أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

ديسمبر 02، 2011

دور أوروبا في إنتاج العنف والتطرف


بقلم: خلود بدار
متخصصة في الدراسات الأوروبية

الاضطهاد ليـس موجودا في أصل أي ديانة،
 ولكنه دائما يتجلى عندما تبدأ صياغة القوانين
 من منطلق الدين. "ثوماس باين" - عصر السببية
المقدمـة
عاشت أوروبا لقرون عديدة عصورا قاسية مضنية، عانى الناس خلالها من الخوف والإرهاب، وملئت قلوبهم الكآبة والأحزان، ومورس بحقهم شتى أنواع التعذيب والعنف، غارقين في مستنقعات الفقر والجهل وانعدام الأمن، الآلاف منهم سيقوا إلى حتفهم باسم الحروب الصليبية والظفر بالجنة، أو اقتيدوا إلى محاكم التفتيش.
وقد شكّلت هذه الحقبة المظلمة من تاريخ أوروبا قيداً على حياة الناس، وحِملاً ثقيلا ناضلت الشعوب الأوروبية بضراوة للتخلص منه، وللتحرر من سلطة الكنيسة، وما مثلته من ظلم وجور وتخلف، وللانتقال إلى عصر العلمانية والحياة المدنية. ولكن أوروبا كانت قبل وأثناء عملية التحول إلى عصر الحداثة، تُعبّد الطريق وتمهّده لإنتاج المزيد من التطرف المتصل بالعنف على الدوام، وكانت حُجّتها في ممارسة ذلك العنف، هو الدفاع عن الأيديولوجيات، أو في سبيل نشرها.
حتى المفكرين الليبراليين، وبعض الكتّاب المتنورين أيدوا نشر الأفكار والأيديولوجيات باستخدام العنف، واعتبروه عملا مبررا. وكان هذا العنف - وبطبيعة الحال - يولّد ردات فعل عنيفة، وإلى خلق شعور بالظلم، وبالتالي زيادة عمليات المقاومة السرية وأعمال الانتقام، مما يعني بالضرورة إنتاج التطرف. ومن المعروف أنه متى ما افتتحت دائرة العنف، لا يعود من السهولة السيطرة عليها أو إيقافها.
لا يشك أحد بأن العنف بحد ذاته هو ظاهرة اجتماعية عرفتها البشرية منذ أقدم الأزمان، بل أنها اقترنت بالإنسان منذ ظهوره على وجه البسيطة. ولكن هذا العنف كان في معظم الأحيان مجرد سلوك غريزي، أو ردة فعل تجاه حدث ما، بينما نجد أن التطرف يظل مقترنا بقناعات فكرية وأيديولوجية معينة، ينجم عنها سلوك عنيف.
تجادل هذه الورقة بأن العنف الذي تم استخدامه كوسيلة للوصول للحرية أتى بالتطرف. وأن الكنيسة التي استخدمت القوة والعنف من أجل الإصلاح - الذي بدأ مع مارتن لوثر – كانت نتيجته تقسيم أوروبا طائفياً وسياسياً، والتشجيع على نشوء التطرف وانتشاره. كما أن الثورة الفرنسية التي نادت بالحرية والمساواة أتت بنتائج متناقضة مع مبادئها، لأنها استخدمت القسوة والعنف في أساليبها. أيضا، الأيديولوجيات المتطرفة كالفاشية والنازية أتت كنتاج للأساليب الوحشية التي ظهرت في الحرب العالمية الأولى. بمعنى آخر، يمكننا القول بأن كافة أشكال التطرف، والأيديولوجيات العنيفة، والتعصب الوطني والمذهبي والعنصري الذي نراه اليوم في كافة بقاع العالم، بدأت مقدماتها بالظهور، ومعالمها بالتشكل في أثناء مراحل الصيرورة التاريخية التي مرت بها أوروبا في القرون القليلة الماضية.
أوروبا عندما غرقت في بحر الظلمات
سُميت العصور الوسطى التي عاشتها أوروبا في حالة من التخلف والفوضى بعصور الظلام، ليس لأننا لا نعرف عن تلك الحقبة إلا أقل القليل وحسب، بل لأن نور الحياة والمعرفة ظل محبوسا خلالها في حصون الجهل والخرافة. لا أحد يعرف على وجه اليقين متى بدأت عصور الظلام بالتحديد، ولكن لا أحد يختلف مع ما ورد عنها من صور مظلمة وشهادات مروعة، تلمسها مختبئة في مدونات الكنيسة، وقصص سلالات النبلاء والأرستقراطيين. وهي الأصوات الوحيدة التي برزت من تلك الحقبة، حيث كانت الكنيسة وحدها ومعها حلفائها من الإقطاعيين من يملكون حق الكلام، يقومون بدور الله، ويتحدثون باسمه، ويقتلون باسمه، يوسمون الناس صنوف العذاب باسمه، أو يبيعونهم صكوك الغفران !! وفي حقيقة الأمر، كان الموضوع برمته عبارة عن تكريس لسلطة الكنيسة، وتوسعة حدود الملك، ومناطق نفوذ الإقطاع، وزيادة ثروات الطبقات الحاكمة.
في تلك الحقبة كانت الكنيسة كل شيء في القارة الأوروبية، فقد سيطرت على كل مناحي الحياة، من الولادة إلى الزواج حتى الممات. ولم يكن لها ذلك، لو لم تكن الأمية متفشية على أوسع نطاق، إذْ منعت الكنيسة الناسَّ من تعلم القراءة والكتابة، بل واعتبرت ذلك شيئا خطيراً، يهدد مكانتها، ويدنس قداستها !!
كل من تكلم، أو فكّر، أو اختلف مع الكنيسة، أو عبّرَ عن احتجاجه على مظالمها, اعتبرته من الخصوم، بل من أعداء الله الملحدين المهرطقين الذين يستحقون أقصى العقوبات بتهمة التجديف. كوبرينوكس عوقب، وجاليليو أُدين، أما فوبرنو فقد أعدم، وغيرهم الكثير. ملايين النسوة أحرقن بتهمة السحر، ملايين الفقراء قضوا نحبهم في محاكم التفتيش التي ابتدعها لويس الرابع عشر، والتي كانت مخصصة في بادئ الأمر لمعاقبة المسيحيين ممن يشذون عن تعاليم الكنيسة، وكانت عقوباتها لا تقتصر فقط على حرق كتبهم، بل بحرقهم شخصيا. ولكن بعد ذلك لم تبق محاكم التفتيش مقتصرة على المسيحيين، إذْ امتدت لغيرها من الديانات، كما حدث مع المسلمين واليهود في الأندلس.
ولم يكن العنف الذي مارسته أوروبا موجها للداخل وحسب، ففي الحملات الصليبية التي شنتها على المشرق العربي في القرنين الثاني والثالث عشر - تحت ذرائع دينية – ومارست خلالها أقصى درجات العنف ضد أهل البلاد، واقترفت بحقهم مذابح مروعة، بالرغم أن المنطقة العربية كانت حينها تنعم بنوع من السلم والهدوء، ولم تكن تشكل تهديدا جديا على الحضارة الأوروبية.
ما قبل الصحوة
سواء كانت العصور الوسطى قد بدأت بتولي قسطنطين الحكم سنة 284 م، أم بدأت سنة 476 م  وهي السنة التي شهدت آخر عهد بالإمبراطورية الرومانية في الغرب، إلا أنه من الثابت أنه بعد انقضاء هذه الحقبة المظلمة التي امتدت نحو ألف عام، بدأت القارة الأوروبية محاولاتها الأولى في الانبعاث، ضمن عملية تحول تاريخية من الحقبة الثيوقراطية بكل مساوئها إلى عصر العلمانية والحداثة، ولم تكن تلك العملية سهلة على الإطلاق، بل كانت عملية عنيفة جدا، جرت في سياقها حروب عديدة، وخاض المجتمعات الأوروبية خلالها تحديات كبيرة، وقدّمت فيها تضحيات جسيمة، وقد قاد عمليات التحول تلك مفكرين وساسة ورجال دين إصلاحيين، معبّرين عن العديد من الأيديولوجيات والأفكار، والتي كان أكثرها يتسم بالتطرف والتشدد. وقد بدأت إرهاصات التحول في القرن الرابع عشر وامتدت على مدار قرنين عنيفين. ومن خلال استعراض هذا التاريخ الطويل من العنف، يمكننا القول أن أوروبا في أثناء صيرورتها نحو التحرر، كانت ضحية تلك الأيديولوجيات المتطرفة.
عصر الإصلاح
وكما اختلف المؤرخون على تحديد بدايات عصور الظلام، اختلفوا أيضاً حول تحديد النقطة التي انتهت عندها، فقد رأى البعض أن حركات الإصلاح الديني في أوروبا التي بدأت في القرن الرابع عشر، تمثل نهاية العصور الوسطى وبداية عصر النهضة. ورأى آخرون أن سنة 1453 م - وهي سنة سقوط القسطنطينية بأيدي العثمانيين - هي التي تحدد نهاية العصور الوسطى وبداية عصر النهضة، ففي تلك السنة أيضاً انتهت حرب المائة عام بين انجلترا وفرنسا. على أية حال، فقد شهدت السنوات التالية بدايات حركات الإصلاح الديني، والتي قادها مارتن لوثر (1483 ~ 1546). والتي مهدت لافتتاح عصر التنوير.
فعندما أتى "لوثر" روما حافياً، في رحلته الدينية ( 1513 ~ 1518 ) فُجع بما رآه من بذخ وترف، يرفل به البابا وحاشيته، فيما كان المسيحيون في عموم أوروبا يرزخون تحت قهر بؤسهم وفقرهم، فثار على الكنيسة وسلطتها، وقال بأن الارتباط بالكنيسة ليس هو طريق الخلاص المسيحي، وأن الخلاص يأتي بالإيمان بالله وليس بالبابا، ولا بصكوك الغفران التي يمنحها، والتي رآها مسلكاً يتناقض مع تعاليم الكتاب المقدس، يستغل بها البابا سذاجة الجماهير لفائدة الخزانة الرومانية.
وبالإضافة لأطروحات "لوثر" تلك، فإن أهم ما قام به هو ترجمة الكتاب المقدس للألمانية، الأمر الذي سمح بانتشاره بين العامة، ليكتشفوا بأنفسهم حجم الزيف الذي مارسته الكنيسة عليهم لسنين طويلة. ومع مناداته برفض صكوك الغفران، والعودة للقيم الإنسانية. تحولت أطروحات لوثر إلى "بيان" لتحرير الفقراء من بؤسهم، وتحرير المسيحيين من سلطة البابا والكنيسة. فآمن به الكثير، وتبعوه دون تردد. ولكن على عكس رؤيته القائمة على نشر قيم التسامح والعدالة والسلام في ربوع العالم المسيحي، فقد أدت حركته الإصلاحية إلى تقسيم أوروبا، وانتشار الحروب والأعمال الوحشية والعنف، وقد دُنّست القيم المسيحية، وحلَّ محلها الكراهية والتطرف.
حيث أن الكثيرين ممن اتبعوا لوثر انحرفوا عن المبادئ والتوجيهات التي أطلقها لإصلاح أوضاعهم، فظهرت تفسيرات سياسية واقتصادية ودينية جديدة ومتباينة للإصلاح الذي دعا إليه، وطبعا في سبيل تحقيق طموحات وأحلام الفئات المختلفة التي اتبعته. فانتشرت العديد من الثورات التي نظمتها في البداية الطبقات المتعلمة، ثم سرعان ما وصلت لعامة الناس، فبدؤوا بأعمال الانتقام من الرهبان ورجال الدين الذين اعتبروهم مسؤولون عن حياتهم البائسة في السابق.
وفوق هذا ظهرت حركات إصلاحية جديدة انشقت عن اللوثرية، أهمها الكالفانية التي أصبحت أكثر تطرفا، وقد تجلى ذلك بكل بشاعة في حرب الثلاثين عاما ( 1618 ~ 1648 ) الأكثر دموية في تاريخ أوروبا.
كانت الحاجة الملحّة للإصلاح هي التربة الخصبة التي نبتت عليها أفكار لوثر الإصلاحية، ولكن ما ساهم في انتشارها السريع هو اختراع المطبعة، وانتشار الصحافة المطبوعة في تلك الفترة، بالإضافة إلى مهارات لوثر الخطابية، وسماته الشخصية. ولكن الأساليب التي مارسها أتباعه وخصومه كانت وحشية وقاسية وعنيفة، بالرغم من معارضة لوثر لها، وتبرؤه منها، ولكن في النتيجة عجز لوثر عن وقفها، وعجز عن منع تقسيم أوروبا.
وهنا نلاحظ بوضوح كيف تحولت الأفكار النبيلة إلى أيديولوجيا متطرفة، بمجرد أن آمن معتنقيها بالعنف، سواء من العامّة الذين قرؤوا الكتاب المقدس ووجدوه متناقضا مع تعاليم الكنيسة، أم من المفكرين الذي آمنوا بضرورة العنف لنشرها أو للدفاع عنها، وحتى من خصومهم الذين مارسوا نفس الأساليب، ليصبح إيمان الجميع - وبشكل سريع - أيديولوجيات متطرفة. بل أن الصراعات العنيفة امتدت داخل المنظومة الأيديولوجية الواحدة، وفي نفس الطائفة، فقد أدى انتشار حركات الإصلاح الديني إلى ظهور الحركة البروتستانتية، التي اختلفت مبادئها من دولة إلى أخرى، كاللوثرية والكالفانية والأنجليكانية، الأمر الذي أدى إلى نشوب الحروب الدينية.
عصر التنوير
عرفت أوربا خلال القرنين 15 و  16بداية انبعاث ما سمي بعصر النهضة، وقد تعددت أسبابه ومظاهره، ففي إيطاليا، ازدهرت الحركة الفنية على يدي دافنشي ومايكل أنجلو، وزاد التنافس الثقافي والاقتصادي بين الإمارات الإيطالية، خاصة بعد سقوط مدينة القسطنطينية وهجرة علمائها صوب المدن الإيطالية. كما ظهرت الحركة الإنسانية، وهي حركة فكرية ظهرت خلال تلك الفترة وساهمت في تطوير المعرفة، وركزت على تمجيد الإنسان وإحياء التراث القديم، وقد تميزت الأعمال الفنية في تلك الفترة بجعل الإنسان محور لها. وما شكل دعامة قوية لتلك الانطلاقة النهضوية حركة الاستكشافات الجغرافية التي بدأت آنذاك.
وقد شكل عصر النهضة - وما تلاه حتى القرن التاسع عشر - مرحلة هامة في مسيرة التطور الأوروبي، البعض اعتبره عصر إسحق نيوتن، وماكسويل، ودارون، وجان جاك روسو، وفولتير، وكانْت، وهيغل وماركس وغيرهم. البعض اعتبره عصر سيادة مفاهيم الليبرالية والحقوق الفردية، وحقوق الإنسان، والنظريات العلمية، والتفكير المنطقي، والتسامح، والديمقراطية، وبدايات عصر الحداثة؛ وهذه أشياء لا يمكن إنكارها، بالرغم من ذلك، لا بد من القول أن أوروبا في طريقها نحو الليبرالية والعلمانية - وخاصة في بدايات عصر النهضة - قتلت الآلاف من أبنائها، سواء من الإصلاحيين اللوثرين أم من معارضيهم الجلفانيين، أم من غيرهم، من خلال العديد من المذابح والحروب الدينية وعمليات الإعدام والانتقام المتبادل، وخاصة في فرنسا وهولندا وألمانيا.
 ولابد من الاعتراف والتأكيد على أن العديد من المفكرين الليبراليين والقادة السياسيين والثوار برروا استخدام العنف، وشجعوا على استخدامه، بل ومارسوه بقسوة، لقتل وترحيل الآخرين المختلفين معهم، وكان هذا العنف يتم باسم التنوير والحرية، وأيضا تحت ذريعة مقاومة الاستبداد. وكان هذا العنف في كل مرة يستدرج ردات الفعل العنيفة، ذلك ببساطة لأن العنف يولد الكراهية، ومن يُمارَس عليه العنف سيشعر بالظلم أو بالخوف، والحاجة للدفاع عن نفسه.
الثورة الفرنسية التي بدأت عام 1789 واستمرت حتى العام 1799 هي مثال واضح على ذلك، حيث وافق العديد من المفكرين المتنورين مثل جون لوك، وجان جاك روسو، وغيرهم على استخدام العنف للوصول إلى الحرية والتخلص من الاستبداد، وحتى أنهم وافقوا على استخدام العنف ضد الهنود الحمر في أمريكا، لتحقيق الليبرالية والديمقراطية. ولكن النتائج التي انتهت إليها الثورة الفرنسية كانت كارثية بكل المعاني، وخاصة في السنوات الأولى التي أعقبت الثورة، بالرغم من  شعارات الحرية والإخاء والمساواة التي طرحتها كأهداف لها. ويمكن فهم تلك المرحلة من خلال "قصة مدينتين" لتشارلز ديكنـز، الذي تحدث فيها عن قتل الأبرياء، وتدمير وسرقة الممتلكات، والظلم، والأعمال الوحشية المجنونة، وانعدام الأمن، حيث قُتل وأعدم قرابة الأربعين ألف إنسان في تلك الحقبة الرهيبة، التي شاع فيها استخدام آلات التعذيب والمقصلة على نحو غير مسبوق. وفي النهاية ارتدت فرنسا مرة ثانية إلى الديكتاتورية، في عهد نابليون.
الثورة الأمريكية التي خاضها الشعب للتحرر من الاستعمار البريطاني، هي أيضا مشابهة في سياقاتها للثورة الفرنسية في جوانب عدة، أهمها استخدام العنف ونتائجه، وفي الحرب الأهلية الأمريكية ( 1861 ~ 1865 ) التي كان من أهم نتائجها تحرير العبيد، سادت أجواء رهيبة من العنف والفوضى، وبالذات في نهاياتها، حيث مورس العنف بأقصى درجاته، ويمكن فهم تلك المرحلة من خلال قصة "ذهب مع الريح" للكاتبة الأمريكية "مارغريت ميتشل"، التي وصفت فيها حوادث السرقة والقتل والانتقام وانعدام روح التسامح.
العديد ممن تبنوا مفهوم العنف لنشر أيديولوجياتهم، استفادوا من التقدم العلمي الحاصل آنذاك في صناعة العديد من آلات التعذيب والقتل، التي أعدت خصيصا من أجل هذا الغرض، حيث وظفت السلطات وأيضا الثوار التقدم العلمي والاختراعات - التي جاءت في الأساس لتحقيق مصلحة البشرية - وجيّروها لخدمة مصالحهم وأفكارهم العنيفة.
العصر الحديث
العنف ليس بالظاهرة الجديدة، تاريخ الدول القديمة كله مليء بالعنف، تاريخ الإمبراطوريتين الرومانية والفارسية كله عنف، تاريخ الدولة العربية الإسلامية أيضا عرف أشكالاً رهيبة من العنف، الأحزاب والحركات اليمينية في أمريكا وأوروبا وخاصة الحركات المسيحية - الصهيونية تستمد جذورها من تعاليم الكتاب المقدس، أحزاب الإسلام السياسي "الجهادية" تجد مبررات عنفها في تاريخ الدولة الإسلامية، ومن تعاليم بعض فقهاءها المتشددين. ولكن وبالرغم من ذلك فإن الأيديولوجيات المتطرفة التي نعرفها الآن ( الوطنية والطائفية واليمينية والعنصرية ) وُلدت قبل قرون قليلة فقط، وبالذات في أوروبا في فترة تحولها "العنيف" من الحكم الثيوقراطي إلى الديمقراطية، وبعد ذلك في الحقبة الاستعمارية الكولونيالية، وما تلاها في الحربين العالميتين الأولى والثانية.
وبهذا المعنى، فإن أوروبا مسؤولة عن إيجاد التطرف، الذي غزا العالم اليوم، لأن العالم الذي نعيشه اليوم هو بكل تجلياته ومظاهره نتاج لما كان يعتمل في المرجل الأوروبي في عصر النهضة: كل التقانة والتكنولوجيا التي ننعم بها حاليا بدأت مقدماتها من الثورة الصناعية في أوروبا، الدساتير والقوانين المدنية جاءت من أوروبا، مفاهيم الحداثة وحقوق الإنسان والحريات والأنظمة السياسية والأحزاب جاءت من أوروبا، المادة البشرية التي استعمرت العالم الحديث في أمريكا واستراليا جاءت من أوروبا، في الحقبة الاستعمارية نقلت أوروبا كل مفاهيمها وقيمها إلى العالم الثالث، بما في ذلك أيديولوجيا التطرف.
وكان لظهور النـزعة القومية والوطنية التي بدأت في أوروبا في القرنين الثامن والتاسع عشر دورا إضافيا مهما في صناعة التطرف وتأجيجه، حيث بدا جليا أن الحروب والعنف والتطرف قد زادت بشكل ملحوظ، وتحت حجة الحرية والحفاظ على الهوية الوطنية، ولا شك أن هناك أسباب إضافية خلف تلك الحروب، أهمها البحث عن المصالح، والوضع السياسي والاقتصادي، والتقدم التكنولوجي وخاصة في مجال صناعة الأسلحة، وحتى في مفهوم العنف نفسه.
وفي الحقبة الاستعمارية، مارست أيضا القوى الأوروبية الغازية درجات عالية من العنف ضد سكان المستعمرات، الأمر الذي نتج عنه بالضرورة حركات المقاومة الشعبية، والتي كانت تُقمع بقسوة ووحشية وعمليات إبادة جماعية. ومن البديهي أن هذه الأجواء لن ينجم عنها سوى الأيديولوجيات المتطرفة، ومن كلا الجانبين.
ولم يكن العنف الأوروبي موجها فقط إلى الخارج، إذْ عرفت أوروبا حينها أشكالا عديدة من العنف الداخلي ومن العنصرية واضطهاد الإثنيات والأقليات الدينية، ومن أبرزها اضطهاد اليهود، وحصرهم في جيتوات مغلقة، وتعريضهم لمذابح عديدة، وكانت ردة فعل بعض الجهات اليهودية الدعوة للتكتل وإنشاء الحركة الصهيونية، والتي ستكون أسوأ نموذج للتطرف والعنف. وكان رد أوروبا على جرائمها بحق اليهود عبارة عن جريمة أخرى، وهي دعم الحركة الصهيونية وإنشاء دولة إسرائيل، التي أصبحت مصدرا رئيسا للعنف والتطرف في المنطقة العربية في العالم أجمع، وسببا وجيها لتقوية الأصوات الراديكالية والعنيفة.
وأوروبا مسؤولة أيضا بشكل غير مباشر عن كل العنف الذي نراه الآن في أمريكا: ففي البداية صدّرت أوروبا لصوصها ومغامريها إلى العالم الجديد، وأغلب هؤلاء كان العنف سمتهم الطاغية، ومن ثم أيد العديد من المفكرين الأوروبيين استخدام العنف والتطهير العرقي بحق الهنود الحمر. ثم دشن هؤلاء الأمريكان القادمين من أوروبا عصر العبودية الجديدة، حين جلبوا من أفريقيا على مدار أربعة قرون قرابة العشرين مليون إنسان، فضلا عن الملايين الآخرين الذين ماتوا على الطريق، ليتم استعبادهم في مزارعهم ومصانعهم، ضمن ظروف لا إنسانية بالغة القسوة.
وحتى بعد أن تم تحرير العبيد بعد الحرب الأهلية الأمريكية، ظلّوا يعانون من التمييز العنصري لأجيال متواصلة، وهذه الممارسات العنصرية العنيفة من قبل "البيض" خَلقت في نفوس "السود" حقدا ورغبة في الانتقام لكرامتهم المهدورة وحقوقهم المسلوبة، ظلّت دفينة وتخرج إلى السطح من خلال ممارساتهم العنيفة من حين لآخر. وقد أوجد مناخ العنصرية السائد آنذاك الحركات العنصرية والجماعات الدينية الأمريكية ذات الأيديولوجيا المتشددة، التي تؤمن بنقاء العنصر الأبيض، والتي كانت أسوأ ممارساتها التفجير الإرهابي في أوكلاهوما.
وأوروبا مسؤولة أيضا وبشكل غير مباشر عن العنف في أفريقيا، بسبب احتلالها المباشر للعديد من الدول الأفريقية، وبسبب ممارساتها الوحشية ضد السكان، ونتيجة سياساتها العنصرية، ونهب خيراتها. وحتى بعد انسحابها منها، فقد تركت ورائها قنابل موقوتة وحدود ملتهبة ومشاكل متفاقمة وأنظمة فاسدة، وفوق هذا غذّت الصراعات الأهلية والإثنية والطائفية، ودعمت الجماعات الموالية لها والتي تخدم مصالحها. وهذا ينسحب بصورة أو بأخرى مشابهة على المستعمرات الآسيوية خاصة في الهند والبلدان العربية. وهي نفس الممارسات التي تبنّتها أمريكا فيما بعد، في فيتنام وكوريا والعديد من بلدان أمريكا اللاتينية. 
في الحرب العالمية الأولى تحرك أكثر من 60 مليون جندي، قُتل منهم 8 ملايين، وأصيب 7  ملايين بإعاقات دائمة، فيما جرح 15 مليون آخرين. أما الحرب العالمية الثانية التي بينت أن الحرب الأولى لم تحسم الصراع ولم تحل أزمة الرأسمالية المستفحلة، فقد كانت في حقيقة الأمر عبارة عن ردة فعل للظروف المجحفة التي تعرض لها الألمان في حقبتي العشرينات والثلاثينات، وإحساسهم بالظلم والعدوان العالمي الذي فرضه عليهم المنتصرون في الحرب الأولى.
بين الحربين العالميتين ظهرت أحزاب سياسية تبنت العنف، ولوحت به في وجه أوروبا، وتحت ذريعة الحداثة والحرية والوطنية: الفاشية والنازية والشيوعية ( خاصة في عهد ستالين )، وجميعها أحزاب استبدادية دكتاتورية، بالرغم من الاختلافات في منطلقاتها وأيديولوجياتها، وقد استخدمت نفس العنف لنشر أفكارها، وفي النتيجة مات في الحرب العالمية الثانية 60 مليون إنسان، منهم 20 مليون جندي، والبقية من المدنيين، نتيجة المذابح والتطهير العرقي أو المجاعات والأوبئة التي تسببت بها الحرب.
بعد ذلك بدا بشكل أكثر وضوحا، أن العنف والتلويح به أخذ يلعب دورا مهما وحاسما في العلاقات الدولية، ليس فقط في حقبة الحرب الباردة، بل وبعدها أيضاً: ففي بداية القرن الحادي والعشرين سنرى صورة واضحة كيف أن العنف الممارس باسم الليبرالية والديمقراطية قاد إلى التطرف. المحافظون الجدد في عهد الرئيس الأمريكي جورج بوش (2001 ~ 2009) استخدموا نفس المبررات لاستخدام العنف، وهذه المرة استحدثوا مفهوم "السيطرة الخيرة"، والحرب باسم الديمقراطية والحرية، لتبرير الحرب على العراق وأفغانستان والممارسات السادية في سجن أبو غريب، وفي مقابل العنجهية الأمريكية تعاظم دور الإسلام السياسي المتطرف، باسم الجهاد ضد الهيمنة الأمريكية، لنلاحظ كيف أن كلاً من أيديولوجية "بوش" ونقيضها الجهادي تؤمنان بنفس المبدأ، وهو نشر الأفكار باستخدام العنف، وكيف أنهما يؤديان إلى استدراج ردود الأفعال العنيفة.
وفي العصر الحديث نلاحظ بوضوح أيضا تكاثر الحركات والأحزاب اليمينية المتطرفة، سواء من خلال صعود الأحزاب اليمينية لسدة الحكم عن طريق الانتخابات، أو من خلال الحركات السرية؛ ففي أوروبا ظهر النازيون الجدد، والأحزاب اليمينية المسيحية المتشددة، وفي أمريكا هناك العشرات من الحركات والجماعات اليمينية المتطرفة، وأكثرها مسلحة، وترعاها النخب الحاكمة، وخاصة من الحزب الجمهوري. فكما نتج التطرف عن العنف في بادئ الأمر، نلاحظ اليوم عودة بعض مظاهر العنف في أوروبا وأمريكا، نتيجة انتشار التطرف، لأن العنف والتطرف عبارة عن حلقة متصلة ينتج أحدهما الآخر.
إشكالية الهوية الأوروبية وأثر ذلك في إنتاج التطرف
ظلت أوروبا وعلى مدار تاريخها تحاول جاهدة إيجاد صيغة جامعة لهوية أوروبية موحدة، ولأنها تفتقر لأهم رابط قومي ( وهو اللغة )، فقد كانت في كل مرحلة تاريخية تجد لنفسها قواسم مشتركة معينة، سرعان ما تنهار وتتبدد بمجرد أن تبدأ بطرح أسئلتها الإشكالية الكلية. ففي العصور الوسطى وجدت ضالتها في الهوية المسيحية التي ميزتها وحافظت عليها بفعل سيطرة الكنيسة، ولكن بعد عصر الإصلاح اللوثري وما نتج عنه من حروب دينية قسّمت أوروبا إرباً إربا، تبين لها أن المسيحية ليست كافية لخلق هوية جامعة. وهذا أمر تم تداركه حديثا في صياغة دستور الاتحاد الأوروبي العلماني، الذي تجاهل الدين كعنصر أساسي في بناء المجتمع، وخاصة مع وجود جاليات إسلامية يهودية في العديد من الدول الأوروبية[1].
في عصر التنوير وجدت أوروبا ضالتها في الهوية الثقافية والفنية، ولكنها بدخولها عصر الاكتشافات الجغرافية ثم الثورة الصناعية، ومن ثم الحقبة الكولونيالية تبين لها مدى التناقضات الشديدة بين أقطارها، وتباين مصالحها الهائل، الأمر الذي تُرجم في الحربين العالميتين الأولى والثانية.
في العصر الحديث وجدت أوروبا ضالتها في الهوية الاقتصادية، أي من خلال البحث عن الروابط والمصالح والحاجات الاقتصادية المشتركة، والعمل على الاستفادة منها لخلق هوية أوروبية، ومن هنا نشأت التكتلات الأوروبية التي انتهت بصيغة الإتحاد الأوروبي. ولكن ومع هذه الصيغة الوحدوية ما زالت أوروبا تطرح سؤالها الأبدي عن السمات الأساسية اللازمة لخلق الهوية الأوروبية، وعن الحدود الطبيعية التي يجب أن تتوقف عندها أوروبا.
كان العنف سمة ظاهرة بكل قوة في كل مراحل التاريخ الأوروبي، وكانت الدول نفسها هي التي تمارس العنف أو ترعاه، ولكن بعد أنهكها العنف، وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية قررت أوروبا تصدير العنف للخارج، وبدلا من الاقتتال، قررت بناء نظام اقتصادي يحقق مصالح الدول، فلا تعود لها حاجة لممارسة العنف. ومن هنا يمكن فهم تمسك الدول الأوروبية بالاتحاد، وخوفها من انفراط عقده، لأن ذلك قد يعني العودة إلى الحروب ودوائر العنف مرة ثانية.
الخلاصة
يمكن بسهولة تشخيص جذور الأيديولوجيات المتطرفة من خلال العصور التي مورس فيها العنف باسم الحرية، ويمكن البرهنة على أن الحدود القصوى للعنف لنشر الأفكار تؤكد على المشهد السابق. الناس قتلت بعضها في حروب كثيرة، في بلدان عديدة، ولقرون طويلة، وما زالوا يمارسون القتل والعنف حتى اليوم. البعض يبرر الحاجة للعنف السلطوي والقسوة في مواجهة قوى المعارضة، حتى لا تكون السلطة ضعيفة، وبالتالي تعجز عن الحكم، وينشأ العصيان المدني وينعدم الأمن، ولكن هذا كان دائما ينتج قوى معارضة لا تجد سوى العنف طريق لها، لتحقيق ذاتها، أو للتعبير عن مطالبها.
البعض يعتبر أن وحشية الإنسان وقسوة طباعه هي المسؤولة عن العنف، وهذا يتعارض مع من يقول بأن الإنسان في جوهره مسالم وطيب، ولكن الظروف هي التي تحكم ممارساته، ليكيّف نفسه معها، وللدفاع عن نفسه في سبيل البقاء.
البعض يبرر العنف لنشر الأفكار التي يؤمن بها، ويرى بأن التضحيات ضرورية ومبررَّة ولا غنى عنها، حيث أنها هي التي أدت للوصول إلى العلمانية والحداثة في أوروبا، فإذا كان هذا صحيحا فذلك يعني أن الثورة بانتهائها ووصولها إلى غايتها يجب أن تغلق دائرة العنف. ولكن هذا غير صحيح بدون شك، ومثال ذلك فإن الثورة الفرنسية انتهت إلى عكس ما بدأت به، لأن النخب مارست العنف وانتهت بنظام ديكتاتوري. وهاهي العلمانية الفرنسية تتحول الآن من منهج حياة إلى أيديولوجيا تُدعى العلمانية المتطرفة، وهي التي تقمع الحريات الدينية، وتتدخل في الحريات الشخصية، وقد انتشرت اليوم في عموم أوروبا. ومن المتوقع أن تقابِل العلمانية المتطرفة أيديولوجيا دينية متطرفة.
البعض يبرر العنف تحت ذريعة محاربة الشر والقضاء عليه، ونشر قيم الفضيلة، ولكن النتائج من وراء مسلسل طويل من العنف مورس تحت هذا الشعار: "صراع الحق والباطل" كانت مأساوية، وتجلت فقط بالدمار والخراب، وبمقتل الملايين من البشر، دون أن ينتصر الحق والخير، ودون القضاء على الشر، ولا حتى محاصرته، وما حصل فعلا هو استمرار مسلسل العنف العبثي، بلا طائل.
ومثل هذه الأفكار ما زالت حية، وتجد تعبيراتها في كل مكان، وهذا ما يؤكد أن العنف بمجرد أن يبدأ من الصعب أن يتوقف، وبدلا من التباهي بالليبرالية الزائفة التي تحققت بالعنف، لا بد أن نرى الحروب والمواجهات العنيفة التي نتج عنها الأيديولوجيات المتطرفة، وهي التي تهدد السلم العالمي، اليوم وغدا ..
العنف لا يحل أي مشكلة، لأن ما ينتج عنه فقط هو مزيد من العنف، بالإضافة للأيديولوجيات المتطرفة، وبدلا من العنف يجب أن تكون الحلول والممارسات معتدلة وعقلانية، ويجب أن تحل المحبة والتسامح محل الكراهية والرغبة في الانتقام، ولا بد للإنسانية أن تستخدم عقلها وذكاءها، وأن لا تحكمها الغرائز البدائية ولا الأفكار الموتورة، ويجب أن نرفض العنف بكافة أشكاله وصوره، مهما كانت المبررات والحجج والأقوال المعسولة والجمل المنمقة التي تجمّله وتسوّغ استخدامه. ويجب أن نتدرب جميعا على تقبّل وجهات النظر الأخرى، مهما بدت لنا غريبة أو مستهجنة، لأن العنف - بجملة واحدة - هو نقيض الإنسانية.


[1]  نسبة المسلمين في أوروبا بحدود 2.5 % من مجمل السكان.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار