أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

فبراير 12، 2010

تركيا تضع الهوية الأوروبية على المحك

الحديث عن انضمام تركيا للإتحاد الأوروبي لا يعني بضعة شروط تنفذها تركيا فتستجيب أوروبا لطلبها أو لا تستجيب، بل هو أبعد وأعمق من ذلك بكثير، فالموضوع له أبعاد تاريخية وحضارية وسياسية تضع الهوية الأوروبية نفسها موضع الاختبار، وتحدد مستقبل القارة والمنطقة بأسرها لأجيالٍ قادمة، وله تداعيات اقتصادية واجتماعية وثقافية تضفي على المشهد مزيدا من التعقيد، فمنها ما هو مهم ومفيد للطرفين ومنها ما يعمق من مخاوفهما على حد سواء.

بعد أن أطاح أتاتورك بنظام الخلافة العثمانية وسيّرَ دفة البلاد باتجاه الغرب، وأرسى في المجتمع مفاهيم وقيم علمانية وحداثية، منذ ذلك الوقت وتركيا تسعى لأن تكون دولة أوروبية شكلا ومضمونا، إلا أن مسعاها هذا كان دوما يصطدم بجدار الرفض حينا والمماطلة والتسويف أحيانا، فقد تقدمت أول مرة بطلب العضوية في المجموعة الاقتصادية الأوروبية عام 1959، إلا أن العضوية الكاملة ظلت بالنسبة لتركيا حلما بعيد المنال، وبالنسبة لأوروبا هاجسا يؤرقها وصل مستوى الكابوس عند البعض !!
فما هي المزايا التي ستفيد الطرفين ؟ وما هي مبررات المخاوف الأوروبية ؟ وهل التعقيدات التي تضعها أوروبا لها أسبابها الحقيقية، أم أنها مجرد أسطورة وسراب ستظل تركيا تركض ورائها ولن تجد شيئا في النهاية ؟!
الإجابة على هذه التساؤلات تتطلب الغوص في المسارات التاريخية والسياسية والاقتصادية والحضارية التي شكلت العلاقة بين الطرفين ، والتي يمكن اعتبارها مدخلا لفهم المعضلة، وباستعراض سريع للتجاذبات التي حكمت مسار العلاقات الثنائية خلال العقود الماضية، سنجد أن إلحاحا تركيا في الإنضمام للإتحاد كان يلاقي مراوغة وتهرب من الجانب الآخر، ففي عام 1963 وقعت تركيا اتفاقية شراكة مع المجموعة الاقتصادية الأوروبية European Economic Community EEC، ثم شهدت الفترة ما بين 1970 ~ 1986 توقيع العديد من الاتفاقيات تمهيدا لإنشاء الاتحاد الجمركي، وفي العام 1987 تقدمت تركيا رسميا بطلب الإنضمام للإتحاد الاقتصادي الأوروبي بعد تعهدها بإجراء تغييرات جذرية في سياساتها الاقتصادية ونظامها السياسي وقانون الانتخابات والأحزاب، ولكن طلبها هذا رُفض بعد عامين، مع الإقرار مبدئيا بأحقيتها في الإنضمام مستقبلا إذا ما استجابت للشروط الأوروبية، وفي عام 1996 خرج الإتحاد الجمركي للوجود بعد مخاض عسير استمر عشرة سنوات وأصبحت تركيا طرفاً فيه، ولكن الاتحاد الأوروبي استبعد تركيا من قائمة الدول المرشحة للإنضمام إليه، الأمر الذي تسبب بقطع الحوار بين الطرفين، ولكن في عام 1999 تقدم الرئيس الألماني بمبادرة تعامل تركيا بموجبها على قدم المساواة مع غيرها من المرشحين، الأمر الذي أعاد بعض الدفء لكسر الجليد بين الطرفين خاصة بعد أن قدمت أوروبا مساعدات لتركيا لمواجهة الزلزال الذي ضربها في عام 1999، وهكذا وبعد عامين أقر الاتحاد الأوروبي بصورة مبدأية طلب تركيا للترشح لعضويته .
هذا القبول شجع تركيا على المضي قدما في برامجها الوطنية للإصلاح، ولكن العلاقات عادت للتوتر بعد أن رفضت أوروبا وضع جداول زمنية محددة للتنفيذ، وفي العام 2005 استؤنفت المفاوضات من جديد بعد أن حددت أوروبا 31 بندا على تركيا أن تنفذها كشرط لدخولها الاتحاد، وهذا المد والجزر في العلاقات جعل من الصعب التنبؤ بمدى منظور يضع حلا نهائيا لهذه المعضلة.
الحلم التركي والهواجس الأوروبية
من الطبيعي أن يسعى أي مجتمع للإندماج في عالم متحضر يحترم الإنسان، ويسوده العلم والقانون والرقي والنظم المتطورة، وبالتالي فإن التوجه التركي نحو أوروبا يندرج في نفس السياق، وبالتالي فهي مسألة طبيعية بل هي أمنية، قد تنقذها من مشاكلها الداخلية المتفاقمة، وتعمل على تحسين اقتصادها الضعيف وعملتها المنهارة منذ عقود، وهذا التوجه بحد ذاته تطور يَعِدُ بمستقبلٍ زاهر للبلاد، ولكن دخول النادي الأوروبي يتطلب بداية ولوج بوابة كوبنهاجن، أي الالتزام بقواعد ومعايير العضوية التي تم وضعها في مؤتمر كوبنهاجن في تموز 1993, والتي تحدد إذا ما كان البلد مؤهلاً للانضمام للاتحاد الاوروبي أم لا، ومن أهم هذه المعايير أن يكون لدى الدولة المؤسسات المطلوبة للحفاظ على الديمقراطية وحقوق الإنسان, وضمان استمرارية اقتصاد السوق وأن تتعهد الدولة بتنفيذ التزامات ونوايا الاتحاد الاوروبي ، وفيما يخص تركيا فقد تم إضافة معايير أخرى لها علاقة بالخصوصية التركية، مثل إلغاء عقوبة الإعدام، المسؤولية عن مذابح الأرمن، منح الأكراد والأقليات الأخرى حقوقهم القومية، الحد من تدخل العسكر بشؤون الحكم، حل النـزاع مع اليونان وقبرص، إلى جانب بعض الإصلاحات الاقتصادية وتعميق الديموقراطية والحياة العلمانية.
قد تبدو بعض هذه البنود مطالب تعجيزية أو ذات صبغة سياسية، إلا أن الشعب التركي نفسه سيكون أول المستفيدين منها، وبشكل خاص البنود المتعلقة بحقوق الإنسان والحريات العامة وتعميق التحولات الديموقراطية، وعلى الصعيد الاقتصادي، فإن تركيا إذا ما نفذت المطالب الأوروبية بالإسراع بخطط التحرير الاقتصادية، ولاسيما فتح الباب أمام الاستثمارات الأجنبية، وتذليل العقبات البيروقراطية التي تحد من الملكية الأجنبية للشركات والعقارات، والسماح للأوروبيين بامتلاك أسهم في شركات تركية ومنتجعات سياحية، سيساعد ذلك كله على استمرار التنمية الاقتصادية، كما أن متابعة عملية التحديث الاقتصادي والسياسي على الطريقة الأوروبية، ستمكن تركيا من بناء مجتمع ناجح ومثالي، سيما وأنها تملك كل الموارد الاقتصادية والسكانية المطلوبة، وهذا يبرز الجانب الآخر من الصورة السلبية للمفاوضات، أي صورة أوروبا كما لو أنها تساعد تركيا على النهوض والتقدم وحل مشاكلها الداخلية.
وفي المقابل فإن أوروبا ستستفيد من دخول تركيا اتحادها، فسكان تركيا الذين سيبلغون 80 مليونا في غضون عشرة سنوات, سيمثلون سوقا استهلاكيا ضخما للمنتجات الأوروبية تصل قيمته إلى 200 مليار دولار، وباعتبارها اقتصادا ناميا، ستكون تركيا نقطة جذب للإستثمار الخارجي، نظرا لحاجتها الماسة لمشاريع كبرى لتطوير زراعتها وصناعتها وخدماتها وبنيتها التحتية، ومقدرة تركيا في هذا المجال ستتراوح بين 3 إلى 4 مليار دولار سنويا.
أضف إلى ذلك أن تركيا ستساهم في حل معضلة هامة تواجه أوروبا بشكل عام، حيث أن القارة العجوز باتت مجتمعا هرما وتواجه نقصاً متزايداً في عدد السكان، فمتوسط العمر في المجتمعات الأوربية يتراوح بين 39 ~ 42 سنة، بينما معدل عمر المجتمع التركي 27 سنة فقط، ومن هنا ستقدم تركيا ملايين العاملين الشباب، وبالتالي فهي ستعيد الحيوية للاتحاد الأوروبي وسترفده بالمزيد من الدماء والطاقات الجديدة، ولكن نفس هذا العامل قد يخلق مشاكل بطالة عند بعض البلدان، وسيغذي النزعات اليمينية المعادية للأجانب في المجتمعات الأوروبية، وقد بدأت الأحزاب الفاشية الجديدة تتحدث منذ الآن عن الخطر التركي المحدق، وفي المقابل، فالخيارات المتاحة أمام الأمم الأوروبية الشائخة تقع بين الخيار التركي، وبين سيل من اللاجئين من الدول العربية والأفريقية، الذين لا يحملون تلك المشاعر المتعاطفة مع الاتحاد الأوروبي، فتركيا هي القطر الوحيد الذي اختار التغريب طوعا منذ بدايات القرن العشرين.
كما يمكن أن تكون تركيا بمثابة رابط حيوي بين دول القوقاز وآسيا الوسطى التي تنتمي إلى نفس الأسرة الثقافية واللغوية والعرقية، وبين الإتحاد الأوروبي، وتركيا أيضا هي القنطرة الطبيعية التي تصل أوروبا مع العالم الاسلامي، ولاسيما الشرق الاوسط، وفي هذين المجالين سيكون لتركيا دورا سياسيا وحضاريا وثقافيا بالغ الأهمية، وهذا يمثل أيضا اختبارا فيما اذا كان الغرب عموما راغب في تشجيع تركيا لأن تكون نموذجا لإسلام ديمقراطي وعصري قادر على قطع الطريق أمام أي توجهات متطرفة، وقادر على إستيعاب التحولات الإجتماعية والثقافية التي أصابت الكثير من بلدان العالم وأدت إلى بروز وتنامي ظاهرتي العنف والتطرف، وفي المقابل فإن فشل عملية انضمام أكبر بلد إسلامي علماني إلى الاتحاد الأوروبي من شأنه أن يحدث نوعا من التباعد الثقافي ما بين الحضارتين الإسلامية والمسيحية الغربية وأن ويوسع الهوة بينهما، وقد يمثل ذلك دافعا للأتراك لبناء تحالفات سياسية وعسكرية مع روسيا أو إيران، وهو أمر لا تريده أوروبا، سيما وأن تركيا مثلت خط الدفاع الأول عن أوروبا خلال نصف القرن الماضي، في إطار حلف الأطلسي، وهو دور مهم إذا عرفنا أن الجيش التركي هو ثاني أكبر جيش في الحلف بعد الجيش الأمريكي.
ولن يتوقف الأمر عند هذا الحد، فتركيا تملك الكثير من الأوراق، أبرزها الموقع الاستراتيجي ودورها الإقليمي وهويتها الإسلامية، وهي الآن تلعب دورا إقليميا متوازنا ومقبولا من الغرب إلى حد ما، وتمثل ندا قويا للدور الإيراني، ولاعبا إيجابيا – من وجهة نظر الغرب – في إطار الصراع العربي الصهيوني لها تأثيرا مهما على الدور العربي بشكل عام، ولكن تركيا في حال تم رفضها بدون مبررات فإنها قد تغير من تحالفاتها، وبالتالي فإن تداعيات كبيرة وخطيرة ستحدث على الخارطة السياسية للمنطقة، قد تشكل تهديدا لأمن القارة الأوروبية، خاصة وأن الاتحاد الأوروبي يعتبر أن من أهم إنجازاته هي عملية توسيع الاتحاد الأوروبي وجلب الأمن والاستقرار والديمقراطية إلى جميع بقاع القارة.
وبالرغم من كل هذه المزايا التي قد يجنيها الطرفان من انضمام تركيا إلى الإتحاد الأوروبي، إلا أن هذه المسألة ما زالت موضع خلاف ومثار جدل واسع، فالبرلمان الأوروبي رفع سقف شروطه، حتى أن بعضها استفز الكبرياء التركي، الأمر الذي باعد المسافة أمام تحقيق المشروع الأوروبي الكبير، فهنالك الكثير من الهواجس والمخاوف التي تقض مضاجع الأوروبيين.
أول هذه المخاوف ما بات يسمى "الاسلاموفوبيا" وهي المشاعر السلبية المترسبة في نفوس الغرب تجاه الإسلام والتي تضخّمت بعد غزوة مانهاتن، وبعد تصاعد الحديث عن صر اع الحضارات، وإزدياد نفوذ اليمين المسيحي، لدرجة أن بعض الأوروبيين يعتبرون تركيا الآن بعلمانيتها وتغرّبها امتدادا لدولة الخلافة الإسلامية، وبالتالي يراها البعض خطرا على الحضارة الأوروبية.
وهنالك أيضا العنصر الديمغرافي الذي سيمنح تركيا في حال انضمامها للإتحاد وزنا أكبر في عملية التصويت وفي تمثيلها في الاتحاد، ويعطيها ثقلا كبيرا على الصعيد البشري ، ويؤدي إلى سيطرتها على سوق العمالة أولا والتغلغل في الدول الأوروبية التي تعاني من نقص في السكان أصلا وبالتالي تغيير المعادلات الديمغرافية الداخلية للدول الأوروبية ثانيا، فالبرغم من علمانية الدولة التركية، إلا أنها وبعد قرن كامل لم تمحي الثقافة الإسلامية من الأتراك أنفسهم، وبالتالي فإن أوروبا ستخشى من تأثير هذه الثقافة على سكان الدول الأوروبية، وستخشى أيضا من أن تتبوأ تركيا مركزا قياديا داخل الاتّحاد الأوروبي بصبغتها الإسلامية، بحيث تصبح مرجعية لجميع المسلمين في الاتحاد الأوروبي وتبدأ بتبني مطالبهم.
وإلى جانب العامل الديموغرافي هنالك العامل الجغرافي، فكما تريد أوروبا بشكل عام من تركيا أن تكون جسر تواصل مع الشرق، إلا أن البعض يخشى في حال انضمام تركيا أن تصبح حدود الاتحاد متاخمة لمناطق الصراع والتوتر، وبالتالي يفضل هؤلاء أن تبقى تركيا منطقة عازلة تفصل حدود أوروبا عن المناطق غير المستقرة وبالتالي تجنب الإتحاد التورط في هذه الصراعات .
وكما أن تركيا ستكون سوقا للصناعات الأوروبية خاصة الثقيلة منها، إلا أن تركيا في حال انضمامها إلى أوروبا ستغزو بصناعاتها الخفيفة خاصة صناعة الملبوسات والمشروبات والمأكولات والألعاب أسواق أوروبا، كما غزت المنتجات الصينية أسواق العالم، وهذا ما لا تتمناه أوروبا ، فالتطور التركي المتسارع في كافة النواحي خاصة الاقتصادية والإنتاجية قد يمكّنها - وبفضل موقعها أيضا الذي يصل الشرق بالغرب - أن تصبح مركزا لاستقطاب الاستثمارات الأوروبية على حساب دول شرقي أوروبا المنضمة إلى الاتحاد الأوروبي حديثا، والتي تعاني من سوء أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، وهو أمر لا يساعد على قيام تنمية أوروبية متوازنة في كافة أنحاء القارة، ويؤدي إلى تشوهات اقتصادية بنيوية، وهناك مسألة أخرى وهي أن الاتحاد الأوروبي ينفق غالبية أمواله على الزراعة وتقديم المساعدات للمناطق الفقيرة في الدول الأعضاء وتركيا تحتاج إلى الاثنين بصورة كبيرة، الأمر الذي سيثقل الميزانية الأوروبية التي تعاني أصلا من مشاكل تمويلية خطيرة وتحتاج إلى إصلاحات جدية مع أو بدون تركيا.
وفي الجهة المقابلة سنجد أن هنالك تيارا داخل تركيا له هواجسه ومخاوفه أيضاً، وقوة هذا التيار آخذة بالإزدياد مع زيادة العقبات والحواجز التي تضعها أوروبا، فقسم من هؤلاء يخشى على الهوية الوطنية التركية من الذوبان والإضمحال في البوتقة الأوروبية، ويرى أصحاب هذا التيار أنه من غير الحكمة وضع كل البيض التركي في سلة الاتحاد الاوروبي، سيّما وأن الشروط الجديدة التي وضعها البرلمان الأوروبي - وهي غير ملزمة لبقية الدول الأعضاء - خدشت كبرياء الشعب التركي، وهو الشعب الذي مازال يعيش أمجاد الإمبراطورية العثمانية، ومن ضمن هذه الشروط اعتراف تركيا بالمسؤولية الأخلاقية والسياسية عن المذابح ضد الأرمن في بدايات القرن الماضي، أما الاتجاه الإسلامي فيرى أن هوية تركيا إسلامية، وأن وجهتها يجب أن تكون باتجاه الشرق الإسلامي الذي سيرحب بها، بدلا من الغرب الأوروبي الذي ما زال يرفضها، ويعتقد أصحاب هذه الاتجاه بأن الإندماج في الحضارة الأوروبية سيخلق مشاكل داخلية معقدة بسبب التقاليد الاسلامية والشرقية التي تتعارض كليا مع التقاليد الغربية، فمثلا ما تزال جرائم ما يسمى "غسل العار" منتشرة في مناطق عديدة من تركيا.
من الواضح أن سؤال الهوية يظل هاجسا مقلقا للطرفين على حد سواء، فإن كانت تركيا قد حسمت أمرها – على الأقل على المستوى الرسمي ومنذ حكومة تورغوت أوزال – إلا أن أوروبا ما زالت قلقة وما زال سؤال الهوية يؤرقها، فقد تم إعادة تعريف الهوية الأوروبية مرات عديدة، ولكن تم تشكيلها بشكل شبه حاسم بدءً من خمسينيات القرن الماضي حتى اليوم من خلال المؤسسات والقانون، ولكن الأمر لم يُحسم بعد، فإذا كانت الهوية الأوروبية هوية جغرافية فإن لتركيا جزء داخل حدوها التاريخية ( 3 % من مساحة تركيا ومنها الجزء الغربي من أسطنبول )، وإذا كان ما يرسم حدود القارة الأوروبية هي الموانع الطبيعية فليس هناك ما يفصلها عن تركيا، بل أن هذا يفتح الباب أمام دول أخرى للإنضمام كدول غرب ووسط آسيا، وإذا كانت هوية أوروبا يحددها الدين "المسيحي"، فإن هذا يتناقض مع العلمانية ويتعارض مع الدستور، ويضيّع كل إنجازات الثورة الفرنسية، ويعني انتكاسة تاريخية ستعيد للكنيسة سلطتها الثيوقراطية، ويجعل من تعاملها مع تركيا سياسة ذات إزدواجية في المعايير، وهذا يؤثر على صورة أوروبا أمام نفسها وأمام العالم .
وإذا كانت مخاوف الأوروبيين نابعة من خوفهم أن تؤثر تركيا على أنماط معيشتهم لأن طريقة حياة الاتراك وديانتهم لا تتناسبان مع حياة الأوروبيين، وهذا قد يبدو صحيحا إلى حد كبير، ولكن طريقة حياة الأوروبيين أنفسهم مختلفة ومتباينة، فطريقة حياة اليونانيين والأسبان والطليان لا تشبه نظيرتها في بروكسل ولندن وباريس مثلا، كما أنه ليس مطلوبا من أحد أن يغير ديانته أو أسلوب حياته ليصبح عضوا في الاتحاد، بل عليه أن يحترم القوانين ويلتزم ببعض القيم الإنسانية التي تشترك فيها كل الأديان والثقافات.
أما الخوف من إجتياح الإسلام لأوروبا وإعادة تشكيل عادات الأوروبيين وتعريض النمط الأوروبي للخطر، فهي مخاوف تنتمي إلى نوع من الفوبيا المرضية التي أنتجتها فئات من المسيحية اليمينية واليهودية الصهيونية في أوروبا، حيث ترى هذه الفئات أنه حتى لو طبقت تركيا جميع معايير الإنضمام للإتحاد الأوروبي خاصة ما يتعلق بحقوق الإنسان، وحققت إصلاحات سياسية واقتصادية جوهرية، إلا أنه لا يجب السماح لها بدخول الاتحاد، لأن دخولها - على حد قولهم – سيشكل تهديدا على هوية وحضارة أوروبا المسيحية، ويبدو أن هؤلاء هم حاليا أقوى الأطراف المؤثرة على صناعة القرار في أوروبا، وكذلك وبسبب الإعلام الغربي، فإن جمهورا عريضا من الأوروبيين باتوا مقتنعين بهذه المزاعم، حتى أن كثيرون منهم صاروا مقتنعين بأن تركيا لا يمكن أن تنجح كدولة أوروبية كاملة ! لأن تركيا كما يرونها لا تشاركهم الأرضية الثقافية والدينية، وهي الأرضية التي شكلت الهوية الأوروبية .
هذه العقلية تتجاهل الماضي القريب لعدد كبير من الدول الأوروبية التي لها تراث طويل من الحروب الدينية ومن هيمنة الكنيسة على مقدرات الحياة فيها، والتي لم تتخلص منها إلا بعد الثورة الفرنسية حين نجحت في تحويل المجتمع الأوروبي إلى مجتمع مدني، وإذا كان لأوروبا أن تفتخر بهويتها فإنها مدينة لمفاهيم الثورة الفرنسية لأنها أرست دعائم المجتمع المدني وجعلتها مكونات موضوعية للهوية الأوروبية، وهذا أيضا يضع حدا للجدل حول علاقة الدين بالهوية الأوروبية والإدعاء بأن المسيحية الأوروبية هي الوحيدة صاحبة العلاقة الوطيدة بكل ما تصفه بالحياة العصرية، فما تعتبره حداثيا وعصريا من أنماط حياة وفن ورياضة وموسيقى صاخبة وثقافة جنسية هو أيضا من مكونات الحياة اليومية لعدد كبير من شعوب الأرض، وحتى للمسلمين المقيمين داخل أوروبا، إذ أن الحضارة الأوروبية تعتمد على تعدد الثقافات وتنوعها داخل القارة الأوروبية نفسها والعمل على دمجها معا ضمن بيئة ثقافية تنبذ العنصرية والتمييز العرقي.
هذا يعني أن إندماج المسلمين في المجتمعات الأوروبية لا يشكل خطرا عليها، بل من شأنه أن يغني الحضارة الأوروبية، والمسلمين هم أساسا ومنذ زمن موجودون داخل أوروبا، وتأثيرهم على العادات الأوروبية كان ضئيلا جدا، حيث أنهم يحترمون القواعد والتقاليد الأوروبية، وهم كثيرا ما ينجحون في إيجاد نوع من التسويات تمكنهم من عيش حياتهم الخاصة بطابعها الإسلامي دون أن يكونوا مضطرين لتغيير معتقداتهم حتى يصبحون أوروربيين بالمعنى الكامل.
وهذا يدعونا لإعادة طرح السؤال: ما معنى أن تكون دولة أوروبية كاملة!؟ وهل محددات تعريف الهوية جغرافية أم تاريخية أم دينية أم قانونية أم ماذا ؟!!
من الواضح أن المخاوف الأوروبية كثيرة، ولكنها لا تستطيع أن تعلن رفضها لإنضمام تركيا بطريقة مباشرة أو عبر المسئولين الرسميين لاّن ذلك من شأنه أن يؤدي إلى مضاعفات سلبية خطيرة، لذلك فإنّ الاتّحاد الأوروبي قد يلجأ إلى طرق التفافية لرفض عضوية تركيا ومنها ما بات يعرف بالخطة "ب" وتقضي الخطة بمنح تركيا «مكانة مميزة» وهذا الوضع الذي هو أقل من العضوية الكاملة، سيمنح تركيا عددا من المزايا الاقتصادية الخاصة في علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، غير أن بعض، الدول الأوروبية ومنها هولندا، يصرون على أنه ليس هناك شيء اسمه الخطة "ب"، فإما أن تصبح تركيا عضوا كاملا، أو تبقى عند بوابات الاتحاد الأوروبي الى الأبد، وليس هنالك أي ضمانات بأن توافق تركيا على هذا الطرح خاصة بعد الجهود الكبيرة التي بذلتها في سبيل نيل العضوية الكاملة، وثاني هذه الاحتمالات رمي الحكومات الأوروبية وعلى رأسها فرنسا وألمانيا الكرة في ملعب شعوبها عن طريق اشتراط إجراء استفتاء شعبي لدى بعض بلدان الاتحاد الأوروبي لتحديد رأيهم في قبول أو رفض دخول تركيا، مع علمهم المسبق بأن الاستفتاء سيؤدي إلى رفض دخول تركيا الاتحاد لأسباب نفسية وتاريخية راسخة في ذهن الشعوب الأوروبية ، وبذلك ترفع المسؤولية عن الحكومات بحجّة الإرادة الحرة للشعوب الأوروبية، ولكن هنالك آخرون يأملون في أن تساعد عملية المفاوضات، التي يتوقع ان تستغرق ما لا يقل عن خمس سنوات، في تغيير الرأي العام في دول الاتحاد الأوروبي لصالح تركيا .
بعد أن وافق الاتحاد الأوروبي على منح العضوىة الكاملة لعشرة دول ضمن الدفعة الخامسة من عمليات التوسع الأوروبي، ليرتفع بذلك عدد الدول الاعضاء في الاتحاد إلى 25 دولة، والدول الجديدة هي: بولندا التشيك واستونيا وسلوفاكيا وسلوفينيا ولاتفيا وليتوانيا وهنغاريا ومالطا وقبرص، وتبقى هناك دولتان تفاوض للانضمام للاتحاد هما بلغاريا ورومانيا ، في حين تبقى تركيا على مقعد الانتظار، بات كثير من المراقبين يعتقدون أن العقبة الأساسية أمام دخول تركيا للإتحاد هي في الجانب الديني، أي بسبب هوية تركيا الإسلامية، خاصة إذا علمنا أن معظم الدول الجديدة في الاتحاد لم تنفذ كامل الشروط المطلوبة، لكن أوروبا لاتستطيع أن تجهر بهذا الأمر لأنه سيفقدها مصداقيتها ويقوض كل إدعاءاتها بالحرية والديمقراطية التي تشكل العنوان الرئيسي في الهوية والحضارة الأوروبية، بل أن هذا سيوسمها بالعنصرية، ولهذا لجأت أوروبا إلى اسلوب التعجيز، فلن تتوقف المطالبات المختلقة ووضع العراقيل حتى يتغير وجه القارة الأوروبية العجوز.

الهوامش
Kholod Baddar, Opposition to Turkey's Accession to the European Union: Reasons and Pretexts, research paper, Feb 2009. Al-Quds university, European studies program .

ناصر شروف، تركيا والاتحاد الأوروبي ـ الكبرياء التركية أهم من العضوية، موقع دويتشه فيله على النت.
معايير كوبنهاجن- مجلة المعرفة، عن الموقع الرسمي للإتحاد الأوروبي، www.marefa.org
Kholod Baddar مصدر سبق ذكره
أحمد سعيد نوفل، تركيا والاتحاد الأوروبي، جريد الغد الأردنية، 4-1-2007.
علي حسين باكير، لماذا يخاف الاتحاد الأوروبي من انضمام تركيا – مجلة العصر، 01-10-2004
Kholod Baddar مصدر سبق ذكره
Kholod Baddar مصدر سبق ذكره
علي حسين باكير، لماذا يخاف الاتحاد الأوروبي من انضمام تركيا – مجلة العصر، 01-10-2004.
أمير طاهري، تركيا والاتحاد الأوروبي: مسلسل الحواجز والتعجيز جريدة الشرق الأوسط.
علي خليل، التوسعة الخامسة للإتحاد الأوروبي، جريدة الشرق الأوسط، 30-4-2004.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار