أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

فبراير 26، 2011

الجزيرة

صدر عن دار أبوغوش للنشر والتوزيع كتاب جديد بعنوان "الجزيرة وقطر: خطابات السياسة وسياسات الخطاب" للباحث والإعلامي محمد أبو الرب، ويقع الكتاب في مائتي صفحة من القطع المتوسط، وهو مقسم إلى خمسة فصول، في الفصل الأول تناول الكاتب أهمية الإعلام المرئي وآليات عمله وتقنياته في رسم صورة متخيلة في الأذهان، وبيَّن أساليب الجزيرة بالذات في هذا المجال، وكيف وظفت قطر سلطة المرئي في تشكيل علاقاتها في المحيطين العربي والدولي، من خلال فن تصنيع الإجماع، والخطاب الإيديولوجي، أما في الفصل الثاني فقد تناول الكاتب كيف رسمت الجزيرة معالم الدبلوماسية القطرية وكيف نجحت في الخروج من العباءة السعودية في عهد حاكمها الجديد، وأيضا تحدث عن
تحديد علاقتها بالجارة البحرين، وتغطيتها لأحداث ساخنة ومهمة كحرب أفغانستان واحتلال العراق وحقيقة العلاقات القطرية الأمريكية، وختم الفصل بالحديث عن سلطة خطاب الميديولوجيا من خلال القرضاوي.

في الفصل الثالث تحدث الباحث أبو الرب عن تغطية الجزيرة للملف الفلسطيني، مستعرضا بعض الأمثلة كتغطيتها لمؤتمر أنابوليس وحصار غزة وأزمة معبر رفح. وفي الفصل الرابع أوضح الكاتب كيف استفادت قطر من الأزمات العربية من خلال مثالين هما: الوساطة القطرية في أزمة الصراع الفلسطيني الفلسطيني وكذلك وساطتها في الصراع اللبناني الداخلي، خاصة في ظل التقارب السعودي السوري، أما الفصل الخامس فكان عن بناء النموذج القطري من خلال الجزيرة التي أسماها حارس البوابة القطرية.
ولا شك أن الكتاب قيّم ومفيد وثري بالمعلومات والتحليلات المعمقة، وقد اختار الكاتب بذكاء بعض الأمثلة مما تبثه الجزيرة وعلق عليها بأسلوب مقنع في سياق تقييمه للقناة وأغراضها وآليات عملها، ولكن ما يُؤخذ على الكتاب أن الفصل الأول منه جاء بلغة صعبة متعالية يصعب على القارئ غير المتخصص أن يفهمها، الأمر الذي يخلق شعورا بالملل لدى القارئ، لكن هذا الشعور سرعان ما يتلاشى عندما ينتقل للفصول اللاحقة التي كتبها بلغة رشيقة سلسة، فطالما أن السواد الأعظم من الجمهور العربي الذي انخدع بتقنيات الجزيرة وانبهر بها هم من الناس العاديون البسطاء، كان من الأجدر بالكاتب أن يكتب بلغتهم بأسلوب يخلو من التعقيد واستعراض المصطلحات.

يستهل الكاتب بعرض موجز عن حيثيات انطلاقة الجزيرة في العام 1997 معتبرا أن تغطيتها لعملية ثعلب الصحراء عام 1998 كانت هي المحطة الأهم في شهرتها على المستوى العربي، أما تغطيتها لأحداث 11 أيلول وما تبعها من غزو أفغانستان فقد كانت سببا وراء انتشارها عالميا، سيما وأن تغطيتها لحرب أفغانستان اتسمت بالمهنية والجرأة حين عرضت صور الضحايا المدنيين، كما أنها من خلال هذين الحدثين كسرت هيمنة وسائل الإعلام الغربية على مصادر الأخبار وتوزيعها، ولكن الكاتب يفند المديح التقليدي للجزيرة بأنها كانت السباقة في تقديم خطاب إعلامي مغاير للمألوف انتقل بالإعلام العربي إلى مستوى العالمية والاحتراف، حيث أوضح أن محطة BBC العربية التي جاءت الجزيرة محلها وعلى أنقاضها كانت هي السباقة وصاحبة الريادة، وهي أول من استخدم اللغة كأسلوب مصارعة، وذلك من خلال بعض البرامج الحوارية الجريئة التي قدمتها وانتقدت فيها أنظمة عربية كالسعودية، وربما كان هذا سبب إغلاقها فيما بعد، مع تأكيده على أن الجزيرة نجحت أن تشكل ظاهرة إعلامية وسياسية مغايرة للفضاء العربي، وأنها خطفت الأضواء من بقية القنوات الفضائية بسبب أسلوبها المتجدد في طرح القضايا، وبسبب تخطيها العديد من الخطوط الحمراء التي لم يجرؤ أحد على تخطيها من قبل، وكسْرِها للحالة النمطية للتلفزيون التقليدي، بالإضافة للموضوع الإشكالي في استضافتها متحدثين إسرائيليين في سابقة إعلامية عربية.

في الفصل الأول يوضح الكاتب تأثيرات الإعلام المرئي على المتلقي في خلق صورة بصرية ذهنية يستطيع التلفزيون من خلالها تشكيل رأي عام، وهذا أمر تشترك فيه كافة القنوات الفضائية، ولكن الجزيرة ذهبت به بعيدا فأتقنت هذا الفن أكثر من غيرها، وحسب أبو الرب: "لم يعد التلفزيون مصدرا إخبار وإبلاغ بل صار وسيلة تكتسب قدرة خاصة لكونها صورة، الأمر الذي يعني أن فعاليتها كصورة لا تكون في تكذيبها أو تصديقها بل في الأثر الذي تحدثه"، أي أن المرئي له قدرة صناعة الديماغوجيا وتضليل المشاهد من خلال خلق صورة بصرية مغايرة للواقع، ولكنها توهمه بأنها حقيقة، خاصة إذا تمكنت من إحداث قطيعة معرفية مع الواقع والزمن الذي تشكلت فيه، أي بعد انتزاعها من سياقها التاريخي. وهنا لا يلزم المرئي سوى صورة لتقوم بفعل خطابي كامل.

ويستعرض الباحث مثال البرامج الحوارية التي يرى أنها تستخدم نفس آليات الخطاب في نشرات الأخبار والتقارير وحتى المقابلات الخاصة، لأنها "برامح موجهة يعتمد نجاحها على مدى قدرتها على تضليل الجمهور"، ويورد أبو الرب بعض أمثلة الآليات المستخدمة في التشويش على بعض المتحدثين – إذا كانوا من خط سياسي مختلف معهم – مثل طبيعة الأسئلة الموجهة لهم التي تضعهم في مرتبة المتهم، والوقت القصير الممنوح للإجابة، وزاوية تسليط الكاميرا وغيرها من المؤثرات، بينما تنتقي ضيوفها المؤيدين لسياساتها كالقرضاوي، وعبد الباري عطوان، وعزمي بشارة وآخرون يتم استدعائهم عند الحاجة. فتمنحهم الوقت الكافي للحديث دون مقاطعة مع أسئلة مريحة.

في الحالة الأولى لا يتوقف الأمر عند حصر المتحدث في زاوية محددة، بل أيضا في تسطيح النقاش وتحويله إلى استجواب، أو في دور المذيع في تسخين الحوار بعيدا عن المهنية خاصة في المقابلات النارية الصدامية التي تتحول إلى مصارعة كلامية يضيع فيها المشاهد بين توترات نبرات الصوت في صعودها وخفوتها، وانحياز المذيع لضيف دون الآخر، وتوزيع الوقت بشكل غير عادل، الأمر الذي يحول الموضوع برمته إلى تنافس بالقدرات الصوتية بغض النظر عن المضمون ووجاهة الأفكار، ولأن الشخصيات الأكاديمية حسب رأي أبو الرب "لا تستطيع تقديم تصوراتها وتحليلاتها في هذا الجو المشحون، بينما تنجح الشخصيات الشعبوية المتزوجة عرفيا بالتلفزيون في ممارسة الغواية والتضليل وإرضاء الجمهور" وفي النتيجة يهبط الحوار إلى مستويات خطابية دنيا، والهدف من هذا ليس فقط استقطاب شريحة واسعة من المشاهدين المتعطشين لمن يحاكي غرائزهم ويلهب عواطفهم، بل أيضا إعطاء المشاهدين جرعات أيديولوجية مخففة ولكنها مستمرة.

ومن الأمثلة التي يوردها الباحث في كتابة عن أساليب الجزيرة وآلياتها في خلق التوجهات العامة للمشاهدين، فن حجب المعلومات وتقديمها حسب الحاجة، عن طريق العرض وإعادة تشكيل الصورة على نحو مختلف تماما عن الحقيقة، واستخدام آليات الإبهار الضوئي والموسيقى التصويرية، ليس في طريقة تقديم الخبر وحسب بل وفي ترتيب الأولويات وتقديم خبر على آخر والتركيز على موضوع وإهمال غيره، فيقول مثلا: " إن التلفزيون يقدم لنا ما يريد أن نشاهده، فيفرض علينا قوالبه كما يحدد لنا زوايا الرؤيا .. أي يتيح لنا نافذة مفتوحة على العالم، ولكنه لا يسمح لنا رؤية ما يخرج عن إطارها".

في الفصل الثاني يتحدث أبو الرب عن خطابات الجزيرة ودبلوماسية قطر، ويثير من خلاله السؤال الذي طالما حير الناس: كيف نجحت الجزيرة في الجمع بين المتناقضات ؟! في استضافتها الزعماء العرب ومعارضيهم على حد سواء! في حربها الإعلامية على أمريكا واحتضانها أهم وأكبر قاعدة أمريكية في الشرق الأوسط! في دعمها الخطابي للمقاومة وعلاقتها بإسرائيل من خلال فتحها لمكتب تمثيل تجاري إسرائيلي هو في حقيقة الأمر مكتب للموساد! وفي علاقتها الغريبة مع إيران! إلى غير ذلك من المتناقضات.

من الواضح أن هذا هو أسلوب قطر في العهد الجديد الذي دشنه حمد بن جاسم بعد انقلابه على والده، حيث أوضح الأمير أنه ليس بحاجة إلى طيران وعسكر، لأن الجزيرة ستكون هي القوات المسلحة القطرية، وفي حقيقة الأمر، فإن التداخل بين ما هو سياسي وما هو إعلامي ليس بالأمر الطارئ أو الجديد، فالمؤلف يثبت العلاقة بين الظروف التي أنجبت الجزيرة وهيكليتها ومصادر تمويلها مع ارتباطاتها الجيوسياسية ودورها الوظيفي، ويبيّن الكاتب كيف منح التوظيف الذكي للإعلام دولة قطر قوة فعالة مكّنها من لعب أدوار أكبر بكثير من حجمها الطبيعي، وحققت عبر قناتها أهدافا إستراتيجية لم تكن لتقدر على تحقيقها بالسياسة، بل أنها أدخلت للمنطقة ما يمكن تسميته بسطوة الجيوميديا، على غرار ديكتاتورية الجيوبولوتيك، لتصبح قطر ومن خلال الجزيرة قوة إقليمية ولاعب أساسي تحسب كبرى الدول لها حساب.

وقد تمكنت قطر من خلال مقدرتها على الجمع بين المتناقضات أن تبقى فاعلة ومسيطرة، وفي هذا الصدد يقول الكاتب: "تتعاون قطر مع الأمريكان والإسرائيليين، بينما تعطي فسحة للقرضاوي وغيره من المعارضين العرب بالإضافة للظواهري وبن لادن لنقد أنظمة بلدانهم، وبالتالي توجيه الاهتمام العربي بعيدا عن السياسة القطرية والتغطية على علاقتها بأمريكا وإسرائيل"، ويضيف قائلاً: "إستراتيجية الجزيرة للسيطرة على الفضاء الإعلامي العربي تعتمد على التنوع في عرض القضايا، وهذا التنوع يضمن استمراريتها من ناحية ومن ناحية أخرى يغطي على سياساتها الاقتصادية ومشاريعها السياسية، وهذا ما يفسر اختلاف خطابها بين قناتها الناطقة بالعربية والثانية الناطقة بالإنجليزية، خاصة في تعاطيها مع الشأن الأمريكي".

ويؤكد الباحث أن "الجزيرة رغم إدعائها بالاستقلالية، إلا أنها لا تنتقد الشأن القطري"، فهي لا تستضيف معارضين قطريين، ولا تتحدث عن تقارير حقوق الإنسان فيها، ولا حتى تأتي على أخبارها العادية ! وفي المقابل فهي لا توفر أي نظام عربي من النقد، بل أنها تفتعل ذلك لخلق أزمات معها، فقد تسببت الجزيرة بخلق أزمات سياسية لقطر مع كل من السعودية والبحرين والأردن ومصر ومعظم الدول العربية، حتى أن علاقتها مع العراق وإيران كانت سببا في توتر علاقتها مع دول مجلس التعاون الخليجي.

ومن الأمور المثيرة للجدل في إستراتيجية الجزيرة علاقتها المريبة مع تنظيم القاعدة وبثها تسجيلات للظواهري وبن لادن، الأمر الذي جعل البعض يتهمونها أنها تقدم دعما خفيا للإرهاب، الباحث أبو الرب يستعرض في كتابه بعض الأمثلة من برامج قدمتها الجزيرة حاولت من خلالها إظهار بن لادن بطلا على المستوين العربي والإسلامي، سواء من خلال صناعة المقارنات أو من خلال استضافة شخصيات مؤيدة له، كما حدث ذلك أيضا في تغطيتها لمقتل الزرقاوي حيث خصصت لذلك موجه مفتوحة تصاحبها موسيقى حزينة، كما لو أن الأمة فقدت حينها قائد جحافل المسلمين !!

ويشير الباحث أن "استخدام بن لادن والظواهري لقناة الجزيرة قد مكنهما من الوصول للجمهور العربي والعالمي، وقد استفادت الجزيرة من ذلك ماديا وشعبيا، بينما جنت قطر ثمارا سياسية من خلال إدارتها لعبة علاقات دولية ذكية".

أما أكثر القضايا إشكالية وإثارة للجدل في أسلوب الجزيرة فهو استضافتها لمسؤولين أمريكان وقادة عسكريين في ذروة الحرب على العراق وأفغانستان ليستخدموا شاشة الجزيرة لتبرير عدوانهم وتوضيح وجهة النظر الأمريكية في الحرب، وتتكرر الصورة في استضافتها لقادة إسرائيليين تمكنوا من خلال الجزيرة من كسر حاجز العداء الشعبي العربي لدولة إسرائيل، سيما وأن الجزيرة أدخلتهم لكل بيت عربي وأسمعت صوتهم لكل مواطن وأعطتهم فسحة لشرح قضاياهم من وجهة نظرهم، والغريب أن الجزيرة بعد ذلك تستضيف أشرس الخطباء المنددين بالتطبيع !!

يختم الباحث هذا الفصل بالحديث عن استضافة القرضاوي (رئيس هيئة علماء المسلمين العالمية)، ومنحه برنامجا أسبوعيا صنع منه نجما عالميا وجعل شهرته تطبق الآفاق وتستقطب بشكل خاص المصارف العالمية التي تسعى للوصول إلى زبائن من الطبقات الثرية والمتوسطة، والكاتب يشير في هذا الصدد إلى أن توافق القرضاوي مع السياسة القطرية يطرح أكثر من تساؤل، فهو من جانب يحرّم مساعدة الأمريكان في غزو العراق وهو مقيم دائم في قطر مركز الحرب على العراق دون أن ينتقدها في ذلك !! وهو ينتقد السلطة الوطنية في مفاوضاتها مع إسرائيل ولا ينتقد قطر التي تستضيف مكتبا تجاريا لإسرائيل !!

ويؤكد الباحث أن القرضاوي قد قدم خدمات مهمة لقطر على حساب دول عربية عديدة، كتقاربها مع إيران، وتأزيم علاقتها مع مصر، والتغطية والتمويه على سياسات قطر، بل وتبريرها بسند شرعي وأيديولوجي، حتى أن مراقبين وصفوا ظاهرة القرضاوي وفسروا تحالف قطر مع هذا الشيخ على أنها محاولة لخلق مركز ديني في قطر يوازي المراكز الدينية في مكة المكرمة والأزهر الشريف والنجف الأشرف.

في الفصل الثالث يغطي الباحث تغطية الجزيرة للملف الفلسطيني الداخلي، وهو الملف الأكثر سخونة والذي تسبب بتدهور علاقات الجزيرة مع الجانب الفلسطيني ككل سواء في السلطة الوطنية أم في منظمة التحرير أم في حركة فتح وغيرها من الفصائل، باستثناء حركة حماس التي حافظت معها على علاقات مميزة، ظلت هذه العلاقات موضع تساؤل وشك.

وقد تفاوتت الآراء حول تغطية الجزيرة للشأن الفلسطيني، فمنهم من رأى أنها تصب في نشر الحقيقة بغض النظر عن شكلها ونتائجها، ومنهم من رأى أنها تصب الزيت على النار وتغذي الصراع الداخلي وتتسبب في توتر الأجواء وتأزيم العلاقات بين الأشقاء، ولكن أي متابع ومدقق لأداء الجزيرة وأسلوبها سيرى أنها كما يقول الباحث: "تسعى لفرض منطقها على الأحداث، من خلال استخدامها تقنيات الخطاب، وتحديدا عملية الربط والاستحضار وإعادة التشكيل لفرض فهم معين على المشاهد" والباحث هنا يستعرض العديد من الأمثلة في كيفية تغطية الخبر الفلسطيني ويصل إلى نتيجة مفادها: " أن تغطية الجزيرة للأحداث وتحليلها يأتي مجتزأً حيث تنتقي أخبار معينة وتركز عليها وتهمل أحداثا أخرى هامة ولا تأتي على ذكرها إلا بشكل عرضي"، وأن "ممارستها شعارها الرأي والرأي الآخر تكون دوما منقوصة، خاصة في انحيازها الواضح لصالح حركة حماس"، فعلى سبيل المثال حجبت الجزيرة حقيقة موقف حماس من التهدئة، وإلحاحها على الفصائل التوقف عن إطلاق الصواريخ، وفي مثال آخر: "أوردت الجزيرة خبرا مقتبسا عن صحيفة هأرتس الإسرائيلية مفاده أن حماس تسعى لتطوير صواريخ بعيدة المدى، لكنها تجاهلت خبرا آخر في نفس العدد من الصحيفة يتحدث عن سعي حماس لتثبيت التهدئة في غزة، وأنها في سبيل ذلك قتلت 7 مواطنين، ما يؤكد قدرتها على فرض التهدئة بالقوة خلافا لما كانت عليه السلطة من حالة ضعف".

والباحث يتوصل من خلال أمثلة أخرى إلى استنتاج مثير حول طبيعة البرامج التي تستضيف فيها الجزيرة متحدثين من فتح وحماس، حيث "يلاحظ من طبيعة الأسئلة الموجهة لمتحدث فتح طبيعتها الاستهزائية في بعض الأحيان، ومحاولات تفريغ أجابته من مضمونها، وعدم منحه الوقت الكافي على عكس ما يحدث مع متحدث حماس" كما يتوصل لنتيجة أخرى مثيرة، فيقول: "إذا كنت مشاهدا لقناة الجزيرة العربية فإنها تحيلك إلى نموذج البطولة والصمود في غزة، ولكن إذا كنت مشاهدا للقناة الإنجليزية فهي تحيلك إلى قطاع غزة المتخلف الرجعي حيث الأولاد حفاة ويسرقون الكراسي ويحملون السلاح والنساء يرتدين الخمار والزي العسكري".

وليس هذا المثل الوحيد على التناقض، حيث يعرض الباحث مثال تغطية الجزيرة لخبر الذكرى الثالثة لاستشهاد ياسر عرفات في غزة في ساحة الكتيبة وحيث قتلت حماس ثمانية متظاهرين في ذلك اليوم، فتصف خبر مقتلهم في تقرير إخباري يتحدث عن "مسيرة غير مرخصة ومخالفة للقانون وتتحدى الشرطة !" بينما تصف مهرجان حماس في ذكرى انطلاقتها تحت عنوان: "جماهير حماس هي فجر الانتصار من قلب الحصار !".

ما يخلص إليه الباحث أن أسلوب الجزيرة يعتمد على "قطع تسلسل الأحداث وعزلها عن سياقها، من خلال صناعة المقارنات والتأثير في بنية السرد، بحيث تعطي للأحداث معنى مختلف، وهذا يترتب عليه اغتراب فعلي بين الحدث وطريقة سرده، ما يعكس دوافع السارد وأهدافه السياسية".

في الفصل الرابع يتحدث الكاتب عن استفادة قطر من الأزمات العربية عن طريق وساطاتها بين أطراف النـزاع، سواء في فلسطين أم في لبنان، أم مع بقية الدول العربية، ويستهل حديثه بوساطة قطر بين حماس وإسرائيل قائلا: "لا يمكن فصل الوساطة القطرية بين حماس وإسرائيل عن وساطتها بين حركتي فتح وحماس، بل يمكن الذهاب أبعد من ذلك، بالحديث عن متانة العلاقات القطرية بحركة الإخوان المسلمين، وحسب افتراض الباحث فإن علاقة الإخوان المسلمين بقطر هي من سمح لها بهامش كبير في المناورة بين الفلسطينيين والإسرائيليين عبر المرور بالبوابة الأردنية".

وللتأكيد على ذلك يورد الباحث مقتطفات من لقاء أمير قطر مع عضو الكنيست يوسي بيلين في شباط 2008 حيث يعرض استعداد بلاده للتوسط بين إسرائيل وأية دولة عربية أو منظمة عربية بما فيها حماس، وتأكيده على متانة علاقاته بإسرائيل وقوله بشكل واضح: "أن بلاده مفتوحة على إسرائيل أكثر من أي دولة أخرى".

ثم يواصل الكاتب استعراض بعض الأزمات التي تسببت بها الجزيرة لدولة قطر مع دول عربية كالأردن ( محاولة إعادة مشعل للأردن على متن طائرة قطرية بدون موافقة الأخيرة )، ثم يستعرض أمثلة عن طريقة تغطية الجزيرة للشأن اللبناني ويثبت انحيازها لتحالف 8 آذار (حزب الله وشركائه الموالي لسوريا وإيران) على حساب تحالف 14 آذار (تيار المستقبل وشركائه المعارض للسياسة السورية والإيرانية)، ويؤكد بالأمثلة أنها استخدمت نفس التقنيات والآليات في تعاطيها مع الشأن الفلسطيني، وينهي الفصل بمثال غاية في الغرابة حين "تجاهلت الجزيرة في غمرة تغطيتها للحرب الإسرائيلية على لبنان تموز 2006 خبرا مفاده أن منظمة العدل الدولية طالبت قطر بعدم السماح للطائرات الأمريكية بالإقلاع من القاعدة الأمريكية في الدوحة وذلك لشحن قنابل ذكية تساند الجيش الإسرائيلي في حربه على لبنان، فبينما كانت الجزيرة تعرض صور الدمار وضحايا القنابل العنقودية وتبكي عليهم كانت تتجاهل مصدر هذه القنابل"، وقد تكررت ذات الصورة عندما كان أحمد منصور يتباكى على ضحايا القصف الأمريكي في الفالوجة ويتناسى أن الطائرات القاصفة إنما كانت تقلع بالقرب من مكتبه في الدوحة وبتسهيلات من رب عمله !!

والمثال الآخر على تبادل الأدوار بين قطر والجزيرة هو ما أشارت إليه مصادر صحافية من أن وزير الخارجية القطري وصل إلى بيروت صيف 2006 لحضور اجتماع وزراء الخارجية العرب قادما من إسرائيل على متن طائرته الخاصة، وهو الوحيد الذي وصل بيروت جوا بعد أن استأذن إسرائيل في ذلك بسبب الحظر الذي كانت تفرضه إسرائيل على الأجواء اللبنانية !! وقد اكتفت الجزيرة آنذاك بتغطية زيارة الوزير القطري للضاحية الجنوبية بعد توقف القصف الإسرائيلي ليعلن دعم بلاده للمقاومة والمقاومين !!

ومثال آخر يورده الكاتب: "في منتدى الدوحة الثامن للديمقراطية والتنمية والتجارة في نيسان 2008 دعت وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيفي ليفني في كلمتها الدول العربية لإقامة علاقات متينة مع إسرائيل كما فعلت قطر، وفي تقرير الجزيرة الإخباري عرضت المذيعة ملخصا لتصريحات ليفني وقولها أن الصراع في المنطقة هو ضد من وصفتهم بالمتطرفين، وأن الأوضاع في غزة هي عقبة أمام قيام دولة فلسطينية، وللتغطية على ما يجري في منتدى الدوحة كثفت الجزيرة من عرض تهديدات حماس بانفجار الأوضاع في غزة، واستضافت الناطق باسم حماس ليهدد بأن الانفجار وشيك وسيطال الجميع، لكن الجزيرة لم تسأله عن رأيه بتصريحات ليفني من الدوحة، وهو لم يعبر عن موقف حركته من زيارتها لقطر، كما أن الجزيرة تجاهلت إدانة حركة الجهاد الإسلامي لاستقبال ليفني في الدوحة".

ما يؤكده الكاتب أن تجاهل الجزيرة تغطية أخبارا معينة يعني تقديمها خدمة لقطر في تضليلها الجمهور العربي، والتغطية على تطور علاقاتها بإسرائيل إلى درجة رضا الأخيرة عن سياسة قطر، حيث اعتبر مراسل التلفزيون الإسرائيلي في الدوحة أن استقبال ليفني وغيره في قطر رسميا وعلنيا يعد أهم إنجاز للدبلوماسية الإسرائيلية.

يختتم الباحث كتابه بخلاصة مفادها أن الجزيرة حولت قطر إلى دولة مهمة ومنحتها الفرصة لتمارس دورا سياسيا أكبر بكثير من حجمها وجعلتها تتصرف مع الآخرين بفوقية وكأنها مركز العالم، وكأنها الوصي على قضايا حقوق الإنسان والحريات العامة والحريصة على القضية الفلسطينية أكثر من أصحابها، ويعتبر الكاتب أن "فهم السياسة القطرية بعد انقلاب حمد بن جاسم على والده مرتبط بفهم النظام الجديد لمفهوم التحديث، حيث كان من أهم المشاريع التحديثية التي ابتدأها الأمير تمتين علاقاته بأمريكا وإسرائيل بهدف تأمين الحماية لنظامه، في الوقت ذاته أطلق قناة الجزيرة لتصفية حساباته مع دول الجوار على وجه الخصوص وبقية الدول العربية بوجه عام."

وقبل أن أختم تعليقي على الكتاب أعيد ما أورده د. خالد الحروب في تعليقه عليه على الغلاف، حيث كتب: "يقدم هذا الكتاب إضافة ثرية وعميقة في الدراسات العلمية حول الإعلام الفضائي الجديد، ويجمع ما بين المقاربة النظرية الدقيقة والرصد العملي والإحصائي لتحولات ومكونات خطابات السياسة القطرية وسياسات الإعلام في قناة الجزيرة، سيحتل هذا الكتاب موقعا بارزا في رف الدراسات الإعلامية المعاصرة" (انتهى)، ولو صدر الكتاب في وقت متأخر لأمكن له التعليق على تغطية الجزيرة لأحداث هامة جدا حدثت قبيل وبعد طباعته ولم يأتي على ذكرها، وهي حرب غزة والأزمة المفتعلة حول تقرير جولدستون وأخيرا برنامجها كشف المستور. حيث عمدت من خلال هذه الأحداث إلى تشويه صورة السلطة الوطنية الفلسطينية بصورة تخلو من المهنية والموضوعية.

مشكلة قطر أنها تعاني من عقدة نقص حادة بسبب صغر مساحتها وقلة عدد سكانها، ومشكلة أميرها الذي جاء عبر انقلاب الابن على أبيه أن لديه طموحات إقليمية تشكلت وفق ثقافته الانقلابية، هدفها إحداث الفوضى، وخلط الأوراق واختراق المحرمات على كل المستويات، وقد اعتاد أو تصور أن كل شيء يشترى بالمال، حتى المجد الكروي واستضافة الفيفا.

ومشكلة الجزيرة ليست في ضعف المهنية أو غياب الموضوعية، أو أنها توظف الإعلام لخدمة الدعاية السياسية، فهذا دأب وسائل الإعلام على مر التاريخ، ولكن المشكلة هي في نوعية الرسالة السياسية التي تريد إيصالها للناس، وفي دوافعها ومن يستفيد منها ومن يحركها، فهي لم تتوقف عن حربها المعلنة ضد الشعب الفلسطيني وقيادته وقضيته رغم كل المظاهر الخداعة التي توحي بعكس ذلك، وقد تمكنت من اختراق حالة الوعي الوطني لدى جمهور واسع وإعادة تشكيله برؤية قطرية جديدة وقدمت رواية مشوهة عن النضال الفلسطيني، وساهمت في شق الصف الفلسطيني ومولت الانشقاق، ومسخت كل ذكرى جميلة من التجربة الناصرية، وخلقت في كل بلد عربي أزمة، وشوهت قيادات وطنية وضللت الناس، وجعلت من أشباه مثقفين ومشبوهين أبطالا ونجوما في عالم الإعلام والمزايدة.
لا ننكر أن الجزيرة خلقت حالة من الوعي الجماهيري العربي بقضايا الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وسلطت الأضواء على مكامن الفساد في أكثر من موقع، وكشفت جانبا من ممارسات الأنظمة البوليسية القمعية، وأن مراسليها يعرضون حياتهم للخطر لنقل صورة حية عن الأحداث .. ولكن هذا كله كان يمكن أن يتم بمحتوى أخلاقي ووطني ومهني أفضل بكثير مما فعلت الجزيرة.

فإذا كانت الجزيرة حاليا تتمتع بحضور إعلامي طاغي ونسبة مشاهدين مرتفعة، فذلك لأنها نجحت في توظيف كل التقنيات الإعلامية الحديثة ووسائل الإبهار والإثارة، بإمكانيات ضخمة وبموازنات خرافية وطاقم إعلامي ذو كفاءة عالية تم تدريبه وانتقاءه بعناية، ولكن هذا كله لا يدوم طويلا .. فسبب طموحاتها السياسية غامرت برصيدها الإعلامي، وفي النتيجة بدأت صورتها المنمقة بالتآكل، وبدأت قطاعات واسعة من جمهورها بالعزوف عنها بعد أن كشفها وأدرك حقيقتها.


0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار