أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

فبراير 26، 2011

الإسلام السياسي في المخيمات اللبنانية

مقدمة:
كلما تعرض كاتب ما لظاهرة الإسلام السياسي كلما شن عليه الإسلاميون هجومهم الكاسح، وشرعوا في وجهه أقلامهم تكّفره وسيوفهم لتسكته للأبد، ولا تكمن الخطورة هنا في هذا النوع من الإرهاب الفكري ومصادرة حق المثقف بالتفكير، ولا في محاولات أمراء الحركات الإسلامية في ادعائهم تمثيل السماء واحتكار الصواب، لأن ممارساتهم ومزاعمهم باتت مكشوفة، والفضل في كشفها لم يكن للنخب المثقفة بل كان بالدرجة الأولى عائدا لزعامات التيارات الإسلامية نفسها حين تورطت في صراعات فكرية وأيديولوجية فيما بينها وصلت حد التقاتل بالسلاح وتكفير بعضهم البعض، ولكن الخطورة في الصورة المرتبكة لدى قطاعات واسعة من الناس، وعدم قدرتهم على التمييز بين الإسلام كدين ورسالة وبين الإسلام السياسي كظاهرة سياسية اجتماعية، شأنها شأن كل الظاهرات الاجتماعية التي يفرزها التطور السسيولوجي لأي مجتمع، هذا الخلط والالتباس بين الآية القرآنية وتفسيرها
 وبين الشعار ومن يجسده وبين الفكرة ومن يطبقها هو المَعين الذي تنهل منه حركات الإسلام السياسي في بث مزاعمها ونشر ضلالاتها، وفيه تتقوى على تأليب العامة ضد أي فكر تنويري، وعليه تتكئ في حروبها الدينية، ومنه تحيك لباس التقوى الشكلية وتصنع منه هالات القداسة لتحيط نفسها فيه وتتسربل بردائه.

ونحن عندما نتحدث عن الحركات الإسلامية ننأى بالدين جانبا ونرفعه عن خلافات البشر وننـزّهه عن أوحال السياسة، ويكون حديثنا عن ممارسات لأشخاصٍ من دم ولحم، ونقدنا لأفكار وتفسيرات هي من صنع البشر، مهما اجتهدوا في إقناعنا بصلاتها القوية بالسماء. فالنص الإلهي يبقى مقدسا وكاملا، ولكن بمجرد أن يتم تأويله على يد فقيه أو عالم دين يصبح نصا بشريا من الأهمية بمكان أن ننـزع عنه هالات القداسة حتى نتمكن من فهمه فهما علميا واقعيا، أي أن هذا الاستنطاق للآيات الكريمة - وهو لا يحتاج في حقيقة الأمر إلا لصاحبه - قد أحالها إلى فهم إنساني يخضع بالضرورة لاعتبارات التكوين الإنساني، والمثل العليا التي جاء بها الإسلام تصبح ممارسات بشرية تنطبق عليها نواميس الطبيعة، وبالتالي لا بد من فهم دوافعها وظروفها الموضوعية، والإسلام نفسه على يد الصحابة ومن تبعهم صار تاريخا ككل تواريخ الحضارات والدول.

ولو تأملنا تاريخنا الإسلامي بمعزل عن تقديس الأشخاص سنجد النـزعات المادية حاضرة فيه بقوة في كل منعطف وعند كل ركن، والغرائز البشرية تتمثل في كل سلوك وعند كل حدث مهما صغر أو كبر، وسنراه مجرد تجربة بشرية كان الصراع على السلطة من أهم قسماتها، وبالتالي ستصبح مسألة نزع القداسة عنها أمرا مطلوبا ليس لدراستها بشكل موضوعي وحسب، بل لأنها أولاً في حقيقتها
مجرد حراك إنساني ليس للسماء علاقة به إلا بمقدار زعم أصحابه، ولأنها ثانيا استباحت دماء المسلمين باسم هذه القداسة .

والخطاب السياسي لمعظم حركات الإسلام السياسي عموما يقوم على عزل كل السياقات التاريخية والموضوعية للزمان والمكان لصالح القراءة الأيديولوجية لهذه الحركات، بحيث يلغي المسافة الفاصلة بينه وبين النص الإلهي، فيتحول التأويل على يديه إلى قراءة انتقائية للواقع ليسقطه على النص. وهنا يكون النص كشاهد زور وأداة يتم توظيفها لخدمة الأهداف السياسية. وفي النهاية يصبح المقدس الديني بكل رمزيته وطاقاته متجسدا في المدنس الأرضي، ليكتسب ذات القداسة. وتتمثل خطورة هذه القراءة الانتقائية للحركات الإسلاموية بأنها توهم في خطاباتها أن النص الإلهي هو فقط مرجعها، والتجربة المحمدية طريقها، وبهذا الوهم والتضليل تتمكن هذه الحركات من استمالة العامة وتجييش الأتباع وإخضاعهم . وهذا ما سنحاول إثباته من خلال هذه الدراسة.

ظاهرة الإسلام السياسي في الوطني العربي

بالرغم من أن الإسلام السياسي نشأ في وقت مبكر من تاريخ الإسلام، وأنه شهد انطلاقة جديدة في بدايات القرن العشرين، وكانت جماعة الإخوان المسلمين التجسيد الأبرز له، إلا أن الكثير من النقاد يجمعون على أن ظاهرة الإسلام السياسي برزت بقوة في العقدين الأخيرين من القرن العشرين، وقد تعاظم شأنها بعد هذا التاريخ تحديدا، وأنها كانت نتاجا طبيعيا لحالة التراجع السياسي والهزائم العسكرية، ونتيجةً لإخفاق القوى التقدمية في تحقيق أهدافها، والطبيعة كما هو معروف لا تقبل الفراغ، فعندما تتراجع ظاهرة تحل محلها أخرى، وقد أدى فشل النخب الثقافية والقوى الثورية وانكفائها على ذاتها إلى خلق الظروف المناسبة لنمو الحركات الإسلاموية، ولكن هذه الحركات لم تكن مجرد ناتج ثانوي لفشل الآخرين، بقدر ما كانت في ذات الوقت نتاجا لظروف سياسية متداخلة ومركبة، وهي أيضا نتاج جهد ذاتي لشرائح اجتماعية معينة اجتهدت في التعبير عن نفسها وسعت لأخذ مكانتها في النظام السياسي للدول التي نشأت فيها، ولكنها حُرمت من هذا الحق، وبأساليب تفتقر للإنسانية والعدالة.

وقد أثّر في نمو هذه الظاهرة مجموعة من العوامل الخارجية لا تقل بأهميتها عن العامل الداخلي، منها الغطرسة الأمريكية في كافة أرجاء الأرض، والعدوان الإسرائيلي المتكرر على فلسطين وشعبها ومحيطها، والصمت العالمي الذي كثيرا ما وصل حد التواطؤ على الجرائم الإسرائيلية، والانتهاكات التي تقترفها الأنظمة القمعية بحق شعوبها، وهي جميعها عوامل تستدعي بالضرورة ردات الفعل الغاضبة والمتشددة وتؤدي إلى ازدهار ثقافة العنف، وبالتالي نشوء الحركات الأصولية كرد فعل لمواجهة الطغيان العالمي. بل أن الحرب المزعومة التي تشنها أمريكا على الإرهاب هي نفسها التي تغذي الإرهاب العالمي، وما الإرهاب الديني إلا جزءً منه.

وللوصول لفهم أعمق وأدق لهذه الظاهرة يتوجب علينا أولاً التعرف على التحوّلات الاجتماعية والثقافية التي طرأت على المنطقة خلال فترة نشوء الظاهرة وما قبلها، وتحليل النوعيات الاجتماعية التي شكلتها، وخاصة فئة الشباب العاطلين عن العمل والذين يفتقدون الأمل ويقطنون في مدن تعج بالظلم والقهر الاجتماعي، وهؤلاء قبل أن ينتموا لتلك الجماعات، هم أساسا من الطبقات المسحوقة، عاشوا ضمن مرحلة تاريخية شهدت تحولات عميقة أهمها ذوبان الطبقة الوسطى وهبوط شرائح كبيرة منها إلى أسفل، وتضخم بيروقراطية الدولة، وتوّسع اقتصاد الخدمات، وظهور اقتصادات طفيلية موازية، وتلاشي طبقتي الفلاّحين والعمال كطبقات ذات خصائص اقتصادية واجتماعية وثقافية ثابتة، إضافة إلى الانفجار السكاني المضطرد، الذي نجم عنه تكون شرائح اجتماعية جديدة، سماتها الواضحة أنها فقيرة ومهمشة وتفتقر إلى ملامح أو تقاليد طبقية ثابتة، لكنها تمثل الغالبية العظمى من سكّان المدن.

وهؤلاء، هم أقل الفئات الاجتماعية حظا وآخر من يستفيد من خدمات الدولة، بل أن الدولة أهملتهم وحرمتهم من فرص تحسين ظروفهم المعيشية، وباتوا في مواجهة مهانة الفقر ومخاطر الجهل والمرض، وليس لديهم ما يكفي من المؤهلات لمجابهة ظروف الحياة أو منافسة الطبقات السائدة وكسر احتكارها للسلطة والثروة، لذلك سيكونون هم القاعد الشعبية التي ستمد الحركات المتطرفة بحاجتها من البشر .

إذن، ومن أجل فهم ظاهرة الإسـلام السياسي ومعالجة أسـبابها وتداعياتها، لابُدَّ من فهم خلفيات الظاهرة وتحليلها تاريخيا وسسيولوجيا بشكل موضوعي، بمعزل عن الخلفيات الإيديولوجية والأحكام المسبقة المسكونة بالعداء للقوى الإسلامية، لأن إلقاء تبعة العنف على عاتق الإسلاميين فقط وتحميلهم المسئولية لوحدهم، أمرٌ يفتقر للدقة وتعوزه الموضوعية ، فقد أنتج هذا النهج من الخطاب مصطلحات ومفاهيم مستعارة من قاموس الغرب لتوصيف القوى الإسلامية، مثل مصطلحات التطرف والعنف الديني، والعنف الأصولي، وصارت الجماعات التي تؤمن بالعنف وتمارسه مقترنة بالإسلام وبأي جماعة إسلامية مهما كانت معتدلة ! وجرى في المقابل إغفال العوامل الخارجية التي ساهمت في ولادة هذا العنف وهذا الفكر المتطرف، وبشكل خاص الإرهاب الدولي الذي تمارسه أمريكا وإسرائيل وتتسامح إزائه دول الغرب عامة، كما تم تبرئة الدولة وأنظمة الحكم، والنخب السياسية (مدنية وعسكرية) من مسؤولية تصاعد العنف.

المشهد اللبناني وتهيئة المسرح

لطالما وُصف لبنان ببلاد الفن والجمال أو سويسرا الشرق، وطالما حظي هذا البلد الجميل وشعبه المتحضر بمكانة متميزة في قلب الأمة العربية، فبالإضافة لموقعه الحيوي وخصائصه الفريدة وقدرته على التجديد والبناء وتسويق مكانته الدولية وإبداعاته الخاصة في السياحة والتجارة والاستثمار، فإنه أيضاً يتميز بآلته الإعلامية الكبيرة التي تعبر عن كل التيارات السياسية والثقافية للنظم والقوى السياسية في منطقة الشرق الأوسط باختلاف توجهاتها وارتباطاتها الإقليمية والدولية، حتى صار من خلاله يمكن فهم كل الأحداث السياسية في المنطقة العربية والتنبؤ بتطوراتها .

ومن المعلوم أن لبنان يضم تركيبة متنوعة وفريدة من الطوائف بلغ عددها سبعة عشر طائفة، تعايشت فيما بينها بأمن وسلام لمئات السنين، ولكن تدخل القوى الخارجية كان يشعل فتيل الصراع الطائفي بينها من حين لآخر، وعندما نال لبنان استقلاله السياسي عام 1943م غادرته فرنسا بعد أن تركت فيه ما يسمى بِ "الصيغة اللبنانية" وهي صيغة تحكم النظام السياسي للبنان وفق نمط طائفي لتقاسم السلطة يكرس دولة الطائفية الرسمية، ومع أن اتفاق الطائف ( 1989 ) أنهى خمسة عشر عاما من الاقتتال الداخلي وألغى رسميا مصطلح الطائفية السياسية عن طريق اعتماد المناصفة بين الطوائف في المناصب السياسية، بغض النظر عن النسب الحقيقية لهذه الطوائف، إلا أن جذور الطائفية وتداعياتها بقيت ماثلة كالجمر تحت الرماد، وما زال كل مواطن لبناني يحدد له انتماؤه الطائفي ضمن المعلومات التي يحملها في بطاقة هويته.

وتلعب التدخلات الخارجية لكل من أمريكا وفرنسا وإسرائيل وسوريا وإيران، وغيرهما دورا كبيرا في تأجيج نيران الطائفية خدمة لأهدافها الإستراتيجية، إلى جانب طموحات بعض الطوائف التي تسعى لاستغلال المتغيرات الدولية والإقليمية لصالح تقوية نفسها على حساب الآخرين، بالإضافة للطموحات الشخصية لبعض الساسة اللبنانيين.

الطوائف الرئيسة التي كان لها أثرا بيّناً في تاريخ لبنان الحديث وكان لها طموحات سياسية واضحة ولعبت دورا محوريا في الحرب الأهلية هي السُّنة والشيعة والمسيحيين والدروز، وبالنسبة للسنّة فهناك عدة عوامل جعلت مواقفهم ضعيفة ومغيبة أحيانا من أهمها التشتت الحزبي، وعدم وجود شخصية كاريزمية قادرة على لمّ صفوف الطائفة بالإضافة لظاهرة "العوائل السياسية البورجوازية" التي احتكرت المناصب السياسية، كما أن الدعم الخارجي الذي كانت تتلقاه ليس بنفس قوة ووضوح وشكل الدعم الذي كانت تتلقاه الطوائف الأخرى خاصة من إسرائيل وسوريا وإيران. ومع ذلك فإن حركات الإسلام السياسي في العالم تنتمي بأغلبها للسنّة، وبالذات امتداد هذه الحركات داخل المخيمات الفلسطينية في لبنان. حيث تعود جذور إيديولوجية هذه الحركات وخطابها السياسي إلى ابن تيمية وإرثه الفكري وامتداده وصولا إلى محمد بن عبد الوهاب السلفي النجدي مؤسس الوهابية.

الإسلام السياسي في لبنان

بعد ثلاثة عقود من نشوء جماعة الإخوان المسلمين في مصر كانت أفكار الجماعة قد امتدت في عدد من أقطار العالم الإسلامي وباتت تشكل تياراً فكرياً وسياسياً واضحاً على الساحة العربية. وكانت أدبيات الجماعة ومؤلفات مؤسسها حسن البنا وأفكار سيد قطب، وما جرى ترجمته ونشره من كتب الشيخ الباكستاني أبي الأعلى المودودي، وإصدارات الإخوان المسلمين كمجلة "الدعوة" من مصر و"الشهاب" من سوريا و"الكفاح الإسلامي" من الأردن بدأت تصل إلى لبنان وتبلور فيه تياراً فكرياً وسياسياً وبالذات في المناطق ذات الأغلبية السنية. وقد ساعد على تشكيل هذا التيار في لبنان لجوء الدكتور مصطفى السباعي (المراقب العام للإخوان المسلمين في سوريا) إلى لبنان عام 1952 خلال فترة حكم الرئيس السوري أديب الشيشكلي حيث استطاع إعادة صياغة أفكار وتوجهات كل من "جماعة عباد الرحمن" التي تشكلت في بيروت وكان أسسها الأستاذ محمد عمر الداعوق عام 1950، ومجموعة من الشباب بطرابلس كان أبرزهم النائب السابق فتحي يكن .

وقد تأكدت صلات هذا التيار الإسلامي اللبناني الناشئ بحركة الإخوان المسلمين خلال زيارة المرشد العام للإخوان في مصر المرحوم "حسن الهضيبي" إلى لبنان عام 1953، وفي عام 1956 تأسس أول مركز لجماعة عباد الرحمن في طرابلس، وكانت الجماعة في بيروت تنشر فكرها وتوسع نطاق عضويتها دون أن تعتمد مساراً سياسياً محدداً، في حين كان مركز طرابلس يصدر مواقف سياسية من الصراع الداخلي اللبناني خلال فترة حكم الرئيس كميل شمعون، وأصدرت نشرات غير رسمية كمجلة "الفجر" عام 1957، وفي أوائل الستينات استقل العمل الإسلامي في الشمال عن "عباد الرحمن" في بيروت، وبدأ تشكيل جماعة جديدة تلبي تطلعات الحركة الإسلامية بشكلها الشمولي تحت مسمى الجماعة الإسلامية، وكان من قادة الجماعة أمينها العام المؤسس فتحي يكن، إضافة إلى القاضي فيصل مولوي (نائب رئيس المجلس الأوروبي للإفتاء)، والأستاذ إبراهيم المصري (رئيس تحرير مجلة الأمان) والكاتب الإسلامي محمد علي الضناوي، وهكذا أبصرت الجماعة الإسلامية النور بشكل رسمي عام 1964 حيث نالت الجماعة موافقة وزارة الداخلية على تأسيس تنظيم إسلامي وفق القانون الأساسي وكان حينها المرحوم كمال جنبلاط وزيرا للداخلية .

اهتمت الجماعة بإنشاء مؤسسات اجتماعية ترعى الأنشطة الإسلامية غير السياسية. خاصة في ظل غياب الدولة وخدماتها، واستكمالاً لمشروع الجماعة الذي يستهدف الوصول للجماهير. وانسجاماً مع هذا التوجه فقد أقامت الجماعة مؤسسات تربوية وتعليمية، وأنشأت معاهد ورياض أطفال، وأخرى طبية واجتماعية، ورابطة للطلاب المسلمين، وجمعية نسائية اجتماعية، ومؤسسة إعلامية، وعدداً من الجمعيات الخيرية في مختلف المناطق اللبنانية .

حققت الجماعة انتصاراً نسبياً في انتخابات عام 1992 حيث فازت بثلاثة مقاعد في بيروت وطرابلس والضنية، إلا أنها لم تنجح إلا في حصد مقعد يتيم في عكار في انتخابات 1996، ثم خسرت الجماعة انتخابات 2000، كما قاطعت الجماعة انتخابات عام 2005 بسبب موقفها من هذا القانون الذي رأت فيه أنه يستهدفها.

فيما يتعلق بموقف الجماعة من الحرب الأهلية والأحداث التي ألمت بلبنان من الاجتياح الإسرائيلي وحرب المخيمات وغيرها، وبعد رجوعنا إلى أدبيات الجماعة التي نشرت تفاصيلها كاملة على موسوعة الويكيبيديا فإننا لم نعثر على موقف محدد وواضح إزائها باستثناء جمل إنشائية بلاغية عن المقاومة والتصدي للعدوان ونبذ الطائفية، وتجنبت أو تجاهلت الحديث عن دور منظمة التحرير الفلسطينية وتاريخها في لبنان ودور قوات الثورة الفلسطينية في الاجتياح وما قبله وبعده وكأن قوات الثورة لم يكن لها وجود قط على الأرض اللبنانية، وبخصوص موقفها من أحداث نهر البارد وجماعة فتح الإسلام. فقد اعتبرت الجماعة أن "أزمة فتح الإسلام في مخيّم نهر البارد هي أزمة أضيفت إلى سلسلة الأزمات اللبنانية التي لا حلّ لها، وأن الأجهزة الأمنية اللبنانية تصرّفت مع شباب الصحوة الإسلامية بقدر كبير من سوء الفهم وإساءة التعامل، مما ساهم في دفعهم إلى الارتماء في أحضان التطرّف والمنظمات التكفيرية". وأعطت مثالا على ذلك بما حصل في قضية اغتيال (أبي جندل)، حيث وجهت الاتهام بقتله لقوى الأمن الداخلي ، ونلاحظ في بيانها أنها تجنبت توجيه إدانة مباشرة وواضحة لفتح الإسلام وأنها تبنت الرواية التي تحمل أجهزة الأمن المسؤولية.

الفلسطينيون يدخلون على الخط

بعد النكبة هاجر إلى لبنان 120 ألف فلسطيني توزعوا على 12 مخيما، في المرحلة التي امتدت من عام 1948 إلى 1969، كانت المخيمات الفلسطينية في لبنان تخضع لقيود مشدَّدة، حيث كان يحتاج اللاجئ إلى ترخيص خاص للانتقال من مخيم إلى آخر، وكان محظورًا على أي مخيم التمدد خارج الإطار المكاني المحدد له. كما كان من المحظور بناء طابق ثانٍ فضلاً عن أن يكون سقف البيت من الأسمنت أو الحجارة، وكان جنود الدرك يجولون داخل المخيم ويسومون أهله شتى أنواع العذاب ، ولكن بعد العام 1969 وحتى 1982 شهدت المخيمات عصرها الذهبي، وهي فترة صعود الكفاح المسلح الفلسطيني واكتسابه الرعاية العربية واللبنانية بعد التوقيع على اتفاق القاهرة عام 1969 الذي نظّم عمل الفدائيين الفلسطينيين في جنوب لبنان، وفي هذه المرحلة استعاد اللاجئون بعضا من كرامتهم المسلوبة، وتدفَّقت الأموال على المخيمات، فتحسَّنت الأوضاع المعيشية، وقامت المؤسسات الاجتماعية، وانخرط عدد كبير من الشباب في المنظمات الفلسطينية المختلفة مما وفَّر للأسر الفلسطينية مورد العيش المتوسط، حتى إن كثيرًا من اللبنانيين الفقراء ومتوسطي الحال استفادوا من حال البحبوحة النسبية التي عاشتها المخيمات آنذاك، ومنهم من عمل في مؤسسات منظمة التحرير وجمعياتها واستفاد من خدماتها المختلفة، حيث كانت مؤسسة صامد ومستشفيات الهلال الأحمر الفلسطيني مفتوحة لكل من الفلسطينيين واللبنانيين على حد سواء، ومع ظهور المنظمات المسلحة خفت القيود على عمل وحركة الفلسطينيين في المخيَّمات وخارجها، فلم تعد الأنظمة والقوانين تُطبق حرفيًّا، وقد حدث انفجار سكاني في المخيَّمات، فتمددت إلى الخارج والمناطق المحدَّدة لها، وفي ذلك الحين سُمح للفلسطينيين بالسيطرة على مناطقهم وإقامة أمنهم الذاتي.

وفي صيف 1982 شنّ الجيش الإسرائيلي حربًا شاملة على منظمة التحرير الفلسطينية، فتعرَّضت المخيَّمات للتدمير الشديد، وسقط آلاف الشهداء من المدنيين والعسكريين، وانتهى حصار بيروت باتفاق أدّى إلى خروج المسلحين الفلسطينيين من لبنان، وتُركت المخيمات الفلسطينية في عهدة الدولة اللبنانية، لكن اغتيال الرئيس "بشير الجميل" دفع الإسرائيليين إلى تأمين الغطاء للميليشيات اللبنانية الانعزالية بارتكاب مجزرة صبرا وشاتيلا، كذلك شنت حركة "أمل" الشيعية في ذلك الوقت عدوانا على المخيمات الفلسطينية، خلال السنوات 1985- 1988 فحاصرت مخيَّمات صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة، فضلاً عن مخيَّمات الجنوب وأدَّت المعارك بين حركة "أمل" والمخيَّمات إلى سقوط مئات القتلى والجرحى، وتدمير المخيَّمات، مما ساهم في زيادة البؤس الفلسطيني.

الحقوق المدنية

فئات لبنانية واسعة ناصرت قضية الفلسطينيين وحملت السلاح إلى جانبهم, غير أن ذلك لم يخفف من نزعة الرفض لهم، خصوصا من قبل فئات معينة ممثّلة في السلطة، فانعكس ذلك عليهم بعدم إعطائهم أي حق من الحقوق المدنيّة ، ونتيجة تخوف قوى سياسية معينة من مخاطر اندماج الفلسطينيين في المجتمع اللبناني وإخلالهم بالتوازنات الطائفية القائمة، وتحت ذريعة عدم التوطين صارت الدولة اللبنانية تخلط بين رفض التوطين مطلقًا وحرمان الفلسطينيين من الحقوق المدنية المشروعة، فعلى الرغم من اتفاقية الدار البيضاء عام 1965 التي تنص على ضرورة معاملة الفلسطينيين في الدول العربية التي يقيمون فيها معاملة رعاية الدول العربية في إقامتهم وسفرهم وتيسير فرص العمل لهم مع احتفاظهم بالجنسية الفلسطينية، إلا أن ذلك كله غير متوفر في لبنان.

ولا يخفى على أحد أن المخيمات الفلسطينية في لبنان تعيش أوضاعا إنسانية واجتماعية بالغة البؤس، وهي الأسوأ على الإطلاق مقارنة مع أوضاع المخيمات في الدول العربية الأخرى. فالفلسطيني في لبنان لا يملك حق العمل وهو محروم من مزاولة أكثر من 75 مهنة، ومحروم من حق التملّك والسفر، وبقية الحقوق المدنية الأخرى كالعمل السياسي وتشكيل الجمعيات.
الإسلام السياسي في المخيمات الفلسطينية في لبنان

عندما كانت قوات الثورة الفلسطينية في أوج مجدها العسكري والتنظيمي كان الفلسطينيون في المخيمات يشعرون بالكرامة ويرون أمامهم هدفا محددا ومستقبلا واعدا، بالرغم من أجواء الحرب الفظيعة التي كانت تحيط بهم، ولكن بعد الخروج من بيروت اختلفت الأوضاع كليا، فقد أصاب التنظيمات الفدائية حالة من الترهل والضعف والتفكك واستشرى فيها الفساد، ولم تعد قادرة على التعبير عن الهم الوطني أو تجسيد الحلم أو تمثيل الحالة الفلسطينية والنهوض بها وإيصالها إلى شاطئ الأمان.

اليوم يعاني سكان المخيمات أوضاع البؤس والفقر، ومع حرمانهم من كافة حقوقهم المدنية والطبيعية وتعرضهم لسلسلة من المذابح والتهديد والحصار، تفاقم إحساسهم بالعزلة والضياع والتشتت، وفقدان البوصلة، وصار المستقبل في عيونهم مجهولا تنعدم فيه الضمانات والإحساس بالأمن، وصار المخيم بيئة خصبة لأفكار التطرف ومسرحا ملائما لظهور اللاعبين الجدد.

الفلسطينيون شأنهم شأن اللبنانيين وكل الشعوب التي سكنت خاصرة البحر، متصالحون مع العالم وثقافاته، ويتمتعون بمستوى علمي رفيع وذهنية متفتحة ومسلك حضاري تقدمي، وخلال تعايشهم الطويل مع المجتمع اللبناني اكتسبوا بعضا من السمات الليبرالية والعادات العصرية، اليوم تكاد هذه الصورة المشرقة أن تتلاشى وتذوب في ظلمة المفاهيم المتزمتة والأفكار المتطرفة، ليحل محلها ذهنية تحريمية منغلقة وعادات غريبة متشنجة، فقد نشأ في حواريها وأزقتها مناطق مغلقة تتحكم فيها ميليشيات مسلحة وتفرض على أهلها التقيد بأفكارها والالتزام الجبري بقواعدها المسلكية النابعة من الفكر الوهابي المنغلق، وصارت هذه الأحياء بمثابة مناطق نفوذ للجماعات الإسلامية المتشددة تسود فيها الأفكار المتحجرة محل الأفكار التنويرية التي طالما تفاخر بها الفلسطينيون.

وبالرغم من أن الفلسطينيون تورطوا في فصول عديدة من الحرب اللبنانية، إلا أن صراعهم مع أي طرف دخلوا فيه لم يكن على أسس طائفية، ومن ناحية ثانية هم وافدون على لبنان وليسوا جزءً من التوازنات الطائفية، وقد ظل كفاحهم يحمل المضامين الثورية التقدمية بقالبه السياسي، ولكن بحكم أن أغلبيتهم الساحقة مسلمون سنة فقد وجدت الحركات الإسلامية في هذا بيئة مذهبية مناسبة لأن تنتشر وتمتد داخل المخيم.

وإذا كانت ظاهرة الإسلام السياسي وظهور الحركات المتطرفة على مستوى العالم العربي قد ارتبطت بجملة من العوامل الموضوعية أهمها الحالة المذهبية والطائفية التي يعيشها العالم الإسلامي، وأشكال القمع والتنكيل التي تمارسها الأجهزة الأمنية بحق الحركات الإسلامية ومحاولاتها المستمرة والناجحة في تفكيكها واختراقها وذلك لاستغلالها في حروبها السرية وتنفيذ أجنداتها السياسية، وكذلك عدم وجود مرجعية دينية موحدة أو قوية في العالم الإسلامي ، فإن عوامل إضافية قد ساهمت في بروز وتنامي هذه الحركات في لبنان تحديدا، من أبرزها العامل الفلسطيني وربط فكرة التحرير بتنظيم العمل المسلح على حساب مفهوم الدولة اللبنانية، بالإضافة إلى تداعيات الحرب الأهلية التي أدت إلى تفكيك المجتمع اللبناني وبناء ثقافة الخوف من الآخر، وخضوع لبنان لضغوط إقليمية جعلت منه مركز تلاق للمخابرات الدولية. وبطبيعة الحال نتج عن هذا الصراع السياسي الدولي إضعاف القرار المركزي اللبناني، مما ساعد الحركات الإسلامية المتطرفة على التوسع في بيئة جديدة تفتقر لرقابة الدولة وتتوفر فيها الظروف الاجتماعية والأمنية لتنامي قوة هذه الحركات، وخاصة في ظل تغطية فكرية من قبل بعض رجال الدين والأئمة وذلك لأسباب مذهبية أو شخصية أو سياسية مرتبطة بالخارج وبمستقبل لبنان السياسي. تماما كما حدث ويحدث في العراق في مرحلة الاحتلال الأمريكي وشيوع حالة من الفوضى والفلتان الأمني.

ولا يمكن فهم ظاهرة تنامي قوة الحركات الإسلامية في المخيمات اللبنانية دون فهم خلفيات الصراع السياسي بين سوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية، وفهم الطموح الإيراني في لعب دور إقليمي في المنطقة من خلال لبنان، حيث أن فهم هذان العاملان هما المدخل السليم لفهم الظاهرة برمتها نظرا للصلات القوية التي تجمعها.

في السابق حاولت سوريا احتواء منظمة التحرير وضمها تحت عباءتها والإمساك بالملف الفلسطيني كورقة ضغط تساوم فيها وتحسّن من موقعها التفاوضي في صراعها مع القوى الكبرى، استخدمت في سبيل هذه الغاية بعض التنظيمات الفلسطينية الموالية لها كالقيادة العامة والصاعقة، إلا أن ضعف هذان التنظيمان وافتقارهما للبعد الجماهيري جعلها تفكر في اختراق "فتح" من الداخل، فكانت قصة الانشقاق وحصار طرابلس عام 1983، ولكن هذه المحاولات لم تؤدي إلا إلى إضعاف الموقف الفلسطيني والتشويش عليه دون أن تحقق سوريا هدفها، ومن ناحية ثانية فقد فشلت هذه الحركات وضعفت إلى حد كبير، كما ضعفت التنظيمات الفلسطينية الكبرى وأهمها "حركة فتح" نفسها وتناقص اهتمام منظمة التحرير الفلسطينية بالمخيمات الفلسطينية وابتعدت عنها خاصة بعد اتفاق أوسلو، حيث تركز الاهتمام على ساحة الأرض المحتلة.

ومع تفاقم الصراع بين سوريا والقوى اللبنانية المناهضة لها والرافضة للهيمنة السورية، الأمر الذي أدى في نهاية المطاف إلى خروج القوات السورية من لبنان وفرض المجتمع الدولي على سوريا الاعتراف بلبنان وتبادل السفارات بين البلدين، تغير الأسلوب السوري وصار لزاما على النظام تغيير أدوات وأسلوب اللعبة، فوجدت سوريا ضالتها في التنظيمات الإسلامية.

وهذا الأمر ينطبق إلى حد كبير على إيران، مع الأخذ بعين الاعتبار حجم وقوة الدور الإيراني وتغلغله في لبنان من خلال حزب الله وفي فلسطين من خلال حركة حماس والجهاد الإسلامي، الفرق الثاني والذي لا يقل أهمية هو أن سوريا لم ترد من خلال الجماعات الإسلامية الموالية لها الإمساك بالورقة الفلسطينية وحسب، بل ولمواجهة خصومها من القوى اللبنانية المعارضة لوجودها.

ولكن هذا لا يعني أن سوريا أو إيران هما اللتان أوجدتا هذه التنظيمات من العدم، أو أن جميع هذه التنظيمات موالية لهما، فالعلاقة بين سوريا والإخوان المسلمون مثلا هي علاقة عدائية منذ بدايات الثمانينات، ومع هذا نرى بوضوح عمق العلاقة بين سوريا وحماس أو مع أي من التنظيمات المنبثقة عن الإخوان ولكن خارج الأراضي السورية، وبالنسبة لإيران فطبيعة الخلاف المذهبي بينها وبين الحركات السنية تحتم وجود سقف معين لهذه العلاقة، ومع هذا فإن السياسة البراغماتية للبلدين تمكنهما من نسج تحالفاتهما السياسية مع أي قوة يمكن الاستفادة منها.

التنظيمات الإسلامية في المخيمات اللبنانية

استفادت الجماعات الإسلامية في لبنان من مناخ الحرية الذي توفره الدولة، ومن أجواء الانفتاح السياسي والفكري والثقافي في المجتمع اللبناني، ومن علاقاتها الجيدة مع المؤسسة الدينية الرسمية في لبنان، ومع مختلف الهيئات والمرجعيات الإسلامية اللبنانية، السنية والشيعية، ومن حالة التعاطف اللبناني مع المقاومة، وحجم التأييد والدعم الذي يبديه اللبنانيون للقضية الفلسطينية، ومن وجود تيار فكري أو أيديولوجي لبناني يوفر لهم الأرضية الذهنية والعاطفية لتقبل أفكارهم، الأمر الذي مكّن هذه القوى من التحرك والتعبير عن رأيها والتواصل السياسي والإعلامي ، واستطاعت من خلال تركيزها على العمل الاجتماعي والخيري والمنح التعليمية والمساعدات الغذائية، سدّ بعض الحاجة الاجتماعية وتغطية غياب أو ضعف مؤسسات منظمة التحرير والأونروا وجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، والخدمات التي من المفترض أن تقدّمها الحكومة اللبنانية. وكان هذا النوع من العمل هو مدخلها للوصول للجماهير وكسب تأييدهم.
ولكن مع بروز منظمات وجماعات أصولية داخل المخيمات الفلسطينية في لبنان، تضم عناصر من جنسيات مختلفة، ومحاولات تمددها إلى خارج المخيمات، واتهام بعضها بأعمال أمنية واغتيالات وتفجيرات طالت مواطنين وشخصيات ومؤسسات ومرافق لبنانية، تزايد الاهتمام الإعلامي المحلي والدولي بهذه الظاهرة، وقد عبرت أوساط أمنية لبنانية عن قلقها من تعاظم قوتها، ورأت "أن هذه التنظيمات الظاهرة حديثاً ما هي إلا بنادق للإيجار، تعمل لحساب أنظمة وأجهزة استخباراتية، وأنها امتداد لجماعات أصولية عابرة للقارات".

مسؤول حركة فتح في لبنان سلطان أبو العينين أكد من مقره في مخيم الرشيدية "أن لديه معلومات تفيد أن جهات خارجية تسعى إلى توتير المخيمات بإرسال بعض الأصوليين من العراق وغيره إليها". وتابع "لن نكرر في مخيماتنا تجربة فتح الإسلام التي حصلت نهر البارد، ولن تكون بعد اليوم مخيماتنا قاعدة لأحد أو مكانا لتصفية مشاريع وحسابات دول لها مصلحة في إبقاء لبنان في دائرة الأزمة الدولية وخزان الاضطراب في الشرق الأوسط"، واعتبر أن عمل "الجهات الخارجية يأتي ضمن مخطط لفتنة فلسطينية من أجل تهجير الفلسطينيين من لبنان والتآمر على حق العودة" .

ويقول الخبراء في الشأن اللبناني أن مخيم عين الحلوة يضم التجمع الأساسي لهذه الجماعات، وهذا المخيم بات بمثابة الخارطة الأمنية التي تختزل المشهد السياسي المتداخل والمعقد، حيث تختلط فيه الأفكار الثورية بأنواعها المتطرفة والمعتدلة كلها، الأصولية والعلمانية. بحيث أن مصير ومستقبل الوجود الفلسطيني في لبنان يتقرر في شوارع هذا المخيم الذي بات ساحة صراعات، وساحة لحروب الآخرين، وصار ملجأ يؤوي المجموعات المتطرفة والخارجين عن القانون والمطلوبين للعدالة. ويتحدث البعض عن "خلايا نائمة" تنشط داخله بسرية، وقد تظهر إلى العلن في أي وقت بحسب التطورات المحلية والإقليمية. ومعلوم أن القوى الأمنية اللبنانية لا تدخل إلى المخيمات الفلسطينية التي تتولى الأمن فيها الفصائل الفلسطينية.

وقد برز موضوع انتشار المجموعات الإسلامية المتطرفة المدججة بالسلاح داخل المخيمات خلال العقد الأخير. حيث استفاد هؤلاء الأصوليون من الانشقاق البنيوي والعمودي الذي أصاب حركة "فتح" في مخيمات لبنان، ومن حالة الضعف والتراجع التي ألمت بالحركة الوطنية كلها، فعمدوا لاستغلال هذا الضعف الفتحاوي من أجل إيجاد هامش لوجودهم في المخيم، ومع الوقت أدت هذه التناقضات إلى خلق حالة من توازن الرعب بين جميع الأطراف، وفّر للجميع مكاناً للعيش وملاذا آمنا يمكن الاحتماء فيه، ومن خلال توازناته التي تمنع أي طرف امتلاك القدرة على الحسم العسكري .

وبما أن عموم الساحة السنّية ( اللبنانية والفلسطينية ) يغلب عليها التعاطف الديني مع الحركات الإسلامية أو الانتماء إليها، كان من المتوقع أن تشكل حاضنة لهذه الجماعات، والتي يمكن تصنيفها ضمن ثلاثة فئات: الفئة الأولى تضم "الجماعة الإسلامية" (كبرى الحركات الإسلامية السنية وصاحبة برنامج سياسي وسطي غير مكتمل الملامح)، وحزب التحرير (امتداد لحزب عالمي، إلا أن وجوده في لبنان ضعيف قياساً بغيره، وهو حزب راديكالي يتعدّى القطر والوطن)، و«جبهة العمل الإسلامي» التي لا تختلف كثيراً عن "الجماعة الإسلامية" سوى في أمرين ( دعمها العلني والمباشر لحزب الله ولحماس والجماعات الإسلامية في العراق، وعدائها الظاهر لتيار المستقبل )، الفئة الثانية، تضم «جماعة الدعوة والتبليغ»، الجمعيات الخيرية الإسلامية و«التيارات السلفية» الباقية، أما الفئة الثالثة فتضم الجماعات الجهادية المسلحة التي تؤمن بالعنف وترتبط بصلات معينة مع تنظيم القاعدة أو على الأقل تتبع منهجه التكفيري، ومنها عصبة الأنصار وعصبة النور وجند الشام وفتح الإسلام.

فإذا كانت رياح المقاومة الفلسطينية هي التي هبت على المناطق اللبنانية، في السبعينات ومطلع الثمانينات، وأحدثت ما أحدثته من تداعيات، فإن رياح الفكر الإسلامي الأصولي، هي التي هبت على المخيمات الفلسطينية من جواره اللبناني في حقبة التسعينات وما بعدها. ويمكن الجزم، أن المجموعات الإسلامية التي تواجدت في المخيمات، كانت امتداداً، بشكل أو بآخر، لمجموعات إسلامية لبنانية وعالمية، أو تحت رعايتها. وفّرت لها البنيان العقائدي، والتمويل، والغطاء السياسي في اللحظات الحرجة .

الجماعات الأصولية ليست كلها داخل المخيم، ولكن تأثيرها الإيديولوجي وامتدادها التنظيمي يصل إلى هناك، فضلا عن التحالفات المعلنة والضمنية فيما بينها واتفاق أكثرها على تكفير فصائل العمل الفدائي الفلسطيني ومناصبتها العداء، وأهم هذه الجماعات:
الجماعة الإسلامية: وهي جماعة لبنانية ليس لها وجود يذكر داخل المخيم، إلا أن تأثيرها الفكري فيه حاضر بقوة، فهي تتبع جماعة الإخوان المسلمين كبرى الجماعات الإسلامية وأهمها والتي منها تناسلت معظم جماعات الإسلام السياسي، والجماعة الإسلامية تعتبر أكثر الحركات دينامية وانفتاحاً على العمل السياسي، حصلت على ترخيص من وزارة الداخلية عام 1964. مؤسسوها البارزون هم النائب فتحي يكن والشيخ فيصل المولوي والدكتور زهير العبيدي. وفي مراحلها الأولى اتخذت من طرابلس مركز ثقلها السياسي، لكنها سرعان ما وسعت انتشارها الأفقي في المناطق اللبنانية، لاسيما في بيروت وصيدا والبقاع، تقترب في كثير من المواقف مع تيار «المستقبل»، إلا أنها لا تتماهى فيه.

لم تبق بنية الجماعة على حالها، فقد شهدت تغييرات جذرية، حيث انشق عنها فتحي يكن وأنشأ «جبهة العمل الإسلامي». وحالياً تصنف «جبهة العمل الإسلامي » و«حركة التوحيد» بشقيها بأنها سورية الهوى، بالإضافة إلى الشيخ كنعان ناجي الذي أعاد إحياء "جند الله".
الجماعة السلفية: وهي عبارة جماعة تتبنى النهج الديني الأصولي، ليست لها نشاطات سياسية، تأسست عام 1946 على يد الشيخ سالم الشهال. كان اسمها «شباب محمد»، ثم تغير الاسم إلى «الجماعة - مسلمون». وانتشرت في مناطق عكار والمنية والضنية. تركز نشاطها في مجال الجمعيات الخيرية والتربوية، والتزمت بأهداف نشر تعاليم الإسلام وتعليم القرآن الكريم وتجويده وشرحه، في العام 1976 وسّعت نشاطها عبر إنشائها تنظيماً عسكرياً تحت اسم الجيش الإسلامي، في الثمانينيات أخذ دور التيار السلفي في لبنان بالتعاظم وازدادت حركة المنتمين إليه. واتسعت رقعة انتشاره بسرعة خارج طرابلس مستفيدة من انتشار «حركة التوحيد» الإسلامي.

حركة التوحيد: نشأت على أنقاض ثلاثة فصائل صغيرة هي: «المقاومة الشعبية» و«حركة لبنان العربي» و«جند الله». واستقطبت بين عامي 1983 و1984 «جيشاً» من الشباب التواقين إلى حمل السلاح وحولت طرابلس إلى إمارة إسلامية، ومنعت كل المظاهر العصرية التي رأوا أنها تناقض مبادئ الإسلام، فأغلقت الملاهي والمسابح ودور السينما .
الحضور القوي لحركة التوحيد جاء نتيجة العلاقات الوثيقة التي نسجتها مع إيران في بدايات الثورة الخمينية، لكن نفوذ «إمارة التوحيد» انحسر في خريف عام 1985 بعد حرب دموية حصدت عدداً كبيراً من القتلى والجرحى، وأصبحت محصورة جغرافياً في محيط منزل مؤسسها الذي توفي عام 1998، ليقتصر حضورها على بعض المؤسسات التربوية والاجتماعية. ولم تلبث أن انقسمت بين «المجلس الأعلى» بقيادة الشيخ بلال شعبان الذي ورث الحركة عن والده، وبين مجلس الأمناء بقيادة الشيخ هاشم منقارة، والذي تربطه علاقة جيدة بالنظام السوري .

عصبة النور: على إيقاع النفوذ السوري المتنامي والمعادي للزعيم ياسر عرفات، بدأت ملامح التركيبة الفلسطينية في المخيمات تتبدل. وتشكلت في هذه الأجواء عصبة النور برئاسة الشيخ هشام الشريدي الذي كان من كوادر "فتح" ثم خرج منها وصار يكّفرها مع الفصائل الفلسطينية الأخرى. وبعد أن اغتيل عام 1991، تولى من بعده «أبو محجن» الإمارة.
الأنصار: تحول أتباع عصبة النور إلى «الأنصار» بقيادة أبو محجن، وهو من أكثر الشخصيات إثارة للجدل، وكان مطلوبا للسلطات اللبنانية لإدانته غيابياً بتهمة اغتيال الشيخ نزار الحلبي رئيس جمعية المشاريع الإسلامية (الأحباش)، وهي التي كانت تجاهر بعدائها للفكر الوهابي، وعلى إثر ذلك تحصن داخل مخيم عين الحلوة لفترة طويلة قبل أن يتم اغتياله، ولكن «عصبة الأنصار» لم تبق في عزلتها عن النسيج السياسي لمخيم عين الحلوة، فقد انخرطت فيه عبر ممثلها في اللجنة الأمنية في المخيم، (أي لقاء القوى والفصائل الفلسطينية) وذلك اثر تسليمها "بديع حمادة" الذي التجأ إليها بعد أن قتل عناصر من الجيش اللبناني ليصار إلى محاكمته وإعدامه، ولم يمنع اختفاء أبو محجن من ازدياد قوة تنظيم "عصبة الأنصار" وتوسع نفوذه داخل المخيم فصارت له مساجده، وشوارعه ومراكز تدريبه، وخضعت له أحياء بأكملها، التي باتت كالإمارة الإسلامية المصغرة، واستطاع هذا التنظيم المتأثر بأدبيات تنظيم "التكفير والهجرة" وأفكار "أيمن الظواهري" من تعميم مبدأ "الفقه التكفيري" داخل مخيم عين الحلوة، والذي أدّى إلى مزيد من التصفيات والاغتيالات لمن اعتبروهم "أعداء الإسلام".. ولم تسلم "عصبة الأنصار" من الانشقاقات التي عصفت بمعظم التنظيمات، ليخرج منها عبدا لله الشريدي (نجل مؤسس العصبة هشام الشريدي) ويعود لِ"جماعة النور".

جند الشام: بعد سقوط بغداد عام 2003 ابتعدت الحركات السلفية عن مشروعها «الجهادي» في لبنان لتنقله إلى العراق عبر تصديرها المقاتلين بعد تدريبهم. وينسب إلى عصبة النور إرساء ثقافة «الهجرة الجهادية» في المخيمات ( يقدر عدد الذين قتلوا من أبناء مخيمي عين الحلوة والرشيدية في العراق، بحوالي عشرين شاباً ) وكان من نتائج هذا التحول نشوء تنظيم «جند الشام»، الذي يصنفه البعض انشقاقا صغيرا وهشا عن العصبة، عناصر جند الشام أكثرهم لبنانيون وسوريون وعراقيون ويمنيون وسودانيون ومصريون وحتى باكستانيون من جنسيات أخرى عديدة. وظهور تنظيم «جند الشام» جاء قبل سنوات مع وصول الفلسطيني محمد شرقية «أبو يوسف» وعائلته إلى عين الحلوة من مخيم نهر البارد، وبدأ نشاطه إلى جانب الشريدي. وبعد اغتيال الأخير لم ينسجم كثيراً مع أبي محجن وجماعته، فأسس تنظيمه الخاص الذي ضم العناصر الأصولية اللبنانية المعروفة بـ«جماعة الضنية»، وعناصر سابقة من «حركة فتح ـ المجلس الثوري» (جناح صبري البنا الذي قتل في العراق عام 2002). يذكر أن أبو مصعب الزرقاوي هو أول من انشأ هذا التنظيم في معسكر هيرات شرق أفغانستان.

فتح الإسلام: ظهر هذا التنظيم لأول مرة في مخيم نهر البارد، في 26 تشرين الثاني 2006. وأعلن انه «يكفر بالطاغوت وسوف يحكم شرع الله في الأرض لتكون كلمة الله هي العليا». وهناك ما يشبه التحالف بين "جند الشام" و"فتح الإسلام"، لا بل أن البعض ذهب إلى اعتبار "فتح الإسلام" بمثابة الاسم الحركي لـ"جند الشام". وكانت المراجع الأمنية قدرت عدد عناصره المسلحة بحوالي 300 عنصر، بينهم نساء وفتيات مسلحات من زوجات وقريبات المسلحين. والأهم أن العنصر الفلسطيني هو الأضعف فيه لحساب جنسيات عربية متعددة. ورئيس التنظيم شاكر العبسي هو فلسطيني أردني مطلوب من السلطات الأردنية في قضية اغتيال دبلوماسي أميركي في عمان. وقد طالبت عمان السلطات السورية بتسليمها العبسي الذي كان مسجوناً لديها، إلا أن السوريين رفضوا الطلب، لا بل أطلقوا سراحه عام 2005 لينتقل بعدها إلى معسكر تدريب لـ"فتح الانتفاضة" يقع في البقاع، بعد أحداث نهر البارد تم تصفية هذا التنظيم، ولكن بعد أن خلف وراءه دمارا شاملا لمخيم نهر البارد، جراء معاركه العنيفة ضد الجيش اللبناني، وتسببت المعارك بمقتل 400 شخص بينهم 168 جنديا ونزوح حوالي 31 ألف شخص.

جماعة الضنية: تتكون من مجموعة من الأصوليين اللبنانيين الذين عملوا تحت غطاء عصبة الأنصار، وهم ممن لجئوا إلى المخيم بسبب مشاركتهم في المواجهات العسكرية التي حصلت مطلع عام 2000 بين أصوليين لبنانيين من جماعة "التكفير والهجرة" كان يقودهم اللبناني بسام كنج "أبو عائشة"، والجيش اللبناني. فعمدت "عصبة الأنصار" إلى حمايتهم وتسليحهم، وصار اللبناني غاندي المعروف بـ "أبي رامز الطرابلسي" مسؤولهم الأول، وهو من الذين كانوا قد فروا إلى المخيم بتهمة المشاركة في اغتيال نزار الحلبي (مسؤول الأحباش). وبعد الإعلان عن تنظيم جند الشام، انضمت إليه عناصر "جماعة الضنية".

خـاتمــة

الحصار الذي تفرضه السلطات اللبنانية على المخيمات الفلسطينية لا يقل شدة وقسوة عن حصار إسرائيل لقطاع غزة !! فالفلسطيني لا يُسمح له بإدخال أي من مواد البناء لترميم بيته المتهالك، حتى لو كانت مسمارا !! وفي الاجتماع الأخير لمجلس النواب اللبناني صوّت التيار الوطني الحر - حلفاء حزب الله – مع آخرين، لصالح منع اللاجئين الفلسطينيين من الحصول على أبسط حقوقهم المدنية ! واستمرار هذا الوضع الشاذ سيكون له عواقبه الوخيمة، ليس على المخيمات وحسب، بل وعلى لبنان وسائر المنطقة.
المخيمات هي رمز اللجوء، وذاكرة النكبة، وعنوانا صارخا لحق العودة، وبدون حل مشكلة المخيم الإنسانية أولا ثم السياسية لن يكون هناك حل ولن تنعم المنطقة بالأمن، ومخيم عين الحلوة بالذات سيظل عاصمة الشتات الفلسطيني وخزان القلق والاضطراب، كما ظل على الدوام مدرسة كفاحية ومددا للثورة وسندا لها، هذا المخيم دًُبر له أمر بليل، وأُريد به سوءً، وتكاثرت فيه خفافيش الظلام، ليصبح امتدادا لوادي سوات وطورا بورا والصومال، تحت اسم الجهاد المقدس والإسلام العظيم، والإسلام من هذا كله براء.
كيف نفسر تكاثر هؤلاء التكفيريون ؟ وكيف دخلوا للمخيم ؟ ولماذا هم دائما مسلحون ؟ ومن يموّلهم ويسلحهم ويوفر لهم جوازات السفر، والحماية والغطاء الديني ؟؟؟ وما هو برنامجهم السياسي ؟ وما هي آفاق تحقيقه ؟ الإجابة الجاهزة على بعض هذه الأسئلة تفيد بأن هنالك حالة من توازن الرعب بين أضلاع المثلث الثلاث ( فتح وفصائل منظمة التحرير- حماس والجهاد ومعهما بقية فصائل المعارضة – التنظيمات الإسلامية المتشددة ) هذا التوازن والخوف من الآخر أو تجنب المواجهة سمح لهذه التنظيمات أن تتقوى وتتسلح وتفرض برنامجها، عندما تسللت عناصر فتح الإسلام إلى البداوي أجمع الأهالي على نبذهم وطردهم فتسللوا إلى نهر البارد وفي النتيجة تدمر المخيم وهُجِّر سكانه وقتل المئات من الأبرياء، وبدون كسر حلقات هذا المثلث ومواجهة هذه القوى بالوعي الجماهيري وتعزيز الانتماء الوطني ستصبح مخيماتنا وكرا للإرهاب وملاذا للمطلوبين وصورة أخرى عن نظام طالبان.
ويجب أن تعي جماهير المخيم قبل غيرها أن تلك التنظيمات مرتبطة بالخارج وتنفذ أجندات لقوى إقليمية لا تضمر للمخيم ولا للبنان إلا الشر، وأن برامجها دوغمائية وعدمية ولا تصلح إلا لتكريس زعامات محلية تجيد فن الخطابة، ولا تختلف بشيء عن برنامج "العبسي" الانتحاري، الذي فضل تدمير مخيم بأكمله فوق رؤوس ساكنيه مقابل لا شيء، لأنه لا شيء بجعبته ولا بجعبة أمثاله إلا الخواء والدمار.

وأختم بما قاله الشيخ فيصل مولوي الأمين العام للجماعة الإسلامية عندما سئل إذا كان يرى أنّ لبنان بوضعه الراهن، قادر على خوض حرب مفتوحة مع إسرائيل؟ فأجاب: "من المعروف أنّ معظم الأنظمة العربية تخلّت عن القيام بدورها القومي والديني في مواجهة العدوّ الصهيوني. ولبنان الدولة، سواء كان بوضعه المأساوي الراهن أو بوضعه الصحي الذي نتمناه، ليس قادراً على خوض حرب مفتوحة أو غير مفتوحة مع (إسرائيل). وأرى ضرورة دراسة مسألة المقاومة في إطار قيادة المقاومة أولاً، للتأكد من أنّ الحرب المفتوحة ضد (إسرائيل) في أي بقعة من العالم هي الأفضل، أو أن حصر المقاومة في مكانها الطبيعي داخل الأرض المحتلة أو على الحدود هو الأفضل. وإذا كانت هناك مصلحة في حرب مفتوحة، فلا بد من الاستعداد لمواجهة نتائجها، ولا يصح اتخاذ القرار وإنفاذه ثم ترك اللبنانيين معرضين لردود الفعل دون أي استعداد.من أجل ذلك نلح على ضرورة استكمال بناء الدولة بجميع سلطاتها، والدخول في الحوار مع المقاومة للتوافق على صيغة دفاعية مناسبة، تحفظ المقاومة تحت سقف الدولة، لأنّ أي خلاف بين الدولة والمقاومة سيؤدي إلى الخسارة للطرفين، كما يؤدّي إلى كشف ظهر المقاومة وإلى إضعاف الدولة وتمزيقها، وكل ذلك يصب في مصلحة العدو الصهيوني" .

الهوامش:

0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار