أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

يونيو 11، 2010

فسيفساء عراقية


بين دجلة والفرات برزخ خصب فسيح شهِدَ المولود البِكْر لحضارة الإنسان، فبعد أن غادر الإنسان الأول الغابة وبعد أن لفظت أحفادَه الصحراءُ عندما جف ضرع غيومها بحَثَ عن نهر فيه ما يكفي من الماء ليروي ماشيته ويسقي حنطته وعن نخل يقيه قيظ الشمس وحرها، فوجد بين الرافدين سهلاً فسيحا وخصبا وفيرا .. وشيئا فشيئاً اخضرَّ العشب على ضفاف النهر وامتلأ المكان بالسكان والنقوش، وعما قليل سيحتضن العالم بأسره ولكن على مهل ..


بدأ السومريون مغامرتهم الأولى وبنى من بعدهم الأشوريون والبابليون والكلدانيون أولى الحضارات وكتبوا بالنقوش المسمارية أهم المسلات ودونوا عليها قصة الخليقة والطوفان وسطوة سرجون وانتصارات نبوخذ نصر وشريعة حمورابي وملحمة كلكامش ولغز عشتار ومعجزة الحدائق التي ترنو نحو السماء، ومن بعدهم جاء العباسيون الذين تحدوا الغمام إن استطاع أن يتجاوز حدود ملكهم ،، فكانت إسهامات العراق في الحضارة الإنسانية لا تدانيها مساهمة ولا يعتريها الشك .. بينة وضّاءة .. ومنارة شامخة، وظلت بغداد لسنين طويلة حاضرة الدنيا وموئل العلم ومنبع الحكايات والأساطير .. ولكن التاريخ ليس لمن يكتب القصة الأولى بيده وليس دائما سيرة الملوك وعدلهم ،، إنه حكايات الناس ووجعهم وفيض النهر في كل عام والدارميات التي شبعت حزنا وكمدا.

والتاريخ أحيانا يكرر نفسه ،، فلم تكن مثلاً عمليات التهجير التي نفذها صدام بحق من وصفهم بالتبعية الفارسية في مستهل قادسيته ولا تلك التي نفذها في آخرها بحق الأكراد مختلفة عما دأب عليه الأشوريون من قبل .. فقد كانت عمليات التهجير المنظمة قد ابتدأت فعليا في عهد الآشوريين وكانت بمثابة العماد الرئيسي للأيديولوجيا السياسية للإمبراطورية، وقد طالت كافة المناطق التابعة لها من إيران حتى حدود مصـر، وفي سياق عمليات الترانزفير هذه هُجّرت أقوام واقتلعـت شعوب بأكملها من أوطانها وحل محلها آخرون وهكذا، وبعد أفول نجم الآشورييين صعد البابليين كقوة كبرى، فمارسوا ذات السياسة بفوارق بسيطة، إذ كان البابليون يركزون على منح المهجرين أراضي خصبة ويغدقوا عليهم حتى يصيروا ممثلين للسلطة في تلك المناطق ويساعدونها في أي حملة قمع ضد القوى المحلية الثائرة .

أحلام البابليين وطموحاتهم تكسرت بسرعة إذ جاء غزوٌ من الشرق وتحديدا من الفرس فاحتلوا البلاد وعاثوا فيها فسادا ،، وقد استمر كورش الفارسي على نفس النهج ولذات الأهداف مع تغير في الأساليب وتحويلها من فرض الخوف والرعب بالقوة إلى محاولات كسب الدعم والولاء والطاعة وإقناع الشعوب بالحاكم الجديد مستخدمين خطابا إعلاميا دوغمائيا يعتمد على تضليل الناس وتصوير السيد الجديد بأنه المحرر من نير الاستعباد وظلم الحاكم السابق.

ثم جاء الفاتح المكدوني الشاب الذي ضاق العالم بحلمه: "الإسكندر الأكبر" فنهب كنوز العراق وسبى نسائها ،، ثم عاد الفرس وتوالى الفاتحون ولكن سنابك خيلهم عجزت عن قطع نخيل العراق أو تغيير ملامحه وأهل البلاد في كل مرة يقبضون على الحلم ويتشبثون بالأرض أكثر ويزرعونها ويتناسلون ،،

على أرض العراق وقعت معركة ذي قار أولى محاولات العرب في التشكل كأمة وهي التي أيدها الرسول محمد ( ص ) قبل أن يصير نبيا، وعلى أرض العراق قتل رستم في قادسية سعد وبمقتله أعيد للعراق وجهه العربي ورُدَّ نهائيا نحو عروبته .

وعلى أرض العراق قُتل الإمام علي غدرا على يد الخوارج بطعنة نجلاء، وكان قبلها قد مات كمداً من أهلها ونفاقهم وضاق ذرعا من أشباه الرجال الذين أعطوه قلوبهم وأعطو معاوية سيوفهم ! وعلى أرض العراق خاض الإمام آخر معاركه في النهروان والجمل وصفين وسالت وقتها دماء غزيرة حتى كادت أن تخلو حدود المسلمين من الجنود، ثم جاء إبنه الحسين ليحفر في كربلاء الشهادة نقشاً أليماً موجعاً وجرحاً مفتوحاً سيؤلم من بايعوه ثم غدروا به وخذلوه إلى يوم الدين.

على أرض العراق نشأ علم الكلام وتُرجمت أهم الكتب وأُجترحت أولى الإختراعات وازدهر الطب والشعر وعلم الكيمياء .. وحكايات السندباد وقوافل التجار وظلم الحجاج وهناك قال المتنبي أجمل أشعاره وتغنى أبو نواس بالخمر والقيان وجُلد إبن حنبل وخط الشافعي كتابه الأم وهناك أيضا ووري أبا حنيفة الثرى وصُلب الحلاج وعاش الأئمة وأوغل المهدي في غيبته الأخيرة، وعندما دك المغول حصون بغداد جعلوا ماء دجلة يحار بين الأحمر القاني النازف من البشر والأسود الداكن المنساب من الكتب، ومن هناك أيضا بدأ نجم العرب بالخبو وحضارتهم بالسقوط وقصة مجدهم بالزوال .. ومن هناك مَرَّ الحسن البصري والجاحظ والفرزدق والأصمعي وابن سينا والرازي، وكذلك العلقمي وأبو مسلم الخراساني والذي برقبته مليون من البشر أو يزيد .. وهناك ظهر المعتزلة والأشاعرة والمرجئة والزيدية والجبرية والقدرية، وهناك أيضا سُفكت أحلام الأمويين والشيعة والرافضة وحتى الناس البسطاء .. هنالك العراق حيث كل شيء متوقع ومستحيل.

لوحة فسيفسائية مثيرة مدهشة، ودوائر متداخلة ومصالح متضاربة وأنساب مختلطة ومصائر متشابكة، وتاريخ كلٌ يدعي ملكيته الخالصة، توحدٌ يوشك أن يتشظى، وتشظي عصيٌ على التفريق !! إنه العراق العظيم .. تداخل الماضي مع الحاضر وبصمة التاريخ في المستقبل، تزاوج البداوة مع المدنية والتخلف مع التكنولوجيا ،، فقر مدقع يضيق به الصدر وثراء فاحش يحبس الأنفاس، قسوة وغلظة يغلفها كرم حاتمي، حفاوة الاستقبال وألم الغدر، أغاني تقطر منها الدموع وطرب صاخب، إقبال على الحياة وهوس مولع بتفاصيل التاريخ !! إنه العراق .. عظيم في كل شيء.

تاريخ العراق الطويل واتساع أراضيه وموقعه الحيوي على حدود التشابك وانطلاقته المبكرة جدا وتداول الفاتحين أراضيه وتعاقب الملوك عليه وتوالي الحروب والغزوات وحضاراته الغنية وغيرها .. كل هذا أنتج ثراء ثقافيا وتنوعا إثنيا ولغويا ومذهبيا فاحشاً .

عرقيا يقسم العراق إلى ساميين وآريـين، ودينيا بين مسلمين ومسيحيين وبقايا يهود، ومذهبيا بين سنة وشيعة، وقوميا بين عرب وأكراد وتركمان، وحضريا بين بدو وفلاحين وبين مراكز الولايات والبغداديين، وإثنياً يعج بالأقليات، ولغويا يزدحم بلغات أربع على الأقل، تتقاطع كل هذه المسميات ضمن دوائر في مواجهة أخرى، في المدن تختلط هذه الدوائر وتمتزج ويتعذر على الإنسان الوافد أن يميز أحدا عن الآخر ،، في شرق العراق وشماله كنينوى وكركوك وديالى - أرض البرتقال الحزين - مثلا يتحدث المواطن بلغات عدة وحسب الطلب، فتراه يتقن العربية والكردية والفارسية والأثورية والكلدانية ويضيف بعض المثقفين الإنجليزية .. إلا أنهم كلهم عراقيون .. تعايشوا هكذا سلميا وبهدوء آلاف السنين ...

اليوم وبكل أسف توشك هذه الصورة الرائعة أن تتداعى، وهذا التلاحم الحميم أن ينتهي، ويوشك الأكلة والطامعين أن ينالوا من العراق ،،

0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار