أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

فبراير 13، 2010

الصين .. من المجاعة إلى الأولمبياد

في واحدة من أجمل العروض وأقواها وأكثرها روعة وسحرا افتتحت الصين مهرجان الأولمبياد العالمي، وقد تعمدت إدارة المهرجان على إبراز كل ما مدهش وغريب وجميل بنوع من استعراض القوة لتبهر العالم وتستعرض أمامه مدى التقدم والتطور الذي وصلت إليه الصين.
تجربة الصين وقصة نجاحها مدهشة بكل المقاييس، ولمعرفة سبب الدهشة علينا أن نتذكر أحوال الصين قبل عدة عقود فقط من الزمن، كيف كانت وكيف صارت، لنرى المفارقة المدهشة !

ففي العام 1966 أطلق الزعيم الصيني ماوتسي تونغ ما عُرف حينها بالثورة الثقافية، أو ثورة البروليتاريا الكبرى، والتي حدد أهدافها باجتثاث من أسماهم ممثلي البرجوازية الذين اخترقوا الحزب الشيوعي ومحاربة «الأفكار القديمة والتقاليد البالية» وتطهير الجهاز الحاكم من الوصوليين، بالفعل فقد استجاب لدعوته مئات الآلاف من الشباب الذين عُرفوا فيما بعد باسم الحرس الأحمر، وأُقتيد الملايين إلى الريف ليتعلموا الحياة الزراعية من الفلاحين وليزرعوا محاصيلهم حسب طريقة "ماو"، وحقيقةً فإن هذا كان اعلانا قد مزّق المجتمع الصيني، ومايزال شبحه ماثلا حتى اليوم، فإذا ما أردنا أن نقيّم التجربة الآن وبعد مضي أربعين سنة عليها سنجد آراءً متباينة، ففي وقت الثورة اعتبرها كثيرون تجربة اجتماعية فريدة، ومحاولة لتحطيم المجتمع الصيني القديم وبناء مجتمع جديد محله، ويراها آخرون اجتهاد خاطئ بنوايا صادقة، بينما يرى الكثيرون أن دوافع الزعيم ماو كانت لتصفية خصومه في قيادة الحزب وتأكيد سلطاته المطلقة في الصين، ولكن من المؤكد أنه في نهاية الثورة التي استمرت قرابة العامين كانت البلاد قد غرقت في الفوضى التي راح ضحيتها ملايين البشر، فضلا عن سجن وتعذيب الملايين، وتخريب جانب كبير من تراث الصين الثقافي، ومع نهاية عام 1968 كانت الثورة الثقافية قد جعلت الصين على شفا حرب أهلية، وفي العام التالي اجتاحت البلاد مجاعة رهيبة أودت بحياة الملايين، إلى الحد الذي دفع بمعظم العائلات وخاصة في الأرياف أن تختار واحدا من أبنائها - في أغلب الأحيان كان الولد الأكبر - بحيث تخصص له النزر القليل مما لدى العائلة من طعام حتى يجتاز المجاعة وينجو بحياته، بينما أخوته الإناث يمتن جوعا أمام ناظري أهلهن دون أن يكون بمقدورهم عمل شئ سوى النحيب.

اليوم تتمتع الصين بأعلى وأسرع معدل نمو في العالم يبلغ 12 %، وقد صارت في مصاف الدول الكبرى وتمتلك قاعدة اقتصادية ضخمة تمكنها من منافسة كبريات دول العالم، كما دخلت عصر الفضاء وصناعة الإلكترونيات وامتلكت زمام التكنولوجيا وصارت قادرة على تصنيع كل شئ من قلم الرصاص حتى الصواريخ، واكتسحت منتجاتها كل أسواق العالم، والمهم أن هذه القفزة الكبرى قد انعكست إيجابيا على الوضع الداخلي، فقد توسعت الطبقة الوسطى، وتحسن معدل دخل الفرد وتقلصت الشرائح المهمشة إلى حد كبير، وطبعا برزت طبقة برجوازية وهي آخذة بالتضخم، كما حدث تحسن ملموس في الحريات العامة وحقوق الإنسان والتعامل مع الإثنيات ومكافحة الفساد، ومن اللافت أن معدلات النمو تسير بخطى هادئة وثابتة وحثيثة، ومن المتوقع أن تتربع الصين على عرش العالم الاقتصادي في العقود القادمة.


ولو وقفنا على مرتفع زمني نطل من خلاله على تاريخ الصين الحديث ونقيّم الأمور بأثر رجعي، وتتبعنا كيف فشلت كل محاولات الإصلاح التي قادها الزعيم ماو بعيد الإستقلال فيما عرف بالقفزة الكبرى للأمام، والنضالات التي خاضها من أجل اعادة بناء الصين وفق المنهج الإشتراكي الماوي الذي يرتكز على التجمعات السكنية والقوة الجماهيرية وعلى قوى المزارعين واصلاحات الريف، مع الاهتمام بالتغيير الثقافي المتسارع، وأيضا معارضته القوية في نسخ تجربة الاتحاد السوفيتي ونقلها للصين، وكيف قاده إخفاق الطفرات الاقتصادية بتحقيق الوثبة الكبرى التي أمل بها إلى إعلانه الثورة الثقافية العمالية والتي كان هدفها الإطاحة برؤوس المؤسسة الحزبية وأنصارها في كل المدن والقرى الصينية، وإلى إعادة الاعتبار إلى العمل اليدوي في الأوساط الإدارية ولدى القيادات الحزبية والحكومية عبر إرسالهم إلى الريف لأعادة «تثقيفهم» وممارستهم «للنقد الذاتي» وتعميق الشعور الطبقي لدى الكادحين من العمال والفلاحين والجنود من خلال التعبئة الأيدلوجية والسياسية ومهاجمة «القيادة البرجوازية الحاكمة» في الحزب والدولة، الأمر الذي أدى إلى مزيد من التدهور الاقتصادي والاجتماعي والفشل الإداري، خلف ذلك كله سنجد دائما شخص الزعيم حاضرا في كل التفاصيل، ورؤيته واجتهاده وراء كل مبادرة، وفلسفته صارت هي خلاصة أيديولوجيا الحزب، وقد تركزت كل السلطات والصلاحيات بيده بوصفه الزعيم الأوحد، وفي النهاية سنرى كيف قادت هذه النزعة الفردية الصين وإلى أين انتهت به.


وهذه النزعة مفهومة تماما إذا عدنا بالنظر لـ5000 سنة إلى الوراء من ثقافة الإمبراطورية الصينية، حيث كانت كل سلالة حاكمة تسير على خطى سابقتها، وحيث كان الإمبراطور يتمتع دائما بهيبة الإله، ولا شك أن هذا الموروث الثقافي قد أثر في شخصية ماو كثيرا وبالذات خلال الثورة الثقافية.


فإذا كان ماو قد نجح في تحقيق هدفه، فإن التكلفة كانت باهظة جدا، فبعد موته عام 1976 مباشرة أُحرق كتابه الأحمر وبدأت ثورة ثقافية مضادة أدت إلى إيقاف ما سمي «عصابة الأربعة» أي الشخصيات الأربعة التي اتهمت بالوقوف وراء «الثورة الثقافية» ومن بينها أرملة ماو، لتطوى بذلك صفحة أليمة من تاريخ الصين .


بعد "ماو" بدأت القيادة الجديدة وفي مقدمتهم "دنج هسياو بنج" (توفي عام 1997) عبر المؤتمر الحادي عشر للحزب الشيوعي الذي انعقد عام 1977 باعتماد رزمة من التحولات والإصلاحات خاصة في المجال الاقتصادي وإعادة هيكلة مجمل الاقتصاد الصيني وتحديثه ضمن المفهوم الصيني الرسمي «اقتصاد السوق الاشتراكي»، والنظرية الصينية الخاصة التي زاوجت بين الرأسمالية والإشتراكية بشكل فريد، حيث شجعت الملكية والاستثمار وحافظت على حقوق العمال والمزارعين، وأيضا بدأت القيادة الجديدة بإصلاحات بنيوية في كافة المجالات بدءً من تنظيم الأسرة للسيطرة على الإنفجار السكاني، حتى تنظيم مؤسسات الدولة وتجهيز البنية التحتية واعتماد سياسات خاصة بالإستيراد وتشجيع الاستثمارات الأجنبية.


لا يشك أحد الآن بنجاعة هذه التدابير سيما وأنها حافظت على النظام الصيني في زمن التحولات الكبرى التي أودت بالتجربة الشيوعية برمتها، حتى في عقر دار مهدها وراعيها الأول " الاتحاد السوفياتي" والتي فككت كل المنظومة الاشتراكية وأحدثت ثورات شعبية وقلاقل أدت إلى انهيارات كبرى في بنية النظام الدولي، الصين تجاوزت حينها أحداث ساحة "تيان منّه" وانطلقت بقوة في مشروعها النهضوي، حتى وصلت إلى ما نشهده اليوم لأنها ببساطة تجاوزت عقدة الشعار، ولم تكن أسير النظريات ولا عبدةً للنصوص المقدسة، بل كانت براغماتية بامتياز ومهنية باقتدار، وقد ضعت القيادة مصلحة البلاد في المقام الأول، وقصة نجاحها باختصار تعود لحنكة وشجاعة وذكاء القيادة.


ورغم أن الوثبة الكبرى للصين لم تتحقق في زمن "ماو" ولا وفق نظرياته، إلا أنه عند الحديث عن شخصية بحجم الزعيم ماو .. لا بد أن نقر بأنه من واحد من أبرز قيادات التاريخ الحديث، بل أنه ربما الإنسان الأقوى في الصين منذ نشأتها، وقد حكم بأسلوب فريد، نحو مليار شخص في ذلك الوقت لمدة تزيد على الخمسة وعشرين عاما، وأنه قد ترك بصمات واضحة لبلاده في سجل القوى الكبرى، وأنه قاد البلاد من العبودية إلى التحرر وأنه كان يتمتع بكاريزما القائد الذي ألهم الملايين، وما زال رمزا وطنيا يكن له الصينيون الكثير من الاحترام والإجلال.


آب – 08

0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار