في الدخول في منظمة التحرير طريقا للسيطرة عليها بصفتها الإطار الجامع للفلسطينيين، والتي تحظى بالشرعية العربية والدولية، ومنطلقهم في هذا أن من يمتلك الكل يهيمن على الأجزاء, باستخدام نفس الطريقة التي استخدمتها فتح عندما سيطرت على منظمة التحرير في العام 1968. كما يأتي هذا إدراكا للعوامل والتحولات الاقليمية، وربما لنصائح روسية و/ أو خليجية بدخول حركة حماس للنظام السياسي الفلسطيني بشكله العام لنيل القبول الدولي، أو لترجمة قدرتها على الفعل الداخلي إلى مقدرة سياسية على المستوى العام. فيما يرى "تيار" قطاع غزة أن الهيمنة على الجزء "قطاع غزة" يمنحها القدرة على إخضاع الكل، أو تعطيل الحركة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية.
هذا الاختلاف في الرؤى منبعه أن قيادة الخارج تأخذ التحولات الإقليمية بعين الاعتبار؛ فهي بعد أن فقدت الحليف السوري، مع عدم مقدرتها على الاصطفاف إلى جانب المعسكر الشيعي (إيران، حزب الله) في ظل الاصطفاف السني/ الشيعي، أو الخليجي/ الإيراني. لكن "تيار غزة" يرى في قطاع غزة دولة مستقلة، أو أنها تخلصت من الاحتلال، وترى تجربتها في السيطرة على القطاع تمنحها القوة والمنعة. خاصة بعد نجاح الإخوان المسلمين في مصر، الأمر الذي يمنحها عنصر قوة يمكن استغلاله في مواجهة الأطراف الفلسطينية الأخرى، وامكانية ترسيخ دولة الأمر الواقع في غزة، بعد أن تمنحهم مصر معبر رفح كممر دولي.

وترى أوساط عديدة من فتح أن هذا المخطط قد يؤدي لتثبيت الانقسام للأبد، ولإنهاء القضية الفلسطينية، من خلال تقويض أركان الصراع، وتغيير صفات وعناوين المشروع الوطني التحرري، واستبداله بمشروع افتراضي ليس لفلسطين فيه ناقة ولا بعير.
وتعتبر أن محاولات الإخوان لاختزال الصراع في بعده الديني هو تساوق مع الطرح الصهيوني الذي يسعى لتصوير الصراع العربي الصهيوني على أنه صراع ديني طائفي كغيره من الصراعات الطائفية الإثنية في المنطقة، والتي عادة ما تنتهي بتقاسم الأرض وتثبيت حدود سياسية بين الطوائف المتنازعة. وتعتبر فتح أن هذا الطرح سيدخل العالم في متاهة الجدل الديني والتاريخي بحيث تضيف مزيدا من الغموض والأكاذيب على حيثيات الرواية الصهيونية، الأمر الذي سيؤدي إلى زعزعة ثقة العالم بعدالة القضية الفلسطينية، وبالتالي ستبدو إسرائيل بمظهر الضحية المغلوب على أمرها، أي دولة الأقلية اليهودية التي يتربص بها العالم الإسلامي ويريد أن يرميها في البحر.


وتعتبر فتح أن إسرائيل ساهمت في إغراق المنطقة في دوامة الحروب الطائفية، لتفريغ الصراع العربي الصهيوني من مضامينه السياسية والقانونية، وتقويض الأركان الحقيقية التي يقوم عليها من حيث كونه صراعا تاريخيا حضاريا سياسيا بين مشروع الأمة العربية في الإنعتاق والتحرر ضد مشروع الهيمنة الإمبريالية على حاضرها ومستقبلها ومقدراتها، ومن أجل إخفاء طبيعة الحركة الصهيونية العنصرية، والتمويه على دورها الوظيفي في خدمة المشروع الإمبريالي.


وتعتبر فتح أن تحميل الشعب الفلسطيني وقضيته تبعات مشروع عالمي ليس لهم قدرة على تحمل تكاليفه سيضر بالقضية الفلسطينية، وسيحمّل الشعب ما لا طاقة له به، وسيضيف عليه أعباءً جديدة، وسيحرف مسار النضال الوطني عن بوصلته التي يجب أن تشير نحو القدس فقط، ولهذا اعتبرت فتح أن الوجود الفلسطيني على الأرض الفلسطينية وعلى الخارطة السياسية الدولية، هو النقيض المركزي للمشروع الصهيوني، لذلك ركزت نضالها السياسي والعسكري على تثبيت هذه الحقيقة، والتي اعتبرتها الركيزة الأساسية للمشروع الوطني الفلسطيني الذي تتبناه، وبالتالي ستعتبر أن تفتيت الهوية الوطنية الفلسطينية، أو إضعاف شخصيتها السياسية سيضعف من قوة النضال الفلسطيني، وسيصيب المشروع الوطني في مقتل، وسيحرم الفلسطينيين من استخدام أدواتهم السياسية والقانونية والإعلامية في المحافل الدولية، وسيصب بالضرورة مباشرة في المصلحة الإسرائيلية، وفي هذا أكبر خطر على مصير القضية الفلسطينية.


ومن جانب آخر ترى فتح أن حماس وخاصة بعد انفرادها بحكم غزة، أقامت تحالفات سياسية أضرت بالقضية الفلسطينية، وجعلت فلسطين جزءً من محاور إقليمية، بل وتتهمها أنها تنفذ أجندات سياسية لصالح قوى خارجية (إيران وسوريا وقطر)، وأنها أجّرت القضية الفلسطينية لتلك القوى، ورهنت قرارها الوطني بيدهم. وفي المقابل توجه حماس نفس التهم لفتح، ولكن باستبدال المحور الإيراني السوري، بالمحور الأمريكي الذي تدور في فلكه ما يسمى بدول الاعتدال العربي.


حماس وتبعيتها للإخوان

في الرابع عشر من كانون الأول وقبيل العدوان الإسرائيلي على غزة، أحيت حماس الذكرى الحادية والعشرون لانطلاقتها، وفي هذا الحفل جرى الطلب من أقدم أعضاء الإخوان المسلمين في قطاع غزة الشيخ "عبد الفتاح دخان" إلقاء كلمة الحركة، وأمام الحشود الذي تَصدَّرهم رموز الصف الأول من قادة حماس، نهض "دخان" وأعلن بصوت جهوري يردد وردد وراءه الحاضرون قَسَم الولاء لجماعة الإخوان المسلمين، قائلا:"أعاهد الله أن أخلص لدعوة الإخوان المسلمين، والقيام بشرائط عضويتها والثقة التامة بقيادتها والسمع والطاعة".[7]


وفي نفس المهرجان قال رئيس الحكومة المقالة "إسماعيل هنية": "إن الجهاد في سبيل الله مقدم على الحج، وبما أنه لم يُكتب لكم يوم عرفة هذه السنة، فكان أن كتب الله لكم أن تشهدوا يوم «حماس» الأكبر على أرض فلسطين، ولكم ما لكم من الأجر". وسنترك الحكم على استبدال فريضة الحج بحضور مهرجان تأييد لحماس لرجال الدين، وسنركز على تحليل معنى ذلك سياسيا.
وهذا معناه أن حماس كشفت عن وجهها الحقيقي، وعن أن قائدها الفعلي هو المرشد العام للجماعة، الذي تدين له بالسمع والطاعة ويحظى بثقتها التامة. ويعني أن حماس تعلن بوضوح أن قضيتها الأساسية في قضية الإخوان ومشروعها هو مشروع الإخوان، ويكشف أيضاً أن الحركة تضع نفسها وتضع قطاع غزة إلى جانب التحالف الإيراني/ الإخواني الذي كان يخوض حينها ضد مصر معركة قيادة الإقليم بكامله.[8]


من المعروف أن جماعة الإخوان المسلمين تسعى لنشر الدين الإسلامي كأيديولوجيا في المجتمعات الإسلامية تمهيدا لتحقيق هدفها الأعلى، وهو الوصول للسلطة وإقامة دولة الخلافة؛ ولتحقيق هذا الهدف لم تكن الحركة معنية بالدخول بصراعات تعتبرها جانبية مع القوى الامبريالية، ولم تعلن الجهاد لتحرير فلسطين. وجعلت هدف تغيير الأوضاع الداخلية وتعزيز مكانتها أسبَق وأكثر أهمية من الجهاد المسلح ضد إسرائيل، وأصبح الصراع على السلطة في كل بلد تتواجد فيه الجماعة هو قضيتها الأساسية، ولكن هذا لم يمنع الجماعة أن تقوم بدعم حماس، ليس بهدف التحرير، بل لتعزيز مواقع الإخوان المسلمين في النظام السياسي الفلسطيني، وتوظيف المقاومة لخدمة أهدافها، وكسب تأييد الشعوب الإسلامية لمشروعها السياسي[9].


وعندما لجأت حماس لما أسمته بالحسم العسكري، والذي نجم عنه الانفصال، ورغم أنه شكل ضربة قوية للمشروع الوطني، إلا أن جماعة الإخوان اعتبرته نصرا إستراتيجيا؛ فعملت على تثبيته كقاعدة ومنطلق لتأسيس المشروع الإسلامي الذي طالما حلمت به منذ تأسيسها، فبعد أن فشلت في إنجازه في أية دولة عربية، وجدت ضالتها في قطاع غزة، لتجعل منه حقل تجارب، ومنطلقا لتنفيذ مشروعها.


الخطأ الذي وقعت فيه حماس أنها أرادت استنساخ تجارب الإسلام السياسي في البلدان الأخرى، دون أن تراعي خصوصية الحالة 
الفلسطينية. بحيث تعيد ترتيب الأولويات تحت إحساسها بالخطر المباشر المُحدق بفلسطين، ولم تعمل على توطين أيديولوجيتها وإخضاعها للواقع الفلسطيني كما فعل القوميون والماركسيون الفلسطينيين من قبلهم، وأنها أرادت الاستفراد بقيادة المشروع الفلسطيني والهيمنة على القرار الوطني دون شراكة مع أحد، وأنها ظلت تعمل خارج منظمة التحرير.


 الهوامش


[1] http://www.aljazeera.net/in-depth/muslims_brothers/2002/11/11-25-.htm
[2] كانت أول عملية عسكرية لعناصر من حماس في بداية العام 1990، ثم تلتها سلسلة تحضيرات استمرت نحو عام بدعم من المكتب السياسي للحركة، وبدأت عملياتها بشكل علني تحت اسم كتائب القسام بعد مذبحة الخليل، وكانت تعلن حينها أنها ردا على مجزرة الحرم الإبراهيمي في 15-2-1994. المصدر الشيخ صالح العاروري يروي قصة تأسيس كتائب القسام. الموسوعة الإخوانية.
[3] صلاح عبد العاطي، العلمانية والأصولية في المجتمع العربي، مركز رام الله لدراسات حقوق الإنسان، ط1 2008، ص 68.
[4] في بداية الثمانينات تم اعتقال مجموعة من الإخوان المسلمين على رأسهم الشيخ أحمد ياسين، بسبب حيازتهم أسلحة ومتفجرات؛ يقول خصومهم عنها أنها كانت مخصصة للصراعات الداخلية، وتحديدا ضد فتح.
[5] إبراهيم أبراش، المشروع الوطني الفلسطيني بين تسوية مأزومة ومشروع إسلام سياسي مغامر،  ملتقى الثقافة والهوية الوطنية. http://palnation.org/vb/showthread.php?t=456
[6] إبراهيم أبراش، نفس المصدر السابق.
[7]  مهرجان حماس الذي أعلنت فيه قَسَم الولاء للإخوان المسلمين، http://www.youtube.com/watch?v=nnGqXJCENlc
[8] صالح القلاب، ماذا يعني التزام حماس بقسم الولاء للإخوان المسلمين،  جريدة الشرق الأوسط العدد 10985. http://www.aawsat.com/leader.asp?section=3&article=500295&issueno=10985
[9] إبراهيم أبراش، نفس المصدر السابق.
د. جهاد حرب، حماس والمصالحة والكيانية الفلسطينية، وكالة معا، 5-3-2012. http://www.maannews.net/arb/ViewDetails.aspx?ID=464720

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق