أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

يونيو 11، 2010

سبعة أشكال في حُبّ الجَمال



الأول أُعجب بمبادرة وزارة الزراعة حين علم بأنها تقوم بتوزيع أشتال حرجية على المواطنين وبالمجان، بهدف تشجيعهم على الزراعة وزيادة المساحات الخضراء في ربوع وطننا الجميل، فتوجه إلى هناك وبالفعل استلم عشرة أشتال من أشجار السرو والصنوبر والزيتون وقرر زراعتها بنفسه على رصيف الشارع الذي يقطنه، ليضاهي بجماله أرصفة الشوارع في المدن الجميلة، وما أن زرعها حتى بدأ أطفال المدارس في الجيئة والذهاب بالتعرض لها وشدها ومحاولة خلعها يوما بعد يوم حتى قضوا عليها تماما.

الثاني قرر أن يزرع سور حديقته بياسمينة عراقية لتجود بعطرها الفواح على العشاق في ساعات العصارى والعائدين من أعمالهم في المساء بعد يوم مضني وشاق، وبدأ بسقايتها وتسميدها وهو يراها تكبر وتزهر، ولكن بعد أقل من سنة مرّ من أمام السور راعي مع غنماته العشرون فكانت الياسمية المسكينة عشاء الأغنام في تلك الليلة الكئيبة.


الثالث زار حديقة عامة فأعجب هناك بمنظر تحفة فنية خشبية نُحتت من جذع شجرة على شكل إناء أثري وقد زُرع فيه باقة من الزهور الجميلة بألوانها الجذابة فبدت وكأنها نبتت من التاريخ ولكن بشكل عصري، فقرر أن يصنع مثلها ويضمها إلى حديقته المتواضعة، فجاء بجذع زيتونة وبدأ بحفرها ونحتها على مدار ثلاثة أيام متواصلة، ثم طلاها بزيت شمعي ليحميها من الرطوبة والعفن، وفي اليوم الرابع وجد جاره قد أخذ المنحوتة وملأها بالتبن والعلف وقدمها لماعز كان يربيه ويعده أضحية للعيد.

الرابع كان يكره فكرة حبس عصفور في قفص ضيق لا يكفي لخفقةٍ من جناحيه، ومع عشقه لمنظر طيور الحب والكناري وتغريد الحساسين والبلابل، قرر أن يصنع لهم قفص كبير واسع يتيح لعصافيره التحليق والطيران في بيئة طبيعية مليئة بالأشجار والمراجيح والأعشاش والتشكيلات الفنية المبدعة، وبعد أن انتهى منه، طلب منه جاره أن يضع في هذا القفص الجميل بعض الحمام الزاجل، فخجل أن يرده وأن يرفض طلبه، ولكن الجار استسهل الأمر فطلب منه أن يضيف إلى جانب الحمام بعض الأوز، وهكذا صار يضيف في كل يوم نوع آخر من الحيوانات والدواجن كالبط والحبش والدجاج وحتى الأرانب وأخيرا ختمها بماعز جبلي، حتى صار القفص عبارة عن مكرهة صحية مليئة بالذباب والبعوض وروائح المخلفات المنفرة.

الخامس كان يمضي جل وقته في العناية بحديقته، ولا يبخل عليها بأغلى أنواع نباتات الزينة، وفي كل سنة يملؤها بالأزهار الحولية والموسمية، وفي كل يوم كان يضيف لحديقته ما يزيدها جمالا ويضفي عليها رونقا بديعا، حتى أن الكل كان يحسده عليها ويظنها ملكه الخاص، بينما هو مجرد مستأجر، وذات صيف جاء أصحاب المنـزل وشاهدوا الحديقة فرأوا فيها فرصة استثمارية قد تدر عليهم بعض الربح، فقرروا بناء مخازن ومحلات تجارية فوقها، فأوصوا الجرافة أن تجرف بأسنانها الحديدية كل شيء .. أرجوحة الأطفال، الورود، السور الخشبي الملون، شجرة المشمش، الجورية الحمراء.

السادس كان مفتونا بشجرة زيتون رومية يمر أمامها كل يوم، وكثيرا ما كان يلتقط لها الصور ويقيس أبعادها ويحصي أغصانها، ويراسل بشأنها المحميات الطبيعية وجمعيات الحفاظ على التراث وحتى أنه فكر بالكتابة لليونسكو لتضعها على قائمة التراث الإنساني، وصدف أن سافر للخارج لشأن ما وغاب بعض الوقت، وفي طريق عودته للوطن كان يمنّي الروح بلقاء محبوبته الرومية كما لو أنها فرد من العائلة، ولكن الفاجعة والمصيبة كانت أكبر من أن يحتملها حينما رأى معاول أحد المقاولين وجرافاته قد اعتدت على شجرته وحولتها إلى كومة حطب لتحترق في مدفأة أحد الأثرياء، وقد زَرَع مكانها عواميد من الأسمنت العاري ستحمل على أكتافها بناية سكنية وشقق للبيع بأسعار مغرية.

السابع سنقدمه على نحو مختلف، فقد يكون كل ما سبق وقد لا يكون، ولكنه من المؤكد إنسان يعاني من تشوهات فكرية وخلقية كثيرة، ومن ضائقة في الذوق وعسر في هضم الأفكار الجديدة، فهو مثلاً لا يؤمن أن الاختلاف بين البشر سر ديمومة الحياة، وأنّ تصارُع الأفكار سبب التطور، وأن النقد البنّاء يقي من الاعوجاج، ومقابل ذلك اختلق لنفسه ثنائيات غريبة، فما عاد يرى أن الجمال نقيضه القبح، وأن الحب نقيضه الكراهية، وصار يعادي كل ما هو جميل لاعتقاده أنه حرام، أو لأن هذا الجمال كشف سوأته الداخلية واستفز مراكز التنبه فيها، وبالتالي صار يتحسس من العطور، ولا يحفل بالأزهار، ولا يطرب على صوت أم كلثوم، ويعتقد أن محمود درويش مجرد شيوعي ملحد، ونجيب محفوظ مرتد، وأنجيلنا جولي عاهرة، ولوحات بيكاسو لا تساوي فلسا لأنها تطرد الملائكة، والأطفال عبارة عن كائنات مزعجة، وأن المرأة جسدها وروحها ما هي إلا فتنة، والفن بأنواعه حرام، والتمثيل فسق ومجون، والرياضة ملهاة ومضيعة للوقت، والإنترنت مفسدة للشباب .. ذلك كله لأنه ببساطة يقيم علاقة غير سوية مع جسمه وعلاقة مضطربة مع روحه، فصار لا يرى إلا ذاته ومن خلال غرائزه البدائية وعقله المتبلد.

أيار-2010

0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار