أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

نوفمبر 15، 2011

غـزة .. حصاد خمسة سنوات من حُكم حماس


   I.      تقـديم
في حزيران 2007 وصل الاقتتال الفلسطيني الداخلي ذروة غير مسبوقة، وبلغ حداً فاصلا لم يعد ممكنا بعده أن تبقى الأوضاع على نفس الوتيرة، حيث سيرسم هذا الحد معالم حقبة جديدة من التاريخ الفلسطيني الحديث. إنها حقبة الانقسام. آنذاك، قالت حماس أنها اضطرت لهذه الخطوة لحسم صراعها مع فتح بالقوة، بعد أن استنفدت الوسائل الأخرى، لتُحكِم سيطرتها الكاملة على قطاع غزة، ولتبدأ أعوام من القطيعة بين غزة وبين رام الله.  

وهكذا صار الانفصال، وتشكلت حكومتان، الأولى في الضفة يرأسها د. سلام فياض، والثانية في غزة يرأسها الأستاذ إسماعيل هنية. وبذلك يتعمق مأزق النظام السياسي الفلسطيني أكثر، فبعد أن كان يعاني من أزمة وجود سلطة برأسين ( الرئاسة والحكومة )، أصبح يعاني من أزمة الانقسام بوجود سلطتين. ومن ناحية ثانية فإن هذا التحول أوصلَ الحركة الإسلامية إلى أبرز وأدق محطاتها، عندما انتقلت حماس بالفعل إلى مربع الحُكم والسلطة، وهو المربع الذي وضعها مباشرة بين مطرقة القيود الدولية واشتراطاتها، وبين سندان الحصار. وهذا الانتقال بهذه الصيغة أَدخَل غزة بأكملها عهدا جديدا ومرحلة مختلفة كليا.

هذه المرحلة لها ما لها، وعليها ما عليها، كُتب وقيل عنها الكثير، بين مدحٍ وذم، وبين نقد بنّاء وتشكيك يراد به التخوين. اليوم، وبعد مرور أكثر من خمسة سنوات على تشكيل أول حكومة حمساوية، وبعد توقيع اتفاق المصالحة بين طرفي النـزاع (فتح وحماس) في القاهرة في ربيع هذا العام، والذي من المفترض أن ينهي الانقسام، تتزايد الحاجة لتقييم تلك المرحلة، وأخذ العِبر منها. وعلى المستوى العربي تتزايد الحاجة لتقييم تجربة حماس، خاصة وأن قطاعات واسعة من الجماهير المنتفضة - وكذلك النخب - في بعض البلدان العربية اختارت الحركات الإسلامية كبديل عن حكامها الذين تحرروا من سطوتهم، ومنهم من فعَلَ ذلك على سبيل التجربة، وهؤلاء أولى بهم أن يدرسوا تجربة حماس. حيث ستستعرض هذه الدراسة أهم قسَمات وسِمات هذه التجربة، بسلبياتها وإيجابياتها، دون توجيه أي اتهام، أو محاكمة أحد، وإن كان هناك من نقد فهو بهدف التصحيح، وإن كان ثمة أسئلة محرجة أو موجعة، فلأنها تعتمل في قلوب الكثيرين ولا بد من طرحها.

وفي البداية، لا بد من الإقرار بأن تجربة حماس فريدة من نوعها، ويمكن القول أنها أكثر من تجربة مركّبة معاً في آن واحد، فهي تجربة إدارة دويلة صغيرة تخضع لحصار دولي، وتجربة المزاوجة بين مقتضيات الحكم وشعارات المقاومة، وتجربة صمود لقطاعٍ صغير المساحة ومكتظ بالسكان أمام عدوان عسكري لا يرحم، وتجربة حُكم أول حركة إسلامية تنجح في الوصول للسلطة بطريقة ديمقراطية لا تشوبها شائبة، وأول نجاح عسكري للإخوان المسلمين في إقامة أول إمارة إسلامية شبه مستقلة، وهي النموذج الذي ترقبه كل حركات الإسلام السياسي في العالم، ومعها أجهزة المخابرات والخبراء الإستراتيجيين من كل صنف ونوع، وهي امتحانٌ لشعارات حماس التي رفعتها في وجه السلطة فيما يخص الفساد وطريقة الإدارة. هذه التجربة يجب أن تُراجَع بصورة كلية شاملة، وأن تُقيَّم وفقاً للإطار التي تشكلت خلاله، وبتفهّم الظروف الموضوعية التي أحاطت بها. ولا أحسب ذلك بالمهمة السهلة.

بعض من قيّموا تجربة حماس انتقدوها بقسوة لا تخلو من التجريح، وبعض من أشادوا بها بالغوا بمدحها بدوافع سياسية وحزبية مكشوفة، وبغض النظر عن منطلقات التقييم، فإن إصدار الأحكام وتعميم النتائج انطلاقا من الزوايا الضيقة، وبرؤية مشوشة، تعتمد المواقف التنظيمية الجاهزة، سيُبطل أي بُعد موضوعي للتقييم، وسيلغي إمكانية الحكم على الأمور بواقعية ومنطقية، وإنصاف.

في هذه الدراسة سنرصد أهم التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي طرأت على قطاع غزة بعد العام 2007، وهي السنوات التي شهدت حكم حماس، وحتى نحقق أكبر قدر من الحيادية لا بد أن نعتمد بعض المعايير الموضوعية: أولها النظر لتجربة حماس كتجربة بشرية لا كحالة مثالية، وبالتالي من الطبيعي أن نجد بعض الأخطاء، لأن من يعمل يُخطئ، ومن ثم علينا أن نتفهّم الظروف التي تولت فيها حماس الحكم، وما تخللها من معوقات وعراقيل، مع الأخذ بعين الاعتبار ضعف الإمكانيات التي اعتمدت عليها حماس في حكمها، والحصار الخانق، والعدوان العسكري المستمر، والمتطلبات الكثيرة والمعقدة لتركيبة سكانية كثيفة، وتعاني من أزمات عديدة.[1] ثم بعد ذلك علينا النظر إلى الصورة بشمولية، ورؤية النتائج النهائية والتراكمية، دون أن نسمح لحالات فردية هنا وهناك أن تطغى على المشهد العام، ونسحب ذلك على كل التجربة. فهذا تجنّي على الحقيقة، وقبل ذلك هو منهج غير علمي، ولا يوصل للحقيقة.

وبمعزل عن العراقيل والمعيقات، والحصار والمؤامرات، هنالك تقييم من نوع آخر، لا يتأثر بهذه العناصر، إلا بالمقدار الكمّي. أي تقييم تجربة حماس في الحكم استنادا لأهدافها المعلنة أو الخفية، وحسب ممارساتها على أرض الواقع، وبالذات في قضايا الحريات العامة، والمصالحة الوطنية، موقفها من التعددية الحزبية، والمجتمع المدني، وهي قضايا تخضع لتصورات أيديولوجية ورؤى حزبية خاصة، مثّلت فرصة لحماس لتختبرها وتطبّقها فعليا.

ونحن، مهما حاولنا وبذلنا من جُهد، لن نستطيع أن نحيط بالتجربة بشكل كامل، لأن القضايا التي تتصل بها كثيرة، وهي على درجة عالية من التشابك والتعقيد، وتبقَ الحقيقة نسبية، سيراها كل باحثٍ من زاويته الخاصة.

ويمكننا تقييم حركة حماس من خلال تقييم أداء السلطة التي تحكمها في غزة، ذلك لأن حماس سلكت نفس الخط الذي سلكته فتح من قبل، أي التماهي مع السلطة والذوبان فيها، فالحركتان وقعتا بنفس الخطأ، أي التحول إلى حزب حاكم، دون أن يكون هناك خطوط واضحة تفصل الحركة عن السلطة، فقد أصبحت الحركة والسلطة وجهان لنفس العملة، وصار مصير أحدهما يحدد مصير الآخر. وبالنسبة لحماس، كانت الحكومة تُدار من قبل مؤسسات الحركة نفسها، التي كانت تعمل كحكومة ظل، وهذا ما جعل أداء الحكومة في انسجام تام مع حماس كحزب حاكم.[2]

ونسعى من خلال هذه الدراسة للإجابة على السؤال المركزي: هل قدّمت حماس نموذجا ناجحا في الحكم ؟! ومن هذا السؤال ستنبثق أربعة أسئلة فرعية، وهي:

هل يمكننا المجازفة بالقول أن نجاح حماس في التفرد بحكم غزة جاء على حساب الدم الفلسطيني ؟ أي عندما وقع الاقتتال الداخلي، في سابقة تاريخية مؤسفة. وهل هذا النجاح جاء على أنقاض صورة فلسطين المشرقة، وأودى بوضوح عدالة قضيتها ؟ وهل يمكن القول بأن نجاح حماس في البقاء على سدة الحكم طوال هذه المدة العصيبة، كان على حساب السِّلم الأهلي، وعلى حساب الديمقراطية الفلسطينية ؟ وهل نجاح حماس في الحفاظ على ثوابتها كان ثمنه الحصار، ومعاناة الشعب، وجوعه، وصبره، ودماء أبناءه، وجدران بيوته التي هدمها الاحتلال ؟
وبالإجابة على هذه الأسئلة، نسعى لإثبات الفرضية القائمة على أن حماس، نجحت كحزب يناضل من أجل أيديولوجيا معينة، ونجحت كحركة سياسية وصلت للسلطة وتشبّثت بها، وبرهنت على تماسك بنيانها الداخلي، ونجحت كحكومة متمسّكة بخطابها السياسي حسب الثوابت التي أعلنتها، بالرغم من حجم الضغوطات الواقع عليها. ولكنها أخفقت كسلطة، من المفترض أن تمثل الشعب بكل أطيافه، ولم تتمكن من تحقيق معظم ما وعدت به، وفشلت في جلب الإزدهار والتنمية. كما تفترض الدراسة أن سيطرة حماس على غزة والتفرد بحكمها قد أضعفت الموقف الفلسطيني، وأدّت إلى تراجع مكانة القضية الفلسطينية، كما أدت إلى تدهور الأحوال الاقتصادية والاجتماعية لسكان القطاع. 

وتعتمد منهجية البحث في هذه الدراسة إلى تقسيمها إلى محاور (سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية)، في كل محور سنعتمد على تصريحات موثقة، جاءت على لسان قيادات حماس والناطقين باسمها والمنظّرين لها، ومن خلالها سنستعرض أهم إنجازات حكومة حماس، كما يراها ويقيّمها أصحاب التجربة أنفسهم، وبالمقارنة بين ما هو قائم حاليا، وما كان في السابق. وفي المقابل سنأخذ تصريحات وردود لقيادات من فتح ومن بقية الفصائل، وكذلك سنعتمد على مقالات لكتّاب ومفكرين مستقلين، وعلى التقارير التي تصدرها المنظمات الأهلية والهيئات الحقوقية والإحصائية، دون إجراء مقارنات بين نموذجي الإدارة في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، لأن تقييم تجربة حكومة د. سلام فياض يحتاج دراسة مستقلة ومستفيضة.

ونظرا لأهمية رأي المواطن الفلسطيني، وتقييمه الخاص لتجربة حماس، وبشكل خاص الشارع الغزاوي، فإنه من الضروري أخذ آراء الشارع الفلسطيني بعين الاعتبار، وذلك بالاسترشاد ببعض استطلاعات الرأي التي أجرتها مؤسسات متخصصة محايدة.
وفي النهاية سنُجْمل مختلف الآراء بالتعليق والتحليل، ثم الانتهاء بالخلاصة.

II.      التحديات والصعاب التي واجهتها حكومة حماس

وفي كتاب "قراءات نقدية في تجربة حماس وحكومتها 2006-2007"، توصّل مجموعة من الباحثين إلى أن "حركة حماس حققت شرعية شعبية لنفسها ولبرنامجها في المقاومة، من خلال فوزها بأغلبية مريحة في الانتخابات، إلا أن النموذج الإصلاحي والتغييري الذي وعدت به اصطدم بتحديات الصراع الداخلي، وحقائق الاحتلال، وبالحصار الدولي الظالم والخانق." [3]
وخَلُص الكتاب إلى أنه في خضم الصراعات والضغوط والضربات، لم تستطع حماس تنفيذ برنامجها الإصلاحي، كما تعرّض أداؤها الحكومي للعديد من الانتقادات، ووُجِّهت الكثير من الأسئلة عن مدى واقعية حماس في التقدم لقيادة سلطة تعمل تحت الاحتلال، أو عمل برامج إصلاحية في بيئة لا تملك فيها مفاتيح القرار الحقيقي، ولا إمكانية التغيير على الأرض.

وفي تقرير نشرته وكالة "رويترز" بمناسبة مرور ثلاثة أعوام على الانقسام الفلسطيني، جاء فيه: "تحت حُكم حماس بزغَت غزة كدويلة، تنحصر بين البحر والصحراء، يديرها ويحكمها الإسلاميون، وتسيطر فيها قوات الشرطة التابعة لها على الشوارع، يصنّفها الغرب كجماعة إرهابية". واعتبر التقرير أن "حركة حماس تجاوزت الأسوأ، بعد أن صمد حُكمها للقطاع في وجه أعوام قاسية من الحصار الاقتصادي، وحملة عسكرية إسرائيلية شاملة، ولكن الأوضاع الاقتصادية في عهدها ونتيجة الحصار تدهورت، وارتفعت معدلات البطالة والفقر".

وفي نفس التقرير قال أيمن طه، القيادي بحركة حماس: "إن الحركة أثبتت أنه لا يمكن اجتثاثها، وأن إرادتها من حديد"، وأضاف أنه "لو كانت أي دولة تعرضت لما تعرضت له حماس لكانت انهارت لا محالة". وصرح المعلق السياسي طلال عوكل، بأن "حماس مسيطرة تماماً على الوضع في غزة، وهي في طريقها إلى أن تصبح كياناً، وان هذا المشروع يسير في اتجاه واحد بمعزل عن الضفة الغربية". وقال كايد الغول، ممثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في غزة، إن "حماس جعلت من نفسها سلطة كاملة في غزة، وأنها مرّت بأصعب مرحلة، وهي ترسخ نفوذها يوماً بعد يوم".[4]
الكاتب المقرب من حماس "محمد عرفة" حدّد خمسة تحديات واجهت الحركة: أولها التحدي السياسي، حيث اعتبر أن حماس تعرضت لضغوط عربية وخارجية لتعلن اعترافها بإسرائيل، ولكنها لم تذعن لهذه الضغوطات. التحدي الثاني هو الوضع الاقتصادي: وهو، حسب الكاتب، لا يشمل فقط تحدي الحصار الخانق الذي أدي لتعثُّر الخطط الاقتصادية الحكومية (البنك الإسلامي كمثال)، ودفعها إلى الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي (اقتصاد الأنفاق) لتوفير حاجات المجتمع الأساسية، وإنما يشمل أيضا تحدي تدمير البنية التحتية، وحصار منتجات غزة، وتدمير مناطق صناعية ومصانع، بالإضافة إلى دفع رواتب الموظفين.

أما عن التحدي الداخلي فقد اعتبر الكاتب أن تحدي المصالحة مع فتح هو الأهم، ثم تحدي حركات السلفية الجهادية، التي دخلت في مصادمات مع حماس. وهو تحدي نجحت الحركة في التعامل معه بواسطة القوة والتفاهم معا. وأيضا من أبرز التحديات التي واجهت حماس، تحدي الحكم كحركة تحرر وطني والتمسك بالمقاومة، وفي الوقت نفسه لعب دور السلطة الحاكمة.

وأمام هذه التحديات اعتبر "عرفة" أن "حماس تغلبت عليها، بالرغم من قلة الإمكانات والظروف المحيطة بها، وأنها نجحت في الصمود، برغم أن هناك سلبيات لابد من الاعتراف بها، وهي سلبيات طبيعية في عمر أي حكومة"[5].

واعتبر "يوسف رزقة" الوزير السابق في الحكومة الحمساوية في قراءته لسنوات حكم حماس لغزة أن: "حماس، وبعد أربع سنوات أمضتها في السلطة، نجحت في الجمع بين المقاومة والحكم، وبين البندقية والدبلوماسية، وواجهت الحصار والحرب، ومحاولات الإخضاع، فضلاً عن ضغوط الأعداء وأبناء الجلدة". جاءت تصريحات "رزقة" هذه في ندوة تحت عنوان "قراءة في تجربة حماس في الحكم والسياسة" نظّمها المركز الفلسطيني للدراسات والتنمية بغزة. وفي نفس الندوة أوضح د. ناجي شراب أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر، أنّ الحكومة الفلسطينية في غزّة "تعيش ظروفاً خاصة واستثنائية، بسبب الضغوط والحصار المفروض عليها، وبالتالي لا يمكن تقييم حكومة حماس بنفس المعايير المطبقة على تجارب أخرى في العالم". كما عرض شرّاب بعض النتائج التي جاءت في تقرير مجموعة الأزمات الدولية، الذي أكّد على أنّ "سياسة عزل حماس أثبتت فشلها، وأدّت إلى عكس النتائج المرجوة".[6]
واعتبر رئيس المكتب الإعلامي في حكومة حماس د. حسن أبو حشيش أن وقوع غزة بين فكي كماشة العدوان الإسرائيلي والحصار الدولي، فرض على "سلطة حماس" نوعا من "التهدئة" الإجبارية. ومن البديهي أن هذه التهدئة ستفرض بدورها تحديات داخلية وخارجية على حماس، منها الدخول في صدامات مع باقي حركات المقاومة لمنعها من خرق اتفاق التهدئة، هذه الصدامات أدت في بعض الأحيان لسقوط قتلى، وتشويه صورة حماس، وظهورها كسلطة قمعية تدافع عن التهدئة مع الاحتلال[7].
III.      حماس .. والخط الفاصل بين النجاح والفشل

حتى نتعرف على طبيعة التطورات والتغيرات التي ألمت بقطاع غزة خلال فترة حكم حماس، وكيف كانت أوضاع الناس ؟ وهل نجحت حماس في حكمها، أم أخفقت ؟! سنستعرض أهم الآراء التي تناولت مختلف القضايا في هذا الشأن، من خلال المحاور التالية:
a.  الوضع الأمني
يكاد يكون إجماع بين المراقبين، على أن غزة - بعد سيطرة حماس - استتب فيها الأمن بشكل ملحوظ، وأن هذا ما تعتبره حماس إنجازها الأهم، حيث يؤكد د. ناجي شراب أن "حماس استطاعت فرض النظام، وضبط السلاح، وخفض القيادات العشائرية، والأنشطة الإجرامية والعدائية." وأضاف: "على الرغم من فرض الأمن، إلا أن قطاع غزة غلبت عليه النـزعة الأمنية؛ حيث صار أشبه بالثكنة العسكرية"[8].  

وفي معرض وصفه لنجاحات حماس، تحدث أبو حشيش عن ترسيخ الأمن، وهو لم يكتف بوصف حالة التدهور الأمني التي سادت في عهد الحكومات السابقة، بل اعتبر أن أجهزة الأمن كانت تفتقر للعقيدة الوطنية، بل كانت "عصابات كاوبوي، وقادتها أمراء حرب، إلى أن جاءت حماس بالتطهير الأمني، وقضت على التمرد، وأعادت الأمن للشارع، وذلك بعد أن نشرت مفهومها للعقيدة الأمنية، وطبقته على أجهزتها الأمنية"[9].
ولكن، وبالرغم من تحسن الحالة الأمنية، إلا أن الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، أشارت في تقريرها السنوي إلى وقوع 244 حالة قتل في غزة خلال العامين (2009 ~ 2010)، بسبب ضعف سيادة القانون، منها وفيات الأنفاق، ووفيات بسبب مشاجرات عائلية وحوادث قتل غامضة.[10]

وبسبب الأوضاع الصعبة والاستثنائية التي يعيشها القطاع، ونتيجة انغلاق الأفق السياسي، شهد قطاع غزة في سنوات حكم حماس بروز عدد من الجماعات السلفية المتشددة، مثل: سيوف الحق، وسيوف الإسلام، وأنصار جند الله، وحزب الله الفلسطيني، وجيش الإسلام، ومجموعات أخرى من التيارات السلفية ارتبط اسمها بتنظيم القاعدة. واعتبرت الباحثة "بيسان عدوان" أن هذه الجماعات استفادت من المناخات الأصولية التي تخيم في الأجواء، وأضافت قائلة: "إن بروز هذه التيارات كان بسبب تحول حماس من المقاومة الفعلية للاحتلال، إلى الجلوس على مقاعد الحكم، والإنشغال في العمل السياسي، حيث ترى بعض هذه التنظيمات أن حماس غير جادة في أسلمة المجتمع، وأنها لا تطبق الشريعة الإسلامية على النحو الصحيح".[11]  
وقد أثارت هذه التنظيمات الكثير من مظاهر الفوضى وأخذ القانون باليد، سيّما وأنها تسعى لتنفيذ برامجها الإقصائية والتكفيرية. ففي مدينة رفح أعلنت "جماعة أنصار جند الله"، عن إقامة إمارة إسلامية في رفح، الأمر الذي تسبب بمذبحة. وكذلك قامت "سرية الهمام محمد بن مسلمة" بخطف وقتل المتضامن الايطالي "اريغوني"، وكذلك أصدرت بعض تلك الجماعات بيانات تحذر فيها بلهجة شديدة الفتيات الفلسطينيات بضرورة ارتداء الزي الإسلامي، حفاظًا على سلامتهن من أي اعتداء قد ينفذه أنصارها. وجماعات أخرى أعلنت مسؤولياتها عن عشرات الاعتداءات في مناطق مختلفة، كعملية إلقاء مواد حارقة في وجه فتاة، وتفجير مقاهي الانترنت، واعتداءات ضد محال الإكسسوارات، وحرق محل للعب البلياردو، وتفجير صيدلية، ومحلات لبيع الهواتف .. وغيرها.
ومن التنظيمات التي تثير قلق حماس بشكل خاص، تنظيم "جلجلت"، وهو تشكيل مؤلف من مقاتلين، معظمهم من كتائب القسام، ويقول الباحث يزيد صايغ أن "جلجلت تسعى إلى فرض مفاهيمها الدينية على المجتمع الفلسطيني في غزة، وتعارض انشغال حماس في تلبية متطلبات الحكومة وخدمة الناس، عن الهدف الأسمى والأهم، وهو أسلمة المجتمع، وترى أن حماس بهذا الانشغال تكون قد عرضت نزاهتها الإسلامية للخطر، وأساءت لتعهدها بخوض المقاومة ضد إسرائيل"[12].

وباستعراض عدد من الحوادث الأمنية التي وقعت في غزة، سواء كانت بدوافع سياسية أم جنائية، سنعرف كيف تعاملت معها حماس بطريقتها الخاصة، ومن الأمثلة على ذلك:
·        في 1-10-2006 اندلعت مواجهات عنيفة بين أفراد القوة التنفيذية ومنتسبي الأجهزة الأمنية اللذين كانوا يتظاهرون مطالبين بدفع رواتبهم، ما أدى لسقوط تسعة قتلى من المتظاهرين، إضافة إلى طفل، وجرح 115 شخصا.
·        وفي الذكرى الثالثة لرحيل ياسر عرفات حاولت أجهزة حماس تفريق الجماهير المحتشدة في ساحة الكتيبة، وفي المحصلة قُتل برصاص الشرطة تسعة مواطنين، وأصيب 105 مواطنين آخرين بجروح متفاوتة.
·        وفي 1-8- 2008 حاصرت الشرطة مساكن عائلة حِلّس لاعتقال مطلوبين تشتبه بتورطهم في انفجار غامض أودى بحياة خمسة نشطاء من حماس، واستخدمت خلال اقتحامها للحي مدافع الهاون والرشاشات الثقيلة، ما أسفر عن مقتل تسعة مواطنين بينهم طفل، بالإضافة لمقتل ثلاثة من عناصر الشرطة، وإصابة أكثر من 95 مواطناً.
·        وفي منتصف أيلول 2008 اندلعت مواجهات عنيفة بين أجهزة حماس، ومسلحين من عائلة دغمش استخدمت فيها الرشاشات والقذائف الصاروخية، وأسفرت عن مقتل عشرة مواطنين بينهم طفلان، ومقتل أحد أفراد حماس.
·        وفي منتصف آب 2009، اعتلى منبر مسجد ابن تيمية في رفح الشيخ عبد اللطيف موسى، وهو من قادة تيار السلفية الجهادية، وخلال خطبة الجمعة التي ألقاها محاطاً بعدد من المسلحين، أعلن عن قيام إمارة إسلامية، وخلال ساعات هاجمت عناصر القسام المتحصنين في المسجد، فبدأت الاشتباكات وسمع خلالها دوي إطلاق نار عنيف، وشوهدت قذائف الآر بي جي تنهمر على المسجد، وباتجاه بيت الشيخ موسى المجاور له، وكانت المحصلة سقوط 27 قتيلا، منهم إثنان من القسام، بالإضافة لإصابة أكثر من 120 مواطنا بجراح.
وفي كل مرة كانت حماس تبرر ما حصل بأنه فرض للنظام والقانون. فمثلاً اعتبر السيد إسماعيل هنية أن "ما جرى في مسجد ابن تيمية من تداعيات وإطلاق نار، ومقتل العديد من عناصر الأمن الفلسطيني والمدنيين، وما سبق تلك الأحداث من حرق لبعض المقاهي ومحلات الحلاقة وبعض المؤسسات، وغير ذلك من الأعمال المنافية للشريعة السمحة؛ يدفع الحكومة لأن تكون في لحظة حازمة وحاسمة من أمرها لأجل شعبها وقضيتها، ولتحافظ على الفكر الوسطي للشعب الفلسطيني، الذي يرفض هذه الأمور كلها". واعتبر هنية أن "العلاقة مع الجماعات السلفية في فلسطين علاقة طيبة ومبنية على الاحترام المتبادل"[13].
b.    الوضع الاقتصادي
التقارير الواردة من غزة تشير إلى أنه بسبب الحصار وتردي الأوضاع الاقتصادية نزلت شرائح اجتماعية عديدة تحت خط الفقر[14]، فيما زادت معدلات الجرائم، وكذلك حالات التسرب من المدارس، وتراجع الوضع الصحي والتغذوي[15]، وشهدت الأسواق في أوقات كثيرة حالة من الركود، وبسبب غلاء المعيشة - الذي شمل المنطقة بأسرها - انخفضت القوة الشرائية للمواطن. ومن ناحية ثانية وبسبب الحصار أيضا تدهورت أحوال الزراعة التي كانت تشكل ما نسبته 70% من إجمالي الصادرات الزراعية للأراضي الفلسطينية، وصارت المنتجات الزراعية بالكاد تكفي السوق المحلية، عدا عن توقف وتعطيل 85% من المنشآت الصناعية والمشاريع الصغيرة عن العمل، كما سجلت نسبة البطالة أعلى معدل لها، فتجاوزت نسبة 50%، كما انخفضت حركة الواردات بنسبة 75%، عدا عن النقص الحاد في الوقود والكهرباء والأسمنت والحديد والكثير من المواد الأساسية. وأيضا شهد القطاع تراجع حجم الاستثمارات الداخلية وانعدام الخارجية. بالإضافة إلى توقف معظم المشاريع الممولة من الدول المانحة[16].
وتشير الإحصائيات إلى تراجع نسبة مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني من 35% إلى 10%. بسبب استفحال التجارة غير الرسمية الواردة من الأنفاق، حيث أتت نتائج هذا النمط من التجارة مدمّرة، ولعل من أخطرها مقتل المئات من الشبان في حوادث متفرق داخل الأنفاق، فضلا عن أسوأ مظاهرها الاجتماعية والمتمثلة بنمو فئات طفيلية جديدة تعيش على هامش الاقتصاد الفلسطيني، دون إمكانية ضبطها أو السيطرة عليها، بالإضافة إلى نزوح عدد كبير من رجال الأعمال والمستثمرين.
 وعن أثر هذا الحصار قال السيد إسماعيل هنية: "كان للحصار آثار كبيرة على مناحي الحياة في قطاع غزة، وقد عانى الناس أشد المعاناة بفقدهم لاحتياجاتهم اليومية الأساسية. لكن كنا على ثقة كاملة بالله تعالى بأن الحصار زائل لا محالة، وكان للدور العربي والإسلامي أثر كبير في كسر هذا الحصار تدريجياً رغم أنف الاحتلال وحلفائه."[17].
أما رئيس المكتب الإعلامي لحماس د. أبو حشيش، فقد أوضح أن "حماس سلَكَت نهج الاكتفاء الذاتي، فتحركت الحكومة لتحرير القضية الاقتصادية، وشهد قطاع غزة طفرة عمرانية في المدارس والجامعات والمستشفيات والميادين والمنشآت الحكومية والسياحية، وحرّكت عملية الاقتصاد المحلي، وأبدعت في إدارة أزمة الحصار، من خلال رعاية ودعم المواطن، وإيجاد آليات التجارة الخارجية، ووضع الإستراتيجية الزراعية."[18]
الكاتبة "نادية عيلبوني"، تقدم رؤية مختلفة، وتستند في مقالتها على دراسة مقارنة قام بها مركز الإحصاء الفلسطيني بين سنتي 2008 وبين 2009 شملت مختلف قطاعات الحياة، في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، وحسب هذه الدراسة فإن "الضفة الغربية شهدت تحسنا في الأداء الاقتصادي على كافة الأصعدة، ولكن في قطاع غزة، كانت الأمور مختلفة، فقد بينت الدراسات الصادرة عن غزة تراجع ملحوظ على هذه المستويات"[19].
ويبرر قادة حماس تدهور الأحوال المعيشية في غزة بسبب إغلاق معبر رفح، وبسبب مؤامرة تحيكها السلطة لإسقاط حكومتها، وحول هذا الموضوع قال د. سلام فياض في لقائه الدوري مع الكتّاب والصحفيين: "إن حكومته تخصص 58 % من ميزانيتها لغزة"، وأكد فياض أنه "بدون هذا الدعم ستتفاقم مشكلة غزة في وجه حماس"[20]. ولكن هذا لا يعني أن السلطة في رام الله تتمنى طول البقاء لحكومة حماس.
واعتبر الأستاذ الصايغ أن سياسة حماس في الشأن الاقتصادي كانت تعتمد منهج التجربة والخطأ، ويقول: "إن الحكومة في غزة طورت اقتصادا فريدا من نوعه، يستند إلى امتزاج ثلاثة مداخيل أساسية: التهريب عبر الأنفاق، المساعدات والمعونات الشهرية التي تدفعها حكومة سلام فياض، والبالغة بحدود 65 مليون دولار شهري، تُدفع رواتب لآلاف الموظفين، ولتشغيل محطات الطاقة والمياه، بالإضافة للخدمات والرواتب المقدمة من قبل المنظمات الأجنبية وغير الحكومية وعلى رأسها وكالة الأونروا." واعتبر الباحث الصايغ أن هذه المداخيل خففت الضغط كثيرا على كاهل حكومة حماس.[21]
ولكن حماس لديها مصادر تمويل أخرى، فهي تجني من عائدات الضرائب أكثر من خمسة ملايين دولار شهريا، وهناك إسهامات جماعة الإخوان المسلمين، وأموال لجان الزكاة، والمشاريع الإنتاجية والمنتجعات السياحية التي تملكها حماس والتي تقدر أرباحها حوالي 95 مليون دولار سنويا[22]، والأهم من هذا, الأموال المباشرة التي تأتيها من قطر ومن إيران.[23]
وفي تقريره بيّن الصايغ أن التجارة عبر الأنفاق تشكل أكثر من 80 % من حصة الواردات والإيرادات المدنية للقطاع بأكمله، ويقدر مصرفيون محليون أن سلطة حماس تجني من تجارة الأنفاق ما بين 150 ~ 200 مليون دولار بالسنة،"[24].
ويؤكد الباحث الصايغ، أن هذا النوع من الاقتصاد (الموازي) يفتح المجال للفساد والتلاعب، ومع أن حماس تنفي بشدة وجود حالات فساد، وأن كل ما يقال عن الثروات التي كونتها قيادات حمساوية من تجارة الأنفاق ما هي سوى دعاية مغرضة من الخصوم، وبالذات من أطراف معينة في فتح، بل أن حماس تؤكد أن النشاطات التجارية في القطاع لا تخضع لأي ابتزاز، على عكس ما كان عليه الوضع في عهد الحكومة السابقة. غير أن ذلك لا ينفي تكوّن طبقة جديدة قوامها أكثر من خمسة آلاف من مالكي الأنفاق، وأكثر من 50 ألف ما بين تاجر وموزع ومهرب يعملون في نطاق تجارة الأنفاق التي تسيطر عليها حماس، بالإضافة لقيادات ومسؤولين في الحكومة، حتى أن القطاع الخاص ونسبة كبيرة من رجال الأعمال الذين بات يتهددهم خطر الإفلاس من جراء الحصار، وانسداد بوابة التجارة الخارجية، باتوا هم أيضا مشدودين للعمل في إطار تجارة الأنفاق، في محاولة منهم للتأقلم مع الظروف الجديدة، والاستفادة من التسهيلات التي تقدمها حكومة حماس لتجار الأنفاق. وهؤلاء جميعا إلى جانب الموظفين المدنيين، ومنتسبي الأجهزة الأمنية، والعاملين في لجان الزكاة والمستفيدين منها، يشكلون معا القاعدة الانتحابية المخلصة لحماس[25].
c.    الحريات العامة
سعت حماس، قبل وبعد توليها مقاليد السلطة، لفرض مفاهيمها الاجتماعية والاقتصادية على المجتمع، وهي ما زالت تعمل بخطوات مدروسة وهادئة باتجاه أسلمة المجتمع، ولكنها حريصة في نفس الوقت على أن لا تُظهر ذلك على نحو يثير حفيظة الناس، وتقول دائما أن نموذجها في الأسلمة هو النموذج الأردوغاني، لا النموذج الطالباني، ولكن البعض يشككون في ذلك، ويرون أن الصدامات العنيفة بين حماس والتيارات الجهادية والسلفية المتشددة تأتي في إطار السباق والتنافس على فرض أسلمة المجتمع، ولكن كلٌ من وجهة نظره، وحسب أسلوبه، وفي هذا السياق، سعت حماس وبخطوات حثيثة للسيطرة على البنية التحتية الإسلامية، أي السيطرة على المساجد، وتعيين خطباء ووعاظ ينتمون لها، والإمساك بلجان الزكاة .. حماس أرادت أن يتم ذلك بخطوات متدرجة تراكمية يتقبلها المجتمع، بينما أرادت الحركات السلفية والجهادية فرض الأسلمة بالقوة ودفعة واحدة، فلجأت إلى تفجير الأماكن السياحية، وحرق المخيمات الصيفية، وتفجير صالونات التجميل، محلات الإنترنت، المقاهي، محلات بيع أسطوانات الأغاني والأفلام، تفريق حفلات الأعراس الغنائية بالقوة، وضرب المغنيين أو منعهم من الغناء، أي محاربة كل ما تعتبره مخالف للشريعة[26].
وعن مناخ الحريات في غزة، يقول الروائي اللبناني إلياس خوري، في مقالته المعنونة "الحجاب والنكبة": "لا تستطيع وأنت تقرأ أخبار فرض الحجاب في غزة، سوى أن تشعر بعبثية الأشياء. كأن الحصار الخارجي لا يكفي، لذا قررت حكومة حماس، فرض حصار داخلي اسمه الأخلاق. والأخلاق في عرف زعماء حماس، تتجسد في الحجاب."  [27]
ويضيف الكاتب: "إن الأمر لن يتوقف عند فرض غطاء للرأس، بل سيشمل إجبار النساء على لبس الجلباب - حتى المحاميات - وسيطال الضحك بصوت مرتفع، ومانيكان المحال التجارية (الموديل المصنوع من البلاستيك). بل إنه وصل إلى حد سؤال صحافية فلسطينية كانت تسبح على الشاطئ مرتديةً بنطلونا وقميصا، كيف تسبح وحيدة من دون محرم".[28] ويضيف خوري: "حتى الآن لا نزال في المتوقع، لكن الجديد هو تحجيب الرجال. إذ لا يحق للرجل أن يسبح بالمايوه، لأنه يكشف عورته، كما أن الانترنت صارت آفة يجب مراقبتها، هذا من دون أن نتكلم عن الكتب الممنوعة، ومجموعات ما يشبه الأمر بالمعروف، التي تتجول مهدِّدة في أسواق غزة".
ويعتبر الكاتب أن هذه الإجراءات لها دلالات سياسية، فهي تعلن وبشكل واضح عن مشروع إنشاء إمارة إسلامية في غزة، ويستنتج من ذلك بأن هناك اقتناعاً لدى قادة حماس، بأن حالة الانفصال الشاذة بين الضفة والقطاع سوف تتحول إلى واقع دائم. وهذا قد يعني حسب الكاتب، "أن حماس قررت استبدال هدف تحرير فلسطين، بهدف بناء مجتمع إسلامي". فيتساءل إذا ما كانت حماس "عادت إلى ينابيعها الفكرية، وقررت أن الهدنة التي وقّعتها وتتمسك بها ما هي إلا فسحة طويلة، تريد خلالها أن تبني مجتمعها الإسلامي، وأن تثبّت إمارتها ؟".
في نفس السياق كتب الباحث الأردني عريب الرنتاوي، في مقالته المعنونة "حين تتغلب الطالبانية على الأردوغانية": "في الوقت الذي تعمل السعودية فيه على تحجيم جمعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو الشرطة الدينية، تطالعنا حكومة حماس في غزة، بقرارات وإجراءات تنتمي إلى هذه المدرسة الدينية الآفلة، فليس من تفسير لإجراءات منع النساء من تدخين الأرجيلة في الأماكن العامة، وقبلها فرض الحجاب والجلباب على طالبات المدارس والمحاميات والمدرّسات، وما بينهما من حظر استخدام الدراجات النارية على النساء، وإلزام الأزواج بتأبط “عقود قرانهم” إن هم قرروا التنـزه مع نسائهم، أقول ليس من تفسير لهذه الإجراءات سوى النـزوع نحو سلفية طالبانية الطراز".[29]
ويعلق الرنتاوي على تبرير حماس لمثل هذه القرارات التعسفية ووصْفها بأنها "ممارسات غريبة عن مجتمعنا"، فيقول: "الحقيقة أن الغريب عن مجتمعنا هو هذا السلوك الأصولي المتشدد، الذي تفاقمت ملامحه خلال سنوات حكم حماس، فالفلسطينيون شعب منفتح ومتسامح، والمرأة الفلسطينية طالما تمتعت بأدوار ومكانة اجتماعية وبمستوى من الحريات الشخصية، تضيق بها المدارس الإخوانية المتأثرة حديثا بالسلفية، والمرأة الفلسطينية لها حقوقها وحرياتها الشخصية، ولا يمكن لها أن تقبل العودة إلى قفص الحريم، والمجتمع الفلسطيني نشأ وتربى على الاختلاط في الأفراح والأتراح، والمرأة الفلسطينية محترمة وهي تمتطي الدابة، أو تركب الدراجة النارية، وليس من حق أحد أن يلقن الناس دروساً في الآداب العامة."
ويتساءل الكاتب: "إذا كانت حماس في وضعها الصعب الراهن تفعل ما تفعل على هذا الصعيد، فما الذي ستفعله إن استتب لها الأمر، ودانت لها السلطة بصورة مستقرة ومستدامة، ما الذي ستفعله إن فقد المجتمع الفلسطيني قدرته على مقاومة هذا الشطط والتغوّل والشمولية ؟ ما الذي ستفعله إن طال بها المقام في الحكم، في غياب الانتخابات وتبادل السلطة؟."
يجيب على هذا السؤال د. محمد حمزة في مقابلة على العربية في يناير 2009، حيث أشار إلى أن المجلس التشريعي في غزة والذي تُشكّل حماس الأغلبية فيه، كان قد وافق بالقراءة الثانية على مشروع قانون العقوبات، وقد وصف د. حمزة هذا القانون بأنه "أكثر تزمتا من القانون السعودي، بل هو أكثر رجعية من قانون طالبان".
ودفاعا عن موقف حماس من الحريات العامة قال المتحدث باسم الشرطة الفلسطينية إسلام شهوان: "إن قرارات منع إقامة الحفلات الراقصة والماجنة، يأتي تطبيقا لتعاليم ديننا الحنيف، وهي حفلات مرفوضة خاصة في الوقت الذي يحتاج فيه الشعب الفلسطيني للتضرع والبكاء والتوجه إلى الله لرفع الحصار والأزمة عن غزة"، وعن المهرجانات التي لم تسمح حماس بترخيصها قال شهوان: "هذه المهرجانات مدعومة من جهات غربية وتندرج تحت إطار الغزو الفكري".[30]
وقد أقر مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة بتاريخ 9/6/2009 في مدينة غزة (لائحة الآداب العامة للمحافظة على النظام العام والآداب في المجتمع، ونشر الفضيلة وتقوية الجبهة الداخلية)، فيما أكد رئيس الوزراء المقال إسماعيل هنية أن "حكومته لا تمس بحرية الناس والفرد والأسرة"، داعيا سكان غزة إلى "التزام هذه القوانين التي تهدف إلى حماية الآداب العامة" واعتبر هنية أن "هذه اللائحة تعبّر عن الفكر الوسطي الذي تنتهجه حماس، وهي منسجمة مع ثقافة الشعب الفلسطيني بغزة، لأنه شعب متدين، ومحافظ وأخلاقه وعاداته اكتسبها من ديننا الإسلامي الحنيف"[31].
وقد شرعت حركة حماس بتطبيق حملة 'الفضيلة' في القطاع، التي تقوم على أساس تطبيق تعاليم الدين من خلال الدعوة، وعمل القائمون على الحملة على استصدار قرارات عديدة، اعتبرها المثقفون اعتداء على الحريات الشخصية، منها مثلاً: منع الاختلاط، منع الحفلات الموسيقية، منع الاحتفال بعيد الحب .. ولكن د. عمر عبد الرازق، وهو نائب عن حماس، وعند سؤاله عن نية حماس أسلمة المجتمع، أجاب: "لا توجد نية عند حماس لأسلمة المجتمع، لأن اتفاق القاهرة الذي وقّعنا عليه لا ينص على ذلك".[32]
أما على صعيد حرية التعبير، فقد منعت حكومة حماس الصحف الفلسطينية الثلاث من دخول غزة لمدة طويلة، ثم عادت وسمحت بدخولها.[33] كما منعت مراسلي تلفزيون وإذاعة فلسطين من العمل. كما صادرت شرطة حماس عدة روايات أدبية، بحجة أنها تتضمن عبارات مخلة بالآداب،[34] وكانت قبل ذلك قد أمرت بحرق رواية "قول ياطير". وكان وزير الثقافة السابق يوسف رزقة قد أصدر تعميما وزاريا بمنع الرقص الشرقي !! وإيجاد آلية لمنع الاختلاط في الأماكن العامة، والرقابة على الأفلام، وذلك تحت شعار الحفاظ على القيم الدينية[35].
وعندما  أعلنت وزارة الثقافة في غزة أنها لا تمانع بإعادة فتح دور السينما المغلقة، اعتبر بعض المثقفين أن هذا ليس كافيا، لأن القرار يتضمن فرض "رقابة" على ما سيُعرض فيها، وعبّروا عن خشيتهم من ذلك، لأن هذه الرقابة ستقيّد وستمنع كل ما تعتبره لا يتناسب مع "عادات وتقاليد المجتمع الفلسطيني"، أي بعبارة أخرى ستمنع حماس كل ما لا يتماشى مع رؤيتها الأيديولوجية، تحت ذريعة الفضيلة.[36]
وتسجل منظمات حقوقية في كل سنة الانتهاكات التي تقترفها حكومة حماس بحق الصحافيين، وتقييد عملهم، ومنعهم من الوصول إلى أماكن معينة، على سبيل المثال، فنّد الكاتب الصحفي داود داود التصريحات التي أدلى بها حسن أبو حشيش، حول حرية الرأي والتعبير في القطاع، مؤكداً أن عناصر مسلحة من حماس قامت بإغلاق المكتب الإعلامي التابع لفتح في غزة ومصادرة محتوياته بتاريخ 27/7/2008، وقامت باستدعائه والتحقيق معه، وإجباره على التوقيع على تعهد بعدم ممارسة أي مهنة إعلامية لحركة فتح داخل القطاع. وأكد داوود بأن حماس ما زالت تغلق 22 مؤسسة صحفية تابعة لفتح في قطاع غزة. [37]
وحسب تقرير "هيومن رايتس ووتش" فإن المضايقات الحادة من قبل أجهزة الأمن في كل من الضفة الغربية وغزة، والتي تستهدف الصحفيين، كان لها أثر على شل وتقييد حرية التعبير.[38]
كما سجلت المنظمات الحقوقية استيلاء حماس على العديد من الأندية والاتحادات والنقابات والمراكز الثقافية، أو إغلاقها، أو التضييق عليها، أو احتوائها بطرق ملتوية[39]. كذلك فعلت مع عدد من المنظمات الأهلية المستقلة، وفي تصريح لإيهاب الغصين اتهم فيه بعض قيادات المنظمات الأهلية بالعمالة والجاسوسية، ودعاهم لتسليم أنفسهم.[40] كما عطلت حكومة حماس حق المواطنين بالتجمع السلمي في أكثر من حالة، منها منع تنظيم مسيرات مؤيدة لمنظمة التحرير، منع إحياء ذكرى استشهاد ياسر عرفات، منع مسيرات مؤيدة لمسعى السلطة في الحصول على اعتراف مجلس الأمن بالدولة الفلسطينية، منع إقامة مهرجانات في ذكرى النكبة.[41].
كما سجّل تقرير الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان حالات تعذيب قاسية ووحشية في سجون السلطة (في الضفة وغزة على حد سواء)، وسجّل نفس التقرير تسعة حالات وفاة داخل سجون حماس في العام 2009، بالإضافة إلى 32 حكم بالإعدام، أصدرتها محاكم تابعة لحكومة حماس فقط في سنتي 2009 ~ 2010. [42]
كما تلقت الهيئة 1587 شكوى عن حالات انتهاك لحقوق المواطنة في غزة عن العامين 2009 ~ 2010، بما فيها عمليات الاعتقال التعسفي، وانتهاك الحريات الشخصية، وعدم إتباع الإجراءات القانونية في الاحتجاز والتوقيف والتفتيش والتحقيق والعرض على المحكمة.[43] كما حذر التقرير من كثرة حالات تعدي القضاء العسكري على القضاء المدني، وعرض مدنيين أمام محاكم عسكرية، ومن غياب ضمانات المحاكمات العادلة. فضلا عن حالات منع مواطنين من السفر، كما منعت قيادات من فتح من دخول غزة. [44]
كما أبدى المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان قلقه حيال تكرار الاستدعاءات من قبل جهاز الأمن الداخلي لنشطاء من الحراك الشعبي، وائتلاف شباب 15 آذار لإنهاء الانقسام، والتحقيق معهم.[45]
المتحدث باسم حماس فوزي برهوم قال في تصريح على تلفزيون الأقصى ونشر على موقع شبكة فلسطين للحوار: "إن قرارات الحكومة بمنع الصحف من دخول القطاع، أو إغلاق مقرات فتح، أو الجمعيات التابعة لها، تأتي ردا على قرارا حكومة فياض التي بدأت بمنع صحيفة فلسطين من دخول الضفة، وإغلاق الجمعيات المقربة من حماس، ومنع أنصارها من تنظيم مسيرات".

d.    الأداء الحكومي

في حوار أجرته "البيان" مع رئيس الوزراء إسماعيل هنية، في الذكرى الرابعة لتولي حماس الحكم في غزة، استعرض السيد أبو العبد طبيعة التحديات التي واجهتها حكومته، وتحدث عن أهم انجازاتها، فقال: "منذ بداية الحكومة العاشرة، ونحن على يقين أننا استلمنا موروثاً ثقيلاً ومهلهلاً، وبدأنا نسعى لإعادة بنائه على أسس مهنية ووطنية. بعد الحسم العسكري شعرنا بأن الوقت بدا أكثر ملائمة؛ فقمنا بإعادة تشكيل لجنة الإصلاح والتطوير الإداري، من أجل إعادة دراسة جميع الهياكل التنظيمية للمؤسسات الحكومية، وآليات تطويرها، ووضع أنظمة ولوائح لضبط هذا الأمر، وبناء على ذلك تعمل الآن المؤسسات ذات الصلة وفق هذه المعايير. وقد شكلت موازنة عام 2010 فارقاً مهماً في التطوير الإداري، فهي الموازنة الأولى التي يقرها التشريعي منذ عام 2006، وهذا يدل على إرادة لتنظيم العمل الإداري والمالي للحكومة، وقد أقرت الموازنة النظام المالي للصرف، والتعيينات الوظيفية، وكذلك المخصصات المالية للمشاريع المزمع تنفيذها".

وفي مقالته كتب أبو حشيش: "بصورة إجمالية، نؤكد أن حماس نجحت في إدارة الشأن العام، ولو كانت الظروف طبيعية لكان النجاح على كافة الصُعد وبدرجات أعلى"،  واعتبر أن من أبرز مظاهر نجاحات حماس هي "تقديم نموذج المسئول القدوة "[46].
وعن نظافة اليد، أضاف الكاتب: "يكفي أن نقول أن حماس كشفت زيف الدعم المالي الخارجي المُسَيَّس وأوقفته، وأوقفت الارتهان للبنوك، وحالة الاستدانة التي سيطرت على مالية السلطة منذ إنشائها، ونستحضر هنا تصريحات سلام فياض عقب توقيع المصالحة بأن خزينته عليها ديون ملياري دولار، وأن الرواتب في خطر، بينما رواتب حكومة حماس المُحاصَرة والمُحارَبة منتظمة، ولا ديون على خزينتها".
وحسب رأي الكاتب فقد ورثت حماس: حكومة، ومؤسسات، وجهاز إداري متكامل، وأجهزة أمنية، ولكنها مليئة بالفساد، فسعت خلال الأعوام الماضية على تطويرها وتدريب الكوادر الإدارية والأمنية، ونجحت في توفير رواتب الموظفين، (35 ألف موظف منهم 15 ألف عنصر أمن).
ومن جانبه أكد الوزير السابق "رزقة" أيضا أن: "حماس نجحت في قمع الفساد ولجم المفسدين، ووضع النظام المالي على الطريق المستقيم، ذلك على الرغم من تأثير الحصار عليها"، مؤكداً على أن حركته "لم تسجل أي حالة اختلاس مالي لأي مسئول، كذلك لم تستدن من أي دولة خارجية خلال فترة حكمها على مدار السنوات الماضية، على الرغم من قلة المال."[47]
ويقول الأستاذ صايغ في تقريره: "على عكس حركة فتح، فقد مارست حماس سيطرة فعالة على وزارة الداخلية، وإدراكا منها لمدى الاستياء الشعبي من غياب القانون والفوضى في الشارع - قبل استيلاء الحركة على القطاع - ركزت حكومة هنية جهودها على تحقيق الأمن، معتبرة إياه قضيتها المركزية، وقد حققت نجاحا ملحوظا في هذا الشأن، وفرضت سيطرة النظام والقانون، وباستخدام القوة في بعض الأحيان"[48].
ويشار إلى أنه بعد ما أسمته حكومة د. سلام فياض "انقلاب حماس" أصدر فياض تعليماته للموظفين العموميين في غزة بعدم التوجه إلى أماكن عملهم، وهكذا استنكف آلاف الموظفين (مدنيين وعسكريين) عن مزاولة أعمالهم، ومن المفارقة أن هذا القرار جاء في مصلحة حماس، فهي لا تدفع لهؤلاء رواتبهم، وفي المقابل أتيح لها المجال أن تحل محلهم الآلاف من أنصارها، وإضافة إلى ذلك، قامت حماس باستبدال آلاف المعلمين وموظفي الأوقاف وغيرهم بموظفين مؤيدين لها.
وتشير بعض التقارير الصادرة عن جهات موالية لفتح، أن حكومة حماس عينت في أول ستة أشهر من عمرها 11500 موظف دون مسابقات حقيقية، وخلافا للقوانين المرعية، وطبعاً كلهم من حماس، وتضيف تلك التقارير أن حالات الترقيات والتنقلات والإقصاء الوظيفي تتم بدون غطاء قانوني، وهي أكثر من أن تُعد .. وتستعرض أمثلة لطلاب تم تعيينهم بدرجة مدير قبل تخرجهم، وحالات توظيف لزوجات وأولاد وأقارب مسؤولين في الحكومة الجديدة، وتتحدث تلك التقارير عن جيش غفير من المدراء العامون والوكلاء والمستشارين تم تعيينهم ضمن عملية احتلال حمساوي للمواقع الإدارية الحيوية في أجهزة السلطة.[49]
وعن عدم جدية حماس في الإصلاح ومكافحة الفساد، قال عضو مركزية فتح "عباس زكي" في حديث خاص معه: "حماس جاءت للسلطة تحت شعار الإصلاح والتغيير، بعد أن تكشفت أخطاء الحكومات السابقة، وفاحت رائحتها بفضائح الفساد المالي ولإداري .. ولكن حتى اليوم لم تفتح حماس أي ملف فساد، طبعا باستثناء عمليات نشر الغسيل على شاشات الفضائيات، والحرب الكلامية على مواقع الإنترنت، وتوجيه التهم جزافا وبدون دليل"[50].
ونقل موقع أمد الإخباري تقريرا عن صحيفة الجارديان البريطانية، جاء فيه: أن "شعبية حماس تتراجع عاما بعد عام"، ورأت الصحيفة أن "الكثير من الفلسطينيين يلومون حماس، ويعتبرون أن سيطرتها على قطاع غزة جلبت لهم الحصار. فالفلسطينيون انتخبوا حماس من أجل الإصلاح والتغيير، ليس من أجل الحصار والبطالة، وصوتوا من أجل إنهاء الفساد، وهو ما لم يحدث حتى الآن". [51]
e.    السِّـلْم الأهْـلي
القيادي البارز في فتح "أبو علي شاهين" قال في حديث خاص معه: "حركة حماس أتت للحكم بطريقة ديمقراطية، وهذا يعني أنها ارتضت هذا النهج للوصول للسلطة، ولكن حماس تعاملت مع الديمقراطية بانتقائية مدروسة، فرأت مثلا أن الانتخابات تُجرى لمرة واحدة فقط، وبدلا من أن ترسِّخ حماس نهج الانتخابات والتداول السلمي للسلطة، وتعمّق الديمقراطية الفلسطينية، وتضمن السلم الأهلي، وتركز على التنمية المجتمعية، عملت على العكس .. مع أن الناطقين باسم حماس يتغنون بالديمقراطية، ويفاخرون بأن شرعيتهم مستمدة من صناديق الاقتراع، إلا أن حماس عملت على تفريغ الديمقراطية من محتواها، وأخذت تتخلى عنها بالتدريج، ورسخت حكم الحزب الحاكم الأوحد، وبالتالي جرَّت على المجتمع بسبب سياساتها الكثير من الخراب والدمار"[52].
وأضاف "شاهين": "لا معنى للديمقراطية إذا لم تضمن السلم الأهلي، أو إذا عرَّضت مصالح الشعب للخطر، ولا ضرورة لها إذا لم يكن الإنسان فيها محورها ومنطلقها، وحقوقه بمثابة حجر زاويتها، وأمنه ورفاهيته مبتغاها".
وذكَّرَ "شاهين" بتصريح محمود الزهار في العام 2005 عندما وجّه تهديده للرئيس عباس قائلا: "أي تأجيل لموعد الانتخابات يعتبر وصفة لحرب أهلية"، وتساءل "شاهين": "إذا كان مجرد تأجيل الانتخابات سببا كافيا عند الزهار لشن حرب أهلية، فكيف ستكون حماس حريصة على السلم المجتمعي ؟".
عضو مركزية فتح الأخ نبيل شعث قال في لقاء خاص معه: "تسعى حكومة حماس بخطوات هادئة ومدروسة إلى تقويض أسس المجتمع المدني الفلسطيني، القائم على تعايش الأديان، والتعددية السياسية، والتسامح والاعتدال والحفاظ على القيم الإسلامية دون تعصب، وهي الصيغة التي حافظ عليها الشعب الفلسطيني منذ أن تبنّى العهدة العمرية حتى اليوم. وتعمل حماس بخطى حثيثة على استبداله بمجتمع ثيوقراطي، ونظام شمولي".
وعندما لجأت حماس إلى حسم خلافها مع فتح بالسلاح، في حزيران 2007، قال حينها قائد فتح في غزة "أحمد حِلّس" معلقا على ما حدث: "نعم، انتصرت حماس، ولكنها انتصرت على شعبها، وأوغلت في الدم الفلسطيني" واستنكر "حِلّس" استخدام حماس للسلاح في وجه خصومها، لتحقيق أهدافها في تكريس سلطتها بصورة انفرادية.
الناطق باسم حماس د. سامي أبو زهدي قال: "أن حماس حريصة على الدم الفلسطيني، ولكنها اضطرت لخطوة الحسم العسكري دفاعا عن نفسها، وعن المقاومة وعن المجتمع الفلسطيني الذي عانى كثيرا من فساد أجهزة فتح". وأضاف في حديثه على فضائية الجزيرة إبان أحداث غزة: "إن حماس ستعمل على تعزيز السلم الأهلي، وفرض النظام، والقضاء على كل مظاهر الفوضى".
الكاتب حمادة فراعنة اعتبر أن حجج حماس التي سوّقتها لتبرير لجوئها للحسم العسكري حجج واهية، وأوضح في مقالته أن: "إدعاء حماس بوجود مؤامرة مسبقة من فتح وأجهزتها الأمنية لإسقاط حكومة حماس، إدعاء باطل، فقد بيّنت الأحداث أن عناصر الأجهزة والأمنية وضباطها كانوا مرتبكين حائرين عندما هاجمهم جيش حماس المنظم، حتى القيادة في رام الله كانت متفاجئة ومترددة، ولم تعطهم أوامر واضحة، واتضح أنه لا وجود لأي خطة، وهذا يعني أن حماس كانت هي من يملك الخطة للإطاحة بفتح، وإقامة إمارتها الإسلامية في غزة، حتى لو أدى ذلك إلى سفك الدم الفلسطيني".[53]
وفي هذا الصدد يقول القيادي البارز في فتح "عباس زكي": "لا شك أن حركة فتح عندما كانت على رأس السلطة اقترفت العديد من الأخطاء والخطايا، وأساءت في مواقع عديدة .. بيد أنها لم تهدد المجتمع المدني، ولم تسعى إلى تقويض أسسه الحضارية، وتعريض سلمه الأهلي للخطر، ولم تمارس القمع السلطوي، ولم تؤسس ميليشيات حزبية، ولم تهدد بإشعال حرب أهلية، بل ظلت صمام الأمان للوحدة الوطنية وللخيار الديمقراطي، وكانت أخطاؤها منحصرة في الفساد المالي والإداري، وبعض المسلكيات التخريبية هنا وهناك، وهو الذي دفعت ثمنه باهظا عندما مثلت أمام محكمة الشعب حين قال كلمته الفصل وأصدر قراره القاسي والعادل بحقها .. وقد قبلت به وسلمت السلطة لمن اختارهم الشعب بسلاسة واحترام .. وحماس ستمثل هي أيضا أمام ذات المحكمة، ليقول الشعب كلمته بحقها".[54]
وعن تأجيل الانتخابات قال النائب عن حماس د. عمر عبد الرازق: "حماس لا ترفض الانتخابات، ولا تخشاها، ولكنها تشترط توفر الضمانات لنـزاهتها، والاتفاق على آلياتها".
ومع أن آفة الطائفية غير موجودة في فلسطين عموما، إلا أن قيادات مسيحية في غزة أعربت عن خوفها على مستقبلها، خاصة في أجواء التطرف والتشدد الديني[55]، فقد أقدمت مجموعة مسلحة في حزيران 2007 على حرق كنيسة في غزة، وأصدرت بيانا يتضمن عبارات طائفية. واعتبر الإعلامي ياسر أبو هلاله أن "أسوأ ما حصل في غزة بعد سيطرة حماس عليها هو إحراق الكنيسة"، وأضاف: "لا يكفي أن تستنكر حماس الفعلة وتحقق فيها، لا بد من موقف صارم يعاقب المجرمين الذين ارتكبوها".[56] ولكن غبطة الأب "ميشيل صباح" أوضح أن حماس تدافع عن الأقلية المسيحية في غزة. فيما أكد الفنان التشكيلي المسيحي نصر الجلدة، أنه "لم تشهد غزة تمييزاً بين المسيحيين والمسلمين، فالكل هنا فلسطيني".[57]

IV.      رأي الشارع الفلسطيني في تجربة حماس في الحكم

ترى الباحثة لميس فريحات أنه: "من غير المستغرب أن تخسر حماس موقعها وشعبيتها في معقلها، فقد أظهرت العديد من استطلاعات الرأي الأخيرة أن حركة حماس لن تعود إلى السلطة في حال أجريت الانتخابات. فحسب استطلاع للرأي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والإحصائية، تبين أن حماس ستحصل على 28 % فقط من الأصوات في الانتخابات القادمة، ما يمثل انخفاضاً حاداً من نسبة الـ 44 %  التي فازت بها في العام 2006".[58]
الدكتور أحمد يوسف، مستشار هنية، يقول: "نعم، غالبية الناس يريدون التغيير، فهم غير راضين عن الطريقة التي تحكم بها حركة حماس قطاع غزة. أينما نظرتم تجدون مشاهد حياة بائسة، فأربعين في المائة من سكان قطاع غزة يعيشون في فقر، ومعدل البطالة يقترب من 50 %، من بين أعلى المعدلات في العالم، ومن المرجح أن تزداد الأمور سوءاً، حيث عدد السكان 1.6 مليون وسيتضاعف في السنوات الـ 20 المقبلة".

وأظهر استطلاع للرأي أجرته في الأراضي الفلسطينية مؤسسة فافو النرويجية للأبحاث، في شباط 2011، أن الفلسطينيين مستاءون من وضع حقوق الإنسان ومن مستوى الفساد، ومن عدم التوصل للمصالحة الوطنية، ولكنهم راضون إلى حدا ما عن وضع الخدمات العامة (في الضفة والقطاع). كما أظهر الاستطلاع أن 32 % من المستطلَعين يعتقدوا أن فتح هي الأكثر قدرة على قيادة الشعب الفلسطيني، بينما يعتقد 14% أن حماس هي الخيار الأفضل لذلك. وبناءا على استطلاع مؤسسة فافو، فان حماس فقدت شعبيتها في كل من الضفة وغزة في سنة 2011، وبينت أن نسبة 17% من البالغين سوف يصوتوا لحماس في حال أجريت الانتخابات اليوم. [59]
وحسب الاستطلاع الذي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث المسحية في الضفة الغربية وقطاع غزة، في الفترة ما بين 13~ 15 آب 2009، لوحظ ارتفاع في نسبة التصويت لعباس مقابل هنية، حيث تزداد الفجوة بين شعبية الاثنين لصالح عباس من خمس نقاط مئوية (49% مقابل 44%) إلى 14 نقطة مئوية (52% مقابل 38%)، وارتفاع مماثل في نسبة التصويت لحركة فتح مقابل حركة حماس، لصالح فتح من ثماني نقاط مئوية (41% مقابل 33%) إلى 16 نقطة مئوية (44% مقابل 28%).[60]
وفي استطلاع آخر لنفس المركز نشرت نتائجه في رام الله 8-12-2009، تبين أنه في حال تنظيم انتخابات تشريعية، فإن 43 % من الفلسطينيين سيصوتون لحركة فتح، بينما قال 27 % فقط إنهم سيصوتون لحركة حماس[61].
V.      تقييم تجربة حماس
كان من المفترض أن يوفر الانسحاب الإسرائيلي من غزة في آب 2005 الأجواء الملائمة لبدء عملية نهوض شاملة تطال غزة بالكامل، لو تم التركيز على البناء الداخلي، ونبْذ الخلافات السياسية. ولكن بسبب تواصل العدوان الإسرائيلي، وبسبب استفحال الخلافات الداخلية، وتزايد حِدَّة الصراع على السلطة بين الأخوة الفرقاء، جاءت النتائج على عكس ما كان يأمل به الفلسطينيون، ومتناقضة مع آمالهم وتطلعاتهم.
ومع أن إسرائيل فرضت حصارا مشددا على غزة، منذ اليوم الأول لفوز حماس في الانتخابات، إلا أن إسرائيل لم تسعى جديا لإسقاط حكومة حماس، بل كانت حريصة على تثبيتها، (وكذلك تثبيت سلطة فتح في الضفة)، ولكن مع إضعافهما، لأن هذا يعني بكل بساطة ترسيخ الانفصال، وإلى الأبد، وهو وضْع يوفر حالة نموذجية لإسرائيل تتمنى استمرارها، فهو يشل القدرة السياسية الفلسطينية، ويثبت للعالم أن هذا الشعب "المنقسم على نفسه" لا يستحق دولة. كما أن استمرار الانقسام يوفر لإسرائيل عاملين مهمين: أولهما الأمن، حيث أثبتت حماس على أنها الأقدر على تثبيت التهدئة وبأي شكل، وثانيهما استمرار حربها على الفلسطينيين ككل، من خلال حصارها الظالم على قطاع غزة، تحت ذريعة وجود نظام سياسي يصفه الغرب بالإرهابي والمتطرف.
ولكن الأحداث أثبتت فيما بعد، أن الحصار والحروب فشلت في تحقيق أهم هدف لها، وهو إضعاف حماس، بل وأتت بنتائج عكسية، فقد ساعدت حماس على تعزيز حُكمها، وتثبيت نفسها كحزب حاكم.
حماس ورثت عن سلطة فتح جهازا إداريا متكاملا، يتمتع بالكثير من المهارات القيادية والإدارية والتقنية، ولديه كافة الأطر التنظيمية اللازمة، ومزود بكافة الاحتياجات المادية واللوجستية. لذلك فإن نجاح حكومة حماس الإداري والتنظيمي لم يكن قد بدأ من الصفر، إنما أتى نتيجة التراكمات والإنجازات  التي أوجدتها الحكومات السابقة. ومع ذلك لم تتمكن حماس من تجنب أخطاء فتح، بل وكررتها.
ومنذ اليوم الأول لتشكيلها الحكومة، سعت حماس للجمع بين ثنائيات متناقضة، فهي أرادت أن تُظهر نفسها كحركة مجاهدة تتمسك بالمقاومة، وفي نفس الوقت كانت تسعى لدخول النادي الدولي وأن يعترف العالم بها، بكل ما يعني ذلك من مقتضيات العمل السياسي واشتراطاته الدولية. وأرادت تثبيت التهدئة، دون أن يتهمها أحد بأنها تخلت عن المقاومة، وأرادت أن تفرض نظاما اجتماعيا ينسجم مع رؤيتها الأيديولوجية دون أن تُتهم بأنها تقيد الحريات العامة، وسعت لأسلمة المجتمع، ولكنها حرصت على أن لا تُتهم بأنها نظام استبدادي ثيوقراطي، وأرادت أن تقيم حكومة خالية من الفساد ومن المحسوبيات والواسطة، ولكنها في نفس الوقت تريد توظيف الآلاف من عناصرها ومؤيديها .. وهذه متناقضات يستحيل الجمع بينها.
فإذا كانت حماس قد برهنت أنها حركة متماسكة، قابلة للتطور، وقادرة على قراءة المتغيرات والتعامل معها ببراغماتية، وقادرة على الإدارة والحكم بطريقة فعالة ومتصاعدة، وبمستوى متقدم من التنظيم والتطوير المؤسسي، وأنها احتفظت بمكانتها في قلب عمليات صناعة القرار الفلسطيني، واستطاعت الصمود والاستمرار رغم كل المعيقات، بل وأيضا أخذ زمام المبادرة. إلا أنه في المقابل ثَبُتَ أنه من غير الممكن عملياً المزج بين السلطة والمقاومة، وإن الفرضية التي بنَت عليها قيادة حماس قرارها دخول السلطة، عبّرت عن قصور في إدراك حجم التناقض الذي ينطوي عليه هذا القرار، أو عن مبالغة في تقدير استيعاب برنامج الحركة لهذه المعادلة شبه المستحيلة. وتبين بالملموس أن حماس لم تستطع التحول من حركة مقاومة إلى سلطة قادرة على إدارة شؤون المجتمع المعاصر بأفكار عصرية، شأنها في ذلك شأن معظم الحركات السياسية الإسلامية. وفي خلال فترة حكمها وقعت حماس في سلسلة من الإرباكات والتناقضات، وحتى الإحراجات السياسية، وقد تجلّى ذلك في الخلط بين برنامج الحكومة وميثاق الحركة، ثم في العلاقة مع المجتمع الدولي، ودول الجوار، والتعامل اليومي المباشر مع إسرائيل، وعلاقتها بفصائل المقاومة ومع حركة فتح.
صحيح أن عهد حماس اتسم بفرض القانون والنظام، ولكنها فرَضته بأسلوب بوليسي قمعي، نشأ عنه نظام استبدادي لا تتوفر فيه مساحات كافية للحوار والخلاف في الرأي. فلو استعرضنا الحالات الأمنية التي وقعت في غزة، سنجد أن أجهزة حماس تعاملت معها بطريقة عنيفة جدا، وقد انتهت معظمها بمذابح أو بمقتل وجرح مدنيين، أو بالقمع التعسفي والاعتقال، وبالتالي لا بد أن نتساءل: ما هو الفرق بين الحجج والذرائع التي قدمتها حماس لتبرير قيامها بعمليات القمع على هذا النحو العنيف، وبين الذرائع والحجج التي دأبت على تقديمها كل الأنظمة القمعية والديكتاتورية على مدار التاريخ ؟! أليست هي نفسها، حجة فرض الأمن والنظام ؟ ووصْف كل من يعارضها بالخائن والعميل، أو المجنون ؟!
ومن ناحية أخرى، فقد تعرض السلم الأهلي للخطر أكثر من مرة في عهد حماس، فإذا كانت الديمقراطية شرطا لازما لتحقيق السِّلم الأهلي لأي مجتمع، لأنها الإطار الوحيد القادر على احتواء المجتمع بكل تناقضاته واتجاهاته، بدون أن يقصي أحدٌ الآخر. فإن هذه الديمقراطية قد تم استبعادها من الحياة السياسية في غزة، لتُستبدل بنظام شبه ثيوقراطي ومستبد.
وتدل تصريحات قادة حماس أنهم ماضون في مشروعهم الإسلاموي، وفق مفاهيمهم السلفية للدولة المدنية والديمقراطية، وبالعقلية الإقصائية، فمثلا رأينا كيف طالبَ "هنية" الناسَ بالامتثال لقرارات حماس، حتى لو انطوت على تضييق للحريات العامة، لأنها تطبيق "لتعاليم الشريعة". ومع تطبيق حماس لمشروعها، لاحظنا كيف تم التهرب من الانتخابات، وكيف غدت الديمقراطية هيكلا فارغا بلا مضمون، وكيف بدأت الصورة المشرقة للمجتمع الفلسطيني تتصدع، أي صورة تعايش الطوائف، والأحزاب والفصائل، التي ظلت سمة المجتمع الفلسطيني لأمد طويل، حيث الكل يصلي لإله واحد وبطرق مختلفة، ولا وجود للدعوات التي تعبئ حقداً وتؤسس لحرب أهلية، ولا أحد يدعي احتكار الصواب، ولا أحد يسعى لإقصاء الآخر.
في عهد حماس شهدت الأوضاع الاقتصادية تدهورا وتراجعا على كافة المستويات، وكان الشعب هو الضحية، بينما حماس لم تتأثر كثيرا، ولا يكفي هنا أن نحمّل "الحصار" كامل المسؤولية، فحماس بسياستها الأحادية وخطابها (المرفوض دوليا) كانت توفر الذريعة لإسرائيل لمواصلة حصارها، وبسبب الصراع على السلطة، فشلت كل من حماس وفتح في إيجاد آلية لفتح معبر رفح.
ومع تراجع الحريات العامة، وتهديد السلم الاجتماعي، وتدهور الأحوال المعيشية وتفاقم الفقر والبطالة، وفشل حماس في تقديم نموذج للحكم الصالح، وإخفاقها في جلب الازدهار، أو تحقيق التنمية، أخذت حماس تفقد الكثير من بريقها وتخسر من شعبيتها، في غزة بالذات، ما يؤكد ذلك تقديرات مراكز استطلاع الرأي، التي تشير إلى أن حماس لن تحقق الفوز الذي حققته في الانتخابات السابقة في حال أجريت الانتخابات، حيث أن الكثير من الفلسطينيين يلقون باللوم عليها، ومنهم من يرى أن سياستها هي التي تسببت بالأحداث الأكثر تدميراً على القطاع: الحصار، والعدوان العسكري الإسرائيلي الذي أدى إلى مقتل 1440 فلسطيني، وترك عشرات الآلاف بدون مأوى.

ومع كل ما سبق، من الظلم أن نحمّل حماس وحدها مسؤولية الحصار، ومسؤولية الانقسام، ومسؤولية تدهور الأوضاع الاقتصادية، ومسؤولية تراجع مكانة القضية الفلسطينية، وتشويه صورة النضال الفلسطيني، وتراجع الديمقراطية في المجتمع الفلسطيني، وتغييب مبدأ تداول السلطة .. فإذا كانت حماس تتحمل مسؤولية كبيرة عن كل ما تقدم، إلا أنه لا ينبغي تجاهل دور الاحتلال الإسرائيلي، فهو يتحمل المسؤولية عن معاناة الشعب، وعذاباته وآلامه. وأيضاً، حركة فتح تتحمل جزء من المسؤولية، بفسادها وترهّلها، وفشلها في تقديم نموذج صالح في الحكم. المنظمات الأهلية والفعاليات الشعبية والإعلام والمثقفون وفصائل العمل الوطني .. كلهم يتحملون مسؤولية ما يحصل في فلسطين. 
VI.      الخلاصة

هنالك تباين كبير بين وجهتي النظر اللتان تقيّمان تجربة حماس في الحُكم: خطاب حماس يغلب عليه أسلوب الخطابة، واللغة الإنشائية، وعبارات الصمود والممانعة والمقاومة، بينما تصريحات خصومها تسيطر عليها الأحكام المسبقة، وتصف غزة بإمارة الظلام، والحكم الاستبدادي، والعصور الوسطى، وتلك الخطابات بهذه الطريقة تُبعد الناس عن الحقيقة. ولكنها تضعنا دفعة واحدة أمام السؤال الصعب: هل نجحت حماس أم أخفقت في حكمها ؟ وبالطبع، من الصعوبة اختزال الإجابة بكلمة واحدة: نعم أو لا. ذلك لأن الإجابة تعتمد على مفهومنا للنجاح، وعلى المعايير التي سنستخدمها في التقييم، وفي النهاية تبقَ الأحكام نسبية.
قد تكون حماس نجحت بالفعل في تثبيت الأمن الداخلي، وترسيخ سيادة القانون، ولكن ألم تكن مأثرة "طالبان" "الوحيدة" هي ترسيخ الأمن ؟! وقد تكون حماس نجحت بالفعل بالصمود كل هذه الفترة، بالرغم من الضربات التي كانت تتلقاها من كل صوب وحدب، ولكن طول البقاء ليس هو معيار النجاح، فنظام القذافي دام 42 سنة، ولكنه عندما سقط في النهاية، تكشّف مقدار الاحتقان الشعبي، الذي ظل مختزنا في صدور الناس كل هذه السنين.
من الممكن أن حماس نجحت فعلا في مجال الحكم، ومارست الإدارة بطريقة فعالة ومتصاعدة، ووطدت أركان سلطتها، ولكن حتى لو نجحت حماس إداريا، وبنت حالة مثالية – وهي ليست مثالية بالتأكيد – إلا أنه  لا قيمة لنجاح الحكومة إداريا، إذا لم يكن الإنسان محور اهتمامها، وجوهر رسالتها، وإذا وظّفت الجماهير لخدمة الشعار، بل وجعلتها ضحية له، وإذا صارت القضية الوطنية برمتها في خدمة الحزب الحاكم، ورهينة بيده، وإذا فَقَد المواطن حقوقه، وبل وحياته في سبيل الحفاظ على هذه الحكومة، ولا قيمة لنجاح الحكومة، إذا كانت البطالة والفقر حالة ملازمة للمجتمع، وإذا شعر الناس أنهم في سجن كبير.
ويمكن القول أيضا أن جهود إسرائيل للإيقاع بين حماس والشعب في غزة فشلت، وستفشل باستمرار، فالغزيون سيقفون حتما إلى جانب حماس ضد إسرائيل، لكنهم على المستوى الداخلي سيكونون أقل تسامحاً مع حماس، بشأن عزل غزة عن المجتمع الدولي، وبسبب سياسة حماس التي جلبت عليهم الحصار والحروب، وبسبب تردي الأوضاع على أكثر من صعيد.

إذن، يمكن القول أن حماس نجحت كحزب يناضل من أجل أيديولوجيا معينة، ونجحت كحركة سياسية وصلت للسلطة وناضلت للحفاظ عليها، وبرهنت على قوتها وتماسك بنيانها الداخلي، ونجحت كحكومة متمسّكة بخطابها السياسي حسب الثوابت التي أعلنتها، بالرغم من حجم الضغوطات الواقع عليها. ولكن نموذجها هذا يشبه "بنجاحه" النماذج التي قدمتها كل الأحزاب الشمولية الحاكمة في العالم الثالث. بما في ذلك حزب "الخمير الحمر" بزعامة بول بوت.
ولكن، هل هذا هو النجاح الذي كان ينتظره الشعب الفلسطيني (الذي انتخب حماس) !؟ أم هو النجاح الذي حرصت عليه حماس بعقلية ومنهج الحزب الحاكم الأوحد ؟! فهناك بون شاسع بين نجاح الحزب في الوصول للسلطة والبقاء فيها، وبين نجاحه في تحقيق أهداف الشعب العليا، والدفاع عن مصالحه الحيوية، وتمثيل قضيته الوطنية، وتأمين حياة كريمة لائقة له، تشرع أبوابها على المستقبل، وتتصالح مع المجتمع الدولي.

الهوامش


[1]  تبلغ مساحة قطاع غزة 365 كلم2، ويقطنه  1.6 مليون إنسان، بكثافة سكانية مقدارها 4279 شخص/كلم2، بينما تبلغ مساحة الضفة الغربية 5655 كلم2 ، ويقطنها 2.6 مليون إنسان، بكثافة سكانية مقدارها 450 شخص/ كلم2  - حسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني – فلسطين في أرقام، 2010 . ص 3.
[2]  أ.د. يزيد صايغ، ثلاثة سنوات من حكم حماس في غزة، تقرير صادر عن مركز كراون لدراسات الشرق الأوسط – جامعة برانديز، ترجمة مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات – بيروت، أيار 2010. ص 4.
[3]  محسن صالح، ومجموعة من الباحثين،"قراءات نقدية في تجربة حماس وحكومتها 2006-2007"، إصدار مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات - بيروت، ط1، 2007. نُشر على موقع الجزيرة نت، عرض: حسن بحيص.
[4]  غزة – رويترز، حركة حماس تسيطر على غزة بعد 3 سنوات من الانقلاب، 10- تموز - 2010
[5]  . محمد جمال عرفة،  أربع سنوات على حكم حماس، نفس المصدر السابق.
[6]  د. ناجي شراب، ندوة سياسية خاصة نظمها المركز الفلسطيني للدراسات والتنمية بغـزة، 2 آب 2010. نقلا عن المركز الفلسطيني للإعلام – غزة. http://www.palestine-info.info/ar/DataFiles/Cache/TempImgs/2010/1/hamasaalam_300_0.jpg
[7]  د. حسن أبو حشيش، رئيس المكتب الإعلامي في حكومة حماس، خمسة أعوام على حكم حماس،  صحيفة فلسطين – غزة، الإثنين, 04 يوليو, 2011، http://www.felesteen.ps/details/.htm
[8]  د. ناجي شراب، ندوة سياسية خاصة نظمها المركز الفلسطيني للدراسات والتنمية بغـزة، 2 آب 2010. نقلا عن المركز الفلسطيني للإعلام – غزة. http://www.palestine-info.info/ar/DataFiles/Cache/TempImgs/2010/1/hamasaalam_300_0.jpg
[9]  د. حسن أبو حشيش، رئيس المكتب الإعلامي في حكومة حماس، خمسة أعوام على حكم حماس،  صحيفة فلسطين – غزة، الإثنين, 04 يوليو, 2011، http://www.felesteen.ps/details/.htm
[10]  الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، وضع حقوق الإنسان في مناطق السلطة، التقرير السنوي ال 16، كانون 2، 2010. ص 61.
http://home.ichr.ps/
[11]  بيسان عدوان- بانوراما عربية، البلقنة الفلسطينية .. خطوات نحو بدائل للحركة الوطنية، الحركات السلفية في غزة. 25-2-2011.
http://www.journal-ap.com/Print.aspx?AID=1729
[12]  أ.د. يزيد صايغ، ثلاثة سنوات من حكم حماس في غزة، مصدر سبق ذكره. ص 6.
[13]  يوسف علي فرحات، حوار مع رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية، البيان العدد 279، مصدر سبق ذكره.
[14]   تقارير برنامج الغذاء العالمي WFP. www.wfppal.org/.../Foodsec/Summary-Ar.doc
[15]  تقرير عن أثر الحصار على غزة بالأرقام، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، نقلا عن صحيفة  النهار اللبنانية، 21/2/2010. http://www.alzaytouna.net/arabic/?c=134&a=110346
[16] الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني/ 2009، نتائج مسح آثار الحرب والحصار على غزة،
http://www.pcbs.gov.ps/Portals/_PCBS/Downloads/book1595.pdf
[17]  يوسف علي فرحات، حوار مع رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية، البيان العدد 279، مصدر سبق ذكره.
[18]  د. حسن أبو حشيش، رئيس المكتب الإعلامي في حكومة حماس، نفس المصدر السابق.
[19]  نادية عيلبوني، ثلاث سنوات من حكم حماس، ما هو الحصاد؟، الحوار المتمدن - العدد: 3217 - 2010 / 12 / 16
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=238488
[20]  عُقد اللقاء في مكتب د. سلام فياض في رام الله، بحضور عدد كبير من الكتّاب والصحافيين، بتاريخ 30-9-2010.
[21]  أ.د. يزيد صايغ، ثلاثة سنوات من حكم حماس في غزة، مصدر سبق ذكره. ص 10.
[22]  تصريح لزياد الظاظا - وزير الاقتصاد في الحكومة المقالة، جاء في تقرير يكشف استثمارات حماس، شبكة فراس الإعلامية، 20-9-2010.
http://www.fpnp.net/ar/news/57741.html
[23]  تحدث عن هذا الدعم المالي عدد من قياديي حماس في أكثر من مناسبة، وفي مقدمتهم رئيس الحكومة إسماعيل هنية، حيث شكر تلك الدول على دعمهم المادي المباشر لحماس.
[24]  أ.د. يزيد صايغ، ثلاثة سنوات من حكم حماس في غزة، مصدر سبق ذكره. ص 11.
[25]  أ.د. يزيد صايغ، ثلاثة سنوات من حكم حماس في غزة، مصدر سبق ذكره. ص 11.
[26]  محمد أبو علان، شبكة أمين الإعلامية، تقرير الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان - ديوان المظالم، يناير 2010،  http://blog.amin.org
[27]  إلياس خوري، الحجاب والنكبة، 6-8-2009. موقع شبكة فلسطين الإخبارية PNN،
http://arabic.pnn.ps/index.php?option=com_content&task=view&id=60773
[28]  الصحافية الفلسطينية أسما الغول.
[29]  عريب الرنتاوي، حماس: حين تتغلب الطالبانية على الأردوغانية، صحيفة الدستور الأردنية،: 21-07-2010
[30]  موقع أنا المسلم (المقرب من حماس)، 31-10-2010.
http://muslm.net/vb/showthread.php?t=406581&page=6
[31]  وزارة العدل في الحكومة المقالة تناقش آليات تطبيق لائحة الآداب العامة - وكالة معا الإخبارية، 23-7-2009،
www.maannews.net/arb/ViewDetails.aspx?ID=213992
[32]  لقاء خاص مع د. عمر عبد الرازق في مقر كتلة حماس البرلمانية في رام الله، أجري اللقاء لصالح مجلة آفاق المستقبل الإماراتية، ونشر في العدد الرابع.
[33]  الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، وضع حقوق الإنسان في مناطق السلطة، التقرير السنوي ال 16، كانون 2، 2010. ص 100.
[34]  مثقفون من غزة يرفضون مصادرة روايات أدبية من قبل أمن حماس، موقع أمد للإعلام، 28-1-2011 -  والروايات هي:رواية 'شيكاغو'، و 'وليمة لأعشاب البحر'، وكتاب 'المتعة المحرمة'.
http://www.amad.ps/arabic/?action=fast_detail&id=407،
[35]  صدر قرار حرق الرواية عندما كان د. ناصر الدين الشاعر وزير التربية والتعليم في حكومة حماس، ثم تراجع عن القرار بعد احتجاج المثقفين عليه، ومنهم الشاعر الراحل محمود درويش.
[36]   غزة (ا ف ب) - محطة France 24 الإخبارية، 31-1-2011. http://www.france24.com/ar/node/647066
[37]  صوت الحرية، العهد، رام الله، http://www.alhorya.com/arabic/?action=detail&id=615
[38]  هيومان رايتس ووتش - الضفة الغربية/ قطاع غزة: كفوا عن مضايقة الصحفيين /2011/04/06
http://www.hrw.org/ar/news
[39]  الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، وضع حقوق الإنسان في مناطق السلطة، التقرير السنوي ال 16، كانون 2، 2010. ص 122.
[40]  صحيفة فلسطين، العدد 1096، 10-6-2010، غزة.
[41]  الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، وضع حقوق الإنسان في مناطق السلطة، التقرير السنوي ال 16، كانون 2، 2010. ص 107. 
[42]  الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، وضع حقوق الإنسان في مناطق السلطة، التقرير السنوي ال 16، كانون 2، 2010. ص  62-64.
[43]  الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، وضع حقوق الإنسان في مناطق السلطة، التقرير السنوي ال 16، كانون 2، 2010. ص 82.
[44]  الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، وضع حقوق الإنسان في مناطق السلطة، التقرير السنوي ال 16، كانون 2، 2010. ص 129.

[45]  الشبكة الأوروبية المتوسطية لحقوق الإنسان، المركز يتابع بقلق تدخل الأجهزة الأمنية في الحريات العامة في غزة، 18-8-2011.

http://www.euromedrights.org/ar/news-ar/member-releases/10105.html

[46]  د. حسن أبو حشيش، رئيس المكتب الإعلامي في حكومة حماس، خمسة أعوام على حكم حماس،  صحيفة فلسطين – غزة، الإثنين, 04 يوليو, 2011، http://www.felesteen.ps/details/.htm

[47]  ندوة سياسية خاصة نظمها المركز الفلسطيني للدراسات والتنمية بغـزة، 2 آب 2010. نقلا عن المركز الفلسطيني للإعلام – غزة. http://www.palestine-info.info/ar/DataFiles/Cache/TempImgs/2010/1/hamasaalam_300_0.jpg
[48]  أ.د. يزيد صايغ، ثلاثة سنوات من حكم حماس في غزة، مصدر سبق ذكره. ص 4.
[49]  تقرير عن الفساد الإداري في حكومة حماس، منتديات صوت فلسطين، 25-9-2006. www.palvoice.com
[50]  أجري اللقاء مع الأخ عباس زكي في مكتبة برام الله، في نيسان 2009.
[51]  صحيفة الجارديان البريطانية، حركة حماس تنغمس في الفساد، نقلا عن موقع أمد 10/11/2011.
[52]  أجري اللقاء في منـزل القيادي عبد العزيز شاهين في رام الله في يناير 2010.
[53]  حمادة فراعنة، "حماس والإخوان المسلمين، بعد ثلاث سنوات من الانقلاب" موقع حركة شباب آذار، http://alqudstalknet.wordpress.com/
[54]  أجري اللقاء مع الأخ عباس زكي في مكتبة برام الله، في نيسان 2009.

[55]  الموقع الرسمي لكنيسة الإسكندرية الكاثوليكي، المسيحيون في غزة قلقون على مصيرهم بعد سيطرة حماس على القطاع،

http://www.coptcatholic.net/section.php?hash


[56]  مدونة ياسر أبو هلالة، 28 حزيران2007 ، http://abuhilaleh.maktoobblog.com/ /

[57]  المسيحية في غزة، جريدة القدس، 19-10-2010، http://www.alquds.com/news/article/view/id/212091
[58]  لميس فرحات، حماس تفقد بريقها في غزة بسبب ضائقة السكان، جريدة إيلاف، 17 – 10 – 2011،
http://www.elaph.com/Web/news/2011/10/689697.html?entry=articleTaggedArticles
[59]  مؤسسة فافو النرويجية للأبحاث، استطلاع للرأي أجرته في الأراضي الفلسطينية، ونشرته وكالة فلسطين برس للأنباء بتاريخ 18-4 –2011، http://www.palpress.co.uk/arabic/?action=detail&id=4274
[60]  المركز الفلسطيني للبحوث المسحية - د.خليل الشقاقي، وليد لدادوة، رام الله، نفس المصدر السابق.
[61]  المركز الفلسطيني للبحوث المسحية- د.خليل الشقاقي، وليد لدادوة، رام الله، أجري بتاريخ 8-12-2010

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق