أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

فبراير 12، 2010

في تحليل اللحظة التاريخية الراهنة

الواقع السياسي وآفاق المستقبل
تقديم ..
يمكن وصف الصراع العربي الصهيوني بأنه السهل الممتنع، فبقدر وضوح وبساطة مفردات القضية وعدالة المطالب الفلسطينية إلا أن حلها أمرٌ بالغ التعقيد، ولهذا لم تكن مصادفةً أن يكون أطول وأعقد صراع عرفه التاريخ، فمع مرور الذكرى السنوية للنكبة - وهي النقطة المفصلية في تاريخ الصراع – يكون قد مضى أكثر من ستة عقود من حياة الشعب الفلسطيني وهو يعاني ويلاتها ويكابد نتائجها، ومضت أيضاً نفس المدة من عمر الدولة العبرية، وذكرى النكبة لا تنطوي هذه المرة على بلاغة عددية بقدر ما تعنيه من مأساة امتدت كل هذا العمر،
وما تضمنته سنينها من أحداث ووقائع وتحولات امتدت بتأثيراتها لتشمل المنطقة بأسرها، وما تحمله في طياتها من آفاق مفتوحة على كل الاحتمالات، سواء حول مصير إسرائيل أم بخصوص مستقبل الشعب الفلسطيني.
وللوقوف على هذه الاحتمالات واستشراف الآفاق المتاحة، لا بد من إطلالة سريعة على مجريات الأحداث وتحليل موجز لأهم التحولات التي ألمت بالمنطقة خلال هذه الفترة التاريخية، وتحليل المعطيات الموضوعية التي أحاطت بها، لأن المستقبل كما هو دائما: امتداد للحاضر الذي صنعه الماضي.
والثورة الفلسطينية بعد أكثر من أربعة عقود من مسيرتها النضالية وما حققته فيها من إنجازات وما أصابته خلالها من خيبات وعثرات، مطلوبٌ منها أن تُقـيّم المراحل السابقة بكل سلبياتها وإيجابياتها وأن تتوقف مليا إزاء الخيارات المطروحة أمامها الآن ... حيث أن متغيرات عميقة وأحداث كبرى قد حدثت وتركت ظلالها على المنطقة، ولا يمكن لنا أن نكون بمنأى عنها.
والمطلوب هو إعادة النظر بشكل جدي وجذري وعميق في الخطاب السياسي الفلسطيني لا على مستوى النصوص وحسب بل وعلى مستوى الممارسة والتطبيق، ويجب أولاً نزع هالة القداسة عن الفكرة وإخضاعها لنقد لا يساوم ولا يجامل، على أن لا يكون هذا النقد مدخلا لتصفية حسابات ولا منبرا للإستعراضات الخطابية، بل أن يكون نهجا أصيلاً وأسلوبا متبعا على كل المستويات يهدف إلى نقد التجربة واستخلاص العبر .
وباستعراض سريع ومكثف لأهم الأحداث والمتغيرات التي واكبت مسيرة النضال الفلسطيني على مدار أربعة عقود من الزمن، وبهدف تسليط الضوء على التغيرات في بنية الفكر السياسي الفلسطيني ومفردات خطابه، وبالمقاربة بين معطيات كل مرحلة، يمكننا تحليل الواقع الراهن وتحليل الآفاق المحتملة وتلمس خيوط المستقبل .
من نفق عيلبون إلى أفق الحرية
لقد كان عام 1974 عاما حاسما في تاريخ القضية الفلسطينية، إذ تمكنت خلاها م.ت.ف من اختراق الساحة الدولية، بعد أن اعترفت جامعة الدول العربية في قمة الرباط بمنظمة التحرير على أنها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وعلى إثر هذا الاعتراف دخلت م.ت.ف في منظمة المؤتمر الإسلامي ومنظمة الدول الإفريقية ودول عدم الإنحياز، ثم تكللت هذه الإنجازات في الخطاب التاريخي لياسر عرفات من على منبر الأمم المتحدة قائلا جملته الشهيرة " جئتكم بيدي بندقية وغصن زيتون فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي " ومن بعدها حازت المنظمة على صفة عضو مراقب في المنظمة الدولية.
ففي مطلع السبعينات بدأت فصائل المقاومة وبشكل رئيسي حركة فتح والجبهة الديمقراطية بتبني مفاهيم سياسية جديدة مغايرة لما كان سائدا آنذاك، مثل قبول فكرة مرحلية النضال السياسي، حيث قُبلت مقررات المجلس الوطني الفلسطيني ونقاطه العشر الداعية إلى إقامة السلطة الوطنية على أي شبر يتم تحريره أو استرداده، إضافة لقبول فكرة التفاوض مع قوى السلام التقدمية الإسرائيلية على قاعدة محاولة إحداث شرخ في جدار الوعي اليهودي، وعلى إثرها نشأت ما عرف حينها بجبهة الرفض والتي تلقت الدعم من العراق.
وقد اتسمت تلك الحقبة من الصراع بمحاولات الهيمنة العربية على القرار الفلسطيني، وبشكل خاص سوريا، إضافة إلى محاولات أطراف عديدة إقصاء المنظمة من الحلبة، لذلك تركزت استراتيجية "فتح" السياسية على إدراج موضوع إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على جدول الأعمال السياسي العالمي بشكل خاص لمواجهة مشروع المملكة المتحدة والتصدي لمحاولات الإذابة ، من خلال المشاركة في أي مفاوضات متعلقة بحقوق الفلسطينيين كمؤتمر جنيف، وبرفع شعار القرار الفلسطيني المستقل بصوت عال ضد محاولات الهيمنة الإقليمية أو لفرض الحل من خلف ظهر الفلسطينيين.
وقد كانت كل من الحرب العراقية الإيرانية ومعاهدة كامب ديفيد وغرق الاتحد السوفياتي في المستنقع الأفغاني عوامل موضوعية شجعت إسرائيل على شن عدوانها على لبنان بهدف تصفية م.ت.ف والقضاء عليها، حيث شكل الاجتياح الإسرائيلي للبنان في صيف عام 1982 ذروة الصدام المسلح بين الثورة الفلسطينية والجيش الإسرائيلي، واستطاع فيه الفلسطينيون تكبيد الإسرائيليين خسائر فادحة والحيلولة دون تحقيق أهداف الإجتياح المعلنة والمخفية، ونجحوا في تقديم صورة مشرفة للتضحية والصمود والانتصار على حصار دام قرابة الثلاثة شهور، رغم الصمت العربي المريب والتواطؤ العالمي والدعم الأمريكي اللامحدود.
بعد بيروت وبينما كانت السفن الفلسطينية تمخر عباب البحر في رحلة بدت لدى الكثيرين كأنها تنطلق نحو المجهول، ولدى القائد العام يقينٌ بأنها ستؤدي بـه إلى فلسطين في نهاية المطاف، في تلك الأثناء طرح الرئيس الأمريكي ما عُرف بمبادرة ريغان ومبدأ الأرض مقابل السلام، ولكن بغياب الفلسطينيين وممثلهم الشرعي م.ت.ف كنوع من إظهار نتائج الحرب على النحو الذي تتمناه أمريكا، لهذا السبب سارعت القيادة للموافقة على قرارات قمة فاس لقطع الطريق على المبادرة الأمريكية وانتزاع موقف عربي رسمي كان لأول مرة يوافق على قيام دولة فلسطينية مستقلة.
بدأ العمل السياسي الفلسطيني بعد الخروج من لبنان يهتم أكثر بإعادة العلاقات مع مصر - التي كانت مقاطعة من قبل دول جبهة الصمود والتصدي - وبنسج علاقات جديدة مع الأردن من خلال التنسيق المشترك والدعوة للكنفدرالية، والمشاركة في المفاوضات التي توجت بالتوقيع لاحقا بما عرف بالاتفاق الأردني الفلسطيني عام 1985، ولكن مقدمات العلاقات السياسية الناشئة هذه لقيت معارضة سورية وليبية شديدة دفعت لتشرذم الساحة الفلسطينية للحد الأقصى وإنشاء جبهة الإنقاذ والتي كان قد سبقها حصول الانشقاق في حركة فتح.
بعد الخروج من بيروت أولاً ثم من طرابلس لاحقاً واجهت فصائل منظمة التحرير تحديات جسيمة في لملمة صفوفها وإعادة ترتيب قواتها وتعويض خسائرها المادية والبشرية، وفي تأكيد الحضور السياسي على الساحتين الإقليمية والدولية، وفي إعادة الإعتبار للمنظمة وترسيخ روابطها مع الجماهير الشعبية، فبدأت حركتها السياسية لإيجاد منافذ تمكنها من مواجهة الحصار الخانق المفروض عليها عبر بغداد وعمان والقاهرة، فكانت زيارة ابو عمار الشهيرة لمصر لخلق توازن في مواجهة سوريا، ومن ثم تمتين العلاقات مع الأردن.
تركز العمل السياسي للمنظمة في هذه المرحلة في كل من العراق وتونس فهاتان الدولتان لم تكن لهما أية أطماع للسيطرة عليها، ولكن ديكتاتورية الجغرافيا السياسية وتقلُّصْ الخيارات أمام القيادة بسبب تردي الأوضاع العربية وتشتت القوات الفلسطينية في المنافي وضعف الأداء المركزي وغياب الرقابة الداخلية الصارمة فضلا عن تشظي فتح إلى خطوط ومرجعيات بعد استشهاد أبو جهاد، وتفاقم الفساد في صفوف المنظمة، كانت جميعها من الأسباب التي أدت إلى إضعاف المنظمة .
فتهيأ للنظام الرسمي العربي بأن خروج المنظمة من لبنان قد قضى على بنيتها العسكرية، وأن انشقاق فتح قد أفقدها الكثير من شعبيتها، وأن طرد القيادة من دمشق أولاً ثم من عمان ثانياً سيقصم ظهرها، وأن حرب المخيمات التي شنتها ميليشيات "أمل" ستُتوّج بالقضاء على " العرفاتييّن " وبذلك تكون الظروف الموضوعية قد نضجت لإنهاء م.ت.ف سياسيا، في هذه المرحلة وبعد سنوات عجاف، عُقدت القمة العربية في عمان في تشرين ثاني 1987، وفي هذه القمة ولأول مرة لم تُدرج القضية الفلسطينية على رأس سلم الأولويات، وكان الهدف تكريس واقع سياسي جديد تكون المنظمة فيه خارج الحسابات، وبالرغم من انغماس العراق في حربها المجنونة ضد إيران إلا أن موقفها الصارم بمساندة الجزائر قد حال دون ذلك.
ولكن الدعم الحقيقي قد جاء هذه المرة من داخل الأرض المحتلة مع تفجر الانتفاضة الشعبية التي قلبت كل الموازين وفرضت على الجميع إعادة حساباتهم، وبالطبع لم تأتي هذه الإنتفاضة مصادفة ولم تكن وليدة الساعة ولم تكن مجرد حركة عشوائية أو ردة فعل عابرة، إذ سبق هذه المرحلة سعي القائد الشهيد أبو جهاد "مهندس الانتفاضة" لبناء قواعد تنظيمية وجماهيرية في الأرض المحتلة وتركيز العمل العسكري ضد الاحتلال الأمر الذي دفع مقابله حياته، ولكنه نجح بامتياز في مراكمة البناء في الداخل على أكثر من صعيد وصولا لتفجير الانتفاضة.
وقد شكلت الانتفاضة الأولى في نهاية العام 1987 إنطلاقة جديدة للنضال الفلسطيني، لأنها جاءت في لحظة فاصلة من تاريخ القضية الفلسطينية وفي واحدة من أهم التحولات التاريخية في القرن العشرين على مستوى العالم، إذ سبقتها بعقد من الزمان تصاعد الحرب الباردة واشتعال معظم الجبهات والنقاط الساخنة في العالم، بسبب احتدام الصراع بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، ثم تزامنت مع التحولات الجذرية في المعسكر الاشتراكي نتيجة سياسة الغلاسنوسنت والبيروسترويكا، التي أدت إلى انهيار المعسكر بالكامل وتفكك الاتحاد السوفياتي، وبالتالي فقدان حليف دولي مهم ونشوء نظام دولي جديد أحادي القطبية تتزعمه بلا منازع الولايات المتحدة الأمريكية.
ومع تصاعد الانتفاضة وانتشارها الجماهيري الواسع لم يكن أمام الأردن إلا الإعلان عن فك الارتباط الإداري والقانوني مع الضفة والقذف بالكرة إلى الملعب الفلسطيني بكل أعبائها وتحدياتها، فانعقد حينها المجلس الوطني في دورته ال 19 وفيها تم الإعلان عن وثيقة الاستقلال.
في هذا الظرف الدقيق جاء اجتياح العراق للكويت، الأمر الذي أعطى أمريكا الفرصة السانحة لدخول المنطقة بقواتها وقواعدها العسكرية مدعومة بقرارات من مجلس الأمن ومترأسة تحالف دولي عريض مكون من أكثر من ثلاثين دولة من ضمنها ثلاثة دول عربية، في النتيجة هُـزم العراق وانقسم النظام العربي على نفسه، ووجدت أمريكا لنفسها موطيء قدم في الخاصرة العربية، ومرة ثانية خسرنا حليف إقليمي قوي ومهم وقوة عسكرية كانت تشكل نوعا من التوازن الإقليمي .
الإدارة الأمريكية في حينها أرادت استباق الأحداث في معركتها المستقبلية بالسيطرة على العالم عن طريق تحكمها في منابع النفط والممرات الدولية ومن خلال بناء شرق أوسط جديد يسبح في الفلك الأمريكي، ولكن بدون حروب ونزاعات، فهي أنهت الحرب اللبنانية خلال يوم وليلة وأوقفت قواتها على تخوم البصرة ولم تسمح بانهيار العراق وتفككه، وبدأت في إطفاء بؤر التوتر الأخرى في العالم، والإعداد لمؤتمر مدريد لصياغة المنطقة من جديد وأنهاء الصراع العربي الإسرائيلي على قاعدة تفوق إسرائيل على جيرانها مع التواجد الأمريكي المباشر في المنطقة.
وهكذا مع نهاية الحرب الباردة خُلقت معطيات جديدة أدت إلى توجيه ضربة قوية للدور الوظيفي لإسرائيل وتراجع أهميتها الاستراتيجية، ولكن إسرائيل استطاعت التكيف مع الواقع الجديد والتأكيد على دورها التاريخي كموقع متقدم للسياسة الإمبريالية ورأس جسر لها، وكذلك خلق دور جديد لها يتمثل الآن في ما تسميه الحرب على الإرهاب.
السلطة الوطنية الفلسطينية ..
المأزق الإسرائيلي والممر الإجباري للمنظمة
بعد أن احتل الجيش الإسرائيلي الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان وسيناء في حزيران 1967، وبعد أن احتل جنوب لبنان عام 1978، وجد الكيان الإسرائيلي نفسه مرغما على مواجهة واقع جديد، ومرغما على حل مأزقه التاريخي الناجم عنه، فإسرائيل اولاً كما هو معروف لها أطماع توسعية تمتد ما بين النيل إلى الفرات، ولكن لا إمكاناتها الذاتية ولا الواقع الدولي يسمحان لها بتحقيقها، وهي ثانيا تدّعي أنها دولة اليهود التي أقامها الرب على أرض الميعاد لشعب الله المختار! وأنها واحة الديموقراطية في صحراء التخلف العربي ! إذاً ماذا ستفعل بالأراضي التي احتلتها والملايين من البشر الذين يقطنون فوقها ؟؟ أسئلة مصيرية لا بد من الإجابة عليها ..
فهؤلاء "السكان" سيشكلون لها معضلة كبرى وعنوانا لمأزقها الحتمي، فإذا ضمّتهم للدولة سيشكلون أغلبية، وبذلك تفقد إسرائيل طابعها الديني / القومي الصهيوني وتفقد هويتها، وبالتالي لا تعود دولة اليهود أحادية القومية التي وعدت بها الحركة الصهيونية يهود العالم، وتتهاوى بذلك الدعاوى الدينية والمزاعم التاريخية التي استندت إليها الحركة الصهيونية في إقامة هذا الكيان، وإذا قمعت هؤلاء "السكان" وصادرت حقوقهم المدنية لن تعود واحة الديموقراطية كما تطرح نفسها أمام العالم، وإذا شرعت بعمليات القتل والإبادة الجماعية ستكون نموذجا أسوأ من نظام الأبارتهايد في جنوب إفريقيا وهذا الأمر لا يحتمله حلفائها.
وأمام هذا الواقع ومع تفاقم خطر القنبلة الديموغرافية وبعد سنوات طويلة من الاحتلال انسحبت إسرائيل من سيناء عام 1982 ومن جنوب لبنان عام 2000، لأنها أدركت أنه لا جدوى استراتيجية لهذا الاحتلال وأنه سيُنهك الدولة وسيستهلك طاقتها دون مقابل، والحقيقة أيضا أن الإنسحاب من سيناء كان في توقيته مقدمة للإستعداد لإجتياح لبنان، الأمر الذي تم بعد أقل من شهرين بهدف القضاء على البنية التحتية لمنظمة التحرير، فيما كان الإنسحاب من جنوب لبنان في أيار 2000 ضرورة للإستعداد للمواجهة الحاسمة التي أرادتها إسرائيل وبدأتها فعليا بالزيارة الإستفزازية لشارون للمسجد الأقصى والبدء بالحرب المفتوحة ضد السلطة الوطنية.
فإسرائيل انسحبت من سيناء مرتين ( 1956 ، 1982 ) ومن لبنان مرتين ( 1985 ، 2000 ) وهي مستعدة للإنسحاب من هضبة الجولان ( وديعة رابين ) أما الضفة الغربية فكانت بالنسبة لها موضوعا مختلفا كلياً وله اعتبارات أخرى، فحتى غزة لم تكن يوما ما تشكل خطرا وجوديا على إسرائيل بقدر ما كانت عبئا أمنيا عليها تم التخلص منه أو التعامل معه بالإنسحاب الكلي منها في صيف 2005، وبقصفها بكل وحشية شتاء 2009.
كانت إسرائيل أمام خيارين إزاء الأرض ( الضفة الغربية وقطاع غزة ) وإزاء ما أسمتهم سكان المناطق: إما ضم هذه الأرض بسكانها ودمجهم بالدولة واحتوائهم وسلخهم عن محيطهم العربي، وإما ضم الأرض ولكن بعد تفريغها من السكان بشتى الوسائل، وهي في الواقع قد عملت على الخيارين بنفس الوقت، فمن أجل احتواء الشعب عملت على تذويب هويته الوطنية وفرض قيادات محلية عميلة كروابط القرى، وربط حياة الناس بشكل مباشر بالإدارة المدنية، التي استحدثتها خصيصا لهذا الغرض، والتي من خلالها كان يتم تجنيد شبكات واسعة من الجواسيس وضرب مفهوم الانتماء وتشويه القيم ونشر الرذائل والمخدرات والجنس والإسقاطات الأخلاقية، بهدف تفتيت بنية المجتمع وتطويع الوعي الفلسطيني وتدجين إرادته، وعلى الصعيد الاقتصادي لجأت لربط الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي كليا بحيث يكون الأول ملحقا بالثاني ومجرد كومبرادور ومستهلك وسوق للمنتجات الإسرائيلية وأيدي عاملة رخيصة دون أن يمتلك مقومات النهوض الذاتي ولا إمكانية الانفكاك عن الاقتصاد الإسرائيلي مستقبلا، أما الأرض فكانت تتم مصادرتها بشكل محموم لبناء المستوطنات والمعسكرات عليها ولتغيير معالمها وفرض الأمر الواقع.
ومن أجل إقصاء الشعب جسديا وتفريغ الأرض من السكان فقد عمدت إسرائيل إلى التضييق على حياة الناس وإذلالهم ودفعهم للهجرة الطوعية لأنها كانت تدرك استحالة تنفيذ الترانزفير الجماعي بقوة السلاح.
هذا المخطط كان يهدف إلى التخلص من أكبر عدد ممكن من السكان بالقتل والإبادة الجماعية كلما استطاعت إلى ذلك سبيلا، أو بالتهجير الطوعي والقصري وصولا إلى بقاء مجموعات من السكان تقبل العيش ضمن دولة إسرائيل وهي منسلخة عن أمتها وفاقدة لهويتها السياسية، ولا تملك الحق في المطالبة بوطن أو دولة .
وفي الحقيقة إن إسرائيل قد حققت نجاحات لا يستهان بها في هذا الاتجاه، إلا أن صمود الشعب فوق أرضه وتضامن المجتمع وتمسكه بقيمه وانتمائه لأمته وخوضه الكفاح الوطني بكافة أشكاله وتقديمه التضحيات الجسام، إلى جانب الصمود الأسطوري لمنظمة التحرير الفلسطينية، وقدرتها على ربط الداخل بالخارج، والتفاف الشعب حول القيادة، قد عطل المخطط الإسرائيلي وأحبطه إلى حد كبير.
في هذا السياق جاءت الانتفاضة الشعبية في نهاية عام 1987 تتويجا للنضالات التي خاضتها القوى واالفصائل الفلسطينية وفي مقدمتها حركة فتح وتعبيرا عن رفض الجماهير للمخطط الإسرائيلي، وبعد زهاء خمس سنوات اصطدمت الانتفاضة بحائط من الحقائق السياسية المعادية، وانتهت في ظل تحولات إقليمية ودولية خطيرة وحاسمة كادت أن تودي بآمال الشعب والمنجزات التي تحققت خلالها، فجاءت محاولات م.ت.ف لإنقاذ الوضع والخروج بمكتسبات سياسية تحقق حداً أدنى من الآمال الفلسطينية .
فشََلْ المخطط الإسرائيلي وإخفاقه في تحقيق أهدافه ( الضم أو الترانزفير ) دفع بالقيادة الإسرائيلية إلى اتخاذ قرار الفصل بين الشعبين والبحث عن بدائل أخرى، وفي نفس الوقت كانت القيادة الفلسطينية بحاجة للأرض لاستكمال مشروعها الوطني وللتحرر من الجغرافيا السياسية ولإنقاذ الشعب الفلسطيني من براثن الاحتلال ولإعادة الثورة إلى قلب فلسطين وفلسطين إلى قلب الحدث .
وكان لالتقاء المصالح بهذه الطريقة، بعد أن عجز الطرفان عن تحقيق غاياتهما قد خلق الأرضية التي قامت عليها اتفاقية أوسلو والتي على أساسها تأسست السلطة الوطنية، أي أن إقامة سلطة وطنية على أي جزء يتم تحريره أو الانسحاب منه كما ورد في النقاط العشر عام 1974، والتي تحققت فعليا عام 1994، هي مسألة في غاية الأهمية، يجب أن لا يُنظر لها من زاوية التشكيك والاتهام حسب نظرية نصف الكأس الفارغة، وأن لا نمر عليها مرور الكرام بنظرة سطحية لا ترى إلا ما تمليه الأحكام المسبقة، والتي عادة ما تكون إطلاقية وحادّة، بعقلية إما أبيض أو أسود وحسب، فهذا المشروع الوطني رغم نواقصه وعيوبه جاء لينهي عقودا من الاحتلال المباشر للشعب، كان الاحتلال خلالها منغمسا في مخططاته لطمس الهوية الوطنية للشعب الفلسطيني وإفراغها من محتواها القانوني والسياسي وخلق قيادات عميلة تقبل بالحل الإسرائيلي دون مقاومة.
إذا كان اتفاق أوسلو دون مستوى الطموح الوطني ولا يلبي الحقوق السياسية للشعب، فلأنه كان مجرد مرحلة انتقالية ومحطة في مسيرة النضال أملتها ظروف ومستجدات المرحلة ولم يكن يمثل النهاية بأي شكل، وإذا كان ثمة نواقص وعيوب في السلطة الوطنية فالمطلوب معالجتها وتحسين أدائها والإرتقاء بها لتكون نواة حقيقية للدولة الفلسطينية ومنصة انطلاق نحو المستقبل .
أوسلو .. إقفال لملف الصراع .. أم بداية جديدة له ؟؟
التيار المعادي لاتفاقية أوسلو والرافض لها ألصق بها أبشع التهم، وحمّلها مسؤولية تردي واقع الأمة العربية، ومسؤولية أي هزيمة قد تحدث مستقبلا، ولهؤلاء كل الحق فيما يقولونه إذا كانت أوسلو – كما رأوها – هي نهاية المطاف وختام المسيرة، أي أنها الاتفاقية الموكل إليها مهمة إنهاء الصراع وتصفية المقاومة والتوقيع على الحل النهائي بالمنظور الإسرائيلي.
ولكن ما حدث بعد أوسلو مختلف كليا عمّا تخوف منه الرافضون، فلا الصراع انتهى ولا المقاومة صُفّيت، ولا الشعب ألقى بسلاحه واستكان، ولا القيادة وقّعت على أي حل من شأنه المس بالثوابت الوطنية، وما كان في ذهن القيادة حينها توضح للعالم فيما بعد، وتحديدا في بعد أن انفض كامب ديفيد مكللاً بالفشل، ما يدل على أن أوسلو ما هي إلا محطة ومرحلة لها ما بعدها.
في هذا الإطار التاريخي وضمن هذه المعطيات كانت اتفاقية أوسلو بمثابة التكتيك المرن الذي أتاح لمنظمة التحرير العودة إلى الحلبة السياسية بعد أن جهدت قوى عديدة على إخراجها نهائيا من الساحة، وكادت أن تحقق مرادها من خلال تجفيف مواردها المالية وفرض عزلة سياسية عليها مستغلةً الظروف الإستثنائية التي عاشتها المنطقة، فكان مؤتمر مدريد الممر الإجباري الذي دخلته م.ت.ف لتثبيت وجودها وشرعية تمثيلها للشعب، وإلا فإنها كانت ستواجه حينها نفس المصير الذي لاقته منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، أو حزب العمال الكردستاني، أو جبهة البوليساريو الصحراوية، والكثير من حركات التحرر الأخرى التي صارت مطارَدة وتعيش على هامش التاريخ، بعد فشلت في فهم المتغيرات الدولية وأخفقت في التكيف معها، أو أن الظروف كانت أقوى منها بحيث تمكنت الجهات المعادية لها من احتوائها، وفي النهاية تجاوزتها الأحداث.
والسبب الآخر لدخول مدريد هو للحفاظ على حيوية القضية ومنح الانتفاضة ثمنا سياسيا مقابل تضحياتها الجسيمة، لأن انتهاء الانتفاضة وموتها سريرياً دون أن تحقق شيئا يعني انتكاسة جماهيرية ستترك آثارا سلبية على مدى أجيال وستعود بالقضية إلى المربع الأول خالية الوفاض، فجاءت أوسلو لمنح الثورة الأمر الذي طالما فقدته وجعلها دائمة الترحال ألا وهو " الأرض " القاعدة الإرتكازية الجديدة لديمومة النضال والكفاح .
أمران آخران من نتائج أوسلو ثبّتا واقعا جديدا : تأكيد التحول الاستراتيجي في رؤية الحركة الصهيونية تجاه حدود إسرائيل وأطماعها التوسعية وبداية انكماشها على ذاتها، الأمر الآخر توجيه ضربة للسياسة الأمريكية التي كانت تخطط لإخراج م.ت.ف نهائيا من الحلبة السياسية وخلق بدائل لها من داخل الأرض المحتلة، مستغلةً حالة الضعف التي تمر بها، ومن المعلوم أن الفريق الإسرائيلي المشارك في مفاوضات أوسلو كان يعبر عن إدراك إسرائيلي لمعطيات المرحلة مختلف عما يدور في أروقة البيت الأبيض، لذا فقد اتسمت المفاوضات بالسرية حتى على الإدارة الأمريكية.
ومع أن فصائل منظمة التحرير دخلت السلطة الوطنية قبل أن تنجز أهدافها الاستراتيجية والوطنية بشكل كامل، وانتقلت دفعة واحدة إلى المشروع السياسي للكيانية الفلسطينية، وكادت أن تقترب من مفاوضات الحل النهائي وإنهاء الصراع، وهي ما زالت تحت الاحتلال وتخضع لشروط تسوية غير عادلة وبدون ضمانات في ظل اختلال فادح في موازين القوى، ومما لا شك فيه أن هذا النوع من حرق المراحل سيؤدي إلى خلق حالة من التشابك والتداخل بين سمات ومتطلبات مرحلة التحرر الوطني وبين مقتضيات العمل السياسي، وفي النتيجة امَّحَتْ أو كادت أن تضيع الخطوط الفاصلة لكل مرحلة، كما تناقضت وعطلت كل منها على الأخرى، فبناء سلطة ومجتمع ونواة دولة يتطلب من فتح ومن فصائل المقاومة أن تذوب في مشروع السلطة وأن تتماهى في مؤسساتها حتى لو كان ذلك على حساب التنظيم، واستحقاقات العمل السياسي وفق الشروط الدولية الراهنة سيكون أيضاً على حساب صورة العمل الفدائي في الخيال الشعبي.
الثابت والمتغير في الخطاب السياسي الفلسطيني
عندما انطلقت الثورة الفلسطينية كان الخطر الأكبر الذي يتهدد الشعب والقضية هو مؤامرات الدمج والتوطين وطمس الهوية الوطنية، فركّزت فتح ومعها فصائل المقاومة على ضرورة بلورة كيانية سياسية وانتزاع الاعتراف العالمي بها، وهذا ما بدأ يتحقق بعد العام 1974، وكان حينها النظام العالمي ثنائي القطبية وحركات التحرر في أوج مجدها الأمر الذي مكّن القوى الفلسطينية من بناء تحالفات عالمية وإقليمية، ولم تكن موازين القوى مختلّة بالكامل كما هي الآن الأمر الذي دعى الفلسطينيين لممارسة الكفاح المسلح، لأن العالم يحترم القوي أكثر مما يهتم بالمنطق.
اليوم نحن أمام واقع جديد كليا : فلسطين الغائبة تماماً في مؤتمر يالطا 1945 حاضرة بقوة في مؤتمر مالطا 1989، الشعب الفلسطيني تضاعف عدده سبع مرات، القرار الوطني الذي كان بيد الزعامات القبلية والمرتهن للوصاية العربية الآن هو بيد الشعب وقيادته الشرعية المنتخبة، الضفة الغربية كانت تحت الحكم الأردني الآن خرجت تماما من دائرة الأطماع الأردنية، سياسة إسرائيل تجاه السكان الفلسطينيين تغيرت جذريا مع بداية التسعينات، بعد أن سقطت فكرة طردهم للخارج وفشلت محاولات ضمهم للداخل وهضْمهم داخل المجتمع الإسرائيلي، خطر القنبلة الديموغرافية صار أكثر وضوحا وقد تعمق المأزق الإسرائيلي فيما يخص سياستها تجاه الفلسطينيين، فلا هي قادرة على الحفاظ على الهوية اليهودية لإسرائيل، ولا هي قادرة على الحفاظ على صورتها الديموقراطية أمام الغرب، الكيانية الفلسطينية باتت من الحقائق الثابتة على الخارطة السياسية الدولية، قيام دولة فلسطينية ترسخ كشرط أساسي للسلام – حتى اليمين الإسرائيلي سلم بهذه الحقيقة – وقد صدرت قرارات دولية عديدة تؤكد هذا الحق، ومن البديهي أن مثل هذه المنجزات لم تكن لتتحقق لولا ممارسة العمل المسلح ولولا الصمود البطولي للشعب الفلسطيني فوق أرضه وفي المنافي.
الواقع العربي أيضا تغير، فعبد الناصر وثورته أصبحت من التاريخ، والخطاب العربي الرسمي تحول جذريا، وترسخت الدولة القطرية أكثر، ومصر خرجت من دائرة الصراع العسكري مع إسرائيل وقرر العرب أن حرب أكتوبر هي آخر الحروب العربية، والعراق الذي طالما كان سندا للفلسطينيين سقط في القبضة الأمريكية.
اليوم تغيرت مفاهيم وأساليبب الصراع العسكري، وصارت نماذج الحرب الكلاسيكية جزء من الماضي، وحلت محلها الحرب الإلكترونية القائمة على استخدام تقنيات معقدة وأقمار إصطناعية وحواسيب متطورة، وحركة فتح ومعها فصائل منظمة التحرير عندما دشنت انطلاقتها المسلحة بأساليب بدائية، كان الهدف منها إعلان وجود الشعب الفلسطيني وبِدْء تمرده على الواقع الظالم ورفضه لمخططات تصفية قضيته، وعندما مارس الفلسطينيون الكفاح المسلح طوال العقود التالية كان الهدف إبقاء جذوة الصراع متّقدة، وحرمان العدو من الاستقرار، وتعبئة الأجيال على روح المقاومة، وقد ظلت المقاومة الفلسطينية في مرحلة الدفاع الاستراتيجي قبل أن تنتقل إلى مرحلة الهجوم السياسي.
وظلت منظمة التحرير الفلسطينية متمسكة ببندقيتها، دون أن تسقط خيار المقاومة ولكن على قاعدة أن البندقية التي لا تمتلك هدف سياسي هي قاطعة طريق، وأن العمل العسكري ليس مطلوبا لذاته، بل هو وسيلة لتحقيق أهداف سياسية، وأن المقاومة الوطنية هي إرادة الشعب وتوقه للحرية والتصاقه بالأرض وصموده فوقها، وهي صناعته للحاضر وتطلّعه نحو المستقبل وتمسكه بحقوقه المشروعة.
معطيات اللحظة الراهنة
محلياً:
يرى الكثيرون أن التاريخ السياسي المعاصر للقضية الفلسطينية هو في حقيقته تاريخ الفصائل الفلسطينية المقاتلة وعلى رأسها حركة فتح وفصائل منظمة التحرير، حيث كان دور بقية القوى السياسية هامشيا في كثير من المراحل التي شكلت تاريخ المنطقة، بينما كانت فصائل منظمة التحرير في قلب الحدث وهي التي تصنع التاريخ وكانت بإنجازاتها وإخفاقاتها تشكل معطيات كل مرحلة، بدءً من خمسينيات القرن العشرين وحتى بداية تسعينياته.
ولكن بعد قرابة ربع قرن من بدء الكفاح المسلح ظهر تنظيم جديد على الساحة سيعرف باسم " حماس " وسيكون له تأثير هام على مجريات الأحداث فيما بعد، بل أنه سيرث الحكم من فتح وسيتولى مقاليد السلطة ضمن انتخابات ديموقراطية لا تشوبها شائبة، سلّمت فيها فتحُ السلطةَ لحماس بكل سلاسة، مرسخةً بذلك مبدأ التداول السلمي للسلطة.
وإن كانت انطلاقة حركة حماس في بداية العام 1988، إلا أن تأثيراتها على المنطقة ستحتاج عدة سنين أخرى حتى تبدأ بالظهور، وقبل انطلاقة حماس كانت القوى السياسية خارج إطار منظمة التحرير مقتصرة على فصائل صغيرة تدور في الفلك السوري ولا وجود فعلي لها على أرض الواقع وبالذات في ساحة الوطن ( القيادة العامة والصاعقة )، بينما كانت القوى الإسلامية متمثلة في جماعة الأخوان المسلمين، والتي انشقت عنها في أواسط الثمانينات حركة الجهاد الإسلامي.
ومن الجدير بالذكر أنه ومنذ قدوم الإحتلال الإسرائيلي عام 1967 وحتى نهاية الثمانينات كان المجمع الإسلامي في غزة هو الجهة الوحيدة التي تعمل بالعلن في الأراضي الفلسطينية، وكانت سلطات الاحتلال تغض الطرف عن نشاطاته طالما أن المجمع لا يدعو للكفاح المسلح ويركز نشاطاته في المجال الإرشادي، وكانت تنظر بعين الرضى للدعاية الإعلامية المناوئة للتوجه الوطني التي تبثها جماعة الاخوان والتي تكفر بموجبها المنظمات الفلسطينية العلمانية.
ولما قامت الانتفاضة الأولى وجدت جماعة الإخوان نفسها أمام خيارين: الاستمرار على نفس النهج السابق وبالتالي فقدان قاعدتها الجماهيرية وفقدان مصداقيتها، أو التحول إلى فصيل مقاوم والإنخراط في صفوف الإنتفاضة، وبالطبع اختارت الخيار الثاني، إلا أنها ظللت خارج القيادة الوطنية الموحدة، وفي نفس الوقت حاولت إسرائيل إيجاد ودعم قوة سياسية مناهضة لمنظمة التحرير وتشوش على أدائها السياسي في الساحة الدولية، فوجدت ضالتها في حماس.
في فلسطين كان الوضع مختلفا في استراتيجية الاخوان المسلمين فيما يتعلق بالمشاركة السياسية لحماس في النظام السياسي الفلسطيني، فرغم دخول الأخوان برلمانات لدول عربية تقيم علاقات ديبلوماسية مع إسرائيل ( الأردن ومصر ) ومحاولتهم اقتحام الحياة السياسية في العديد من الدول الإسلامية الأخرى، إلا أن حماس عزفت عن دخول المجلس الوطني الفلسطيني أو دخول مؤسسات م.ت.ف، ووضعت شروطا للمشاركة رأتها القيادة الفلسطينية تعجيزية، وعندما نظمت السلطة الوطنية أول انتخابات تشريعية ورئاسية على أرض الوطن قاطعتها حماس تصويتا وترشيحا، ثم قاطعت الإنتخابات الرئاسية الثانية مطلع العام 2005، ولكن تحولا جذريا في موقف حماس من المشاركة السياسية بدأ يتبلور بعد الإنسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة صيف نفس العام، وسيكون لهذا التغيير أثراً عميقاً في مجمل الأوضاع الفلسطينية فيما بعد.
فبعد أن ظللت فتح في صدارة قيادة السلطة الوطنية منذ تأسيسها ولعشر سنوات تلت، وبعد استشهاد الرئيس ياسر عرفات، تم الاتفاق على تنظيم انتخابات تشريعية لإختيار مجلس تشريعي جديد، وعندما جرت الانتخابات التشريعية في كانون ثاني 2006 حدث مالم يكن في الحسبان وما تجاوز كل التوقعات، فقد دفعت فتح باهظا ثمن فساد طغمة صغيرة كانت تهيمن على مفاصل الحركة لم تجد في حينها الآليات الرادعة لضبطها ومحاسبتها، ثم سددت فواتير طبقة من الفاسدين العاملين في مؤسسات السلطة شوهت صورتها أيما تشويه.
وهكذا فازت حماس بأغلبية مقاعد التشريعي، الأمر الذي أهّلها لتشكيل حكومة حمساوية لأول مرة في التاريخ، ولكن هذا الفوز كان له تأثيرات سلبية وخطيرة في واقع حياة الشعب الفلسطيني، فقد فُرض حصار مالي وسياسي خانق على السلطة الوطنية بسبب رفض حكومة حماس التعاطي مع الشرعية الدولية ورفضها الاعتراف بالإتفاقيات التي وقعتها السلطة سابقا ورفضها الاعتراف بإسرائيل، هذا الحصار جعل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع الفلسطيني تتراجع خطوات للوراء، ثم تفاقمت الخلافات الداخلية بين الأشقاء حتى وصلت مرحلة الإقتتال الداخلي وسفك الدم الفلسطيني بأيدي فلسطينية، حتى وصل الخلاف ذروته بإنقلاب حماس على السلطة الشرعية وانفصال غزة عن الضفة في حزيران من عام 2007 .
دولياً:
على الساحة الدولية ثمة تحولات عميقة وحقائق لافتة ينبغي التنبه لها، وعلى القيادة الفلسطينية أن توائم خطها السياسي مع تلك التغيرات التي طرأت على الخارطة السياسية وفي بنية النظام الدولي الجديد، وأن تأخذ بالحسبات تلك المتغيرات لئلا تجد نفسها خارج السياق معزولة كمن يغني خارج السرب، أو مجمدة تراوح مكانها وقد تجاوزتها الأحداث، فالحرب الباردة انتهت بهزيمة المعسكر الاشتراكي وانهيار سور برلين، والقوة الاقتصادية بدأت تحل تدريجيا محل القوة العسكرية، الإعلام بات له دور خطير وحاسم في تغيير مجريات الأحداث، الاتحاد الأوروبي يحاول التميّز والخروج من الفلك الأمريكي، وشرق آسيا يتقدم بخطى حثيثة ليأخذ مكانته كقوة اقتصادية هامة، وروسيا تحن لأمجاد السوفيات وهي مرشحة لتستعيد مكانتها كقطب دولي، ودول أخرى امتلكت أو تحاول امتلاك مخالب نووية كإيران وباكستان، وهنالك دول عديدة ستغدو في عداد القوى العظمى عما قريب، ومن أهمها الصين والهند والبرازيل، في أمريكا اللاتينية ثمة تحولات هامة تبشر بقيام تحالف مناويء للهيمنة الأمريكية تنهي قصة أن أمريكا اللاتينية هي الحديقة الخلفية للبيت الأبيض، وإسرائيل فقدت جزءً هاما من أهميتها الاستراتيجية ثم ما لبثت أن تكيفت مع الواقع الجديد الناجم عن الاحتلال الأمريكي المباشر لكل من العراق وأفغانستان.
ولم يعد العالم الحر يقبل مبدأ الاحتلال العسكري المباشر وصار يتجه نحو منح حق تقرير المصير للشعوب والأقليات، وقد شهدت حقبة التسعينات مرحلة انفصال الشعوب والإثنيات عن بعضها وتكون دول جديدة والتخلص من الاحتلالات، كما حدث في ناميبيا وجنوب إفريقيا ودول الاتحاد السوفياتي والاتحاد اليوغسلافي وتيمور الشرقية وغيرها، والشعب الفلسطيني هو آخر الشعوب القابعة تحت الاحتلال.
والأمم المتحدة صار لها دور أكثر وضوحا وأكثر وأهمية من ذي قبل، وإن كان ما زال مرتهنا بيد الأمريكان بالدرجة الأولى ثم بيد الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، إلا أن هنالك قرارات دولية عديدة صدرت في السنوات الأخيرة تصب في مصلحة تثبيت الحقوق الوطنية والسياسية للشعب الفلسطيني، الأمر الذي يشكل مدخلا هاما يمكن من خلاله اختراق الساحة الدولية ومحاصرة السياسات الإسرائيلية والأمريكية تجاه قضية فلسطين، والأغلبية الساحقة من دول العالم تتفّهم الحقوق الفلسطينية وتؤيد نضال الشعب لنيل حريته.
وعلى الصعيد الاقتصادي فإن العالم يشهد الآن أزمة مالية واقتصادية لم يشهد لها مثيل منذ ثمانية عقود، وقد بدأت بوادرها في منتصف العام 2007 مع موجة غلاء غير مسبوقة في أسعار المواد الغذائية، ترافقت مع ارتفاع حاد في أسعار البترول، ثم هبوطها مرة ثانية، وقد تفجرت هذه الأزمة على شكل تراجعات في البورصات والأسواق المالية بدأت في أمريكا ثم انتقلت عدواها إلى بقية دول العالم وبشكل خاص الدول الصناعية، وهذه الأزمة ليست كغيرها من الأزمات العابرة، ويقدر الخبراء أنها ستلقي بظلالها على مجمل العلاقات الاقتصادية على مستوى العالم ولأمد غير محدود وغير مرئي حاليا، وقد تنهي السيطرة الأمريكية على اقتصاديات العالم وتنهي وللأبد هيمنة رأس المال الأمريكي على النظام العالمي، الأمر الذي يعني إعادة تشكيل منظومة العلاقات الاقتصادية والسياسية وبالتالي نشوء نظام عالمي جديد، لن تكون فيه أمريكا قطبا وحيدا لا ينازعها أحد.
وقد أخذ شكل النظام الدولي ومنذ العام 2008 طوراً غير مسبوق تاريخياً، إذ يمكننا القول أن اللحظة الأميركية، أي لحظة الأحادية القطبية، التي بدأت مطلع التسعينيات، انتهت أو أوشكت على الانتهاء عام 2008، لأسباب عديدة أهمها، أولاً، تدني قدرة وفاعلية العسكرية الأميركية، الأمر الذي أوجب على قيادة الجيش الأميركي إعادة النظر في العديد من الثغرات في العقيدة العسكرية وفي الأساليب والتكتيكات وإعادة ترميمها لتتلاءم مع متطلبات المرحلة الجديدة، ثانياً، بسبب الأزمة المالية والاقتصادية الأميركية. ثالثاً، نمو قوى دولية جديدة، ناشئة، نافست الولايات المتحدة، فتعززت مكانة دول مثل الصين وروسيا والهند، الاقتصادية، مما قلّص قدرات الولايات المتحدة في السياسة الدولية.
لكن في الوقت ذاته، لم يُنتج هذا الوضع نظاماً متعدد الأقطاب بشكله الكلاسيكي الذي كان موجوداً قبل وبعد الحرب العالمية الثانية، حيث كان يسود التنافس والصراع، وذلك لأسباب من أهمها ظاهرة التكاملية في العلاقات الدولية؛ فالعالم بفعل العولمة والتجارة الحرة يعيش حالة تجعل خسارة أحد الأقطاب الدولية خسارة للقطب الآخر، على عكس الوضع الكلاسيكي حيث خسارة طرف تمثل كسباً للآخر، فتراجع الولايات المتحدة اقتصادياً، لا يعني تقدماً لمنافسيها، بل يعني خسائر لكل من الصين، وروسيا، والهند، وحتى إيران، وذلك لأن الاقتصاد العالمي بات مترابطا ومتشابكا بشكل غير عادي، ولأنّ الولايات المتحدة سوق رئيسي وحاسم لبعض هذه الدول مثل الصين، التي تعتبر الولايات المتحدة شريكها التجاري الأكبر، ولأن تراجع اقتصادها يعني تراجع الطلب على النفط، وبالتالي تراجع عائدات الدول النفطية المنافسة أو المتحدّية للولايات المتحدة ومنها روسيا وإيران، ويعني تراجع الاقتصاد العالمي، عموماً، حيث كان الدخل القومي الأميركي يشكل في مرحلة ما قبل الأزمة الأخيرة، نحو 25% من الدخل القومي العالمي.
كذلك وفي مقابل عدم الفاعلية العسكرية الأميركية، فإنّ الدول الكبرى إمّا غير راغبة أو غير قادرة على ممارسة دور بديل أو منافس، فمثلاً تفتقد كل من روسيا والصين للأيديولوجيا العقائدية التي كانت تدعوها لمنافسة الولايات المتحدة، وبالتالي لا تقيم روسيا حاليا تحالفات دائمة على أسس سياسية وأيديولوجية، بل على أساس المصالح، ولا تدير صفقات سلاحها على أسس عقائدية، وجهودها العسكرية مركزة في محيطها الجغرافي، كما لا توجد في العقيدة العسكرية الصينية توجهات لدور في المجال الجغرافي البعيد عنها، هذا فضلاً عن الفجوة الهائلة بين الولايات المتحدة وهذه الدول في القدرات العسكرية والتكنولوجية.
ونتيجة لهذه المعطيات سيعيش العالم مرحلة تحولت فيها الولايات المتحدة من كونها الدولة العظمى، والقطب الأوحد، إلى الدولة رقم 1 في العالم، بمعنى أنّها لم تعد في وضع مريح بالقدر الذي كانت عليه سابقاً، وباتت تحتاج موافقة ومساعدة دول أخرى (إقليمية وعالمية) لتتدخل في أي منطقة بالعالم، ولكنها مع ذلك لا زالت الدولة الوحيدة في العالم التي لها مصالح ونشاط ودور فاعل اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً في كل إقليم في العالم، أو على الأقل أكثر وبمراحل من أي دولة أخرى، وهناك فجوة كبيرة بين عناصر قوتها وبين من يليها من القوى.
وستركز الإدارة الأمريكية الجديدة على وقف تدهور القوة الأميركية ومعالجة آثار وذيول الأزمة الاقتصادية، ومع نهاية المرحلة ربما نجد مؤشرات على اتجاه العالم في أحد ثلاثة اتجاهات: فقد تستمر التكاملية إذا استمر التقدم أو التراجع الاقتصادي عالمياً متوازياً يشترك فيه الجميع، أمّا إذا نجحت الولايات المتحدة في اجتراح حلول ذاتية، ومنفردة، ومن ذلك زيادة الاعتماد على الطاقة المنتجة محليا، فقد نجد تكاملية بوزن أميركي أكبر قد تؤدي في النهاية إلى عودة الأحادية القطبية، أمّا إذا استمر التراجع الأميركي اقتصادياً وعسكرياً، إلى درجة لا يعود معها الاقتصاد الأميركي حيوياً للأقطاب الأخرى، وإذا ما تحقق نمو عالمي بمعزل عن التراجع الأميركي، فهذا سيعني تكاملية أقل، قد تصل يوماً إلى درجة التعددية القطبية الكلاسيكية الأقرب إلى التنافسية، أو ربما تكون هناك علاقة تعاونية، وعودة لنظام الأمن الجماعي، ولكن بدور أميركي أصغر، إمّا بفجوة أقل في القدرات بين الولايات المتحدة والأقطاب الأخرى، أو حتى بانتهاء الفجوة، وفقدانها مكانة الدولة رقم1 في العالم، لتصبح مجرد قطب ضمن أقطاب الصف الأول الأخرى.
أمريكيأ:
الإستراتيجية الأمريكية الجديدة بدأت تتفهم قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، ويُعدُّ هذا تطورا بالغ الأهمية في الرؤية الأمريكية تجاه قضية فلسطين، بعد أن ظللت أمريكا ولفترة طويلة تتجاهل الحديث عن حقوق الشعب الفلسطيني وترفض حتى الاعتراف به كشعب له وجود وترفض لقاء أيٍ من قياداته، وهو تغير مهم من ناحيتين: الأولى موقف الولايات المتحدة من الاعتراف بالشعب الفلسطيني، وقد بدأ هذا التغير تحديدا بعد أن اضطرت الجميعة العامة للأمم المتحدة أن تعقد دورة خاصة لها في جنيف للإستماع إلى ياسر عرفات، بعد أن رفضت أمريكا منحه تأشيرة دخول لأراضيها في أواخر العام 1988 فوجدت نفسها في موقف متناقض مع الأسرة الدولية برمتها، وبعد أن أعلنت القيادة الفلسطينية بوضوح موقفها الإيجابي من قرار 242 شرعت أمريكا بفتح حوار مع م.ت.ف عبر سفيرها في تونس، وقبل أن يسفر الحوار عن شيء نشبت حرب الخليج الأولى.
بعيد الحرب ألقى بوش الأب خطاب آذار أمام الكونغروس وأعلن فيه أن الجغرافيا وحدها لا يمكن أن تمنح الأمن لإسرائيل وأن المنطقة مقبلة على تغيرات جديدة، في هذه الحقبة كانت الاستراتيجية الأمريكية تقوم على إطفاء جميع بؤر التوتر والصراع في العالم تمهيدا لخلق شرق أوسط آمن ليكون سوق استهلاكي عملاق لصناعات عملاقة بدأت تعاني من الركود، وفي هذا الصدد أوقفت أمريكا دباباتها على تخوم البصرة ولم تسمح بانهيار نظام صدام حسين، وكانت قبلها قد أنهت خمسة عشر عاما من الحرب الأهلية اللبنانية، وفرضت حلا سلميا لناميبيا ولم تحاول منع انهيار نظام الأبار تهايد في جنوب أفريقيا، ثم شرعت في الاستعدادات العملية لمؤتمر مدريد.
الناحية الثانية: موقفها من الدولة الفلسطينية الذي أعلنه بوش الإبن في خطابه أمام الأمم المتحدة بعيد غارة منهاتن وربما على ضوئها، إلا أن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة قد اختلفت هذه المرة، فبدلا من إطفاء بؤر التوتر جاء المحافظون الجدد – الذين هم من أصول نفطية ومشبعين بثقافة الكاوبوي – باستراتيجية شن الحروب واحتلال البلدان، والسوق الاستهلاكي العملاق أُستبدل بالحرب على الإرهاب ...
وفي سياق محاولات أمريكا لترتيب أوراق المنطقة وبناء شرق أوسط جديد، غرقت في المستنقع العراقي وفشلت في السيطرة على أفغانستان، في الوقت الذي فتحت فيه جبهة – حتى الآن على المستوى السياسي والإعلامي – على ما تسميه محور الشر، وبنت سياساتها الداخلية والخارجية تحت شعار الحرب على الإرهاب.
والحرب التي تشنها أمريكا على العالم تحت شعار مكافحة الإرهاب وتضع الإسلام فيها خصما رئيسا، هي في جوهرها حرب سياسية اقتصادية بحتة لا علاقة للدين بها، إلا بقدر ما تستغله كغطاء وذريعة لتغطي على أهدافها الحقيقية المتمثلة في السيطرة على منابع النفط وإقامة قواعد عسكرية في المناطق الساخنة من العالم لإدارة حربها الكبرى للسيطرة والهيمنة على العالم أجمع.
في هذا السياق بدأت أمريكا بالبحث عن عدو جديد بدلا من الاتحاد السوفياتي الذي كانت من خلاله تجد مبرراتها الأخلاقية التي كانت تسوقها للعالم في مكافحة الشيوعية والأنظمة الشمولية، فوجدت ضالتها هذه المرة في الإسلام، فشرع الحكام الجدد للولايات المتحدة بوضع الخطط والاستراتيجيات وخلق المبررات السياسية والأخلاقية لحربهم الجديدة.
وحتى تضمن أمريكا إمساكها بأطراف اللعبة، أخذت تستغل تنظيم القاعدة لصناعة الرعب ( المبرر الذي تقوم عليه السياسة الأمريكية ) وفي نفس الوقت تروّج للديموقراطيـة ( على الطريقة الأمريكية ) لاسـتبدال الأنظـمة " الفاسدة " التي صارت منبعا للإرهابيين وسببا في إحراجها، بأخرى أكثر ولاءً وأكثر ثباتا، بحيث ترتبط مصالحا معها وتسـتمد شرعيتها من الشارع، ما يضمن نجاح المشروع الأمريكي في المنطقة لعقود قادمة.
إذاً أمريكا تفكر في ترويض الجماهير وامتصاص نقمتها وتحسين صورتها أمامهم وتحاول تحقيق ذلك من خلال ما تسميه الإسلام المعتدل، ومن خلال ربط المصالح الطائفية لجماعات معينة معها في مناطق كالعراق.
أما أمريكا في عهد إدارة أوباما الجديدة فمن المبكر الحكم عليها، ولكن ثمة مؤشرات عامة يمكن قراءتها والاستدلال من خلالها على السياسة الأمريكية الجديدة في المرحلة المقبلة، فقد ورثت إدارة أوباما حملا ثقيلا ستحتاج عهودا للتخلص من آثارها السلبية، أولها كراهية شعوب العالم لسياساتها الخارجية والتي عبرت عنها ما أفرزته اعتداءات 11 أيلول، ثم ورطتي العراق وأفغانستان، أما الإرث الأثقل فهو الأزمة الاقتصادية وتداعياتها.
وقبل توقع أي تحول سياسي جذري في السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط يجب التذكير بأن سياسة أمريكا تقوم على أساسين: الأول مبدئي يتصف بالثبات مهما تغير الأشخاص وهو المتعلق بإسرائيل، والثاني مصلحي متلون حسب المتغيرات والأحداث الدولية وهو المتعلق بباقي دول المنطقة.
يقول المراقبون أن إدارة أوباما الجديدة سيكون لها نبرة جديدة فيما يتعلق بالعلاقات الأمريكية في شتى أنحاء العالم وأنها ستطلب المزيد من حلفائها، وأن الولايات المتحدة ستعمل من أجل تحقيق حل الدولتين، وستتقرب أكثر نحو العالم الإسلامي وقضاياه، وستلجأ للتفاوض مع إيران لدفعها للتخلي عن برنامجها النووي ولكنها ستستمر في تطوير درع الدفاع الصاروخية لمواجهة أي تهديد من إيران أو غيرها وسيكون ذلك بالتشاور مع حلفائها في حلف شمال الأطلسي، الأمر الذي سيثير حفيظة روسيا على تلك الخطة التي تتضمن نشر أجزاء من الدرع في بولندا والتشيك، وفي هذا الإطار بعثت موسكو رسائل تصالحية إلى باراك أوباما قائلة إنها لن تبدأ في نشر صواريخ جديدة إذا راجعت واشنطن خطط نشر نظام دفاع صاروخي في وسط أوروبا، وفيما يتعلق بأفغانستان فإن أمريكا تعتبر أنه لا يمكن لأي إستراتيجية تتعلق بها أن تنجح دون تعاون باكستان، أما على الصعيد الاستراتيجي فإن أمريكا ستعمد إلى تجديد حلف شمال الأطلس "الناتو" لجعله أكثر قدرة على مواجهة التحديات المستقبلية.
أي أن سياسات الإدارة الجديدة ستتمثل ضمن ثلاث دوائر متقاطعة، الدائرة الأولى: هي الدائرة الاقتصادية وهي الأهم في المرحلة الأولى وهي مسألة ليست سهلة على الإطلاق وكلما غاصت فيها ستكشف عمقها الذي سيظل بعيداً وقد لا تصل لقرارها يوما ما، الدائرة الثانية: وهي الدائرة الدولية، وكما هو معلوم فان حروب بوش وفشله في حسمها جعل كل من روسيا والصين تستفيد من هذا الوضع المريح لها فأبرزت نفسيهما على أنهما قوتان لا يمكن تجاهلهما، فالروس ردوا بقوه وبسرعة في جورجيا وأحدثوا اختراقا في أمريكا اللاتينية، كما أن نفوذهم قد زاد في البحر المتوسط عن طريق سوريا، والاجتماع الأخير للأطلسي كان غايته مراقبة الأسطول الروسي تحديداً، وليس مراقبة تهريب السلاح إلى غزه كما يروج البعض، كما زاد ضغط الروس على أوروبا مستخدمين التهديد بسلاح الغاز وبشكل متكرر، أما الصين فقد أضحت قوة عسكريه واقتصاديه هائلة، ولاحظنا إستفزازها لأمريكا باعتراض سفنها الحربية في بحر الصين إضافة إلى ازدياد نفوذها في أفريقيا، كل هذه المتغيرات ستجعل أوباما يعيد النظر في سياسات بوش الفاشلة السابقة، وقد يتنازل عن كثير من نفوذ بلاده لصالح روسيا والصين وحلفائه الأوربيين، ولكن الأهم من ذلك كله أن إيران ستدخل ضمن هذه الدائرة كعضو تحت التمرين وقد تضطر إلى وقف تطوير سلاحها الذري مؤقتا وبضمانات روسية وصينيه، أما الدائرة الثالثة: فهي دائرة الأمة العربية والتي كما يبدو حتى الآن أنه لا بواكي لها.
عربيا وإقليمياً:
من المؤسف أن الجانب العربي غائب تماما عن الحراك السياسي الدولي وعاجز عن التأثير فيه، ومعظم الدول العربية غارقة في مشاكلها الداخلية وبشكل خاص في مواجهة الإسلام السياسي أو في مواجهة الإرهاب، فالجزائر مثلاً تم إقصاؤه بعد سلسلة من المذابح المروعة أدخلت البلاد في صراعات داخلية، والسعودية كذلك منشغلة في مواجهة الجماعات المسلحة وقد دخل الطرفان معركة كسر عظم، أما مصر فقد انكفأت على نفسها وباتت لا تمتلك أية سياسة عربية أو أفريقية وقد أعلن قادتها أنها لن تدخل أي مواجهة عسكرية، وستتفرغ للداخل لتأمين لقمة العيش لأبنائها، كذلك السودان فإنه سيبقى خارج دائرة التأثير الحقيقي بحكم مشاكله الداخلية في الجنوب وفي دارفور ومأزق المحكمة الدولية للبشير، سوريا أيضا وُضعت بين مطرقة الدور اللبناني المسلوب منها وسندانة الدور العراقي المنسوب إليها، وباتت في وضع لا تُحسد عليه، وفيما يتعلق بالأردن ودول مجلس التعاون الخليجي فبحكم طبيعة النظام وتركيبته فهي لا تمتلك هامشا واسعا للمناورة أو للخروج عن خط السياسة الأمريكية المحدد سلفا .. ومن نافل القول أن العراق بعد صدام أصبح بيد الأمريكي بالكامل ولأمد غير معلوم ..
على خلفية هذا المشهد تتنافس كل من تركيا وإيران على لعب دور شرطي المنطقة والوريث غير المنازع في السيطرة عليها ،، فإذا كانت تركيا ما زالت تحتضن قواعد عسكرية أمريكية ولا تستطيع مغادرة الفلك الأمريكي بسهولة، إلا أن لها أمجاد طورونية غابرة وأطماع توسعية وحلم دفين إلى جانب قوة اقتصادية وتجارية هامة، ولكنها لها أسلوبها الخاص، وهي اليوم منشغلة في تحقيق الشروط الأوروبية لإنضمامها للإتحاد، أما إيران فإنها ترى في غرق أمريكا في المستنقع العراقي نقطة ضعف تكاد تكون قاتلة ولحظة تاريخية مواتية من الصعب أن تتكرر، وبالتالي لابد لها من استغلالها إلى أقصى حد ..
بدأت إيران ببناء مخالب نووية تخرمش فيها النمر الأمريكي المجروح الذي يحيطها من شرقها وغربها أي في أفغانستان والعراق، وهي تدرك أن أمريكا عاجزة عن خوض حرب جديدة بعد أن فشلت في حربها الحالية، وأن كوابيس سايغون تقض مضاجع بوش وهو يرى مشروعه ينهار وجنوده ينكصون على أعقابهم مذمومين مدحورين، إلا أن التاريخ لم يخبرنا عن فاتح غاشم أو مستعمر ناهب قد استفاد من دروسه أو أخذ العبرة منه فطرح غرائزه جانبا وغلّب منطق العقل، وبالتالي فإن الإدارة الأمريكية السابقة التي كانت تحكمها عقلية الكاوبوي - ومن هذه النقطة تحديدا مع الأخذ بعين الاعتبار النقاط السابقة – حاولت أن تكثف من جهودها لولادة الشرق الأوسط الجديد، مستغلة جيوشها المقيمة في المنطقة وحليفتها الاستراتيجية إسرائيل.
ولا يجب أن يُفهم التنافس الإيراني الأمريكي في السيطرة على المنطقة على أنه صدام حضارات أو صراع بين الخير والشر، فأمريكا لا تتورع عن دعم أعتى الأنظمة الشمولية وأكثرها ظلامية أو عن معاداة أي تحولات ديموقراطية في أي بلد في العالم، وديدنها الوحيد مصالحها وبوصلتها أطماعها، وملالي قُـم وطهران على أتم الاستعداد لتكرار إيران غيت في أي وقت والتحالف مع الأمريكي في أي مكان، طالما أن ذلك يخدم مصالحها، وليس أدل على ذلك من التحالف الخفي بين شيعة العراق - المؤتمرين بأمر مرجعياتهم الإيرانية - مع المحتل الأمريكي وعدم حدوث أية أعمال مقاومة في المناطق الشيعية، والتفاهمات بين الطرفين على ترتيب البيت العراقي من خلال تنصيب حكومة إيرانية تتكلم اللهجة العراقية.
إيران تريد دويلة شيعية في شرق العراق وجنوبة وأمريكا تريده مقسما مجزئا يسهل التحكم فيه، ولكن الأمر لن يقتصر على العراق وحده، فالشرق الأوسط الأمريكي يمتد من أفغانستان إلى المغرب والقوس الشيعي الإيراني يمتد من أصفهان إلى صور، أمريكا حليفتها إسرائيل وتلتقي مصالحها مع دول الإعتدال في مواجهة الخطر الإيراني، أما إيران فحليفتها سوريا التي تخشى أن يتكرر معها ما حل بجارتها العراق، وحزب الله الذي هو في الأساس حزب إيراني بتركيبته ومذهبة الطائفي وتمويله وتسليحه ... ثم تأتي حماس التي تعاني من حصار دولي ضاغط وتبحث عن أي حليف يقدم لها المال والدعم السياسي.
إذاً المسألة باختصار بالنسبة لأمريكا هي الهيمنة على ثانى أكبر احتياطى للنفط فى العالم وهو إغراء استراتيجي كاف بالنسبة لسياسة يشرف عليها المحافظين الجدد فى الادارة الامريكية، والمسألة أيضا ترك قواعد عسكرية تتصل مع أضلاع المثلث الأخرى من أفغانستان حتى تركيا ثم عقد معاهدات مشتركة مع نظام حليف في واحدة من أكثر نقاط العالم سخونة وحيوية ..
والمسألة أيضا بالنسبة لإيران استعادة للهيمنة على الجارة التي ناصبتها العداء طويلا واستكمال القوس الشيعي الصفوي وبناء حلف موالي مركزه طهران يعيد أمجاد الفرس الغابرة ويكرسها كقوة إقليمية ولاعب لا يمكن تجاهله ودولة نووية يُحسب لها ألف حساب.
ومن أجل هذا تلعب إيران في المنطقة وتحرك حلفائها لتحقيق هذه الرؤية: في العراق حكومة المالكي وميليشيا المهدي، وفي لبنان حزب الله، وفي فلسطين حماس، ففي صيف العام 2006 خاضت كل من أمريكا وإيران بروفة أول مواجهة عسكرية بينهما من خلال حربهما بالوكالة بين حزب الله وإسرائيل، حزب الله الذي بدأ الحرب بالحديث عن التأييد الإلهي والنصر التاريخي الموعود والمعركة الفاصلة ضد الكيان الغاصب ودولة الشر إسرائيل، انتهى به المطاف في خوض حرب في الشوارع والساحات ضد الحكومة للإستحواذ على السلطة وتنصيب حكومة جديدة قوامها التحالف مع سوريا والتبعية لإيران، وما دون ذلك فهو من التفاصيل، إلا أن صواريخ حزب الله التي اخترقت الحدود ضربت نظرية الأمن الإسرائيلي في العمق، كما أن الصمود البطولي لمغاوير حزب الله والخسائر الإسرائيلية غير المتوقعة وحجم الدمار الهائل الذي أصاب لبنان قد جعل العالم يقتنع أكثر من استحالة الحسم العسكري للصراع، ومن ضرورة البحث عن حل جذري، ومن كون القضية الفلسطينية هي في الأساس جوهر هذا الصراع.
واستكمالا للمخطط الإيراني - السوري فقد تلقت حماس الدعم والتأييد لإقامة للإنقلاب على السلطة وإقامة دويلة في غزة تمثل مع دويلة حزب الله في الضاحية طرفي كماشة صاروخية تضغط على إسرائيل وتهدد أمنها، ولكن لمصلحة الحلف الإيراني السوري ولتحسين شروطه التفاوضيه، واستمرارا لذات المخطط فقد أقدم حزب الله على إجتياح بيروت ضمن محاولة لفرض الحل على حكومة السنيورة في أيار 2008 ، إلا أن اتفاق الدوحة الذي مثل حلا وسطيا حال دون سقوط لبنان في مستنقع الحرب الأهلية وأعطى لكل طرف نصيب مما أراد.
والخلاصة أن المنطقة برمتها - اليوم في العراق ولبنان وفلسطين وغدا في مناطق أخرى – تعتمل فوق فوهة بركان يوشك أن ينفجر في وجه الكل، واللاعب الخفي الذي يضرم النار في المنطقة ويؤجج الصراع هما كل من أمريكا وإيران، والتاريخ يخبرنا أن الأطراف الخارجية عندما تلعب في منطقة ما فإنها لا تتورع عن فعل أي شيء، لأنها بلا ضمير وبلا رحمة وتختبئ خلف شعارات ديماغوجية مضللة كنشر الديموقراطية أو نشر الإسلام، وإذا لم ننتبه لهذا اللاعب الخفي فإن الجميع سيخسرون وسيندمون .. ولكن بعد فوات الأوان.
إسرائيل .. تجسيد للحلم الصهيوني أم بداية لنهايته ؟؟
اليوم وبعد ستة عقود من عمر هذا الكيان وبعد أكثر من قرن من عمر الصراع، تقف الدولة العبرية أمام محطة تاريخية مصيرية، محملةً بأعباء الدور التاريخي الذي أُسند إليها، تعاني من تبعات تركيبتها المصطنعة ومن افتقارها للعمق الحضاري وعزلتها عن المحيط الذي تعيش فيه، وقد حكمت على نفسها بأن تظل في حالة حرب مستمرة، وكأن الحرب هي مبرر وجودها، وعداء الآخرين هو سر وحدتها المجتمعية، وشعورها بالخوف هو الذي يبقيها متحفزة على الدوام، حتى باتت إسرائيل بمثابة جيش له دولة، أو إسبارطة الجديدة، والسؤال الذي يطرح نفسه : هل هنالك دولة ما أو مجتمع معين يحتمل فكرة أن يظل في حالة حرب مستمرة وللأبد ؟!
والمجتمع الإسرائيلي الذي هو بطبيعته أصلا عبارة عن خليط وهجين غير متناسق من الإثنيات والأعراق والثقافات، يعاني من التناقضات الموجودة في أي دولة تضم بين سكانها عدد كبير من القوميات والأديان واللغات، ولكن إسرائيل لا تحتمل أن تبرز هذه التناقضات على السطح، وما أخّر ظهورها وتفاقمها هو توحّد المجتمع تجاه ما يعتبره الخطر الخارجي، ولهذا فإن أخطر ما تواجهه إسرائيل على مصيرها هو السلام، السلام الذي سيُظهر التناقضات الموجودة داخل المجتمع وسيتيح لها أن تأخذ مجراها الطبيعي، السلام الذي سيجعل إسرائيل في النهاية تذوب في المحيط العربي وتختفي المعالم البارزة في هويتها وتضمحل كل مقومات دعايتها التحريضية وأسباب توحدها، وهذا الأمر حاصل في نهاية المطاف لا محالة.
وإلى جانب التناقضات الداخلية في المجتمع، فإن إسرائيل تعاني من انخفاض منسوب الهجرة ومن تزايد معدلات الهجرة المعاكسة، الأمر الذي يضعف قدرتها على مواجهة الخطر الديموغرافي الفلسطيني، كما أن تمتعها بالتفوق المطلق في موازين القوى العسكرية ليس دائما في صالحها، فإذا كان الطرف الفلسطيني أعزلا ولا يملك السلاح فإن هذه النقطة بالتحديد أكسبته ميزة قوة الضعف، وفي المقابل فإن إسرائيل الدولة النووية المتخمة بالقوة العسكرية بما يفوق حاجتها ستعاني من ضعف القوة، فهي لا يمكنها استخدام كل هذه الترسانة في مواجهة شعب أعزل يطالب بحقوقه الوطنية بأساليب حضارية تقرها المواثيق الدولية وتحظى بتأييد معظم العالم.
هذه المعادلة المختلة ستجعل من مستقبل الصراع محكوما بعوامل أخرى لها القدرة على الحسم والتأثير أكثر من الجانب العسكري، وأهمها وجود الشعب الفلسطيني بحد ذاته كهوية سياسية لها حضور دولي، فثبات الشعب فوق أرضه كَشَفَ عن مأزق إسرائيل التاريخي المتعلق بطبيعة هوية الكيان الإسرائيلي والتي أشرنا إليها سابقا.
إذاً إسرائيل ورغم أنها خُلقت للحرب إلا أنها لا تحتمل أن تظل في حالة حرب دائمة للأبد، ولا تستطيع أن تعيش طويلا في حالة عداء مع محيطها ومعزولة عنه، ولا تستطيع أن تدير ظهرها للعالم وكأنها دولة فوق القانون، وهي إن كانت تمارس ذلك فعليا الآن إلا أن هذا يحرج حلفائها، ولا تستطيع أن تبقى دولة احتلال لأنها بذلك تسير في عكس مسار حركة التاريخ، ولأنها تعتمد في اقتصادها على المساعدات بالكامل فهي لا تستغني عن حلفائها، ولكن التاريخ لم يخبرنا عن كيان اعتمد في وجوده على المساعدات الخارجية بالكامل وللأبد، إذ أنه في حالة حدوث تغيرات معينة على المعادلة السياسية الكونية ستصبح إسرائيل عبئاً على حلفائها، ولذلك فإن السلام الحقيقي بالنسبة لإسرائيل سيحمل في طياته عوامل تفككها، وانفتاحها على العالم العربي يعني ذوبانها واضمحلال هويتها، وعاجلا أم آجلا لا بد أن تواجه إسرائيل الحقيقة.
هذه الحقائق حاضرة في ذهن صناع القرار والمفكرين الإستراتيجيين الإسرائيليين، ولأنها مسائل استراتيجية بعيدة المدى فإن الإجابة عليها تتطلب خطط استراتيجية، ولكنها خطط لا تحتوي أية ضمانات وهي محكومة بالفشل مسبقا، حيث لا يمكن لإسرائيل أن تتحكم بحركة التاريخ، ولا يمكنها مخالفة نواميس الكون وقوانين الطبيعة التي هي بحكم تركيبتها ستكون في مواجهتها وعلى طرفي نقيض، فهذه العوامل لا يمكن ضبطها أو قمعها وهي في النهاية ستحمل في طياتها عوامل ضعف وتفكك وانهيار المشروع الإسرائيلي برمته، ولهذا فإسرائيل تعمل جاهدة على تأخيرها أو تجييرها لصالحها أو خلق حقائق جديدة على أرض الواقع وبقوة السلاح.
إذا على المستوى التكتيكي سيكون لإسرائيل قدرة كبيرة على المناورة والتحكم، خاصة وأن الطرف الفلسطيني ليس في أفضل حالاته والواقع العربي لا يقل سوءً عنه، بل والظرف الدولي بصفة عامة في هذه المرحلة في القبضة الأمريكية، وإسرائيل ما زالت دولة فتية ذات جيش قوي واقتصاد ضخم وقضاء مستقل وصحافة قوية، وهي أصلا دولة مؤسسات منظمة، وهذه ولا شك علامات قوة لا ضعف، وصحيح أن مسلسلا من الفضائح يحيط بقادتها من حين لآخر إلا أن هذا لايعني الكثير فيما يتعلق بمنَعَة الدولة، إذاً من المبكر أن نقول أن إسرائيل دولة ضعيفة أو على وشك الإنهيار، بل هي دولة قوية ولكن يمكن هزيمتها، وهي الآن بدون شك تواجه مأزقاً تاريخيا وعليها حله.
في ظل هذه المعطيات تحاول إسرائيل مواجهة الواقع والخروج من أزمتها، فهي قد توصلت لقناعة باستحالة اقتلاع الشعب الفلسطيني أو تجاهل وجوده، وأنها لا تستطيع الاستمرار بتجاهل الشرعية الدولية وضربها عرض الحائط كما دأبت عليها العادة، وبالتالي لا بد لإسرائيل من التعاطي مع المبادرات السياسية المطروحة، ليس على المستوى الإعلامي بل لإيجاد مخرج يحقق لها رؤيتها ويطيل عمرها أطول أمد ممكن.
والحديث عن مستقبل الصراع في المنطقة لا يكتمل إلا بتحليل وفهم الدور الدولي وبشكل خاص الأمريكي، نظرا لما تتمتع به القضية الفلسطينية من خصوصية دولية، فإسرائيل ليست وحدها من يقرر، روسيا والصين ودول عدم الإنحياز لها موقف تاريخي ثابت مساند للفلسطينيين، الاتحاد الأوروبي ومنذ إعلان البندقية عام 1979 بدأ يتفهم الحقوق الفلسطينية وبدأ يأخذ دورا إيجابيا أكثر فأكثر ويتقاطع في هذا المضمار مع الدور الأمريكي، وأمريكا نفسها تغيرت وقد اعترفت بالشعب الفلسطيني ثم باتت مقتنعة بضرورة قيام دولة له قابلة للحياة ( رؤية بوش )، وما يعنيها هو بقاء دولة إسرائيل متفوقة عسكريا واقتصاديا ومهيمنة على المنطقة، وهي ترى ذلك ممكنا من خلال إنهاء الصراع بحل الدولتين ثم تشكيل الشرق الأوسط الجديد ( المستقر أمنيا والتابع سياسيا والملحق اقتصاديا ) والذي تحتل فيه إسرائيل دورا مركزيا .
في ظل هذه المعطيات تحاول إسرائيل مواجهة الواقع والخروج من أزمتها، فهي قد توصلت لقناعة باستحالة اقتلاع الشعب الفلسطيني أو تجاهل وجوده، وأنها لا تستطيع الاستمرار بتجاهل الشرعية الدولية وضربها عرض الحائط كما دأبت عليها العادة، وبالتالي لا بد لإسرائيل من التعاطي مع المبادرات السياسية المطروحة، ليس على المستوى الإعلامي بل لإيجاد مخرج يحقق لها رؤيتها ويطيل عمرها أطول أمد ممكن.
المبادرة العربية التي أقرها العرب بالإجماع في قمة بيروت 2002 وأعادوا التأكيد عليها في قمة الرياض 2007، توفر أرضية مناسبة لحل الصراع، ولكن إسرائيل ما زالت تفكر بعنجهية المحتل المتفوق، وتريد أن تبدأ مفاوضات مع الدول العربية كمدخل للتطبيع ومن ثم إقامة علاقات دبلوماسية معها قبل أن تحل المسألة الفلسطينية، أي دون أن تقيم سلاما حقيقيا ودون أن تتنازل، بمعنى أنها تريد السلام الذي يحقق مصالحها فقط دون الأخذ بعين الاعتبار احتياجات الطرف الآخر !!
اتفاق أوسلو كان أحد أشكال رؤية إسرائيل لإنهاء الصرع، ولكن استلام الليكود الحكم أخَّـرَ الحل وعطل تنفيذ الاتفاقيات، ومع اقتراب العام 2000 كان يجب الوصول إلى بدء مفاوضات التسوية الدائمة حسب ما كان متفقا عليه، وبسبب التعنت الإسرائيلي لجأت القيادة الفلسطينية للتهديد بإعلان الدولة، الأمر الذي دعى الإدارة الأمريكية لعقد مفاوضات مباشرة بين الطرفين برعاية مباشرة من الرئيس الأمريكي "بل كلنتون" والتي عُقدت في كامب ديفيد في تموز من نفس العام، إلا أن كل من إسرائيل وأمريكا فوجئتا بالموقف الفلسطيني الصلب الذي رفض التنازل والإستسلام للشروط الإسرائيلية، فصار لزاما عليهما إسقاط القيادة الفلسطينية والبحث عن قيادة بديلة تقبل عقد تسوية دائمة حسب الرؤية الإسرائيلية، على هذه الأرضية برزت حتمية الصدام بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
انطلقت انتفاضة الأقصى على شكل هبة جماهيرية واسعة ولكنها سرعان ما أخذت طابع المواجهات العسكرية، وقد بلغت ذروتها شتاء العام 2002 في محاولة مكشوفة للقضاء على ياسر عرفات وإضعاف السلطة الوطنية، في هذا السياق طرح الإتحاد الأوروبي مبادرة سياسية عام 2003 سرعان ما التقطتها الولايات المتحدة وصاغت منها مبادرتها الخاصة والتي عرفت بِ " خارطة الطريق " والتي هي بشكل أو بآخر امتداد لمبادرات سابقة ( تينيت، ميتشل ) اقتضتها تطورات الأحداث الأمنية وتفاقُمْ حدة الصراع العسكري وتصاعد وتيرة العدوان الإسرائيلي، وجميع هذه المبادرات تدعو للإنسحاب الإسرائيلي ووقف الإستيطان ووقف أعمال العنف "المتبادل" وتهيئة الأجواء لقيام الدولة الفلسطينية، إلا أن إسرائيل تتهرب من تنفيذ البنود المتعلقة بها وتراهن على كسب الوقت وبناء حقائق مادية على أرض الواقع بالقوة والبطش.
ولفرض حقائق على الأرض أقامت إسرائيل جدار الفصل العنصري كحدود سياسية ينهب الأرض ومصادر المياه، ويفرض نفسه على مفاوضات الحل النهائي، كذلك فعلت بالقدس ، وتحاول أن تفعل بالمستوطنات واللاجئين، في نفس الوقت تحاول إضعاف الطرف الفلسطيني إلى أقصى حد، حتى يأتي للمفاوضات مهيض الجناح لا يملك أي من أدوات الضغط.
المشروع الوطني في مواجهة الاحتلال
عندما انطلقت الثورة الفلسطينية وضعت لتفسها هدفا رئيسا: تحرير فلسطين وعودة اللاجئين وتصفية الكيان الإسرائيلي، اليوم تغير العالم بأسره، وقد استعرضنا جزءً كبيرا من هذه التغيرات في سياق هذه الدراسة، صحيح أن فلسطين باقية بحدودها التاريخية كما هي إلا أن حل الصراع يتطلب براغماتية ومرونة ثورية بنفس القدر الذي يتطلب مثابرة وثبات.
اليوم يدرك الفلسطينيون أن قوة الموقف الفلسطيني أو ضعفه إنما هو انعكاس لقوة الموقف العربي ومحصلة له، وعلى ضوء هذه الحقيقة تكاد تتفق جميع القوى الفلسطينية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار أن أقصى ما يمكن انتزاعه في هذه المرحلة هو إنسحاب إسرائيل من الضفة الغربية وقطاع غزة، ولهذا فهي تتفق على إقامة دولة فلسطينية مستقلة بحدود الرابع من حزيران خالية من المستوطنات وعاصمتها القدس مع ضمان حل مشكلة اللاجئين، وهي الخطوط العريضة لما اصبح يُعرف بالمشروع الوطني، وقد تم صياغة هذا لمشروع بداية على يد الأسرى الفلسطينيين من داخل سجون الاحتلال ضمن وثيقة صارت تعرف بوثيقة الأسرى، أو بوثيقة الاتفاق الوطني وقد وقعت عليها جميع الفصائل الفلسطينية مع تحفظات معينة للجهاد الإسلامي، وهي أيضا ما يطلق عليها بالثوابت الوطنية الذي تدعي كل جهة حرصها على التمسك بها.
في مقابل المشروع الوطني هنالك مشروع إسرائيلي يستهدف الأرض والإنسان، ويرمي إلى تقويض أسس بناء دولة فلسطينية مستقلة وإلى تفريغ المشروع الوطني من محتواه السياسي ومن مضامينه الحقيقية، وقد بدأت بتطبيق ذلك بانسحاب شكلي من قطاع غزة مع فرض حصار خانق عليه، ثم قضم الأرض وبناء المستوطنات والجدار في الضفة وتهويد القدس واعتقال المناضلين ومحاصرة وخنق الاقتصاد الفلسطيني وخلق فوضى أمنية حتى يتسنى لها في النهاية فرض الحل الذي تريده وهو: إبقاء قطاع غزة معزولا ومحاصرا - بعد أن خرج من دائرة الأطماع الصهيونية - وإقامة دويلة فلسطينية مجزأة مقطعة الأوصال بدون سيادة لا تمتلك السيطرة على مصادر المياه والثروات الطبيعية ولا السيطرة على الحدود وبدون القدس مع حل شكلي باهت لقضية اللاجئين، والإبقاء على الكتل الإستيطانية الكبيرة، ثم تسمي هذا الحل " دولتين لشعبين " يتعايشان بأمن وسلام، هذا الحل يتيح لإسرائيل التغلب على المشكلة الديموغرافية ويريحها من عناء الضغوطات الدولية، وتأمل أن تجد قيادة فلسطينية توقع على حل كهذا ضمن معاهدة إنهاء الصراع ويكون لديها المقدرة على إقناع الشعب بالتخلي عن المطالبة بما تبقى من وطن، أو بفرض الحل عليه ولأجيال قادمة.
في نفس السياق شجعت إسرائيل على انفصال غزة واستفادت من هذا الانفصال إلى أقصى حد، وتحاول استغلال حالة الانقسام الفلسطيني لتمرير التسوية من خلال خطة الإنطواء أو الإنسحاب أحادي الجانب من أراضي ومدن معينة في الضفة الغربية تمهيدا لفرض الحل الدائم.
المأزق الراهن والبدائل المتاحة
الوضع الراهن للقضية الفلسطينية يعاني من مأزق حاد وعميق، يجعل من كافة البدائل المتاحة أسوأ من بعضها، فسبب التعنت الإسرائيلي وعدم نزاهة "الوسيط" الأمريكي، تعثرت عملية السلام ولم تسفر المفاوضات عن شيء ملموس، وحتى محاولات إنعاشها في أنابوليس لم تجد نفعا، وبسبب انقلاب حماس وانسلاخ غزة عن الضفة، وبسبب الإقتتال الداخلي فقدت القضية جزءً من مصداقيتها وقوتها الأخلاقية.. وبالتالي أدت تلك العوامل إلى خسارة العديد من عناصر القوة وأوراق الضغط، وبسبب التفوق المطلق لآلة البطش الإسرائيلية ونتيجة الهدنة مع الاحتلال فقد توقفت تقريبا أعمال المقاومة العسكرية، كما أن الإستيطان قد قضم معظم الأرض، والجدار أتى على المتبقي منها، والمياه والحدود والاقتصاد وحرية الحركة يتحكم فيها الاحتلال بتعسف، مع ما يزيد عن خمسمائة حاجز وعشرة آلاف معتقل وأسير، وجميعها عناصر ترسم معا لوحة قاتمة للوضع الراهن.
بعض المثقفين دعوا لحل السلطة الوطنية وتسليم الملف الفلسطيني برمته إلى الأمم المتحدة وإحراج إسرائيل وتحميلها المسؤولية الكاملة !! ولكن هذا المقترح أقرب للهلوسة والهذيان الفكري، فصحيح أن السلطة بحد ذاتها ليست هدفا نسعى له ولا هي صنما نعبده، إلا أنها في ذات الوقت نتاج لتراكم طويل من الكفاح الفلسطيني، وهي إنجاز وطني يجب تطويره، وهي أيضاً حاجة وطنية أملتها الظروف السياسية لتلبي طموح الشعب في توقه للحرية والاستقلال، وكمقدمة لبناء الدولة المستقلة، وهي بهذا المعنى تمثل الكيان السياسي الفلسطيني والتعبير المادي عن الهويه الوطنية.
وحل السلطة يعني ضياع هذا الانجاز المهم والعودة بالشعب الفلسطيني إلى ما دون نقطة الصفر، وتفتيت الكيانية الفلسطينية إلى ما كانت عليه في الخمسينات، وحل السلطة في هذا الوقت بالذات يعني أنه ليس أمام إسرائيل شريك لصنع السلام، وبالتالي ستعمل على تنفيذ مخططاتها وتحقيق رؤيتها للحل النهائي دون أن يزعجها أحد أو يلومها لائم، وحل السلطة سيؤدي إلى الفوضى الأمنية وسيسبب انهيار الاقتصاد في الأراضي الفلسطينية، وزيادة معدلات البطالة ونسبة من سينزلون تحت خط الفقر، وما سينتج عن ذلك من مشاكل وتبعات ستعجز جميع منظمات الأمم المتحدة عن حلها، والمجتمع الدولي الذي يراهن البعض عليه في تحمل مسؤولياته لا يعرف أكثر من تقديم منح وأموال مشروطة.
ومن السيناريوهات المطروحة والتي تطفو على السطح بين الحين والآخر، هو تسليم الضفة الغربية للأردن وقطاع غزة لمصر، وهو سيناريو مرفوض وطنيا لأنه ببساطة يعني التضحية بكل المنجزات التي تحققت وضياع قرن كامل من الكفاح الوطني هباءً منثورا .. وهو خيار مستبعد موضوعيا، فالكيانية الفلسطينية باتت من حقائق المنطقة والدولة الفلسطينية صارت جزء من الرؤية الدولية للحل، فضلا على أن كل من مصر والأردن ترفضان هذا الحل، وفي سياق متصل نرى أن الخيار الأردني أو ما يسمى الوطن البديل الذي طرحه الليكود إبان اجتياح بيروت عام 1982، قد سقط ولم يعد إطارا صالحا للحل، فالأردن يتخوف منه ومن أية تغييرات فجائية في التركيبة الديموغرافية للبلد، ولن يكون هنالك حل مع الأردن إلا من خلال الاتحاد الكونفدرالي، أي بعد قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، أما مصر فلا مصلحة لها في ضم قطاع غزة إلى نظام حكمها، لأنها ستكون بذلك كمن يجلب الدب إلى كرمه.
خيار الدولة الواحدة ثنائية القومية
بما أن حل الدولتين أصبح غير واقعي مع الجدار والمستوطنات، والمفاوضات غير مجدية مع سياسة أمريكية منحازة وتعنت إسرائيلي، والمقاومة متوقفة بسبب تقاتل الأخوة وبسبب الهدنة، فقد طرح إزاء هذا المشهد بعض المثقفين فكرة الدولة الواحدة ثنائية القومية على أرض فلسطين التاريخية.
قد يبدو هذا الحل مستحيلا، ولا يمكن أن توافق عليه إسرائيل، لأنه يعني تقويض أسس البناء الصهيوني وهدم الجدار الذي تستند إليه الدعاية اليهودية، ولكنه حلا قد تجد إسرائيل نفسها مرغمة على القبول به في المستقبل، وقد لا يكون هذا المستقبل بعيدا، خاصة إذا واصلت إسرائيل عنادها وتعنتها وإصرارها على مخالفة منطق الطبيعة ونواميس الكون.
ما لم تقرأ إسرائيل التاريخ جيدا وتعيه، فإن قوى التعصب والتطرف ستحكمها، وعلى أيديهم ستكون نهايتها، ومالم تسارع الولايات المتحدة بالضغط على إسرائيل والدخول بكل ثقلها في عملية السلام وبمنتهى الجدية، ستجد نفسها غارقة تماما في وحل الشرق الأوسط، ولن تكون قدرتها على الصمود طويلة، سيما وأن مشروعها في العراق وأفغانستان قد كلفها الكثير، والضربات الاقتصادية أنهكتها، وعما قريب سنراها تنكص على عقبيها مذمومة مدحورة.
والتاريخ يخبرنا بأنه في النهاية لا يصح إلا الصحيح، وأن إرادة الشعوب أقوى بكثير من الدبابات وأن هذه الأرض ستبقى فلسطينية عربية، وستبتلع وتمتص الغزوة الصهيونية كما فعلت مع خمسة وعشرين غازيا من قبل في تاريخها الطويل، ولا أعتقد أن نهاية إسرائيل ستختلف عن نهاية نظام الأبارتهايد في جنوب إفريقيا، وإن غدا لناظره قريب ...

ولكن التاريخ يخبرنا بأنه في النهاية لا يصح إلا الصحيح، وأن إرادة الشعوب أقوى بكثير من الدبابات وأن هذه الأرض ستبقى فلسطينية عربية وستبتلع وتمتص الغزوة الصهيونية كما فعلت مع خمسة وعشرين غازيا من قبل في تاريخها الطويل، ولا أعتقد أن نهاية إسرائيل ستختلف عن نهاية نظام الأبار تهايد في جنوب إفريقيا، وإن غدا لناظره قريب ...

عبد الغني سلامه
حزيران- 08

المراجع:

1. فلسطينيات1 ،2 ، 3 ، خالد الحسن، عضو اللجنة المركزية لفتح، منشورات دار الكرمل – عمان 1988 .
2. أمريكا وإسرائيل، خالد الحسن، عضو اللجنة المركزية لفتح، منشورات دار الكرمل – عمان 1987.
3. النظام الداخلي لحركة فتح- منشورات الإعلام المركزي .
4. هيكل البناء الثوري – منشورات الإعلام المركزي.
5. إعادة بناء فتح – رؤية خاصة في تحليل الأزمة، عبد الغني سلامه، خلود بدار، دار الكرامه، رام الله 2007.
6. قرارات إسرائيل المصيرية، يهوشفاظ هركابي، ترجمة منية سمارة ومحمد الظاهر – منشورات دار الكرمل – صامد – عمان 1990 .
7. حركة فتح من العاصفة إلى كتائب الأقصى، علي بدوان – نبيل السهلي، مكتبة الأسد، دمشق، ط1 2006.
8. حركة فتح والتنظيم الذي نريد، بكر أبو بكر، عناة للطباعة والنشر – رام الله 2003 .
9. الكيان الصهيوني عام 2000، نخبة من الباحثين الإسرائيليين، وكالة المنارة للصحافة والنشر، نيقوسيا 1986.
10. المجازفة التاريخية وأطواق السلامة الوطنية، صخر أبو نزار، الشؤون الفكرية والدراسات، منشورات حركة فتح 1994 .
11. المشاركة السياسية لحركة حماس في النظام السياسي الفلسطيني، رسالة ماجستير للباحث مجدي نجم، إشراف د. هشام فرارجة، جامعة بير زيت 2007 .
12. الفكر الوطني الثوري في الممارسة، مختارات من ندوات للشهيد صلاح خلف، إعداد يحيى يخلف، الشؤون الفكرية والدراسات، ط2 رام الله 2003.
13. إمارة حماس، نعيم الأشهب – دار التنوير للنشر، رام الله 2007 .
14. كلمة الأخ خالد الحسن في الدورة العشرين للمجلس الوطني الفلسطيني، تشرين أول 1991 الجزائر.
15. محاضرة للشهيد خليل الوزير في كلية الآداب جامعة بغداد، شباط 1988 .
16. تقرير الجهاز المركزي للإحصاء، التعداد العام للسكان والمساكن – رام الله – فلسطين 2008 .
17. د. أحمد جميل عزم، النظام الدولي عام 2009 صحيفة الاتحاد الإماراتية، الخميس، 25-12-2008.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار