أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

يونيو 11، 2010

مغردات خارج السرب

ظلّت الكاتبة المصرية د. نوال السعداوي ولفترة طويلة تتصدر قائمة النساء "المشاغبات" اللواتي يكتبْن آرائهن بجرأة غير معهودة، ولكن في الآونة الأخيرة انضمت للقائمة كاتبات أخريات استطعن أن يزلْزلْنَ الأرض تحت أقدام المجتمع الذكوري، وأن يخرجْنَ عن الصمت الذي لازم النساء لقرون عديدة في مقالات وكُتب أقل ما يقال عنها أنها مثيرة للجدل.

الكاتبة السعودية "نادين البدير" المذيعة في قناة الحرة الأمريكية نشرت في صحيفة "المصري اليوم" مقالا بعنوان: "أنا وأزواجي الأربعة" لا يهمنا الدخول في تفاصيل قضية تعدد الزوجات - التي أثارتها الكاتبة وحاولت استفزاز الرجال من خلال العنوان المثير الذي اختارته - فهي قضية شائكة ومعقدة، ويستغلها البعض لإشباع غريزتهم الجنسية مدعين أنها"هبة" من الله عز وجل خص بها الذكور دون الإناث. وما يهمنا هو تساؤل الكاتبة المشروع عن امتناع الدول الإسلامية عن منع تعدد الزوجات طالما أن قوانين هذه الدول تحرم اليوم الرق ومُلك اليمين والسبي وغيرها من الأمور التي كانت في مرحلة سابقة من ضمن التشريع الإسلامي؟!


وفي مقالة أخرى كتبت "نادين" مقالة بعنوان "إن جئتك أصرح بحبي" تنتقد فيها بشدة خوف المرأة العربية وخجلها من الاعتراف بالحب للرجل، وتتساءل: هل حق الحديث في الحب والتصريح بالمشاعر ممنوحٌ للرجل وحده دون المرأة ؟!

للرد على هذا التساؤلات قام حراس الفضيلة وكعادتهم بقصف هذه الكاتبة بوابلٍ من الاتهامات وصلت الى درجة التكفير وطالبوا بإغلاق ومقاضاة الصحيفة التي نشرت مقالها. ولكن بعد هذا الزلزال الذي أحدثته "نادين" هل توقفت الزلازل النسائية ؟!

وإذا كانت تساؤلات نادين بمثابة صرخه أطلقتها لتوقظ فينا حساً انسانياً لنعرف مدى الوجع والظلم وانكسار الروح الذي تعانيه نساء المسلمين من جراء تعامل الذكور النـزق معهن، فإن كاتبات أخريات صرَخْن في أودية أخرى في مجالات تتعدى حقوق المرأة وواقعها الاجتماعي، واقتحمن ميادين ظلت حكرا على الرجل لأمد طويل، بالذات في المجال الفكري وفي صلب عقيدة الإسلام.

الكاتبة الصومالية "آيان هيريسي علي" أصدرت كتابا جديدا بعنوان "البدوي" شنت فيها هجوما على الإسلام، وكذلك فعلت الكاتبة الباكستانية "إرشاد منجي" التي أصدرت كتابا بعنوان " الخلل في الإسلام" ومن قبلهم الكاتبة السورية "وفاء سلطان" التي أحدثت ضجة كبيرة في مقابلتها على قناة الجزيرة حين تهجمت على الإسلام بشكل غير معهود على الفضائيات العربية.

لسنا هنا بموقع الدفاع عمّا كتبت هؤلاء، ولا بصدد التفنيد والرد، وقد لا نتفق مع كل ما ورد في كتبهن، ولكن من المفيد أن نتوقف عند ملاحظتين:

الأولى أن غالبيتهن جئن من بيئات اجتماعية كانت وما تزال تمتهن المرأة بشكل أو بآخر، ومنهن من كانت لها تجربة خاصة مريرة مع المعاناة، فمثلا تتذكر د. نوال كيف سرقت العادات الاجتماعية قطعة من جسدها في عملية يطلق عليها "الختان" وهي عادة تكاد تقتصر على مصر والسودان وبعض الدول الإفريقية، الكاتبة الباكستانية "إرشاد منجي" تروي قصتها مع والدها الذي كان يضرب العمال بقسوة ويعاملهم كالعبيد وكيف لحقها بالسكّين ليذبحها فما كان منها إلا أن هربت إلى سطح المنزل لتختبئ هناك حتى الصباح، الصومالية "أيان هرسي" تشرح بكثير من التفاصيل تأثير القبيلة البدوية التي انحدرت منها وعاداتها الاجتماعية الموغلة في التخلف، أما السعودية "نادين البدري" فكتبت في إحدى مقالاتها كيف تخلصت من النقاب التي أُجبرت عليه وتشرح فلسفتها عن الجمال الفطري وجسد المرأة وموقف الوهابية المتشنج من هذه القضايا.

الملاحظة الثانية أنهن بعد أن صرن منبوذات من المؤسسة الدينية التقليدية، ومطاردات بوابل من التهم والشتائم، وقد صدر بحقهن العديد من فتاوى التكفير وهدر الدم والدعوة لقتلهن كمرتدات كافرات، لجأن إلى أمريكا وأوروبا لينعمن هناك بحماية الدولة وبأجواء من الحرية الكاملة تمكّنهن من مواصلة دربهن الذي اخترنهن كمعارضات وثائرات على التقاليد ومغردات خارج السرب.

وحتى لو كانت هجرتهن إلى الغرب قد سبقت صدور كتبهن بكثير، فإن هذا الطرح لا يفيد إلا أصحاب نظرية المؤامرة الذين يحلو لهم على الدوام اتهام الغرب "الكافر" بالتآمر على الإسلام، وينسون أن هذا الغرب قد وفر لهن الفضاء الرحب ليفكّرن دون خوف ودون قيود ويخْرجن من إطار المطبخ والسرير الذي حرص الشرق "المؤمن" على حبسهن فيه لعصور طويلة.

هل المشكلة هي أن تخرج ثلة من النساء عن عُرف القبيلة لتطرح أسئلة محرمة ؟ أم هي الخشية من تجرّؤ استخدام المرأة المسلمة لقدراتها العقلية المصادرة ومن تحرر شخصيتها المستلبة ؟ أم هي الرهبة من تقليب بعض الأوراق وكشف المستور من العورات التي غُلِّفَتْ بالقداسة دون وجه حق ؟ أم هي الخشية من استعادة جزء من حريتنا الفكرية التي صادرها وعاظ السلاطين واستجابت لهم الجموع طائعين خانعين قبل أن تصادرها أجهزة الدولة بزمن طويل ؟!

وبصرف النظر عن محتوى هذه الكتب، وسواء اختلفنا أم اتفقنا معها، فليس هذا هو الموضوع، المهم أنه من شبه المؤكد ستأتي أقلام جديدة لتنضم إلى الركب، وسيُطرح المزيد من الأسئلة، ولن تظل الإجابات حكرا على رجال الدين وبنفس الشكل الذي يعيد إنتاج نفسه كل مرة كما لو أننا خارج معادلة الزمان، ولن تظل المسألة مقتصرة على بضعة كاتبات يسهل على البعض اتهامهن بالعمالة أو الشذوذ الجنسي أو الكفر والإلحاد.

بعد أن قرأت معظم كتبهن أؤكد معارضتي لكثير مما جاء فيها، ولكن مع هذا أرى أن ما طرحنهن يندرج في خانة التساؤلات الاستفزازية التي تبحث عن إجابات غير التكفير والشتائم، وبالتأكيد ليست تلك الإجابات البديهية واليقينية التي سكنت عقولنا كل هذه السنين، ما نحتاجه فعلا للرد على هذه التساؤلات وغيرها هو ممارسة واعية لعملية نقد ذاتي لا تقبل المساومة، ومراجعة شجاعة لكل النصوص التي طالما أحاطتها هالات من المقدس والتابو، لنتمكن بعدها من تقديم إجابات إنسانية حضارية بدلا من تلك العِظات التي حفظناها عن ظهر قلب.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار