أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

فبراير 26، 2011

النظام العربي الجديد بعد ثورتي تونس ومصر

في لحظات معينة من التاريخ يمكن لأحداث بسيطة بحجمها الطبيعي أن تغدو كبيرة جدا بمعانيها ونتائجها وتصبح مفعمة بالدلالات الرمزية، فمثلا يمكن لمقتل شخص واحد أن يكون سببا في إشعال حرب عظمى، كما حدث عندما قُتل سفير النمسا في سراييفو واشتعلت على إثر ذلك الحرب العالمية الأولى، وفي هذا السياق فإن حادثة إشعال البوعزيزي النارَّ في نفسه في تونس قد مثلت الشرارة التي أوقدت النار في الهشيم، وافتتحت عصر الثورات الشعبية العربية وعصر الإطاحة بالأنظمة الديكتاتورية الفاسدة، والتشابه بين الحالتين ينحصر في فهم العلاقة بين السبب المباشر والأسباب الموضوعية التي كانت تتراكم تحت السطح وتنتظر لحظة الانفجار.


وإذا كانت الثورة التونسية قد امتلكت عنصر المفاجأة للنظام، فإنها بوتيرتها الهادرة والسريعة قد فاجأت العرب والعالم أيضا، وشكلت لشعوب المنطقة، التي تعاني معظم بلدانها من مشكلات شبيهة متراكمة منذ سنوات طويلة نموذجاً مبدعا لقدرة الجماهير الشعبية وقواها الفاعلة على الثورة على الظلم وتغيير الواقع مهما كان حالكا، وأثبتت أن الشعوب إذا ما توحدت امتلكت قوة هائلة لا شيء بمقدوره أن يقف في وجهها، ولهذا سرعان ما انتقل لهيبها إلى مصر، لتفتح الطريق على مدياته الرحبة أمام قطار التغيير، ومن المدهش أن هذه الثورات جاءت في زمن وصلت فيه الشعوب العربية إلى درجة عالية من اليأس والقنوط من واقعها المرير، والسخط على أنظمتها الجاثمة على صدورها منذ عقود .

ثورة الياسمين في تونس واللوتس في مصر الرائعتان اللتان تفتّحتا في مستهل العام الحالي 2011 أدخلتا المنطقة العربية برمتها إلى مرحلة جديدة كليا ومختلفة نوعيا عن كل المراحل التاريخية السابقة، وفتحتا آفاقا واسعة لم يسبق أن توفرت لها مثل هذه الفرص للنجاح في إحداث تغييرات جذرية في بنية وواقع النظام العربي، ليس على مستوى تغيير أسماء الحكام أو هدم البنـى الفوقية القائمة، بل وفي تحقيق إنجازات هامة على كافة المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وكل ما يتصل بها من مناحي الحياة الأخرى.

البعض شـبّه ما حدث في كل من تونس ومصر وما قد يحدث في دول عربية أخرى بما حدث لدول أوروبا الشرقية في نهاية الثمانينات
من القرن الماضي، حين بدأت حركة التغيير الثورية ببولندا وانتهت في غضون عام واحد عندما أطاحت بكل المنظومة الاشتراكية بما فيها قلعتها الحصينة "الاتحاد السوفيتي" ، البعض الآخر شبه هذه الثورات بالثورات الكبرى التي أحدثت تغييرات تاريخية على المستوى العالمي كالثورة الفرنسية والأمريكية والبلشفية، ومهما اختلفنا على التشبيهات إلا أن الجميع متفق على أن ما حدث يُعدُّ تغيرا تاريخيا بكل المقاييس، ويشكّل نقطة فارقة في تاريخ المنطقة، بحيث أن ما بعده مختلف جذريا عما قبله، ويمكن القول أنه من هذه اللحظة التاريخية الحاسمة بدأ تاريخ جديد يحمل في جوفه كل الاحتمالات.

وهذا ما ألهم الجماهير العربية وأعطاها دفعة معنوية لكسر حاجز الخوف والخروج على أنظمتها، وما فتَحَ شهية العديد من المثقفين والنخب السياسية لدعوة شعوب المنطقة وتحريضها على الحكومات والعمل على إسقاطها، البعض ينطلق في دعوته من نية صادقة تنشد التقاط اللحظة التاريخية والبدء فورا بالتغيير والثورة على الواقع، بعد أن ضيّعت الأمة العربية عبر قرن من الزمان فرصاً كثيرة وأهدرت طاقاتها وبددت ثرواتها وخسرت خيرة شبابها بسبب فساد الأنظمة واستبدادها وارتباطاتها المشبوهة، ويرى هؤلاء أن انتصار الثورات الشعبية في تونس ومصر يوفر فرصة غير مسبوقة ولا يجوز تفويتها بأي حال، بينما البعض الآخر في دعوته للجماهير النـزول إلى الشوارع والثورة على الأنظمة إنما ينطلق من أحقاد شخصية على أنظمة معينة، إما بسبب خلافات سياسية أو لأسباب أخرى، ولكن كل هذه الدعوات لن تبارح فضاء الأمنيات والرغبات الدفينة أو حتى مجرد التوقعات التي لا تحتاج من مطلقيها أكثر من تعليق ساخر أو كتابة مقالة أو التكهن بأن الخطوة القادمة ستكون في البلد الفلاني. والفرق بين الحالتين كبير جدا، في الحالة الأولى يلزم التخطيط والبناء والعمل الجاد، بينما الحالة الثانية لا تحتاج أكثر من جمهور حالم يغذي أحلامه بعض المزاودين والمهرجين الإعلاميين ممن امتهنوا الظهور على الشاشات وأتقنوا الانتهازية السياسية.

كيف بدأ عصر الثورات الشعبية ؟

تكاد تجمع نظريات سسيولوجيا المجتمعات أن الثورة الشعبية حتى تتفجر يلزمها توفر ونضوج ثلاثة عناصر، هي أولا: وجود أزمة في قمة النظام المتسلط إلى حد لا تُمكنّه من استمرار فرض ظلمه على المجتمع، وثانياً: وجود أزمة في القاعدة الشعبية بحيث لا مجال أمامها لمزيد من الصبر والاحتمال، والثالث وجود الأداة القائدة والمفجرة للثورة، وبعد اكتمال هذه العناصر تبقى لحظة الانفجار التي كل ما تحتاجه سببا مباشرا ليشعل فتيل الصاعق.

وطبعا العملية ليست استجابة ميكانيكية فورية، فالثورة فعل مركب ومعقد، وسيكون إرجاعها لسبب واحد أو إعمال مبدأ القياس أو الإسقاط على ثورات أخرى نوع من التسطيح الفكري، فكثير من بلدان العالم وبالذات العربية منها تتوافر فيها هذه العوامل، ولم يحدث فيها ثورات، فمجرد وجودها لا يؤدي تلقائيا لقيام ثورة شعبية، وما تفعله الأنظمة أنها تطيل أمدها ما استطاعت إلى ذلك سبيلا وتؤجل المحتوم بأدواتها وقمعها وأساليبها العديدة، ومن ناحية ثانية فإن الجماهير لا تتحرك بكبسة زر، وقد اعتادت أن تمر أولاً ولفترة معينة بمرحلة من السكون واللامبالاة، واللامبالاة هنا لا تعني الخنوع والاستسلام، بل تعني عزوف الجماهير عن النظام وامتناعها عن المشاركة الإيجابية في مؤسساته – إلا بالقوة أو من قِبَل الشرائح المستفيدة مصلحيا – وخلال هذه الفترة تخزن الجماهير في ذاكرتها أوجاعها وآلامها، فيما تبدأ بعض القوى الطلائعية والنخب المثقفة بالتحرك والتعبير وتحريض الآخرين، وتمارس أشكالا محدودة من الاحتجاجات بالقدر المتاح، وتراكِم إنجازات بسيطة هنا وهناك، وبعد حين تبدأ هذه التحركات بالتوسع أفقيا وعاموديا، حتى تتفاقم الأمور وتصبح الظروف مهيأة لحراك شعبي واسع.

الثورة بالمفهوم السياسي السوسيولوجي لم يختبرها العالم العربي إلا بشكل نسبي مع ثورة الضباط الأحرار في يوليو 52 في مصر، لأنها تمكنت من هدم البنى الإقطاعية التي كانت تتحكم في مقدرات الشعب وعملت على تحقيق نوع من العدالة الاجتماعية استفادت منها بشكل خاص طبقتي الفلاحين والعمال .

وقد تجلت نظرية سسيولوجيا الثورة ذات المضامين الاجتماعية وبأوضح أشكالها في ثورتي تونس ومصر، ولكن ما يلفت الانتباه حقاً هو وجود أداة قائدة غير تقليدية لم نعهدها من قبل، وهي أداة الشباب المثقف والمتعلم، ولعلها أحد ابرز سمة عصرية للثورات الشعبية في زمن العولمة وعالم الانترنيت.

ما جرى في تونس ومصر من نضوج لعوامل الانفجار واختمارها وتطور الأحداث على نحو مذهل وبالشكل الرائع الذي شهدناه، وبدايات التململ في أكثر من بلد عربي، يحتاج لقراءة موضوعية هادئة بعيدا عن العواطف والرغبات، لأن القادم من الأحداث هو الأصعب والأكثر أهمية، حيث أنه إما سيكمل الصورة ويجعل مما حدث حقا ثورة شعبية ناجحة بكل المقاييس، وإما سنشهد انتكاسة وتراجعا وسرقة لأهم إنجاز حدث في المنطقة خلال العقود الأخيرة. وعليه يجب أن تكون قراءتنا للمشهد انطلاقا من علم الثورة الذي تراكم عبر التاريخ ومن تجارب الشعوب، ووضع ما جرى في سياقه التاريخي.

ومن البديهي أن نجاح الثورة في عمليتها الأولى (مرحلة الهدم) قد لا يكلف كثيرا، وما يحتاجه هو سقوط الرئيس وإصدار البيان رقم واحد من الحاكم الجديد، لكي يُقال حينها لقد نجحت الثورة. ولكن ماذا بعد ؟ فلا يكفي أبدا القضاء على الأنظمة القديمة ثم الجلوس على أنقاضها وترديد شعارات الثورة، لأن شعارات الثورة مهما كانت جميلة لن تُغني الجماهير عن فقرها وجوعها ،ولن تحل مشاكل الاقتصاد والمديونية والتعليم والتكنولوجيا، ولن تقضى على الفقر والجهل والمرض، فعملية الهدم سهلة وقد يقوم بها ضابط مغمور في الجيش أو جموع هائجة وجائعة أو تكون بتحريض من قوى خارجية، ولكن عملية البناء هي الأساس وهي الحكم على نجاح الثورة، مرحلة البناء تحتاج إلى رجال مختلفين وعقلية مختلفة وأساليب عمل مختلفة .

وما بين سقوط النظام القديم وقيام النظام الجديد توجد مرحلة انتقالية تعتبر المحك للحكم على نجاح الثورة في مرحلتها الأولى وقدرتها على الانتقال السلس والسلمي للمرحلة الثانية، مرحلة بناء الجديد، في المرحلة الانتقالية يظهر كثيرون ممن يريدون سرقة الثورة وحرفها عن أهدافها الحقيقية سواء كانت أطرافا خارجية أو أطرافا داخلية قد يكونوا من بقايا النظام القديم أو من أحزاب سياسية تريد أن تركب موجة الثورة في آخر لحظة.
ثورة الياسمين

في تونس تأزمت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للناس وأصبحت أحوالهم لا تطاق، واتسعت الهوة ما بين النظام والجماهير، واتسعت أكثر بين طبقات الشعب، وغابت وسائل التعبير السلمية، ومارس النظام كل ما لديه من أساليب للقمع، ولم تعد الجماهير تمتلك إلا نفسها وكرامتها، ولم يعد أمامها إلا التحرك العارم لتغيير الأوضاع تغييرا جذريا. وما كانت تنتظره شرارة البدء، فأحرق البوعزيزي نفسه وثأر لكرامته التي أهينت على يد شرطية تعسفت بفرض القانون، وأهينت مرة ثانية على يد المحافظ الذي تعامل مع الموضوع بخفة ودون احترام، فاندلعت الثورة وأتت على الشرطية والمحافظ ورأس النظام، وهذا ما حدث باختصار.

تونس كانت تعاني من مشكلات عديدة، سواء على صعيد التفاوت في المداخيل وانتشار الفساد وخاصة في أسرة الرئيس وعائلة زوجته، وأيضا تفاقم الفقر والبطالة، خاصة في المناطق الداخلية من البلاد التي لا تقع على الساحل، حيث لا حركة سياحية ولا موارد طبيعية كبيرة، وهي المناطق التي انطلقت منها تلك الإنفجارات الأولى للثورة الشعبية ومن ثم امتدت للمدن والمناطق الحضرية الأخرى . ولكن الثورة الشعبية في تونس التي بدأت بانتفاضة سيدي بوزيد لم تكن رعدا منعزلا في سماء صافية، إذ سبقتها في الأعوام السابقة أشكالا عديدة من الاحتجاجات، وكذلك سمحت أشكال النضال الديمقراطي التي عرفتها تونس في العشريّة الأخيرة بالحفاظ على مستوى عال من التعبئة السياسية في ظروف قمع قاسية، وجمعت مئات المناضلين (خصوصا اليساريين) في جبهة "موحدة مناوئة للديكتاتورية"، اتّسعت لاحقا لتضم المدوّنين والصحافيين والفنانين، لتشمل فيما بعد كافة الفئات الشعبية.

الكاتب شاكر النابلسي يقول في مقالته (أحفاد بورقيبة ينتفضون)، أن "ما حدث في تونس، من الصعب أن يحصل له مثيل في العالم العربي. وهو مختلف عما حصل في مصر". واعتبر أن انتفاضة الشعب التونسي هي نتاج الفكر السياسي والاجتماعي التونسي. ويضيف: "إن تونس هذا البلد الصغير بحجم أرضه، والصغير بعدد سكانه، أنتج من الفكر العربي الحداثي والليبرالي في النصف الثاني من القرن العشرين، ما لم ينتجه أي بلد عربي آخر"، واعتبر أن المفكرين التوانسة لعبوا دورا في إشعال الثورة يشبه الدور الذي لعبه المفكرون الفرنسيون أمثال روسو وفولتير ومونتسكيو وغيرهم، في إنضاج الظروف لقيام الثورة الفرنسية، والدور الذي لعبه جون لوك، وتوماس جيفرسون، وصموئيل آدامز، وغيرهم في قيام الثورة الأمريكية.

ويؤكد على هذا المفكر المصري "طارق حجي" في معرض وصفه لبعض الفوارق بين الثورتين المصرية والتونسية، حيث يقول: "إن نوعية تعليم الطبقة الوسطي التونسية أرقي وأكثر عصرنة وتقدما وقربا من التعليم الأوروبي من التعليم المصري الذي بلغ درجة مذهلة من الانهيار وتدهور كافة المستويات وتغلغل الثقافة الوهابية الرجعية في سائر أرجائه. أما ثقافة الطبقة الوسطي التونسية فهي أكثر تأثرا بالعالم المتقدم وأقل تأثرا بالقيم القروسطية الرجعية التي استلبت قطاعات واسعة من الطبقة الوسطي المصرية"، بينما يقول المفكر والأكاديمي التونسي محمد الحداد، الأستاذ في الجامعة التونسية، عكس ذلك، فيقول: "إن الشباب التونسي الذين قاموا بالثورة التونسية لم يقرءوا التراث السياسي العالمي أو الإسلامي، ولم يعرفوا أعلامه وكتّابه ومفكريه". وهذا يعني أن ما كتبه مفكرو تونس الليبراليين لم يقرأه أحد في تونس. وأن ما كُتبوه كان هباء منثوراً لم يفد الانتفاضة، ولم ينتفع به المنتفضون .

والواقع أن الثورة التونسية كما هي المصرية لم يطلقها السياسيون ولا حتى المثقفون أو الشعراء، بل كانت ثورة شبابية بامتياز. فقبل سنوات، كانت قد تنامت في البلاد العربية ومنها تونس ومصر بطبيعة الحال ظاهرة لم تنتبه إليها الأنظمة السابقة وباعتقادي بقية الأنظمة ولم تدرك مخاطرها وأبعادها، وهي ظاهرة استعمال الشباب شبكات التواصل الاجتماعي، وأهمها الفيسبوك، ولا شك أن هذا النوع من التواصل والاستفادة من ثورة المعلومات والاتصالات "عجّلت" في قيام الثورة. وكانت وقودها السريع. ولكن بذرة هذه الثورة، كان قد زرعها المثقفون من قبل وأتت أكلها فيما بعد.

ثورة اللوتس

ثورة الشعب المصري التي أُطلِق عليها تحببا "ثورة اللوتس" أذهلت العالم بقوتها وشعبيتها الهادرة وتصميمها الأكيد على إحراز النصر، وأخلاقياتها التي تفوقت على كل محاولات تشويهها، وبوعيها ووطنيتها الصادقة ونبضها الشعبي البسيط، ومن البديهي أن هذه الثورة التي عبّرت عن أصالة الشعب المصري لم تنشأ من الفراغ، فقد جاءت ردا على واقع سياسي واجتماعي ظالم وجائر، إلا أنها أيضا جاءت استمرارا لتراكمات نضالية كانت قد بدأت قبل سنوات، وعلى سبيل المثال نشأت في السنوات الأخيرة حركات احتجاج شعبية مثل حركة "كفاية" و "حركة 6 إبريل" وشباب "خالد سعيد" وغيرها والتي كان من أهم إنجازاتها الدعوة لكسر هيبة النظام وكسر حاجز الخوف وتحريض الناس على الخروج. ولفهم خلفيات وإرهاصات الثورة يتوجب علينا بداية تسليط الضوء على الظروف التي سبقتها والتي أسهمت في إنضاجها.

في النصف الثاني من القرن العشرين شهدت البلاد العربية عموما ومصر على وجه الخصوص عدة تحولات اجتماعية واقتصادية نجم عنها بروز شرائح وظواهر اجتماعية جديدة، وقد كانت هذه في مصر أكثر وضوحا وحِدّة، وربما هي التي كانت السبب الجوهري للثورات الشعبية التي تفجرت أوائل هذا العام، وأهم هذه التحولات : ذوبان الطبقة الوسطى واتساع قاعدة الفقر، وتضخم بيروقراطية الدولة، وتوّسع اقتصاد الخدمات، وظهور اقتصادات طفيلية موازية، وتلاشي الفلاّحين كطبقة ذات خصائص اقتصادية واجتماعية وثقافية ثابتة، إضافة إلى الانفجار السكاني الهائل، هذه كله أدى إلى خلق وتكوين شرائح اجتماعية جديدة، سماتها الواضحة أنها فقيرة ومهمشة وتفتقر إلى ملامح أو تقاليد طبقية ثابتة، لكن لها حضور طاغي وتأثير هام في حياة المدن. وهذه الشرائح مكونة من شبان عاطلين عن العمل ويفتقدون الأمل ويواجهون أفق مسدود في مدن تعج بالظلم والقهر الاجتماعي، وهم أساسا من يمكن وصفهم بالبروليتاريا الرثة.

وفي وصفه ظاهرة تآكل الطبقة الوسطى في المجتمعات العربية يقول المفكر الفلسطيني د. أحمد برقاوي: "أصبحت الطبقة الوسطى أمام دور آخر، يختلف عن طبيعتها والدور التاريخي المناط بها، حيث أدت ممارسة فئات من هذه الطبقة لدور غير مخصص لها نتيجة عدم التكافؤ بين حاجاتها ودخلها، وممارستها أكثر من دور من أجل الحفاظ على مستواها الأساسي الذي اعتادت عليه، إلى فقدانها وقت الفراغ الضروري لها كفئة تنتج ما هو فائض عن العمل، أي النتاج الذهني والثقافي، فتحول جزء منها إلى بروليتاريا رثة، أي فئة فقيرة". وهي الفئة التي لا تستطيع تأمين حاجياتها في إطار الدخل المشروع، ما يعني أنها ستقوم بذلك بشكل غير مشروع، أو القيام بأدوار هي ليست من طبيعتها. فصار عادياً مثلا أن يعمل الموظف في دوامين، وأن يعمل خريجي الجامعات في غير تخصصاتهم وفي أعمال لا تتناسب ومؤهلاتهم. وقد ترافق ذلك مع زيادة معدلات التضخم النقدي الذي لعب دوراً بارزاً في تردي الوضع المعاشي للطبقات المتوسطة والفقيرة، بالتالي فإن الدور الذي يمكن أن تلعبه الطبقة الوسطى في المجتمع أصبح أقل بكثير مما يجب، أو مما كان عليه قبل خمسين عاماً.

ولكن ما حصل في المنطقة وفي مصر بالذات أن الطبقة الوسطى – الحقيقية والافتراضية – قد رفضت أن تحصر نفسها في هذا الإطار الضيق وغير المقبول، ومع ظهور الأجيال الشابة التي حصلت على تعليم أكاديمي متقدم، واكتسبت عادات اجتماعية حداثية وعرفت طريقها إلى الإنترنت ووسائل الاتصال الحديثة وأحسنت استخدامها، ومع تنامي قوة المجتمع المدني وتطور ثقافته وزيادة وعيه، سواء في العلن أو تحت الأرض وفي المنافي. خاصة بين الأجيال الجديدة، ومع الانفتاح الهائل لوسائل الاتصالات والمعلومات العصرية، خاصة الفضائيات وشبكات المحمول والتواصل الاجتماعي، صار بإمكان الطبقة الوسطى أن تنتعش وأن تنهض في محاولة لاستعادة دورها الطبيعي من جديد، ولكن بأدوات وأساليب مختلفة.

لقد شكل الشبان العمود الفقري للثورة الشعبية في كل من تونس ومصر، وهؤلاء – كما يقول الكاتب الفلسطيني حسن خضر - جاؤوا من أوساط الطبقة الوسطى، التي تعرّضت لعملية إفقار ممنهجة، والتي تملك أيضا - نتيجة تعلمها - قابلية عالية للتأثر بما يدور من حولها وفي العالم. وكما أن الثورة في مصر وتونس جاءت بلغة ومزاج العصر، أي بطريقة سلمية، وشعارات تخلو من الدم والثأر، بلا عنف، أو دعوات أيديولوجية. فقد جاءت أيضا بلغة وأدوات العصر، أي أجهزة الاتصال الحديثة، ولا شك أن استخدام الوسائل التكنولوجية في التعبير والتواصل ينسجم تماما مع روح العصر وأدواته، حيث ثمة علاقة عضوية بين أدوات العصر وأشكال التعبير السياسي. فعلى سبيل المثال نشأت القومية في أوروبا وازدهرت بعد اكتشاف وتعميم الطباعة والمطبعة، ثورة البلاشفة في روسيا ارتبطت بصحيفة البرافدا، الأحزاب العربية ارتبطت بالمنشور السري، والقومية العربية الناصرية اقترنت بصوت العرب والراديو، والثورة الإيرانية ارتبطت بأشرطة الكاسيت، حركات الإسلام السياسي استخدمت المنابر والمساجد وفي مرحلة لاحقة استخدمت أشرطة الفيديو المسجلة عبر الفضائيات وشبكة الإنترنت، واليوم في مصر وتونس لعبت صفحات الإنترنت، والرسائل النصية، وكاميرات الهاتف المحمول، دورا حاسما في تبادل المعلومات وفي تجميع وتنظيم الشبّان الذين أشعلوا الشرارة الأولى .

وفي مقابل هذا الحراك الاجتماعي الناضج والواعد، كان هناك القمع السلطوي وفساد النظام بكل أشكاله وتجلياته، وفي هذا الشأن يمكن القول أن الشارع المصري كان يغلي ويهدر منذ سنوات عديدة، مع تدهور الوضع المعيشي لقطاعات واسعة من الشعب بفعل تطبيقات "الليبرالية الجديدة" التي تتالت منذ أوائل التسعينيات الماضية، والتي شملت خصخصة جزء متزايد من القطاع العام، ورفع الدعم الحكومي عن المواد الاستهلاكية الأساسية، وإدخال رأسمال خارجي نهِم يستغل رخص اليد العاملة المصرية لتحقيق أرباح فاحشة، متناغماً ومتداخلاً مع القطاع الطفيلي والكومبرادوري من الرأسمالية المحلية، والذي تنامى حجمه ودوره السياسي منذ أواسط السبعينيات الماضية في مرحلة "انفتاح" النظام في الحقبة الساداتية. وذهب كلا الجناحين، الخارجي والمحلي إلى أقصى مدى من النهب والاستغلال، في وقت كانت فيه البطالة في صفوف المواطنين المصريين تتفاقم. وهذا الانحدار في الوضع المعيشي تزايد مع اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية في العامين 2007 ~ 2008 بانعكاساتها السلبية على قطاعات هامة من الاقتصاد المصري، سواء قطاع السياحة الحيوي، الذي شهد تراجعاً على مستوى العالم في حقبة الأزمة، أو في مجال التحويلات الخارجية من الجاليات المصرية في الخارج، خاصة بعد تسريح مئات الآلاف من المواطنين المصريين في بلدان الخليج، والتراجع حتى في مردود حركة السفن في قناة السويس، مع تراجع حركة التجارة ونقل السلع على صعيد العالم. فضلا عن انعكاسات الأزمة على تزايد موجات الغلاء بشكل غير مسبوق وغير محتمل .

تحالف الأوليكارغيا

يعرف التحالف ما بين السلطة بما تمثله من قوة ونفوذ وبين المال بما يمثله من إمكانات بتحالف الأوليكارغيا، وهو عادة يكون أحد أهم عناوين الفساد في أي نظام يشهد مثل هذا النوع من التحالف، حيث تصبح إمكانات البلد ومواردها بيد فئة قليلة تتحكم بها وتنهبها وتستغلها وتكرسها لخدمة مصالحها ولبناء ثروات ضخمة، بينما تُحرم منها كافة فئات الشعب، وبذلك ينشأ جدار عالي يعزل النظام عن الشعب وتغدو مصالحهما على طرفي نقيض، ومن ثم تتسع الفجوة بين طبقات الشعب و في المحصلة تغيب العدالة الاجتماعية ويعم الظلم.

وهذا ما حدث بالضبط في كل من مصر وتونس بالإضافة إلى دول أخرى كاليمن وغيرها، حيث كانت أسرة الرئيس والأوليكارجيا المحيطة به والمساندة والمشاركة له في السلطة والثروة تلعب دور الشريك الفاعل في الحكم، وكانت تتحكم بمقدرات البلاد دون حسيب أو رقيب، الأمر الذي أدى إلى ظهور أسوأ أشكال الاستبداد والإنفراد بالسلطة، وقد أدى هذا النمط من احتكار السلطة إلى انسداد الأفق السياسي، والذي تفاقم كليا بعد عمليات تزييف وتزوير الانتخابات الرئاسية والنيابية التي كان يحصل فيها الحزب الحاكم على 99% من الأصوات. بالإضافة لما شهدته البلاد من جمود فكري وتراجع اقتصادي تمثل في تراجع معدلات النمو الاقتصادي ثم توقفه كليا .
ولم يكن هذا النمط من الحكم هو السمة المشتركة الوحيدة بين مصر وتونس، حيث كشفت الثورتين في هذين البلدين عن قواسم مشتركة عديدة ويمكن إضافة اليمن إليها مع دول عربية أخرى ولعل أبرزها: أن هذه البلدان يحكمها رؤساء مضى على حكمهم مدة طويلة (21 سنة في الحالة التونسية ، و30 سنة في الحالة المصرية و33 سنة في الحالة اليمنية، 41 سنة في الحالة الليبية). وفوق هذا هناك رغبة عارمة لتوريث كرسي الحكم للإبن أو لأحد أفراد العائلة. حيث دستور هذه الأنظمة يعطي لرئيس البلاد سلطات شبه مطلقة ولا توجد بها آليات فعالة للرقابة والمحاسبة، وثاني تلك القواسم هي أن أركان النظام تُهوّن من حجم وقيمة الاحتجاجات الشعبية وترجعه "لقلة مندسة" و "أجندات خارجية"، وهو سلوك معهود لتلك النظم الشمولية. تجعلها تتعامل مع تلك الاحتجاجات من منظور أمني صرف، لا مجال فيه للتحليل السياسي والثقافي والمجتمعي أو لتفهم حاجات المواطنين، وثالث تلك القواسم، أن نظم الحكم في تلك البلدان قد "باعت" للقوى العظمي فكرة وهمية مفادها أن في هذه البلاد إما "الطغمة الحاكمة" وإما "الإسلاميين". وهي حالة صنعها هؤلاء الحكام بأنفسهم وبالغوا في حجمها من أجل إقناع القوى العظمي بأنهم أهون الشرين وأفضل المصيبتين.

ولكن في المقابل هنالك بعض الفوارق بين الحالتين المصرية والتونسية: وأهمها نوع ومستوى التعليم والثقافة والوضع الاقتصادي لشرائح الطبقة الوسطي في البلدين فالوضع الاقتصادي للطبقة الوسطي التونسية يعد أفضل نسبيا من الوضع الاقتصادي المزري للطبقة الوسطي المصرية. الفارق الكبير الثاني يتعلق بالنقابات بوجه عام ونقابات العمال بوجه خاص. فبينما إتسمت قيادات النقابات التونسية بالطابع اليساري وبالاستقلال عن الحكومة، فإن قيادات النقابات العمالية في مصر هم إما من خدم السلطة أو من المتأسلمين .
ثورات سياسية أم ثورات اجتماعية ؟

منطق التاريخ والطبيعة الإنسانية يؤكدان بأنه حيث يكون الظلم تكون الثورة، أي الثورة الشعبية بمضامينها الاجتماعية الاقتصادية، بغض النظر عن المحتوى الإيديولوجي الذي يحاول البعض إلصاقه بها، وأحيانا قد تقوم الثورات لأسباب أيديولوجية أو قومية أو دينية، ولكن الثورات الشعبية الوطنية تقوم دائما لأسباب اقتصادية واجتماعية وسياسية. لأن الثورة فعل جماهيري شامل، ومن الصعب أن يتمثل كل الشعب مفاهيم أيديولوجية واحدة يفجر بسببها ثورة، وحتى لو تضمنت الثورات الشعبية بعض المفاهيم الإيديولوجية، إلا أنها تبقى حراك شعبي واسع شامل تتسع لكل مطالب الشعب وأحلامه وتعبر عن آلامه ومعاناته، وتمثل نقطة تحول مفصلية في حياته، تحول جذري يشمل الجوانب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وبديهي أن يكون هدف الثورة تحقيق التحول إلى الأفضل، لأن الثورة تستهدف في ضرباتها الإطاحة بمن تعتبره الجماهير مسئولا عن بؤسها.

وهذا ينطبق على معظم الثورات بما فيها الثورة الإيرانية نفسها، حيث بدأت كثورة شعبية اجتماعية ضد فساد نظام الشاه، ثم تحولت إلى دينية طائفية بعد أن انتحلها أصحاب العمائم السوداء وحرفوها باتجاه دولة الولي الفقيه، وفي هذا الصدد يقول الخبير الاقتصادي الإيراني "سعيد ليلاز": "إن الثورة الإيرانية هي نتاج للتطورات الاجتماعية والاقتصادية التي حدثت في السبعينات" ويضيف "ليلاز" قائلا: "كانت المؤشرات الاقتصادية والحركات الاجتماعية في إيران في الستينات وحتى الأعوام 1972 ~ 1974 تسير بشكل جيد، حيث بدأت في هذين العامين أسعار النفط بالارتفاع على نحو كبير ومفاجئ، وقد اتخذت الحكومة قرارا بإضافة كل واردات البترول إلى اقتصاد الدولة، وبالتالي بدأت معدلات التضخم بالزيادة وبدأت معها هجرة نشطة من الريف إلى المدينة، التي لم تكن مؤهلة لاستيعاب الأعداد الضخمة من المهاجرين"، ويضيف "ليلاز": " بالرغم أن معدل الدخل القومي السنوي صار أكبر بعشرة أضعاف من معدل دخول العقود السابقة، إلا أن الناس كانت تسكن أكواخا من الصفيح في ظروف جدا بائسة، حيث كان النمو الاقتصادي يعاني من حالة من عدم الانسجام والترابط، وكانت الأجور متدنية والتضخم مرتفعا، فتكونت فجوة كبيرة بين طبقتي المجتمع غير مسبوقة في تاريخ إيران، حيث بلغ مؤشر "جيني" في أواخر السبعينات 0.53 بعد أن كان في السابق دون 0.41 وعندما تصل الأمور عند هذا الحد يعني أن الانفجار موشك في أي لحظة بسبب اتساع الهوّة بين الطبقات وغياب العدالة الاجتماعية وتفشي الفقر والبطالة، وفي العام الذي سبق الثورة الإيرانية 1979 بلغت الأوضاع الاقتصادية أدنى درجاتها وكان الغليان الاجتماعي في ذروته" .

وأيضا في البلدان العربية - التي تتشابه أغلبها مع إيران في موضوعي الفساد والتفاوت الطبقي - إذا تتبعنا إي ثورة اجتماعية سواء في تونس أو في مصر، نلاحظ أن الثورة قامت على يد شبان غاضبين وغير راضين عن الأوضاع، ولا ينتمون للأحزاب السياسية التقليدية، وأن كافة فئات وشرائح وطبقات الشعب شاركت في فعالياتها بدون استثناء، ولم تجرؤ أي قوة سياسية أو حزبية أن تدعي أنها هي مطلقة الثورة أو قائدتها أو محركها، وكان واضحا طوال مسيرة الثورة أن الجماهير المشاركة لم تكن تردد أي شعارات دينية أو طائفية أو سياسية، لم تحرق علما لأي دولة صديقة أو معادية، لم تردد شعارات "تحرير فلسطين"، أو "الإسلام هو الحل" أو "يا عمال العالم اتحدوا" أو غيرها، بل كانت شعاراتها تعبر عن مطالبها وتكاد تنحصر في إسقاط النظام.

هذا من حيث الشكل الظاهري للثورة، أما من حيث مضمونها ودوافعها ومبرراتها وأسباب قيامها فقد كانت منسجمة تماما مع هذا الشكل، فعندما استعرضنا الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي سبقت مرحلة الثورة تبين لنا قوة العامل الاقتصادي ومدى تأثيره، ومن اللافت للانتباه أن الشعب المصري لم يقم بثورة شعبية شاملة بدوافع سياسية محضة – قام بالعديد من المظاهرات المحدودة - رغم كثرة وجسامة وخطورة أحداث كثيرة مرت عليه خلال العقود الأخيرة، ولكن هذا لا يعني أنه ليس لثورته الحالية أسباباً سياسية، بل إن نتائجها السياسية ستكون حاسمة للمنطقة بأسرها ولمستقبلها.

وقد تبين أن النظامين المصري والتونسي (السابقين) وغيرهما من الأنظمة العربية، كانا يمارسان مختلف أنواع القهر السياسي وكبت الحريات وتكميم الأفواه، واحتكار السلطة في ظل أحكام عرفية أو ديمقراطية شكلية فارغة من مضامينها الحقيقية، وهذا النمط من الحكم يحرم الجماهير من إمكانية المشاركة السياسية والتعبير عن أفكارهم ومعتقداتهم، ويسد الأفق السياسي تماما أمام فعاليات الشعب وقواه الحية. فالأحزاب والحركات السياسية في المجتمعات العربية تعاني من القمع السلطوي وتكابد القهر والظلم، وتبحث عن فرصتها في التعبير عن ذاتها، ولكن مع خنق صوتها وإضعافه، ومع إغلاق أبواب الأمل وانعدام فرص التغيير بالطرق السلمية كنتيجة لغياب الحوار الوطني، ومع تفشي العنف والاستبداد واعتماد الدولة أساليب قهرية في تعاملها مع المواطنين كالتعذيب والسجون، ومع توالي الهزائم العسكرية والسياسية، سادت رغبة جامحة لدى الجماهير بضرورة التغيير، وضرورة مواجهة الظلم، ولكن هذه الرغبة لم تكن بنفس الدرجة والكيفية لدى الكل، إذ تولّدَ العنف المضاد وبشكل خاص من قبل حركات الإسلام السياسي، وقابله عنف مضاد آخر من قبل أجهزة الدولة، واكتملت دورة العنف السياسي لتهيمن على الحياة العامة، ولتأتي بالنتائج المدمرة على أكثر من صعيد. ناهيك عن غياب العدالة الاجتماعية، وعجز الدولة عن تلبية الحاجات الأساسية للمواطن كالعمل والإسكان والعلاج، وإخفاق خطط التنمية .

وهذه الممارسات السلطوية لم تتكون صدفة، بل هي نتاج طبيعي لسياسة النظم الاستبدادية التي ليس لها أي مصلحة بالديمقراطية ولا تؤمن بالمشاركة الشعبية، وبالتالي فهي أسباب مرتبطة عضويا بطبيعة النظام وتركيبته ودوره الوظيفي المنوط به.
في ظل هذه الأوضاع ستظهر القوى المهمشة التي تعيش الاغتراب والإهمال، وتشعر بعدم اكتراث السلطة لمصيرها ومستقبلها، وستبدأ الطبقة الوسطى بالبحث عن دورها التاريخي ومحاولات النهوض من جديد، ولكن مع عجز الدولة والأحزاب التقليدية أيضا عن استيعاب هذه الحقائق وفشلها في احتواء القوى الاجتماعية الجديدة وتفهم حاجات الأجيال الشابة، ستكون كل الظروف قد تهيأت والمسرح قد أُعد لاستقبال الانفجار.

معطيات الواقع العربي قبل الانفجار

من أهم المشكلات التي تواجه الاقتصاد العربي عموما أن نسب نمو ناتج الدخل الوطني لا تتناسب مع نمو متوسط دخل الفرد السنوي، والأرقام المعطاة بهذا الخصوص كمؤشرات على تحسن الأداء الاقتصادي لا تعكس تحسن الحالة الاقتصادية العامة للناس، أو نجاح عمليات التنمية الاقتصادية. بل أن أوضاع المجتمع على أرض الواقع تؤكد أن دوائر الفقر في ازدياد مستمر، بل ويذهب البعض إلى أنها تزداد بازدياد النمو الاقتصادي، فالقضية أساسا تتعلق بآليات ونسب توزيع الدخل الوطني أو ما يعرف اقتصادياً "بحجم توزيع الدخل، وكذلك بطبيعة وخصائص هذا النمو وبالسياسة الاقتصادية العامة للدولة، بمعنى أن السبب الرئيس في تفاوت التوزيع يعود إلى الهيكلية أو البنية الاقتصادية الداعمة لنخب اقتصادية معينة، والتي تتركز في أيديها غالبية الثروة والفعاليات الاقتصادية وهم ما يسمى بتحالف الأوليغاركيا.
فعلى سبيل المثال، تشير الأرقام الاقتصادية الإجمالية في مصر إلى نمو ملموس في الناتج الداخلي الإجمالي خلال السنوات القليلة الماضية. ولكن هذا النمو لم يكن ينعكس على مستوى حياة القطاعات الشعبية الأوسع، بما يعني أن الزيادة في الدخل العام كان يستفيد منها شريحة صغيرة من كبار المتنفذين، الذين يطلق عليهم بشيء من التورية تعبير "رجال الأعمال"، والذين هم في حقيقة الأمر مافيات وعصابات الجريمة المنظمة.

يقول رئيس البنك الدولي روبيرت زوليك، في خطابه أمام القمة الاقتصادية العربية التي انعقدت في الكويت في الشهر الأول من العام 2009، بأن نسبة البطالة في المنطقة العربية وصلت في مطلع ذلك العام إلى حوالي 14 % من قوة العمل في مجمل المنطقة، لتشكّل أكثر من ضعف النسبة العالمية، وبالتالي فإن الدول العربية أمام تحدي توفير نحو 51 مليون فرصة عمل جديدة بعد عشرة سنوات، وتشير مصادر منظمة الغذاء والزراعة الدولية FAO أن عدد الذين يعانون من نقص في التغذية زادت في المنطقة العربية بين العامين 1990 ~ 2004 من 20 مليوناً إلى 26 مليوناً، وهو رقم ارتفع في السنوات اللاحقة، خاصة مع ارتفاع أسعار عدد من المواد الغذائية الأساسية في السوق العالمية واستمرار عدد من الحكومات العربية في رفع الدعم عن هذه المواد وغيرها .

وضمن تصنيف مستوى الفقر البشري حسب تقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة، الذي يضم مجموعة مركبة من ثلاثة معايير متداخلة وهي مستوى المعيشة، مستوى المعرفة وطول العمر، وما يتفرع عنها من معايير أخرى كالأميّة، التسرب من المدارس، الخدمات الصحية، الأمن الداخلي، توفر متطلبات الحياة الأساسية ... إلخ، فإن الدول التي تحصل على نقاط أقل من 10 % تعتبر ذات فقر متدني، أما الدول التي تحصل على 30 % فأكثر فتعتبر ذات فقر مدقع، وضمن هذا التصنيف هنالك أربع دول عربية حصلت على حوالي 35 % وهي السودان، اليمن، موريتانيا والمغرب، أي أنها من ضمن الدول الأكثر فقرا على مستوى العالم، ولكن حسب المعيار العالمي لخط الفقر والذي تم تحديده بأقل من دولارين يوميا للفرد، فإن عدد الفقراء العرب الذين يقبعون تحت هذا الخط، يتجاوز 84 مليون إنسان، أي ما نسبته 25 % من السكان، بعد أن كانت النسبة 32 % عام 1980. بمعنى أن نسب الفقر في المنطقة العربية وصلت إلى مستويات قياسية تجاوزت النسب في شرق آسيا وفي أميركا اللاتينية، فقد بلغت بالنسبة لعدد السكان حوالي 30 % لبلد مثل لبنان وأكثر من 60 % لبلد قليل الموارد مثل اليمن، في حين كانت التقديرات أن هذه النسبة في مصر تجاوزت الـ 40 %.
أما عن الأمية - وهي أكثر ما يُقلق - رغم أن الفجوة تضيق بين مستوى التعليم في العالم العربي والمستويات العالمية، فهي تقلصت من 18.2 % عام 1990 إلى 13 % عام 2000 وهي آخذة بالتقلص أكثر، حيث أن المستوى العالمي للتعليم يزيد عن 83 % بينما في العالم العربي 70.5 %، هذا بالمعدل العام، أما إذا ما تناولنا كل دولة عربية على حدة سنجد المفاجئات الصادمة، حيث تمثل المغرب أعلى نسبة أمية بلغت 44.4% تليها اليمن بنسبة 41.1 % ثم مصر 33.6 % ثم الجزائر 24.6 % ، تونس 22.3 % ، سوريا 17% السعودية 15 % ، وأقل الدول العربية في نسبة الأمية هي الكويت 5.5% ثم فلسطين 6.2 %، علما بأن نسبة الأمية في الدول العربية كانت قبل ثلاثة عقود تتراوح ما بين 50 ~ 80 % وهي الآن بحدود 30 % .
في سوريا - وهي دولة مرشحة للثورة الشعبية – تشير الأرقام إلى ارتفاع عامل اللامساواة بين عامي 1997 ~ 2004، ويدل على ذلك ارتفاع مؤشر "جيني" من 0,33 إلى 0,37، وتشير أيضا إلى أن العشرون بالمائة الأفقر من السكان استهلكت فقط 7% من مجمل الإنفاق العام، فيما استهلك العشرون بالمائة الأكثر ثراء 45 % من مجمل الإنفاق.

الدول النفطية تصرف على الإنفاق العسكري وفي صفقات شراء السلاح مبالغ خيالية، بالرغم أنها تتمتع بالحماية الأمريكية، ولا تحتاج لمثل هذه الأسلحة، وهذه المبالغ الفلكية لو تم استثمارها في مشاريع إنتاجية في المنطقة العربية لأحدثت فرقا جوهريا في مستوياتها على كافة الصعد ولأسهمت في حل معظم مشاكل البطالة والفقر، الأردن كمثال آخر، ينفق حوالي ملياري وثمانمائة مليون دولار سنويا على القوة العسكرية، هذا المبلغ يشكل حوالي 8.6 بالمائة من إجمالي الناتج القومي، وقد تضخمت الأجهزة الأمنية والعسكرية الأردنية بشكل ملفت للانتباه، خاصة وأنها أصبحت الوسيلة المفضلة لدى الحكومة لخلق الوظائف للأردنيين، وفي نفس الوقت تثبيت قوة الدولة بشكل إضافي يكاد يصل حد الهوس الأمني، وطبعا كلما إزداد عدد أفراد الأجهزة الأمنية والعسكرية كلما إزداد عدد المتقاعدين العسكريين مما يشكل عبئا اقتصاديا مستقبليا منظورا لا تملك الدولة الأردنية وسيلة للقيام به، ويقف دين الأردن العام عند نسبة مفزعة تصل إلى 64 % من إجمالي الناتج القومي الأردني، كذلك فإن سوء توزيع الثروة في الأردن وانحسارها بيد المتنفذين وبعض رجال الأعمال جعل مؤشر جيني لعدالة توزيع الدخل يصل إلى 0.39 وهو رقم قريب جدا من خط الخطر المعروف لذلك المؤشر وهو 0.45، وهناك ما يقارب13 % من المواطنين الأردنيين هم تحت خط الفقر المطلق، بحيث أنهم يواجهون مشاكل يومية حقيقية في تأمين حتى الغذاء .
وبسبب شح الموارد في عدد كبير من الدول العربية فإن الدولة تعتمد لسد عجزها على موارد مواطنيها - خزينة الدولة جيوب رعاياها - وهذا المفهوم مطبق بشكل واسع في الأردن بحيث أصبح من أكثر الدولة العربية جباية للضرائب واختلافا لأنواعها.
وأمام هذه الأرقام والمعطيات يثور السؤال: كيف لأمةٍ تبلغ فيها الأمية والفقر والبطالة تلك النسب المخيفة أن تواجه تحديات المستقبل، بل السؤال الأهم الآن: كيف لهذه الأمة أن لا تنفجر وأن لا تخرج على أنظمتها، وقبل فوات الأوان ؟!

مستقبل النظام العربي

حظيت الثورة المصرية بإجماع عربي وشعبي لم يسبق له مثيل، باستثناء بعض الرعاع وأزلام النظام السابق الذين حاولوا إصابتها في مقتل وحرفها عن مسارها الوطني أو تشويه صورتها، ولكن أصالة ووعي الشعب المصري حالت دون ذلك، فلم يكن أمامها من خيار سوى الانتصار، ولكن ما يلفت الانتباه أن التيارات الفكرية في مصر والوطن العربي أرادت تحميل الثورة رؤاها الأيديولوجية وتصوراتها السياسية كل حسب منطلقاته وغاياته، فمنهم من أراد من الثورة أن تعلن الخلافة، ومنهم من أراد أسلمة المجتمع وفرض تطبيق الشريعة، ومنهم من أرادها وطنية مصرية، أو قومية عروبية، أو حداثية عصرية أو ديمقراطية ليبرالية أو علمانية وهكذا، ولكن هذا لن يتحدد بمجرد الرغبة أو اعتقاد كل فريق بأنه على صواب، فهذا يحتاج لحوار وطني شامل ينجم عنه صيغة توافقية ترضي جميع الأطراف.

وعلى ضوء الانتصار الرائع للثورة الشعبية في مصر وتونس، وبداية التململ والحراك الشعبي في أكثر من دولة عربية، يمكننا المجازفة بوضع النقاط التالية كمؤشرات على ماهيّة وطبيعة مستقبل النظام العربي ورسم خطوط عامة لملامحه وقسماته، على الأقل في المدى المنظور:
• ثورة تونس كانت وطنية خالصة، وبالتالي لم تثر تخوفات دولية كبيرة، أما ثورة مصر فقد كانت حدثا عالميا، لأن مصر ذات موقع استراتيجي مهم، وهي الدولة العربية الأكبر، وذات العلاقة مع إسرائيل والمحاذية لقطاع غزة وفيها قناة السويس، وهي وقائدة ما يسمى محور الاعتدال العربي، لذلك، فإن لتداعيات الأحداث خطورة تتخطى حدود مصر، وهذا ما يجعلنا قلقين أكثر على مصير الثورة. سيّما وأن الشباب الذين نظموا فعاليات الثورة وأطلقوها وقادوها ميدانيا وشكلوا جسمها ومادتها الأساسية، هم في حقيقة الأمر غير مؤهلين للحكم، وليست لديهم الخبرة الكافية لتولي مناصب قيادية في الدولة، وربما أنهم لا يطمحون لذلك، وكل ما كانوا يريدونه هو إسقاط النظام ليأتي ما هو أفضل منه، وليس بالضرورة أن يكون لديهم إجابات جاهزة على أسئلة تتعلق بمستقبل النظام وطريقة إدارته، فهذه مسؤوليات المجتمع ككل، والخشية هنا أن تظهر أحزاب وشخصيات سياسية لتنتهز الفرصة وتسرق إنجاز الثورة وتنسبه لها، أو أن تطرح نفسها كمنقذ وكقيادة مرحلية أو انتقالية، ولكن لا ضمانة بأن هؤلاء سيتجاوبون مع أهداف الثورة ولا ضمانة أيضا بأنهم سيتركون السلطة بعد المرحلة الانتقالية.
• ما فعله الشبّان الذين أشعلوا الثورة، وكانوا نواتها الأولى، ينطوي في جانب كبير منه على معنى التمرّد على السلطة الأبوية. فالأنظمة العربية قائمة منذ عقود على هذا المفهوم الأبوي، وهو، بالتحديد، خلاصة التعبير السياسي والثقافي والاجتماعي لما أسماه هشام شرابي بالبنية الأبوية (البطريركية) للمجتمع العربي، ما يعني أن هذه الحقبة بكل مفاهيمها الثقافية والاجتماعية الرجعية التي بدأت منذ أوائل السبعينيات قد انتهت في الخامس والعشرين من يناير/ كانون ثاني 2011 ، وهذا مؤشر من مؤشرات المستقبل .
• ومع حقيقة الدور الكبير للفئة الشبابية في تسيير مجريات الثورة، إلا أن ما حدث يتجاوز النوّاة الشبابية الأولى. حيث أن مختلف الفئات الاجتماعية والعمرية في مصر وتونس هي التي صنعت الثورة وشاركت فيها. ما يعطي الثورة صفتها الشعبية الشاملة، الأمر الذي أكسبها قوة تغيير اجتماعية تاريخية كانت ولحسن الحظ بلغة وأدوات العصر، وهذا ما جعلها أقوى من شعارات القوى السياسية المنظمة والتقليدية، ومن بينها جماعات الإسلام السياسي. بحيث أنها تجاوزتها وكانت أكبر منها. وهذا يعطي مؤشر لمدى قوة وتأثير القوى الاجتماعية غير المؤطرة التي لا تنتمي لأي أحزاب، وأن المستقبل سيكون لها.
• في مرحلة ما قبل الثورة التونسية والمصرية، كانت جماعات الإسلام السياسي على رأس القوى المطالبة بالتغيير، وقد دفعت ثمنا باهظا مقابل ذلك، وهي جماعات وإن كانت تلتقي حاليا مع الثورة من حيث الرغبة في التغيير وضرورة إسقاط النظام القائم، إلا أن غالبيتها تقوم على أيديولوجية لا تعترف بالآخر، ولا تقبل التعددية السياسية، ولا تؤمن بالوطنية والمشروع الوطني ولا بالديمقراطية، ولا تدعوا لدولة مدنية، وأيضا في كثير من الأحيان تفتقر لرؤية حضارية وواقعية لما بعد هزيمة الأنظمة القائمة، وهذا كله يعني أن على هذه الجماعات إذا أرادت الانخراط في مشروع التغيير أن تتخلى عن أيديولوجيتها العنيفة وأن تقبل بمبدأ التعايش وقبول الآخر وعدم احتكار الصواب، أي بجملة واحدة القبول بالديمقراطية.
• بخصوص فرص نجاح قوى الإسلام السياسي في الانتخابات وفرض وجودها على الحياة السياسية، فإن الواقع الديمقراطي الجديد سيحرم هذه القوى من بعض عناصر قوتها وأهمها حالة التعاطف الشعبي معها بسبب اضطهاد النظام لها، ويعني أن المواطن لم يعد مجبرا على حصر خياراته بين الإسلاميين وبين رموز السلطة، وسيكون أمامه فرص الاختيار بين كل ألوان الطيف السياسي دون رهبة أو خوف من التزوير أو الرضوخ لأي حرب نفسية يشنها النظام أو الحركات الإسلامية نفسها، وبالتالي فإن حجم قوى الإسلام السياسي سيتكشف على حقيقته الذي هو أصغر بكثير من الحجم الافتراضي الذي صنعه الإعلام. والعامل الآخر الذي سيضعف من شعبية الإخوان المسلمون بالذات أنهم لم يكونوا من دعاة الثورة ولا من منظميها وقد التحقوا بها متأخرا كغيرهم من الأحزاب التقليدية.
• الثورة المصرية والتونسية اشتركتا في أنّ ما أشعل فتيلَهما أزمةٌ اقتصادية واجتماعية خانقةٌ، كان ضحيتُها الرئيسية الفئاتُ الشبابية غير المندمجة في النظام الإنتاجي، وأنهما ثورتان من أجل العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، وليس فقط من أجل "الخبز"، فإذا كان العامل الاقتصادي حاضرا ومؤثرا في تهيئة مناخ الثورة وعاملا أساسيا في تفجيرها، إلا أن للثورة في مصر وتونس - وبكل تأكيد للدول العربية التي تشهد حراكا شعبيا وأشكالا عديدة من الاحتجاجات والمظاهرات – لها مطالب سياسية واضحة وهي: حرية، عدالة اجتماعية، تداول سلمي على السلطة، تعددية سياسية، وثقافية، واجتماعية، مواطنة. سيادة للقانون، مساواة وتكافؤ الفرص، دولة مدنية حديثة، انتخابات حرة ونزيهة، إصلاحات ملموسة ... إلخ، وحتى لو أن جميع هذه المطالب لم تُلَبّى بعد، إلا أنه وبكل تأكيد يمكن القول: أنه لن يكون في أي نظام عربي بعد اليوم رئاسة إلى الأبد، ولن يكون توريث للحكم.
• صحيح أن المنطقة العربية باتت في حالة فوران، وأن الجماهير بدأت بالتحرك، والأنظمة في حالة خوف وترقب، ولكن من المستبعد أن تنجح هذه الانتفاضات الشعبية في تحقيق أهدافها دفعة واحدة - كما يأمل الكثيرون - لأن التحوّل الديمقراطي عادة لا يحدث في فترة زمنية قصيرة أو بلا عقبات. فما زال الكثير من العقبات الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تحتاج إلى تذليل. لذلك، يصعب القول إن التحوّلات الديمقراطية التي اجتاحت أوروبا الشرقية بعد انهيار المنظومة الاشتراكية ستكرر نفسها في المنطقة العربية وبالذات في مصر بالسرعة وبالكيفية نفسها. فلن يكون في مصلحة الرجعيات العربية والعديد من القوى الإقليمية والدولية ظهور ديمقراطية حقيقية في مصر أو في غيرها، فلنقل إذن، إن السنوات العشر القادمة ستكون حبلا بالأحداث وستكون حاسمة في مستقبل مصر والعالم العربي .
• يستخدم النشطاء والمحرضين والمنظمين للإحتجاجات أساليب إبداعية جديدة تتفق مع روح وأدوات العصر، وأهمها مواقع التواصل الاجتماعي "الفيسبوك" وهي أداة تواصل باتجاهين أو باتجاهات متعددة ومتشعبة، فيها مرسل ومستقبل وفيها حوار ومشاركة وموافقة ومعارضة، وهذا خلافا لأدوات التواصل في الزمن الماضي الذي سادت فيه أساليب البيان السري، والمجلة، والشريط، التي كانت تعتمد على عملية اتصال باتجاه واحد من مرسل إلى مستقبل ولا مجال للنقاش، وهذا يعني أنّ الأداة الجديدة أكثر ديمقراطية وشفافية وترسّخ فكرة الحوار والتشاور والنديّة، لا الطاعة والإتّباع والتقديس التي تتطور في الأداة الثانية. وهذا يعطي مؤشر لشكل ونمط القيادة في المستقبل، وفي هذا الصدد كتب د. أحمد عزم في صحيفة الاتحاد "إن شباب الثورة لا يريدون رئيساً يتمتع بكاريزما، لا يريدون أنّ يقيّّموه على شكله وقدرته على الخطابة والحديث والشعارات، بل يريدون زعيماً يمكن لهم أن أنّ يحاسبوه وأن يتحاوروا معه، ويقيّموه من خلال إنجازاته، وأن لا ينظر له أحد على أنّه دون بديل، وهذا يدعو للتفاؤل بأنّ الثورة المصرية ستمضي قدما نحو الديمقراطية" .
• فيما يتعلق بوضع مصر في المدى المنظور يقول الكاتب الفلسطيني حسن خضر في مقالته على الحوار المتمدن: "لن نملك إجابة واضحة عن شكل مصر ما بعد الثورة حتى أواخر هذا العام. فمصر ستظل مشغولة بوضعها الداخلي، وكل سياسة محتملة لن تتضح قبل الانتخابات البرلمانية والرئاسية. وفي جميع الأحوال لن تكون مصر بعد الثورة هي نفسها ما قبلها. بيد أن خلاصة كهذه لا تعني انتظار تحوّلات درامية في المدى القصير والمتوّسط في العلاقات المصرية ـ الأميركية. ستبقى مصر حليفة للولايات المتحدة، لكن شروط التحالف ستتغيّر. وكذلك الأمر بالنسبة لمعاهدة كامب ديفيد. لكن موقفها من إسرائيل سيزداد تصلبا، وهذا ما سينعكس إيجابيا على موقف مصر من القضية الفلسطينية. عموما، لن يقبل قادة مصر الجدد، فقدان مكانتهم المركزية في العالم العربي، التي تدهورت في العقود الأخيرة إلى حد أصبحت معه عرضة للسخرية، وثمة مسائل تتعلق بالأمن القومي مثل النيل، والحدود، والقدرات العسكرية والاقتصادية، والمصالح الإستراتيجية في الإقليم. وقد تهاون النظام السابق فيها كثيرا، وإذا افترضا بأن مصر وضعت قدمها، اليوم، على سكة التغيير في كافة القطاعات التعليمية والعلمية والثقافية والصحية والزراعية والصناعية، وقضايا البطالة والتشغيل والسكن وتحديث الريف، ومعالجة تداعيات الانفجار السكاني، وتنظيم الموارد، وسداد الديون، فلن تحصد نتائج حقيقية تمتاز بالديمومة والتراكم الإيجابي قبل مرور عقدين من الزمن".
• تأثير الثورة لن يقتصر على المنطقة العربية، فقد بدأ حراك شعبي نشط في إيران، هو استمرار لحالة الرفض التي تولدت بعد الانتخابات الإيرانية الأخيرة (2009) والتي اتهمت المعارضة النظام بتزويرها، وقد تمتد تأثيرات الثورة لدول إسلامية وأفريقية أخرى.
• بخصوص تأثير الأحداث على الوضع الفلسطيني كتب د. أحمد جميل عزم في مقالته في الغد الأردنية: "بالنسبة لقيادة السلطة الفلسطينية في رام الله، أنّ هناك حراكا جديدا، ومختلفا عن حركة "حماس"، وأنّ الشارع سيبلور مواقفه وتحركاته وأطره، وأنّ للزمن أحكامه وأدواته، ومن "لا يتقدم يتقادم"، وأساليب الأمس لا تجدي، والرصيد الثوري القديم لا يكفي لجذب جيل جديد يريد حراكا مختلفا. وأنّه إذا كانت "فتح" فشلت في السنوات السابقة حتى في تطوير موقع "إنترنت" فاعل وإعلام ذي أثر، فإنّ العصر تجاوز كل ذلك. وثبت أنّ الذين صنعوا ثورة من مجلة "فلسطيننا" في الخمسينيات لم يعودوا يتقنون اللعبة. وأنّ الإعلام الجديد يحتفل بخليل الوزير ودلال المغربي ولكن من دون أن يعني هذا التزاما بحركة فتح. وأنّ هناك تداعيات جديدة للترهل وعدم الحزم في مواجهة الفاسدين ولغياب برنامج مقاومة جماهيرية مقنعة" وأضاف د. عزم" الشعب يريد إنهاء الانقسام"، أي إحداث التقارب بين الفصيلين المتصارعين، وأنّ الدعوة لهما حتى الآن هي اللقاء والتقارب والتوافق للخروج من المأزق، وهذا يمكن أن يكون من دون مصالحة، من خلال انتخابات ومؤسسات مشتركة للشعب. ولكن بعد أسابيع قليلة، ربما يصبح موقف هؤلاء الناشطين هو تحقيق الوحدة ليس بتقارب الفصيلين، ولكن بنبذهما معا، وبتنظيم نشاطات المقاومة والمواجهة وإدارة شؤون الشعب، وملاحقة الفساد، ثم النـزول للشارع لفرض مؤسسات جديدة وقيادات جديدة وفق أسس غير فصائلية جديدة. أي لن يعود الشعار هو "الشعب يريد إنهاء الانقسام"، بل سيصبح "إنهاء النظامين" .
فيما كتب بكر أبو بكر تحت عنوان وطنيا وفيسبوكيا الشعب يريد إنهاء الاحتلال: "تنتشر هذه الأيام مئات المجموعات على (الفيسبوك) منها من يطالب (بإنهاء الانقلاب في غزة) ومنها من يطالب بالتخلص من حكومة رام الله متهما إياه بأشنع الصفات الخارجة عن الأدب والحوار والذوق العام، وتحولت مئات المجموعات غير المؤتلفة أو المتفقة إلى مجرد سوق فلسطيني ملئ بالشعارات. السلطة الوطنية الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية بغض النظر عن ملاحظات لنا ولغيرنا هنا وهناك، بادرت لإعلان ديمقراطي بحت بإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية حسب القانون في كل من الضفة وغزة، ولكن للأسف الشديد يرفضها من يقف ضد الديمقراطية من منظور حزبي ضيق معتقدا أن الانتخابات إنما هي لمرة واحدة وتطبق القداسة على أعناق الناس.
دعوات (الفيسبوك) وفي عدد منها ما هو خارج عن روح الشعب الفلسطيني المناضل الذي تأثر بعدوى المطالبات لدول ليس فيها احتلال أو انقلاب أو انقسام، فبدأ يتساوق مع شعارات لا تتفق معنا، وان تضامنّا وأيدناها في بلادها فهذا شأن، وان قبلناها في بلادنا فأنها باطلة وبلا قيمة وطنية إن لم تتصل مع شعارات الشعب الحقيقية أولا، وهي: الشعب يريد إنهاء الاحتلال،الشعب يريد إزالة المستوطنات، الشعب يريد انتخابات، الشعب يريد إنهاء الانقسام."
ما لم تستفق الحكومات العربية وتبدأ بإصلاحات حقيقية جذرية، فإن كرة الثلج التي هوت من تونس ستواصل تدحرجها ولن يعرف أحد أين ومتى ستقف، وستأتي في طريقها على كل الرؤوس المتبلدة التي عادة ما تفهم شعوبها بعد فوات الأوان.

الهوامش

0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار