أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

أكتوبر 27، 2011

المليار السابع

نحن اليوم في نهاية أكتوبر/تشرين1 من العام 2011، في هذا اليوم، وكما هو كل يوم، سيُولد نحو مائتي ألف طفل، أحد هؤلاء الأطفال - وبطريقة إحصائية مع بعض الحظ - سيحمل الرقم سبعة مليار، أي أنه في إحدى المستشفيات في مكان ما من العالم، سيولد الطفل المحظوظ الذي سيُكمل المليار السابع، ومن نافذة غرفته، سنطل معاً على الأفق البعيد، لنتخيل صورة مستقبل هذا الطفل، ومعه صورة مستقبل البشرية جمعاء.
كيف وصلنا هذا الرقم ؟ وما هي دلالاته ؟ للإجابة، يجدر بنا السفر إلى الزمن السحيق وهناك، في مرحلة ما من ذلك الزمان الغابر، وفي إحدى عصور الجدب والقحط، تعرّضَ الجنس البشري لخطر الانقراض، فبعد أن ظلّت تلك المجموعات البشرية حبيسة القارة السمراء لمليوني عام، قررت أخيرا - وتحت وطأة خطر المجاعة - البحث عن مخرجها من الغابة إلى أفق العولمة، فتوجهت طلائع تلك المجموعات إلى العالم الآخر، ( كان ذلك قبل نحو مائة ألف سنة من الآن ). يقول بعض العلماء أنهم دخلوا من جنوب فلسطين - المعبر البري الوحيد بين قارات العالم القديم - بينما يقول علماء آخرون أنهم ركبوا البحر لأول مرة في التاريخ من باب المندب حتى وصلوا اليمن. ومن ثم واصلوا مغامرتهم حتى ملئوا الجزيرة العربية، قبل أن يجتاحوا ربوع الأرض. وهكذا، وبعد أن كان تعدادهم بضعة آلاف، صاروا أربعة ملايين عند نهاية عصور الجليد، أي قبل عشرة آلاف سنة، ثم صاروا مائتي مليون في زمن المسيح.
، إلى المراحل المبكرة من التاريخ، حين كان تعداد كل البشر يعادل سكان بلدة صغيرة، وكانوا يقطنون ركنا قصيا في شرق إفريقيا.
وكما يَسْهل على الأثرياء مضاعفة ثرواتهم بعد امتلاكهم المليون الأول، صار سهلا على بني البشر وصول المليار السابع خلال قرنين. علما أنهم احتاجوا مليوني عام ( هي عمر الجنس البشري ) حتى يصلوا عتبة المليار الأول، حيث بلغوها بالفعل قبل نحو مائتي عام، وتحديدا في العام 1805.
فبعد 122 سنة، أي في العام 1927، صار المليار مليارين، ثم مضت 33 سنة لتعبر البشرية في 1960 عتبة مليارها الثالث، ثم لتصل المليار الرابع بعد 14 عاماً، أي في العام 1974، ثم الخامس بعد 13 سنة، أي في العام 1987، ولتكمل المليار السادس قبل أن يلفظ القرن العشرين أنفاسه الأخيرة بعام واحد، أي في العام 1999 .

كان عالم رياضي أسمه "مالثوس" قد خرج على العالم سنة1830  بنظرية مرعبة حول الانفجار السكاني، وخلاصة نظريته أن عدد السكان يتزايد لوغاريتميا، أي يتضاعف، وأن هذه الزيادة أسرع من وتيرة إمدادات الغذاء للسكان، وأن العالم ما لم يبادر إلى التنبّه إلى هذه المسألة، ويلجأ إلى تنظيم النسل، فإن الحروب والكوارث والمجاعات ستكون الخيار الحتمي للبشرية.

في الوقت الحالي يبلغ معدل الزيادة السنوية لسكان العالم حوالي2%  وبموجب قاعدة رياضية لحساب سرعة نمو السكان، فإننا نقسم 70 على هذه النسبة، وبالتالي فإن العالم سيتضاعف سكانه مَرّة كل 35  سنة. ومن المتوقع أن يبلغ تعداد سكان العالم 8 مليارات عام  2025، وأن يتضاعف قبل نهاية هذا القرن. وطبعا هذه المليارات من الأفواه بحاجة إلى كميات هائلة من الطعام والمياه والملابس والمدارس والشوارع والمدن .. وهذه الأرقام ليست للترف الفكري، بل هي جرس الإنذار لمخاطر هذا الانفجار السكاني، ولتنبيه العالم لأن يعد العدة لمواجهة التحديات التي سيفرضها، وإلا سنكون أول ضحاياه.

تؤكد منظمة الصحة العالمية  WHOأن مليار إنسان في العالم ( أي 1 من كل 7 ) لا يحصلون إلا على الحد الأدنى من الغذاء، أي الحد الذي يقيم أودهم ويؤخر عنهم الموت لا أكثر .. بينما يموت يوميا بسبب الجوع، أو بسبب سوء التغذية، والأمراض المرتبطة بالغذاء قرابة المائة ألف إنسان ( منهم عشرين ألف يموتون وهم يتضورون جوعا )، وهذا يعني أنه في كل عام يموت ما يقرب من أربعين مليون إنسان من سكان الأرض ظلما، وهذا يعادل سقوط 300 طائرة ركاب يوميا على مدار العام، بحيث لا ينجو منها أحد، والمرعب أن نصف هؤلاء الموتى هم من الأطفال، ومن البديهي أنهم من دول العالم الثالث.

وهنالك أيضا مئات الملايين من المشردين والمعوزين، وممن لا يجدون مأوى، والعاطلين عن العمل، وضحايا الحروب والصراعات الإثنية والطائفية، وضحايا المخدرات والعصابات والإتجار بالبشر .. وغيرها من المعطيات التي تدل أن البشرية رغم تقدمها العلمي والتكنولوجي ما زالت متخلفة إنسانيا.

ومع كل هذه الأرقام، وبالرغم من التعداد الهائل لسكان الأرض، إلا أنه يمكن لنا أن نتصور انقراض الجنس البشري كليا، واختفائه عن مسرح الحياة لسبب ما، قد يكون بفعل جنون الطبيعة، أو بفعل جنون البشر، كحرب نووية مثلا، فإذا كان رقم السبعة مليارات يبدو لنا الآن ضخما، فإنه سيبدو ضئيلا بعد قرن من الزمان، أو أكثر (ليشطح كلٌ في خياله بقدر ما يريد)، فالمليارات السبعة من البشر تضيق بهم الأرض شيئا فشيئا، وليس هناك ما يطمئن أو يؤكد بأن الكوكب سيتّسع لهم، أو أنهم سيتعايشون معا بأمن وسلام، سيّما وأن البشر اعتادوا على الحروب والتدمير.
وطالما أن الانفجار السكاني يسير بمتوالية هندسية، تترافق مع استمرار استنـزاف الإنسان لموارد الأرض، وتواصل تعدّياته على البيئة، ونقصان المساحات الصالحة للزراعة، وشُحّ موارد المياه، فإن المستقبل سيبدو مرعبا، وسيكون العالم بلا رحمة، ولا مكان فيه للضعفاء، ولكن الضعفاء هم دائما الأغلبية الساحقة، لذا قد تصبح حروب البشر حينها ضرورة بيئية، ولكنها ستكون شديدة التدمير، وسيكون ضحاياها بالمليارات.
هذه الصورة القاتمة لمصير الإنسان، يقابلها صورة مشرقة متفائلة، ولكن تشكّلها يتطلب أن يعي الإنسان دوره في الطبيعة، وأن يحترمها، وأن يسيطر على انفجاراته السكانية، وأن يرتقي بأخلاقه وسلوكه إلى مستوى المسؤولية، فيتخلى عن عقيدة القتل والحروب، وأن تكف الشعوب عن استغلال بعضها، وأن يوظف ذكاءه لتحقيق رفاهيته ومواجهة التحديات العديدة التي تضع مصيره على المحك، وأن يتعايش بني البشر بمحبة وسلام، وأن يشكروا خالقهم عز وجل على نعمة الأرض ونعمة الحياة، وإلا كان ذكاؤهم هو بالفعل "هدية الطبيعة المسمومة".
ولكن حتى لو افترضنا تعقّل الإنسان، فإن تهديدات الطبيعة ستبقى له بالمرصاد، فهناك ثقب الأوزون، والاحتباس الحراري، والتلوث والأمراض والأوبئة. فإذا تسببت الأنفلونزا العادية بمقتل نحو 20 مليون إنسان في أعقاب الحرب العالمية الأولى، أي أضعاف ما قتلتهم الحرب، فإن فيروس ما - هو في علم الغيب الآن – سيكون سببا لانتشار وباء عظيم، سيخرج عن نطاق السيطرة، وسيؤدي إلى موت مليارات البشر، وما جائحات الطاعون وأنواع الأنفلونزا المعروفة، إلا مجرد بروفات تمهيدية للخطر القادم، الذي لن يبقِ ولن يذر.
إذا ما تحقق أيٍ من السيناريوهات التي تهدد بفناء الحياة على الأرض، فإن وقوعها وإن كان بالنسبة للإنسان كارثة الكوارث، إلا أنها بالنسبة للأرض حدثا عاديا تعودت عليه، فقد اعتاد كوكبنا على تلقي ضربات من كويكبات فالتة بمعدل مرة كل بضعة ملايين سنة، واكتشف علماء الجيولوجيا أن تدميرا بيئيا واسعا يحدث دوريا كل ثلاثين مليون سنة، وهو رقم ضئيل بالنسبة لعمر الأرض، كما أن الحركة البندولية لمحور الأرض تجري بانتظام، وتسبب حلول عصور الجليد، وكانت آخر مرة نفلت فيها من عصر الجليد قبل 12500 عام. وهو رقم بسيط في عمر البشرية.
لقد حاول الإنسان ومنذ أن امتلك وعيه تصوُّر حياته بلا تعاسة ولا معاناة، إلا أنه أخفق في هذا المسعى أيما إخفاق، فقد لازمه الألم والشقاء كظلِّه، ولكن من جهة أخرى وبعد آلاف السنين من مسيرة تطوره الحضاري، لا بد أن نقر بأنه حقق نجاحات مهمة في هذا المضمار، فإذا قمنا بإجراء مقارنة بسيطة بين أي عصرين متلاحقين، سنشهد العديد من الإنجازات التي ساعدت الإنسان في التخلص من بعض آلامه وخوفه وأمراضه، وأمّنت له قدرا من الراحة والرفاهية، وحققت له مزيدا من الرخاء والتقدم. وتكفي الإشارة أنه بفضل التقدم العلمي والصحي، قد تطور معدل عمر الإنسان من 18 سنة في العصر الحجري، إلى 23 سنة في زمن المسيح، إلى 45 سنة في بداية القرن العشرين، حتى وصل اليوم نحو 70 سنة. علما بأن متوسط عمر الإنسان في الدول الفقيرة والنامية ما زال بحدود 41 سنة فقط حتى هذا اليوم، بينما يبلغ في الدول المتقدمة نحو 80 سنة.
كما أن الثقافة الإنسانية آخذة بالتجانس أكثر فأكثر، والعالم اليوم يزداد شمولية وتداخل وترابط، ولكنه يصغر أمام ساكنيه، والإنسان الذي ما زال يراكم معرفته يتقدم بخطى حثيثة نحو معرفة أكبر ولكنها أكثر تعقيدا، فهو يتبع طريق المادة والطبيعة في رحلة تطورها وصيرورتها، وهي التي استغرقت ملايين السنين، ولكن الإنسان يمضي بها الآن بوتيرة أسرع، فعندما دُشنت الثورة الصناعية وكان تعداد البشر لا يتجاوز المليار، كان اختراعها الأبرز هو الآلة البخارية، أما اليوم فإن هذا الاختراع قد احتل مقعده في متحف المقتنيات الأثرية، وحلت مكانه أدوات كانت لعهد قريب رجما بالغيب. فعندما أكملت البشرية مليارها الثاني (1927) كانت بريطانيا العظمى الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، وكانت القطارات تسير على الفحم، والأفلام بالأبيض والأسود. وعند المليار الثالث (1960) كانت أم كلثوم وعبد الناصر يوحدان الجماهير العربية، وقد بدأ عصر التلفزيون، والتنافس على غزو الفضاء، وكانت الحرب الباردة في أوجها، وكان انهيار الاتحاد السوفييتي من المستحيلات. وعند المليار الرابع (1974) كان العشاق يتبادلون الرسائل الورقية المعطرة، يبدؤون صباحهم بصوت فيروز، ويعطّرون مساءهم بصوت العندليب الأسمر، كان الكمبيوتر بحجم الغرفة، والإنترنت من أسرار أمريكا العسكرية، وفي تلك السنة قال ياسر عرفات أمام الأمم المتحدة عبارته الخالدة: "لا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي". وعند اكتمال المليار الخامس (1987) صارت الوجبات الجاهزة والسريعة بديلا عن الوجبات البيتية، والسهرات العائلية صارت في المناسبات، وكانت الحرب العراقية الإيرانية قد حصدت أكثر من مليون ونصف قتيل، وكانت الهواتف النقالة والقنوات الفضائية مجرد خيال علمي، وعند اكتمال المليار السادس (1999) صارت السماء ملبدة بترددات مئات القنوات الفضائية، وانتشرت الأغاني السريعة والهابطة، وكان من المفترض أن تنسحب إسرائيل من الأراضي المحتلة وتبدأ مفاوضات الحل النهائي. اليوم (2011) لدى كل طفل: جهاز خلوي، ولاب توب وأي باد، وصفحة على الفيس بوك، ومقتنيات إلكترونية لا حصر لها. وصار لدينا أكثر من 300 محطة فضائية دينية ( وإسرائيل ما زالت جاثمة على صدورنا، وأضيف إليها الاحتلال الأمريكي للعراق). ولكنا ما زلنا نفتتح نهارنا بفناجين القهوة وأغاني فيروز.
صحيح أن عمر حداثتنا لا يساوي شيئا، إذا ما قارناه بملايين السنين من عمر النوع الإنساني، وأن الإنسان وعى شروط عالميته قبل أقل من قرن فقط، وهو زمان لا يُقاس بالنسبة لتاريخ الحضارة، إلا أنه بلغ مرحلة حساسة تجعله يقف على عتبة المستقبل، بكل احتمالاته المجنونة. فمثلا الروبوتات التي يصنعها ولا يتجاوز ذكائها الآن ذكاء نملة، قد تصبح غدا بديلا عنه، وقد تأتي التكنولوجيا على ما تبقى في دواخلنا من إنسانية. فالمستقبل يخبئ في رحمه ما نعلم، وما لا نعلم.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار